رفعت له تبارك يدها وأرت له تلك الدبلة التي تزين أصبعها. ـ خطوبتى. وقعت الشوكولا من يد داوود وتحولت جميع ملامحه للغضب. اقترب منها خطوة ثم عاد للخلف ونظر للأرض. التقطت الشوكولا وتحرك ببطء حتى يستطيع السيطرة على انفعالات وجهه. ثم عاد للوقوف مرة أخرى متحدثاً بلهجة خالية من أي مشاعر: ـ مبروك يا تبارك. ثم تركها وذهب لمكتبه. جلس على كرسي المكتب ووضع رأسه بين راحتي كفه.
لما هذا الغضب الذي احتله عند سماعه بارتباطها من رجل آخر؟ هل هذا ردها على ما فعله معها أم إنها وجدت العوض أم أنها تخطته وأحبت... إلى هنا وتوقف العقل عن التفكير. قام من مجلسه وظل يتحرك في المكتب ذهاباً وإياباً والأفكار تتوالى عليه. جذب أشياءه وقرر الذهاب للمنزل لعل أفكاره تهدأ. أخرج من المكتب وجد لارا تتحدث مع تبارك بخصوص خطيبها وما وصل لأذنه اسم. ـ خطيبي اسمه دكتور توفيق. نظر لها داوود متحدثاً بسخرية:
ـ خطيبك اسمه دكتور داوود؟ دكتور قلوب حضرته. نظرت له تبارك متصنعة الاندهاش فهي تعلم أن حديثه به سخرية. فردت بسخرية ممزوجة بإندهاش: ـ إيه ده؟ وحضرتك عرفت منين إنه دكتور قلب؟ أحس بنار تزداد بداخله. ثم نظر لساعته حتى لا يروا ما به من تغيير ملامح. ثم أعطاهم ظهره واستعد للرحيل متحدثاً: ـ تبارك، إحنا مكان للشغل مش حكاوي القهاوي هنا. عايزة تتكلمي عن خطيبك يبقى بره الشركة. إنما هنا شغل وبس.
وإنتي يا لارا تقدري ترجعي مكتبك تاني. شغلك هنا انتهى. ثم خرج من المكتب مسرعاً وخرج من الشركة بأكملها. ظل داوود يقود السيارة بلا هدف. يشعر بألم بداخله لا يعلم سببه. رن هاتفه برقم هلا. تجاهل اتصالها. رن أكثر من مرة برقم هلا. تجاهل رقمها ثانية ثم وضع الهاتف في وضع الطيران حتى لا تصل إليه أي مكالمات. شعرت هلا بالضيق من تجاهل داوود لها بهذا الشكل. فمنذ عودتهم لبعض وهي تراه شخص مختلف عن داوود السابق.
هم يخرجون سوياً ولكن هناك شيء مفقود. لا يتحدث فيما يخص زواجهم مرة أخرى كما كان يفعل. لا يتحدث إلا رداً على سؤال سألته هي. هل تبارك أصبحت تشغل حيز من عقله؟ ولما لا؟ فالواضح أن الفترة التي ابتعدت فيها عنه جعلت تبارك تتوغل إليه بسرعة. ولكن لا هذا لم يحدث. ستعمل على إبعادها عن الشركة وعن داوود بشكل لا عودة فيه. أما الآن عليها الذهاب للشركة للتأكد من عودة تبارك أولاً حتى تضع خطتها بشكل محكم.
في الشركة كانت تجلس لارا برفقة تبارك. وكانت تبارك تسألها عن الأعمال في غيابها حتى تستطيع استكمال الأعمال. ـ يا تبارك بصراحة الله يعينك. إنتي إزاي بتتعاملي مع البني آدم ده؟ يالهوي. الشركة كلها كرهت نفسها. وفي اللي اتطرد. وفي اللي قدم استقالته. ـ ليه كل ده؟ ـ الكل كان بيسأل عليكي بصراحة يا تبارك. إنتي شايلة حمل كبير من على الكل. الأستاذ داوود بيدقق على كل حاجة. لو كلمة اتكتبت بحرف ناقص يقلب الدنيا.
حرف الألف لو اتكتب من غير همزة يتعصب ويتخانق. مابالك بقى من الغلطات الأكبر شوية. ده طرد مدير الحسابات عشان غلط في ٥٠ جنيه في الحسابات. ـ بصي يا لارا. الأستاذ داوود عصبي. لكن لو شغله تم من غير أخطاء وقتها مش بيتعصب وبيتعامل عادي. مدير الحسابات ماينفعش يغلط. لأن النهاردة غلط في ٥٠ بكرة ٥٠٠ بعده الله أعلم. وغير كده أنا بنفسي كذا مرة حذرته من الأخطاء دي. هو بيعتمد على الموظفين اللي تحت إيده ومش بيراجع وراهم.
بيستسهل زي ما بتقولي. وكان فاكرك هتعيدي وراه زي ما كنت أنا بعمل. لكن للأسف مع أول مواجهة حقيقية اتكشف. ـ عندك حق. ـ أنا كنت براجع شغل جميع الأقسام وكنت باجي على نفسي وده غلط. لأني كنت بضغط نفسي جداً عشان الشغل يوصل للأستاذ داوود بدون مشاكل. واكتشفت إن ده غلط. عشان كده بعد كده كل واحد يركز في شغله. على الأقل يحللوا المال اللي بيقبضوه. ـ تصدقي عندك حق. بس يارب مايقولوش تبارك جت فيرجعوا زي الأول.
ـ عايزين يرجعوا هما حرين. بس وقتها هيواجهوا الأستاذ داوود مش أنا. ـ بس الأستاذ داوود بيعملك بشكل مختلف يا تبارك. جعدت تبارك بين حاجبيها وسألتها باستفسار: ـ إزاي يعني؟ ـ أولاً قبل ما تاخدي الإجازة كان بيطلع لك عربية تجيبك وتوديكِ. ومكنش عصبي زي الفترة اللي غبتي فيها. وحتى لما كلمتيه بطريقة حد غيرك كان ممكن يقتله وهو واقف. إنما إنتي تجاهلتيه ومشيتي.
ـ هو إنتي ماشوفتيش اتكلم معانا إزاي وهو بيقول هنا مكان شغل مش حكاوي القهاوي. ـ ما يمكن يقصدني أنا. ـ لأ إحنا الاتنين. وغير كده لما طلعلي العربية عشان كان شايف تعبي في الشغل وتعديلي على كل الأخطاء اللي ظهرت في غيابي كنوع من المكافأة. والعربية خلاص بطلت تطلع لي غير كده لما بنكون بره وبنمضي على ورق صفقات كنت بروح متأخر عشان المواصلات. عشان كده هو وفر لي عربية. إنما دلوقتي خلاص مبقاش ليها لازمة.
ـ بس أنا شايفه حاجة تانية. ـ شايفة إيه؟ ـ شايفة إنه معجب بيكي. ـ شكلها لسعت منك. روحي على مكتبك يا لارا عشان أنا كده اللي هقلب عليكي. ـ عندك حق. أنا هروح بقى شغلي ويا ستي ربنا يعينك. وجودي هنا أيام الله ما يرجعها. خرجت لارا وذهبت لعملها. أثناء خروجها دلفت هلا إلى المكتب. فتوقفت لارا وقامت بتحية هلا. أجابتها هلا بتكبر. فتركتها لارا ورحلت وهي تتمتم بداخلها. تجاهلت هلا تبارك ودلفت لغرفة داوود مباشرة.
وتركتها تبارك دون أن توقفها. خرجت هلا مرة أخرى من مكتب داوود وهي تتحدث مع تبارك بتعالي: ـ إنتي. ـ ..... إنتي مش بتردي ليه؟ ـ اسمها يا آنسة تبارك مش إنتي. ـ إنتي هتعلميني أتكلم إزاي؟ ـ أنا ماليش دعوة بتتكلمي إزاي ومايهمنيش أعلمك تتكلمي إزاي لأنه مش فارق معايا. أنا يهمني تكلميني باحترام زي ما أنا بكلمك. ـ أنا أتكلم براحتي وإنتي تردي على قد السؤال. داوود راح فين؟ مش في مكتبه؟ ـ معرفش. ـ إزاي ماتعرفيش؟
هو إنتي مش المسئولة عن المكتب؟ ـ ماعرفش. أنا شغلي في المكتب وماليش دعوة راح فين وجه منين. ـ إنتي بقيتي ردادة وقليلة أدب. ـ احترمي نفسك. ما سمحتلكيش. ـ مين إنتي عشان تسمحي ولا ماتسمحيش؟ إنتي مجرد موظفة صغيرة أوي في شركة خطيبي اللي قريب أوي هيبقى جوزي. يعني لما تكلميني عينك تبقى في الأرض. ـ لا عاش ولا كان ولا اتخلق اللي يخلي عيني في الأرض. ـ أنا هيبقالى تصرف تاني معاكي. وماتررجعيش تعيطي عشان ساعتها هتيجي تبوسي رجلي.
ووقتها برضه مش هسامح. تركتها هلا ورحلت دون انتظار رد من تبارك. جلست تبارك على مقعدها وشردت في الفراغ من حديث هلا. فهي تعلم هلا جيداً تنفذ دائماً ما تقول. دعت ربها بهمس أن تمر تلك الأيام على خير حتى تترك الشركة. أثناء شرودها هاتفها توفيق. أجابته تبارك فور اتصاله: ـ سلام عليكم. ـ وعليكم السلام. ـ إزيك يا تبارك عاملة إيه؟ ـ بخير يا توفيق. إنت عامل إيه؟ ـ الحمد لله. أنا هسافر النهاردة بإذن الله. ينفع أقابلك قبل ما أسافر؟
ـ بس انت عارف أنا مش بخرج و... ـ بصي يا تبارك أنا من محافظة وإنتي من محافظة. لازم كل فترة نتقابل عشان نتعرف على بعض أكتر. صمتت تبارك. فهي تعلم إنه محق لكنها قلقة بشأن خروجها بمفردها معه. لكنها قررت أن تقابله فهو خطيبها وسيصبح زوجها. عليها أن تتعرف عليه أكثر. ـ خلاص. ممكن نتقابل بعد الشغل. ـ خلاص. هعدي عليكي آخدك ونقعد في مكان نتكلم. ـ اتفقنا. قامت تبارك بالاتصال على والدتها وأبلغتها إنها ستقابل توفيق ووافقت.
ذهب داوود للجلوس بأول كافتيريا قابله قريبة من الشركة. جلس وطلب كوب من الليمون لتهدئة أعصابه. جلس يتذكر صورة تبارك أثناء دخولها للشركة وهي ممسكة بيدها علبة الشوكولا وتوزع منها على زملائها. داخل العمل مر الوقت لم يشعر به داوود من انغماسه في ذكرياته برفقة تبارك. لما غيابها أثر عليه؟ عكس هلا لم يؤثر غيابها عليه. وأثناء شروده حدث آخر شيء توقعه داوود. دخول تبارك برفقة رجل تمشي بجانبه قريبة منه.
هو يتحدث وهي تبتسم على حديثه. أصبح تركيز داوود كاملاً على حركات الشفاه الخاصة بتبارك وتوفيق حتى يستطيع معرفة ما يقولونه. نظرت تبارك اتجاهه وتفاجئت بوجوده أمامها. لكنها تجاهلته. فهي ترى أن توفيق شخص محترم يستحق الإخلاص والوفاء. لم يستطع داوود الصمت بل قام من مجلسه وذهب باتجاههم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!