أثناء وقفتهم تلك، دلفت إليهم تبارك ووجدتهم في ذلك الوضع المخل بالنسبة لها. تنحنحت بصوت عالي، ثم نظرت لهم باشمئزاز واقتربت من المكتب ووضعت حقيبتها عليه. نظر إليها داوود، ثم ضم هلا إليه أكثر. لم يعلم لما كان يريد إثارة غيرتها. لكن وجد لا مبالاة بعينيها، جعلته أكثر غصبا. تحدثت هلا بتكبر. ـ مش في باب تخبطي عليه ولا وكاله هي من غير بواب.
ـ لأ، أنا خبطت على الباب قبل ما أدخل، بس غالباً انتوا اللي نسيتوا إنكم في مكان عمل وفاكرين نفسكم في غرفة النوم. ـ أه، قولي بقى إنك غيرانة. ـ لأ، اطمني، أنا مش غيرانة ولا حاجة. بدليل إني بتكلم عادي اهو، والموضوع كله مش فارق معايا. ـ أمال جاية ليه؟ مش أنتي إجازة برضه؟ ـ جاية وجايبة الشنطة دي، فيها حاجات تخص أستاذ داوود. مرضتش أخلّصها عندي، أصله هيحتاجها الفترة الجاية.
ثم وضعتها بجانب علبة الشكولا التي وجدتها على المكتب، وظنت أنه اشتراها من أجل هلا. أثناء وجودهم في المكتب، دلفت إليهم يارا. ابتعد داوود عن هلا، ثم التفت ليارا. ـ اتفضلي يا أستاذ داوود، البريد زي ما طلبت. جلس أيوب على المكتب وراجع البريد وابتسم، ثم أثنى على عمل لارا حتى يشعر تبارك أن العمل لا يقف عليها. ـ برافو يا لارا، بتتعلمي بسرعة. نظرت له لارا باستغراب، فليس ذلك الشخص الذي كان يتحدث معها اليوم.
نظرت تبارك للارا، ثم لداوود. ـ تعالي معايا يا لارا، عايزاكي على ما أستاذ داوود يخلص. ثم أخذت تبارك لارا وخرجت، لكن أوقفها صوت داوود الغاضب. ـ أنا مقولتش لحد فيكوا يمشي. ـ أنا كده كده إجازتي، مش محتاجة أخد إذن باااى. ثم تركتهم ورحلت، وبقيت لارا برفقة هلا وداوود. نظر داوود إلى لارا، ثم أمرها بالخروج. خرجت لارا وهي متعجبة من أمره، لكنها في أقرب فرصة ستترك ذلك المكان.
اقتربت هلا من الحقائب الموجودة على المكتب وأرادت فتحها، إلا أن يد داوود كانت أسرع. ـ سيبي الحاجة دي، مش بتاعتك. ـ مهي رجعتها. ـ هلا، أنا قلتها كلمة: أوعي تفتحي حاجة ما تخصكيش، سيبيها مكانها. ـ حاضر حاضر يا داوود. طيب، تحب أعدي عليك بكرة ونروح لمامتك ونحدد معاد فرحنا؟ ـ خليها الأسبوع الجاي يا هلا، عشان أكون عرفتها ومهدّتلها كل حاجة. ـ زي ما تحب يا حبيبي. طيب، إيه رأيك نتغدى بكرة مع بعض؟
ـ موافق، شوفي مكان حلو واحجزي، وأنا لما أخلص شغل هعدي عليكي أخدك ونروح. ـ خلاص يا حبيبي، اتفقنا. ذهبت هلا، وجلس داوود على مكتبه بشرد يفكر. لما أراد إثارة غيرة تبارك. كان يضغط على القلم الذي كان بيده بقوة، مما أدى لكسره، وهو يتذكر نظرات اللامبالاة في عيون تبارك.
فتح الحقيبة التي أحضرتها تبارك ووجد فيها الشبكة التي اشتراها لها، والطقم الذهب الذي أحضره لها خصيصاً. سرح في فص الزمرد الموجود بذلك الطقم، وتذكر سبب شرائه، وهو تشابه ذلك الفص مع عيون تبارك. أحس إنه صنع لها، لها فقط. أغلق العلبة، ثم وضعها تلك الحقيبة ووضع معها الصندوق الصغير الذي ما يحتوي على مجموعة من الشكولا، ووضعها داخل خزنة مكتبه، وتحدث في سره. من كان ملكاً لتبارك لن يأخذه غيرها.
لا يعلم لما يتملكه هذا الشعور، خمن أن سبب ذلك الشعور هو إحساسه بالذنب تجاهها. ********* خرجت تبارك من الشركة، ومشهد هلا بحضن داوود لا يفارقها. ظلت تمشي في الطرقات دون هوادة، حتى تستطيع إخراج ذلك المشهد من ذهنها، لكنها لم تستطع. جلست بمفردها في إحدى الكافيهات، تتذكر علبة الشكولا التي كانت بمكتبه، هي نفسها اللي كان يجلبها لها قديماً. إلى هذه الدرجة كانت قليلة بعينه؟ حسناً، لا أريد أن أنسى ما رأيته.
فعندما يأتيني الحنين إليه، سأتذكر خداعه ومكره، سأتذكر استغلاله لحبي له كي يعيد حبيبته السابقة. ذهبت تبارك للمنزل ووجدت والدتها قد انتهت من تحضير الحقائب. ـ كنتي فين يا تبارك؟ ـ بصي يا ماما، مش أنتي يهمك راحتي. ـ أيوه، طبعاً. ـ أنا رجعت لداوود حاجتي، مش قادرة أكمل أكتر من كده معاه. ـ بس أنتي بتحبيه.
ـ لأ، أنا اكتشفت إني كنت منبهَرَة بيه. ولما جه يتقدّم وقرّبنا من بعضنا، الإنبهار راح، وحسيت إني صعب أعيش معاه وأتقبل الحياة دي. أنا عايزة أتجوز واحد عادي زينا كده، من توب بعض، عشان أضمن إنه في المستقبل مايعايرنيش بوضعنا الاجتماعي وأنه أعلى مني. فهمتي أنا قصدي إيه؟ ـ فهمتك فهمتك يا تبارك، بس ليه حاسة إنك حزينة؟ ـ مش حزينة يا ماما خالص، يمكن بس من كتر التفكير أنتي حسيتي بكده.
ـ ممكن، عموماً إحنا هنسافر، وكويس إن السفر جه دلوقتي عشان تقدري تتناسي. بس صحيح هتشتغلي إزاي معاه؟ ـ أنا ناوية لما أرجع أتنقل قسم تاني. ـ أه صح كده، ده الأفضل عشان مايضايقكيش. ولو في أي وقت ضايقك، سيبيله الشغل وامشي. ـ أكيد طبعاً، هعمل كده، ما تقلقيش عليّا يا ست الكل. في اليوم التالي، سافرت تبارك وزهرة برفقة سالي وزوجها لزيارة أقاربهم والجلوس في منزل العائلة بضعة أيام.
في تلك الفترة، تقرّبت تبارك من أقاربها وأولاد خالتها وتعرفت عليهم، أحست بدفء شديد بينهم. وحاولت سالي بكل الطرق تشتيت انتباهها من التفكير في داوود. أحست والدة تبارك بتعب داخل صدرها، فاستدعوا الطبيب. (توفيق، طبيب في الـ٢٩ من عمره، صديق مقرب لأحد أبناء خالة تبارك) أتى الطبيب وكشف عليها وطمأنهم أن سبب ذلك التعب هو مجهود السفر. تحدثت تبارك بقلق. ـ يعني يا دكتور، اطمن، هتبقى كويسة؟
نظر لها توفيق بإعجاب، ولاحظت سالي ذلك الإعجاب، وقررت تقريبهم أكثر من بعض، لعلها تحد بتوفيق ما لم تجده بداوود. ـ ما تقلقيش، هي أصلاً كويسة، وتعبها ده بسبب المجهود، وبكرة بإذن الله همر عليها عشان أطمنكم أكتر عليها. نظرت له تبارك بامتنان. ـ شكراً أوي أوي يا دكتور، هننتظر حضرتك. مرت الأيام، واقتربت تبارك من توفيق، وقررت إعطاء نفسها فرصة، لعل وعسى تستطيع نسيان داوود.
اقترب موعد رحيل تبارك، وأبدى توفيق رغبته في الارتباط بتبارك. وافقت تبارك على طلب توفيق، وقررت إعطاء نفسها فرصة. ****** عند داوود، كان يجلس برفقة والدته وأبلغها بعودته مرة أخرى لهلا. توقع داوود ثورة والدته ورفضها، لكنها تحدثت ببرود فاجأه. ـ مبروك يا داوود، أنت أكيد كبير بالشكل الكافي اللي يخليك تعرف مصلحتك. ـ كيب، هلا هتيجي بكرة تتغدى معانا، وهتعوز تراضيكي. ـ أهلاً بيها يا بني، بكرة هيبقى بيتها طبعاً.
لحد ما أحس داوود براحة من رد فعل والدته، رغم استغرابه لذلك الرد، ولكن انتهت التمثيلية وعاد كل شيء كما أراد. لكن هل ذلك ما كان يريده حقاً؟ ********* عادت تبارك من السفر قبل موعد انتهاء إجازتها، وأبلغت والدتها تبارك أعمامها بما تم مع تبارك، وقرروا الجلوس مع توفيق وأقاربه والسؤال عنهم أولاً. أتى توفيق برفقة أهله، وقاموا بطلب يد تبارك، ووافق الجميع، وقاموا بشراء دبلة وخاتم وعمل خطوبة صغيرة قبل سفرهم لبلدهم مرة أخرى.
قامت تبارك بعد ذلك بعمل إجازة مرضية، حتى تستطيع التفرّغ لخطبتها من توفيق والتعرف عليه. *****
في الشركة، كان داوود يعد الأيام على موعد عودة تبارك للعمل مرة أخرى. وكانت الفترة التي غابت فيها تبارك تمر الأيام بها على داوود بثقل، لكن كبرياؤه منعه من الاتصال بها وأن يطلب منها قطع إجازاتها والعودة للعمل. وكان يفرّغ غضبه على موظفي جميع الأقسام، فالأخطاء التي كانت تلاحظها تبارك وتقوم بتعديلها قبل أن تصله، لم يستطع أحد غيرها عملها، فهي كانت تراجع على ملفات جميع الأقسام قبل دخولها لداوود.
أتى موعد انتهاء الإجازة، ولم تعُد تبارك للشركة. وتفاجأ داوود بعدم عودة تبارك للعمل، استعدى موظف الـH.R وأبلغه أن تبارك أخذت إجازة مرضية وأرسلت الإجازة من خلال الإيميل. أحس داوود بغضب شديد وقلق عليها. هل ما فعله معها أثر عليها؟
فهو كان ينتظرها بشوق لا يعلم سببه، وظن أن ذلك الشوق بسبب نشاطها في العمل، لأنه لم يستطع التعامل مع أحد غيرها. بالإضافة أن لا أحد آخر يستطيع سد مكانها، فغياب تبارك أثر على سير العمل بشكل عام، وعلى داوود بشكل خاص. مر أسبوع آخر، وعادت أخيراً تبارك للعمل. أحس داوود بضربات قلبه تعلو، وفتح كاميرات المراقبة، بداية من بوابة الشركة أمامه على الشاشة، حتى يستطيع رؤيتها في جميع الأماكن حتى تصل إليه.
دلفت تبارك للشركة وهي تحمل بيدها علبة كبيرة من الشكولا، وكانت توزعها على زملائها. استغرب داوود ذلك، ولكنه خمّن أنها توزع تلك الحلوى بسبب عودتها بعد غياب. دلفت أخيراً تبارك إلى المكتب، ولم ينتظر داوود دخولها إليه، بل خرج هو لاستقبالها. ـ الحمد لله على السلامة. قالها بابتسامة لم يستطع إخفاءها. تحدثت تبارك بابتسامة أحس بقلق منها، لا يعلم مصدره. ـ الله يسلمك، اتفضل. ـ شكراً، بس بمناسبة إيه دي؟
رفعت له تبارك يدها، وأراه تلك الدبلة التي تزين إصبعها. ـ خطوبتي. وقعت الشكولا من يد داوود، وتحولت جميع ملامحه إلى الغضب، واقترب منها و.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!