فزعت ليان من نومها وهي تصرخ. صحي كل من بالمنزل ووصل الصوت إلى سيف وفارس في الشقة المقابلة. وسط صراخ هستيري وبكاء لا يتوقف، لم تكن هي ولا أحد يدري ما سببه. «فارس اتصرف أرجوك» قالت نجلاء بخوف. «هو حد كلمها أو زعله؟ » سأل فارس وهو يشعر أنه نسي كل ما تعلمه في الطب. «معرفش ومش عارفة» ردت نجلاء وهي تصرخ وتحاول أن تضم ليان وتهدئها، ولكن دون جدوى. «أنا سايباها كويسة، اتصرف أو شوف دكتور».
انصرف فارس سريعًا إلى شقته ليحضر شنطة أدواته، وعاد مسرعًا وهو يريد أن يعلم سبب حالة ليان المفاجئة ومنظرها الذي يدمي القلب. وجه نظره إلى سيف، فعمه سمير يقف وعيونه كلها دموع على حال ابنته الوحيدة التي تنطفئ كوردة ذابلة منذ عدة أيام. «سيف امسكها كويس» قال فارس. اتجه سيف إلى أخته وأمسكها وهي تنتفض وتبكي.
بعد أقل من ثوانٍ، خرج فارس وهو لا يعلم ماذا يقول، فحالتها تشعره أن هناك كارثة، ولكن ماهي لا يعلم. «أنا اديتها حقنة مهدئة هتنام. والصبح أنا هتكلم معاها، ياريت تسيبوها ترتاح لأن دي بداية انهيار عصبي». «بنتي بتضيع يا فارس، ليان بتضيع» قالت نجلاء وهي تبكي. نظر فارس إلى الأرض وعيونه تحبس الدموع على حالها، وعلى قلقه على فراق أخيه الذي لا يعلم أحد أنه مفقود سواه. ***
«تمامًا يا فندم» قال حسام بحزن وهلع شديد. «جاتلي أخبارية إننا لقينا حازم في مستشفى في إيطاليا». «الحمد لله. طمّنوا أهله وابعتوا التحضيرات لرجوعه» قال العميد ممدوح. «بس يا فندم... أصل... «اتكلم يا حسام، في إيه؟ «للأسف واخد رصاصة في صدره مخترقة الرئة وتقريبًا قريبة من القلب بشكل كبير وحالته خطيرة. هو متسجل هناك بدون بيانات، بس بالصدفة عرفوا إنه هو» قال حسام.
«اطلب لي فارس على التليفون» قال العميد ممدوح ونظر في ساعته. «استنى، الوقت اتأخر. ابعت له رسالة يجيلي بكرة بعد شغله». *** في الصباح، خبط فارس على باب غرفة ليان، فهو بات ليلته مع سيف ونجلاء مع ليان. فتحت نجلاء: «فارس، أنت ما نمتش؟ «لأ، بس حابب أطمئن على ليان لو تسمحي يا طنط، إنها مفروض تكون بدأت تفوق». «أعتقد إنها مصدقت إنها تنام، بقالها كام يوم مبتنمش. تعالي يا فارس».
كشف فارس على ليان، ووجه كلامه لنجلاء وهو حزين على ما يحدث. «أنا هكتب لها على مقويات وأدوية تاخدها، ويا ريت أول ما تصحى حضرتك تكلميني. يفضل متروحش الجامعة، هي محتاجة ترتاح، وأنا لما أرجع هتكلم معاها». «إيه يا فارس؟ أنت شكلك ما نمتش» قال سيف وهو يدعك في عينيه بنوم. «لأ، تمام. أنا نازل عندي محاضرات وبعدها مشوار مهم». «ما فيش أخبار عن حازم؟ » سألت نجلاء. «مهمته واضحة إنها سريعة وصعبة» رد فارس.
«فارس، أنت مخبي حاجة، أنا عارفاك يا فارس». «لأ، أبدًا. أنا بس عندي شغل». «طيب افطر الأول معايا» قال سيف. «هحضر الفطار على ما تلبس» قالت نجلاء. «حقيقي مش هقدر، أنا هاخد قهوتي في المكتب لأن متأخر» قال فارس وهرب وانصرف. *** في الجامعة، ريم تتصل بـ ليان. «أيوه يا ريما، إزيك وإزي حسين؟ » قالت نجلاء. «صباح الفل يا طنط. هي ليان مجتش الكلية ليه؟ «أصلها عيانة شوية يا حبيبتي، وفارس قال تاخد دوا وتنام». «مالها؟
بقالها فترة ساكتة ومش كويسة». «غالبًا برد يا ريم». «هخلص الكلية وأعدي أقعد معاها». «طيب يا حبيبتي، وهاتي حسين واعملوا حسابكم تتغدوا معانا النهارده». «حاضر يا حبيبتي، باي بقي عشان المحاضرة». *** خلص فارس محاضراته ووصل للإدارة. «فارس، اقعد» قال العميد ممدوح. «حازم كويس؟
طلع العميد ممدوح أوراق مطبوعة بالفاكس بحالة حازم التفصيلية، وسلمها في صمت لـ فارس. بدأ فارس يقرأ الأوراق ويتصفحها وقلبه ينقبض ويضيق. بدأ يفك رابطة عنقه وأول أزرار القميص يلتمس الهواء. نظر إلى العميد ممدوح: «أنا هحجز وأسافر له». «إحنا حاولنا ننقله هنا بس حالته خطيرة ومتتحملش» قال ممدوح.
استأذن فارس وخرج ومعه الملف وهو يتخبط، لدرجة أن حسام وأحمد مروا من جنبه وحاولوا أن يتحدثوا معه، لكنه لم يراهم، مما جعلهم يقلقون عليه، ولكنهم يقدرون كم فاجعته. *** وصل فارس المنزل وهو يحاول أن يتمالك نفسه ليمر يطمئن على ليان، ويفاجأ بوجود ريم وحسين. «أنا اتصلت بيك، موبايلك مغلق» قال حسين. «كويس إنك هنا، هطمن على ليان وعاوز... «مالك يا فارس؟ في إيه؟ » قال سيف. «ضغط شغل» رد فارس.
«فارس حبيبي» قالت ريم وتعالقت في رقبته، فلم يتمالك دموعه أن تنزل، ففرت منه واحدة شعرت بها ريم. «فارس، إيه الدموع دي؟ «وحشتيني يا شقية، والبيت فاضي من غيرك». «لأ خلاص، سيبك من حسين وأجي أقعد معاك». «كدا برضه يا ريم؟ » قال حسين ومثل أنه بيقوم ياخد مفاتيحه وموبايله وشنطة لاب. «طيب أنا ماشي بقي». «سونه، وبعدين أنا بضحك عليه، اقعد» قالت ريم بطريقة طفولية، مما جعلهم يبتسمون. «ليان، عامل إيه؟ » سأل فارس.
«تعالي، كنت قاعدة معاها يا سيدي» قالت ريم. دخل فارس ومسك إيد ليان يقيس النبض، وبدأ يتكلم معاها. «لأ، دا إحنا النهارده تمام أوي، بس قوليلي بقي مين زعلك كدا؟ «حلمت حلم مش حلو، وقلبي مقبوض على حازم. هو ما فيش أخبار عنه؟ «هو تمام، وأنا عاوز أطمئن عليكي لأني أنا كمان مسافر». «مسافر فين؟ » سألت ريم وليان. «عندي مؤتمر ومش هرجع». «لأ بقي، أنت تسافر وحازم يسافر؟ طيب مين هيقف في صفي ضد حسين؟
توجه فارس إليها بابتسامة: «حرام عليكي يا ريم، دا إنتي مجنناه ومطلعة روحه». «إيه دا؟ هو بيشتكي مني؟ طيب يا حسين، أما أوريكم». ضحك عليها فارس: «مش محتاج يشتكي والله، كفاية اللي بنشوفه بعنينا». «ريـم، ليان عاجبك كدا؟ مش تدافعي عن اختك؟ «كنت بنعلمك كاراتيه ليه؟ اضربيهم، قومي يلا! ابتسمت ليان: «أنتي أول واحدة مش هترضي، أنتي قلبك ميتحملش عليهم حاجة». «أنتي عال. يلا، هسيبك، قومي غيري هدومك واطلعي. طنط كانت هتموت عليكي».
«ميرسي يا فارس، تعبتك». «لأ، أنا عاوز تتعبيني في فرحك مش في مرض. يلا، هستأذن أنا». خرج وهو يحاول أن يتماسك، موجهًا كلامه: «أنا هروح أغير، ما تيجوا يا شباب معايا نتكلم لغاية ما طنط تاخد راحتها مع البنات شوية». *** في إيطاليا، ذهب طبيب مصري لمتابعة حازم بأمر من القنصلية. «المريض بدأ يفوق وطلب يسجل فويس» قال الطبيب. «تمام، اتفضل. دا جهاز تسجيل» قال الضابط المسؤول عن حماية حازم هناك. ودخلوا لـ حازم للاطمئنان عليه.
الطبيب يوجه له الكلام: «دا جهاز تسجيل، بس حالتك محتاجة راحة، متحاولش تجهد نفسك». «بتعب شديد، ضروري أسجل الرسالة دي لأخويا ولمراتي ولأهلي» قال حازم بتعب شديد. «محتاج ضابط على انفراد، بس أسجل الأول». «تمام، تسجل بشويش وياريت أقل من 10 دقائق» قال الدكتور. تركه وبجانبه ممرضة أجنبية لا تفهم عربي حتى يشعر بالحرية، وهي تساعده فقط حتى انتهى. طلب منها إحضار الدكتور والضابط. ودخلوا.
«معاك 5 دقائق فقط، مش أكتر. الحالة خطيرة» قال الدكتور للضابط. «أنا معايا شريحة عليها أسماء كتير من رجال الأعمال ومستندات أخدتها من القارب لما رجعت تاني وخبيتها فين؟ » سأل حازم. «لبسي؟ «متتجهدش نفسك يا حازم» قال الضابط وبدأ يفقد الوعي. «الشريحة في لبسي». «من فضلك، المريض مش هيتحمل، كفاية كدا» قال الدكتور. بدأت حالة حازم تسوء، والطبيب أعطاه حقنة تنيمه. ***
«حازم حالته خطيرة في إيطاليا، وأنا هسافر له ومش عاوز حد يعرف» قال فارس. انتفض سيف من مكانه: «إيه؟ ماله؟ عشان كدا ليان قلبها حاسس». «استنى يا سيف، ماله؟ » قال حسين. «للأسف، واخد رصاصة أصلته بالغة في الرئة وأنسجة محيطة بالقلب، غير إنه عنده شرخ في الجمجمة وارتشاح» قال فارس. «أنا هاجي معاك، مش هسيبه» قال سيف. «وليان وريم وطنط يا سيف؟ «ريم متقلقوش عليها، أنا قايلك إنها بكل شؤنها تخصني. ليان فعلاً محتاجة حد جنبها».
«ماما لو عرفت هتروح فيها، أنا عارف هي بتحب حازم إزاي». «أنا قايل لك عشان تاخد بالك منها ومن ليان، وبرضه ريم يا حسين، مهما كنت بتحتويها فهي أقرب حد لـ حازم طول عمرهم». «متقلقش عليها أبداً، اطمن. ولو احتاجت حاجة، أنا ليا أصدقاء هناك». «أنا هروح أجهز أوراقي. أنا مش هاطمن غير لما أروح بنفسي أشوفه». «ربنا معاك، متشلش هم حد هنا، أنا وسيف معاهم».
«ودا عشمي برضه. وعمي سمير مش عاوزة يعرف، الفترة الأخيرة صحته مش كويسة». وبص لـ سيف. حضنه سيف: «متقلقش يا فارس، أنا جنبهم». *** فارس تاني يوم بدأ في إجراءات سفره، وطبعًا في الإدارة بدأوا يساعدوه. ليان بدأت تتحسن شوية بمساعدة ريم وسيف. حسين بيحاول يخلي ريم متفكرش كتير. للأسف وصلنا للامتحانات ولازم يركزوا. راسيل واقفة جنب سيف وبتدعمه وبتدعم ريم وليان. فارس سافر بعد أيام. في المستشفى،
قال الدكتور: «للأسف، الحالة متتحملش». «أنا دكتور، ودا أخويا الوحيد» قال فارس. «ياريت بدون إجهاد، لأننا بنحاول إنه يفوق على مراحل عشان الألم اللي هو فيه صعب، فبياخد مسكنات ومنوم». دخل فارس وبدأ يحاول أن يتمالك أعصابه. كل الأجهزة دي متوصلة بجسم أخوه، وهو شاحب ومريض وفي عالم آخر. بدأ يقترب منه وهمس له: «فوق يا حازم، أنت قوي. ليان حاسة بكل آلامك وحاسة بيك، فوق عشان ليان منتظراك». وبدأ يمسك إيده ويقبلها ودموعه تنهمر منه.
ربت الطبيب على كتفه بهدوء وهمس له يخرج معه: «وبره كدا مش كويس، لازم نحافظ على الهدوء معاه». «معلش، أنا آسف، دا ابني» قال فارس. «أنت دكتور نفسي وعارف كويس» قال الطبيب. «أنا هتمالك نفسي خلاص، أوعدك، وهقف جنبه» قال فارس. *** مر أسبوع والتاني وفارس بجوار حازم لا يفارقه، والبنات خلصت امتحانات. ريم رجعت المركز والعيادة هي وراسيل مع حسين. ليان في تدريباتها بتحاول تنسى.
وفي صباح يوم، لاحظ فارس حركة غريبة وحاول يعرف الحرجة في غرفة حازم. وللأسف، صافرة جهاز القلب تعلن توقفه تمام. خرج الطبيب يخبر فارس الذي انهار، ودخل يقبل يد أخوه ويترجاه أن يفيق ويترجاه أن يعود ويبكي، مما أبكى الجميع. «دكتور فارس، أنت مؤمن بالله» قال الضابط وحاول إخراجه، إلا أن فارس ظل متشبتًا بيد أخيه وهو ضامه له ويبكي: «لأ يا حازم، أرجوك ارجع لي، أرجوك متسبنيش». ولكنها إرادة الله.
«دكتور فارس، من كلامه معانا له زوجة وأخت، محتاجين وقوفك جنبهم. وبعدين هو بيتعذب بقاله أكتر من 3 شهور» قال الضابط. «مش قادر أتخيل إني خسرت أخويا» قال فارس. «أخوك شهيد وبطل» قال الضابط. *** وصل الخبر للإدارة التي ارتسم الحزن على وجوههم، فهو خلص عملية من أصعب العمليات واحتفظ بمعلومات خطيرة. *** فارس أبلغ حسين وسيف وشدد أن يكون سرًا وأن يحضروا كل الإجراءات بدون علم الجميع إلا أن يعود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!