كان يجلس يوسف وهو يتناول طعامه بهدوء مصطنع حينما كانت حياة تتكلم مع سليم. لكن ما إن احتضنها سليم حتى غلت الدماء في عروقه، وأمسك كأس الماء وشربه كله دفعة واحدة. أما زين، فكان يجلس بجانبه يشاهد ما يحدث ليوسف بخوف كبير، فصديقه متملك لأبعد الحدود. أما سمية، فكانت خائفة على ابنتها من ذاك الأسد الهائج الذي يستعد للانقضاض على فريسته. فنظرت لسليم تلتمس منه العون، فطمأنها بعينيه وهو يلعن ابنه في سره.
أما ليان، فكانت شاردة تمامًا. فأيقظها من شرودها صوت كسر شيء. فالتفتت، فشهقت بقوة وهي ترى حالة أخيها غير المفهومة بالنسبة لها. لم يستطع يوسف تحمل أن يحتضنها أحد غيره، فضغط بقوة على الكأس الذي بيده حتى أصبحت أشلاء بين يديه. وأصبحت عيناه حمراء اللون، وعروقه بارزة، وأصبح يتنفس من أنفه بقوة. لم يهتم بما يعصف بيده.
خرجت حياة من أحضان أخيها واستدارت لترى ما حدث، فشهقت بعنف من رؤية يده المجروحة. فتجمعت الدموع في عينيها وركضت نحوه. فكيف لها أن تتحمل إذا أصابه مكروه؟ زين بقلق: مش تنتبه يا يوسف، يدك انجرحت. حسام لسمية: روحي وجيبي علبة الإسعافات الأولية. سمية: حاضر. نظر حسام لابنه بعتاب على ما فعله، فهو يعرف أن ذاك يوسف غيور بشدة على حياته. حسام: قل لنفسك يا رحمان يا رحيم.
ركضت حياة نحوه وجلست على أقرب مقعد بالقرب منه، وأمسكت يده تحت صدمته. تألمت كثيرًا وهي تلاحظ عمق جرح يده. ونزعت شالها الذي كان يلف حول عنقها وضغط به على الجرح كي يتوقف النزيف. حياة بدموع: بيه، أنت كويس؟ ليان بخوف على أخيها الوحيد: بيه، ايدك. يوسف وهو يحاول تهدئة نفسه من أجلهما، فهما رقيقتان جدًا: أنا كويس يا حبيباتي، متقلقوش عليا، ده مجرد جرح بسيط جدًا. حياة بغضب: إيه البسيط ده؟
جرح عميق جدًا ومحتاج خياطة، وأنت مش عارف الخياطة بتوجع إزاي. ابتسم يوسف على خوفها عليه، وازدادت ابتسامته عند جملتها الأخيرة. أهذا يعني أنها لا تتحمل أن تراه يتألم؟ سليم بغيظ وغيرة: اهدي يا حبيبتي، يوسف هو اللي هيتخيط له جرحه، مش أنتِ. شعرت حياة بالإحراج. هل هي مكشوفة لهذا الحد؟ أغمض يوسف عينيه بغضب لذلك المتطفل، فهو يقسم أنه سيقتله اليوم. واستدار له ينظر له بغيظ.
أثناء ذلك، أتت سمية بعلبة الإسعاف. فأمسكت حياة يوسف من يده وسحبته معها، وهو من صدمتها شعر أنه مخدر. فتحرك معها آليًا. فتبعتها ليان. *** أما عند الباقي. زين لسليم: هو أنت علطول بتحط نقرك من نقر يوسف ليه؟ سليم بغيرة على أخته: أنت مش شايف هو عمل إيه؟ ده خلاها تجري لعنده لما لقاه بيحضني، يعني أنا أي مش هعرف أحضن أختي ولا إيه؟
زين: يوسف معملش كده عن قصد، هو مقدرش يتحكم في أعصابه، فجت في الكاس. بس أنت عارف غيرة يوسف إزاي، تقوم تحضنها قدامه، دي مراته يا سليم. سليم بغيرة: وفيها إيه لما أحضن أختي؟ أستأذن من حضرته ولا إيه؟ حسام بغضب: بس بقى أنت وهو، صدعتوني. سليم بغيظ: أنت مش شايف يا بابا عمايل ابن أخوك وصاحبه؟ حسام ببرود: زين معه حق، يبقى استلقى وعدك من يوسف. سليم بغضب من بروده: يعني إيه يا بابا؟
حسام ببرود أكبر: يعني قل لنفسك يا رحمان يا رحيم. لا يا سوسو، نشوف يوسف. ذهب زين خلفه وتركوا سليم لغيظه وغضبه من ذاك اليوسف. فصعد إلى غرفته وهو يشتم يوسف بكل اللغات. ***
أتت حياة بيوسف إلى الصالون، فأجلسته على إحدى الأرائك التي تتوسط الصالون. ووضعت علبة الإسعافات على الطاولة التي أمامها. ونزعت تلك الطرحة التي تلوثت ووضعتها هناك. وشرعت بتعقيم جرحه. لها، فكل ما تفعله محبب لقلبه جدًا. فلم يبعد نظره عنها، فكان يستمتع جدًا بما تفعله. تحت نظرات ليان المستغربة والمصدومة تراقب كل من حياة ويوسف. استغربت يوسف جدًا، فنظراته تقول إنه ينظر لحبيبته، لا لاخته.
انتهت حياة من تعقيمها لجرحها ووجهت حديثها لليان. حياة: أنا مش هعرف أكمل، كملي أنتي. ليان بانتباه: طب وريني. ده محتاج خياطة، أنتي امسكي ايده، وأنا هخيط، ماشي. حياة: حاضر، بس براحة عليه. ليان باستغراب: حاضر، ده أخويا كمان، متقلقيش مش هاذيه. احمرت حياة خجلًا، فهي الآن أصبحت مفضوحة جدًا. لكن ماذا تفعل بقلبها الذي يدق من أجله؟ لا تستطيع رؤيته يتألم. أما هو، فكان تحت تأثيرها، لا يدري عما يتكلمون من الأساس.
شرعت ليان بعملها بخوف. ليان ليوسف: معلش هتوجعك شوية. يوسف... لم يسمعها من الأساس. وما أن غرست ليان أول إبرة لها في يد يوسف، هطلت دموع حياة كالمطر على خديها. ما زادها فتنة. أمسك يوسف بيدها الأخرى وضغط عليها بقوة. أما هي، فظنت أنه يمسكها لأنه يتألم، فازدادت دموعها ويداها تضغط على يده حتى أنها كادت أن تختفي داخل يد يوسف.
ترك يوسف يدها ومسح دموعها بأناملها. ونظر إلى عينيها. وأمسك يدها من جديد. ونظرت له هي أيضًا. ففعلته البسيطة هذه فعلت بداخلها الأواويل. فتات وتاهت هي بين عينيه. فلم ينتبه أي منهم للذين أتوا وينظرون لهم بتعجب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!