تحميل رواية حياة مراهقة بقلم اسماء السرسي pdf
بقلم اسماء السرسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
والنبي يبابا جوزهولي أنا مش هقدر أعيش من غير صالح. صالح ده كل حياتي، هو حب الطفولة والإعدادي والثانوي، هو حب عمري. عمري متمنيت حد على سجادتي، لا وكان هو متحرمنيش منه. يبابا. أبوه بقسوة: دا كلام عمك زغلول يا أسماء. طلما عمك زغلول قال مش هينسبك، يبقى مش هينسبك. أسماء ببكاء مرير: يبابا عميي مش عاوزني أتجوز صالح عشان ابنه حاطط عينه عليا وعاوزني أكون ليه. أبوها ببرود: وماله ابن عمك. أسماء ببكاء: وصالح كمان ابن عمي يا يبابا، وأنا لو مش هكون لصالح مش هكون لحد غيره يا يبابا. طخخخ. قلم على وشها. أبوها بغ...
رواية حياة مراهقة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماء السرسي
خرج سليم الجندي من شقة شهد وهو حاسس براحة ما حسش بيها من زمان الهواء الصبحاني ضرب وشه وهو نازل على السلم، لكن ما كملش خطوات قليلة إلا ووشه اتقفل تاني واتلبس وش سليم المعروف في القاهرة كلها الرجل اللي اتربى في بيت رشيد الابنودي وصار الذراع اللي بت*ضرب لكل نفوذ العيلة.
ركب سيارته السودا الفارهة فارس كان مستنيه على الكرسي الأمامي أول ما شافه رجع الصوت الخشن لأوامره .
سليم: فين الولاد اللي اتجرأوا علينا في الميناء؟
فارس: اتمسكوا اتنين وباقي واحد هرب بس الناس خايفة تتكلم.
سليم بصّ قدامه بعينه الجامدة اللي ما بترمش وقال ببرود : ما فيش حد يهرب اللي يوقف في وشي لازم يعرف يعني إيه سليم الجندي أنا مش بلعب.
وصلوا لمخزن قديم في أطراف القاهرة أول ما نزل، الناس اتفرقت من قدامه رجاله كانوا عاملين صف على الجنبين كلهم يعرفوا إن ده الوجه التاني لسليم الوجه اللي ما يعرفش رح*مة ولا تفاهم.
دخل المكتب الضخم اللي فيه شاشة كبيرة وخرائط للموانئ وخطوط التهريب جلس على الكرسي الجلدي، مسك سي*جارته وولعها وهو بيقول لفارس: اللي يخ*وننا يت*قطع من جذوره أنت عارف أنا ما بسيبش دَ*مّ على الأرض.
كانت النبرة مختلفة تمامًا عن اللي سمعها فارس من ساعة وهو فوق بيح*ضن أخته التناقض ده هو سر سليم في البيت أخ وأب حنون، وفي الشغل رجل ما يعرفش إلا القوة والهيبة.
فارس هز راسه وقال:فاكر لما كنت دايمًا تقول لي مش هتسيب الشغل ده يا سليم إلا لما تحط كل الناس تح*ت رجلك؟
سليم نفخ دخان سي*جارته وقال بهدوء: وأنا لسه عند كلامي.
كانت الشمس لسه طالعة، والشارع في وسط القاهرة مزدحم بالعربيات والناس سليم كان نازل من العربية الفارهة بتاعته قدام ورشة صغيرة في الحارة اللي اتربّى فيها.
لمّا شاف أبو ياسين الراجل العجوز اللي كان بيقف على باب الورشة قام على طول ابتسم ونزل له:إزيك يا عمّ ياسين؟ أخبار صحتك إيه؟
الراجل ابتسم وقال:الحمد لله يا بني الدنيا صعبة بس ربنا كبير.
مد سليم إيده بحنو، حط في يد الراجل ظرف مقفول:دي بس عشان ما تشيلش هم العلاج أنا جيت أطمّن عليك، وعايزك تخلّي بالك من نفسك.
الراجل بكى من الفرحة وقال له: ربنا يعزك يا سليم أنت ابن أصل.
سليم ابتسم وربّت على كتف الراجل، وساب له رقمه علشان يكلمه لو احتاج أي حاجة.
بعد ساعات، كان سليم في مكتبه الكبير في الشركة قاعد على مكتبه وبصّته حادة قدامه كان واقف شاب لابس بدلة شيك بس باين عليه متوتر.
سليم بصّ له بنظرة باردة:أنا عرفت كل حاجة عن الصفقة اللي حاولت تاخدها من ورا ضهري.
الشاب اتلعثم: يا أستاذ سليم أنا أنا ما قصدتش.
سليم قطعه بصوت منخفض لكن حاد:أنا بحب الناس اللي بتشتغل معايا بضمير، لكن الخ*يانة عندي ليها تمن الصفقة اتسحبت منك رسميًا، والتعاقد اللي بينا انتهى حالًا اعتبر نفسك من اللحظة دي برّه شركتي وبرّه السوق اللي أنا فيه.
الشاب حاول يتكلم لكن سليم رفع إيده بإشارة إنه يخرج فورًا.
الجو بقى بارد، صمت ثقيل سيطر على المكان الموظفين اللي برا المكتب بصّوا لبعض بخوف، الكل عارف إن سليم لو حبّ يكون لطيف بيبقى ملاك، لكن لو غض*ب بيتحوّل لحد تاني.
في بيت العائلة الكبير كان فيه عزومة بمناسبة نجاح ابن بنت خالته الصغير القاعة مليانة ناس وأصوات ضحك وأطفال بيلعبوا.
سليم واقف وسطهم، لابس بدلة بسيطة بس أنيقة، مبتسم وبيصافح الكل.
أول ما دخلت خالته العجوز اللي مش قادرة تمشي كويس، راح لها على طول، مسك إيدها بحنان:حمد الله على السلامة يا خالتي، اتفضلي هنا، الكرسي ده ليكي.
جابلها طبق من الأكل بنفسه وقال:إحنا من غيرك ما نسواش، ربنا يديكي الصحة.
الست بكت وقالت:ربنا يخليك يا سليم، إنت دايمًا ابن حلال.
بعد شوية، وسط الضحك والجو العائلي، شاف سليم شاب غريب بيقرب من ابنة خاله وهو بيحاول يصورها من غير ما تاخد بالها.
ابتسامته اختفت فجأة.
خطا خطوات سريعة، وصل للشاب قبل ما حد يلحظ، مسك إيده بقوة لكن بصوت هادي:إحنا في بيت عيلة محترمة إنت مين وبتعمل إيه؟
الشاب حاول يتهرّب: ده بس صورة عادية.
سليم شد على إيده أكتر ونظرته بقت باردة:اطلع الصور اللي على موبايلك حالًا، وإلا أتعامل معاك بطريقة تانية.
الشاب ارتبك ومسح الصور بسرعة.
سليم مسكه من كتفه ووجّهه ناحية الباب:أنت مش ضيف عندنا بعد اللي عملته امشي دلوقتي.
الكل سكت من المفاجأة، الجو اللي كان مليان ضحك بقى هدوء متوتر، والناس بصّت لسليم بخ*وف واحترام في نفس الوقت.
رجع سليم بعد ما خرج الشاب، ابتسم تاني لأهله كأن مفيش حاجة حصلت، وبصّ لابنة خاله:متخافيش يا ريم أنا معاكِ.
مرت شهور بعد الحادث اللي وقعت فيه كريمة على السلم وأجهضت البيت بقى ساكت لفترة طويلة، لكن رويدًا رويدًا بدأ يحصل تغيير في القلوب.
حسام، ابنها الكبير، اللي كان مت*مرد واندفاعي، بقى يدخل عليها المطبخ يساعدها من غير ما تقول.
ماما سيبِي الطبق ده أنا اللي هغسله.
تنظر له كريمة بهدوء، عينيها فيها دمعة لكنها تكتمها:خلاص يا حسام أنا قادرة.
لا يا ماما، سيبِيلي أنا كفاية اللي عملته فيكي.
آسر يقف بجوارها يضحك وهو ماسك الكوب:يا ماما أنا بقولك إيه بقى عندك اتنين بيخدموكي.
كريمة تبتسم ابتسامة صغيرة:ربنا يصلح حالكم يا ولادي.
أما محروس، الزوج اللي طول عمره بارد وبخ*يل، بقى يظهر من حين للتاني وهو جايب حاجة بسيطة كيس فاكهة، شوكولاتة، حتى لو حاجة رخيصة.
يدخل البيت يقول لها بصوت متردد:كريمة أنا جبتلك حاجات كنتي محتاجاها.
تنظر له كريمة بثبات، تمسك الكيس وتقول:شكرًا.
ما بقتش تت*خانق ولا تلومه، لكن في نفس الوقت ما نسيتش اللي حصل تعاملاته بقت أهدى شوية، وهي تحاول تفضل متماسكة، تحافظ على وقارها.
في يوم جمعة، وهي بتحضر الغدا، دخل حسام وآسر عليها ومعاهم وردة صغيرة.
حسام قال:دي ليكي يا ماما مننا احنا الاتنين.
الدموع نزلت على خدها من غير ما تحس حضنت الاتنين، قلبها بينبض فرح وخوف في نفس اللحظة.
هي عارفة إن الج*رح اللي حصل جواها مش سهل يطيب، لكن على الأقل بقى فيه بصيص دفء بيرجع للبيت.
ليل هادي في الحارة محروس راجع من الشغل متأخر، شايل همومه على كتفه بيفتح باب الشقة التانية اللي مأجرها لمراته التانية، يلاقي الباب موارب وصوت ضحك جاي من جوه يوقف مكانه لحظة، قلبه يدق بسرعة، يمد إيده يفتح الباب أكتر.
يلمح منظر ما كانش يتوقعه أبدًا الخ*يانة قدامه واضحة، من غير حتى كلام.
يسيب المكان وهو مش قادر يتنفس، يركب عربيته ويمشي في الشوارع من غير ما يعرف رايح فين دموعه نازلة من غير ما يحس، كل الكلام اللي كان بيقوله لكريمة زمان بيلف في دماغه.
يرجع البيت عند كريمة من غير ما يدري بنفسه، يلاقيها قاعدة في الصالة مع ولادها، آسر وحسام ومنى هي وقورة زي ما هي، ملامحها فيها تع*ب لكن فيها هدوء.
يقول لها بصوت مك*سور لأول مرة:كريمة أنا أنا غلطت فيكي كتير.
ترفع عينيها عليه بهدوء:إيه يا محروس؟ مالك؟
ما تسألينيش بس أنا كنت أع*مى، كنت فاكر إني بعيش صح بس طلعت خاس*ر كل حاجة.
الولاد ينظروا لبعض في صمت كريمة تقف ببطء وتقول له:لو عايز تراجع نفسك، راجعها بعيد عني وعن ولادي.
محروس يهز راسه:أنا هراجع نفسي، وهعوضكم إنتي والولاد بس اديني فرصة.
بعد أيام قليلة بدأ يظهر التغيير بقى يقعد مع آسر وحسام ومنى،يحكي معاهم، يسيب فلوس للبيت، يروح السوبرماركت بنفسه يجيب الطلبات يقف مع كريمة في المطبخ، حتى لو بس واقف ساكت، كأنه بيقول لها: أنا هنا.
كريمة من جوه قلبها لسه مج*روحة، ولسه مش مستعدة تسامح بسهولة، لكنها حست لأول مرة من سنين إنه بيحاول فعلاً، مش بس كلام.
الشمس كانت لسه طالعة في وسط القاهرة، الشارع زحمة بس سلسبيل كانت ماشية بسرعة وهي ماسكة شنطتها الصغيرة لابسة يونيفورم بسيط لونه أبيض مع مريلة سودة قلبها يدق بسرعة من التوتر، ده أول يوم شغل ليها بعد كل اللي حصل.
الكوفي شوب اللي هتشتغل فيه في وسط البلد، شكله شيك بس مش غالي فيه ناس داخلة طالعة، روائح القهوة والمخبوزات مليّا المكان.
المدير نادى عليها:يا سلسبيل تعالى يا بنتي ده مكانك، هتستلمي الترابيزة دي والترابيزة دي.
حاضر يا أستاذ قالتها بصوت واطي.
بدأت تمسح الطاولات وتاخد الطلبات رغم التع*ب اللي في عينيها، كانت بتحاول تبتسم للزبائن أول ما سمعت كلمة شكرًا من واحدة قاعدة على الطاولة، حسّت بحاجة صغيرة بتحييها من جوه، كأنها بتثبت لنفسها إنها قادرة تقف على رجليها من تاني.
في البريك، قعدت على الكرسي جوه المطبخ الصغير تشرب شاي سمعت زميلتها تقول لها:واضح إنك شاطرة يا سلسبيل دي أول مرة تشتغلي نادلة؟
أيوه بس لازم أتعلم بسرعة.
ولا يهمك، هتمشي زي الفل.
خرجت بعد البريك، لقت زحمة أكتر صوت الماكينة، ضحك الناس، كأن الحياة كلها ماشية من حواليها وهي بتحاول تمشي معاها.
ولأول مرة من مدة طويلة، وهي ماشية بين الطاولات، حسّت إنها بتعمل حاجة لنفسها، مش بس هاربة من اللي حصل حتى لو الشغل بسيط، حتى لو الأجر قليل، بس فيه إحساس بالكرامة والاستقلالية.
الكوفي شوب كان زحمة بعد الظهر، سلسبيل لابسة اليونيفورم وتمشي بين الترابيزات بسرعة وهي شايلة صينية عليها طلبات فجأة وهي ماشية عند الباب حسّت بإيد تمسكها من وراها بطريقة متح*رشة اتسمرت في مكانها، قلبها وق*ع من الخضة.
الزبون، شاب لع*وب، قال بنبرة مستفزة:يا قمر ماشيين علينا كده من غير ما تدينا ابتسامة؟!
حاولت تشيل إيده من عليها:سيبني حالاً!
لكن هو قرب منها تاني وضحك ضحكة وح*شة.
في اللحظة دي الباب اتفتح بع*نف سليم كان واقف برا، لابس بدلة غامقة ونظارة شمس، كان جاي يقابل حد عينه وقعت على المشهد كل حاجة اتغيرت في ثواني؛ ملامحه اللي كانت هادية اتحولت لصقر جايب صيد.
مش سمع غير أنفاسه وهو بيه*جم على الشاب م*سكه من ياقة قميصه وشده لحد الحيطة صوته خرج زي الرعد:إيدك دي تت*قطع قبل ما تمدها على واحدة تاني! فاهم!
الناس اللي في الكوفي وقفوا مذهولين الشاب حاول يتكلم بس سليم زقه بقوة وقع على الأرض.
سلسبيل كانت واقفة مرع*وبة، إيديها بترتعش صاحبتها اللي في الكوفي، لبنى، جريت عليها تمسكها:اهدَي يا سلسبيل خلاص، هو مش هيتعرضلك تاني.
سلسبيل دموعها نزلت من الخضة، مافيش صوت بيطلع من حلقها.
سليم رجع يبص عليها، عينه فيها ن*ار بس صوته بقى واطي وهو بيقول للبنت اللي معاها:سيبيها لي.
قبل ما حد يلحق يفكر، سليم مد إيده شال سلسبيل من وسط الناس، حطاها في حض*نه كأنه شايل طفلة وخرج بيها من الكوفي أصوات الناس وراهم اتلخبطت ما بين شهقات وتعليقات، لكن سليم ما بصلش لحد.
الهواء برا كان سخن، بس هي حسّت ببرودة في جسمها كله كانت من*هارة بين إيديه، مش قادرة تتحرك كل اللي سمعته دقات قلبها ودقات خطواته السريعة لحد ما وصل للعربية السودا الفارهة وفتح الباب الخلفي بلطف وحطها جوه.
هو دخل من الناحية التانية وقفل الباب العربية اتحركت وهي لسه ماسكة نفسها بالعافية، ولبنى وقفت قدام باب الكوفي مش فاهمة اللي حصل غير إن سلسبيل اختفت في لحظة.
كانت العربية ماشية بهدوء وسط زحمة الشارع، أضواء المحلات والشوارع تعدي زي الشريط قدام عين سلسبيل جسْمها كله بي*رتعش ولسانها عاجز عن النطق، دموعها لسه على خدودها سليم قاعد جنبها، جسمه الضخم واخد مساحة كبيرة في الكرسي، لابس بدلة غامقة وريحتها غالية.
مد إيده بهدوء من غير ما يتكلم، سح*بها شوية ناحيته لحد ما رأسها استقرت على صدره قلبه بيدق جامد بس ملامحه ما بتتحركش لأول مرة من مدة طويلة، كانت فيه حاجة في عينيه غير الق*سوة اللي الناس عارفينها عنه.
هي ما سألتش هو مين ولا ليه بيعمل كده، بس كل اللي حسّت بيه إنه المكان ده رغم غُربته مأمون ريحته، صوته وهو بيقول كلمة هادية:اهدي يا سلسبيل خلاص أنا معاكي.
خلت دمعها يزيد بس جسمها يهدا شوية شوية.
أصابعها كانت ماسكة في جاكيت البدلة من غير ما تحس عينيها بقت تقفل وتفتح، الرع*ب والإرهاق عملوا في جسمها اللي عملوه سليم فضل ساكت، بيمسح بإيده على شعرها بحركة بسيطة جداً كأنه بيهدي طفل.
الدنيا برا كانت دوشة، بس جوه العربية فيه هدوء غريب. ومع آخر نفس مرتعش خرج من صدرها، سلسبيل نامت فعلاً وهي متشبثة فيه، كأن جسمها سلّم نفسه للنوم والأمان اللي حسّت بيه للحظة.
سليم بصلها بنظرة طويلة، على وشه ابتسامة صغيرة مش معتادة عليه، حاجة بين الشفقة والغض*ب حط إيده على الباب وهو بيوجه السواق:على القصر.
والعربية كملت طريقها وسط القاهرة، وهي نايمة على صدره مش حاسة باللي حواليها ولا حتى بالمكان اللي هيوصلها ليه.
رواية حياة مراهقة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماء السرسي
فتحت عينيها على صوت ناعم حوالين أذنيها، كان صوت المكيف، ونور خافت جاي من شمعدان ذهبي على الحيطة سلسبيل بصت حواليها بخ*وف سرير واسع، ملايات بيضا ناعمة، ستاير تقيلة لونها رمادي غامق، وريحه خفيفة شبه العود ماليه المكان.
قعدت بسرعة، قلبها بيدق كأنها كانت بتحلم حلم مش مفهوم.
أنا فين؟!
الكلمة خرجت منها بصوت واطي، أقرب للهمس.
افتكرت كل حاجة في لحظة الشاب اللي ضايقها في الكوفي، الراجل اللي أنقذها، حض*نه اللي حست فيه بالأمان، والسواد اللي بعدها معرفتش منه حاجة.
قامت بخطوات بطيئة ناحية الشباك، الستارة تقيلة، بس لما فتحتها شافت منظر غريب حديقة ضخمة، نافورة بتجري، وقصر فعلاً، مش بيت عادي.
في اللحظة دي الباب اتفتح بهدوء. دخلت ست كبيرة شيك، لابسة طقم رمادي ومشيتها واثقة مساء الخير يا آنسة، حضرتك فوقتي أخيرًا؟
أنا أنا فين؟! أنا جيت هنا إزاي؟!
الست ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت:حضرتك كنتي تعبانة، الباشا جابك بنفسه، وقال محدش يضايقك ولا يسألك سؤال لحد ما تفوقي.
سلسبيل اتج*مدت مكانها:الباشا؟!
أيوه يا بنتي الأستاذ سليم الجندي.
الاسم وقع في ودانها غريب، كانت سمعته قبل كده من الناس في الحي، بس عمرها ما شافته فعلاً سكتت شوية، إيديها بتترعش وهي تحاول تفتكر ملامحه في العربية.
الست قالت بهدوء:الباشا قال أول ما تصحي تفضلي ترتاحي، الأكل جاهز لو عاوزة، بس ما تحاوليش تمشي دلوقتي الدنيا بالليل، وبكرة الصبح كل حاجة تتوضح.
خرجت الست وسابت باب الأوضة يتقفل بهدوء، وسلسبيل وقفت في نص المكان مش عارفة تعمل إيه كانت خاي*فة، بس جواها إحساس غريب بالأمان نفس الإحساس اللي حست بيه لما نامت في حض*نه.
نظرت حوالين الاوضة، وكل حاجة فيها كانت بتقول إنها في عالم تاني غير عالمها البسيط، عالم راجل مهيب اسمه سليم الجندي.
واللي جواها كان بين خ*وف فضيع وفضول بيكبر كل دقيقة.
أيهم الراوي لم يكن مجرد ذراع سليم الأيسر، بل كان ظله الذي لا يفارقه، الرجل الذي يزن الأمور بعقلٍ راجح، ويكبح جماح ق*سوة سليم حين يشتعل غضبًا.
رجل في الثلاثينات، قوي البنية، حادّ الملامح، صموت، قليل الكلام، لكنه حين يتكلم تُصغى إليه العقول في عينيه نورٌ يشي بخشية الله، وفي صوته هدوء يُخفي خلفه صلابة من فولاذ.
لم يكن أيهم يختلط بالنساء، ولا يرفع بصره لغير عمله، حتى العاملات في مكاتبهم كنّ يقلن عنه إنه صخرة بملامح إنسان.
لكنه حين رأى سلسبيل للمرة الأولى، وهي تبكي في حض*ن سليم، شعر بشيء غريب يجذبه نحوها. لم يكن حبًا أو إعجابًا، بل شفقة نقية، وخوف على فتاة ضع*يفة وجدها القدر في طريق رجال لا يعرفون الرح*مة.
سليم أمره أن يعود بها للمنزل الآمن، ففعل دون اعتراض، لكن في طريق العودة، حين كانت سلسبيل غارقة في النوم، كان أيهم يسترجع الموقف في ذهنه، وصدره يضيق.
كان يقول في نفسه:من اللي يرضى على أخته يحصل فيها كده؟! الدنيا بقت ج*حيم.
حين استيقظت سلسبيل لاحقًا، رأت وجهًا مهيبًا، لكن مطمئنًا سألته بخوف:إنت مين؟
فقال بهدوء:واحد ربنا بعته في طريقك، خدي بالك من نفسك يا بنت الناس.
منذ ذلك اليوم، بدأت سلسبيل تشعر أن هناك من يراقبها من بعيد، لا لي*ؤذيها، بل ليحرسها.
أيهم ظل في الظل، لا يتكلم، لكنه كان يُرسل من يساعدها دون أن تدري، يطمئن على أحوالها، ويدعو لها في سجوده كل ليلة.
أما سليم، فكان يثق في أيهم ثقة ع*مياء كان يقول دائمًا:لو قلت لأيهم أمشي في ال*نار، هيمشي من غير ما يسألني ليه.
لكن مع الوقت، سيبدأ سليم يلاحظ أن صديقه الصموت بدأ يتغير.
صار أكثر حنانًا، أكثر حذرًا في تنفيذ الأوامر التي فيها أذ*ى للناس، وصار يسأله أحيانًا:يا سليم هو كل الناس تستحق الع*قاب؟ ولا في ناس ضاعت من غير ذ*نب؟
مرت أيام بعد حادثة المطعم، وسلسبيل لم تكن تعلم من هو ذلك الرجل الذي أنقذها كانت تظن أن الأمر انتهى، لكن القدر لم يكن قد قال كلمته بعد.
في أحد الأيام، دخل رجل طويل القامة إلى المقهى الذي تعمل فيه، ملامحه هادئة، يرتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهه نور الإيمان.
لم تكن تعرف أنه أيهم الراوي جاء يبحث عن أحد العمال في مهمة لسليم، لكنه ما إن رأى سلسبيل حتى تجمّد للحظة، ثم خفف صوته وقال:السلام عليكم، يا أختي استأذنك في كوب شاي من غير سكر.
نظرت له بتردد، لكن حين ابتسم بخفة، شعرت بشيء مطمئن يلفها.
منذ ذلك اليوم، صار يمرّ أحيانًا، يجلس بهدوء، ويتركها في حالها لا يطيل النظر، ولا يفتح حديثًا غير ضروري، لكن وجوده صار يبعث في قلبها راحة غريبة.
في نفس الوقت، كان سليم يغرق أكثر في ظ*لمة السلطة والان*تقام.
يردّ بع*نف على من يعارضه، ويبرر قس*وته بأنها عدالة على طريقته.
عندها كان يظهر صوت أيهم، هادئًا، حازمًا:يا سليم، خلي بالك ربنا قال ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا مش كل اللي يقف ضدك عدو.
سليم كان يتنهد ويقول له:انت دايمًا شايف الخير في الناس يا أيهم، بس الدنيا دي ما فيها خير.
فيرد أيهم وهو يطرق رأسه:فيها يا سليم، بس إحنا اللي بطّلنا ندور عليه.
ومع الوقت، بدأ سليم يسمع له أكثر، ربما لأن كلماته كانت صادقة تخرج من قلب عامر بالإيمان.
كان أيهم يصلي في المكتب، يقرأ القرآن في استراحة العمل، ولا يترك وردًا من الأذكار حتى في أصعب اللحظات.
حتى سليم كان يعلّق ساخرًا:انت بتصلي أكتر من الشيخ اللي في الجامع.
فيرد بابتسامة خفيفة:يمكن عشان ذن*وبي أكتر منه.
أما سلسبيل، فقد صارت تراه أحيانًا من بعيد، وبدأت تشعر بالفضول نحوه.
وفي مرة، سقطت وهي تحمل صينية، فأسرع نحوها يساعدها دون أن يلمسها، فقط يرفع الصينية ويميل برأسه قائلًا:خلي بالك من نفسك يا بنت الناس الشغل رزق، بس الكرامة أهم.
لم تنم تلك الليلة لم تكن تعلم لماذا تذكّرت كلماته مرارًا، أو لماذا دعت له في صلاتها.
ومع مرور الأيام، ستعرف أن هذا الرجل ليس كغيره، وأنه رغم شدته الظاهرة، يحمل قلبًا طاهرًا يخاف الله أكثر مما يخاف البشر.
وسيعرف هو أيضًا أن وجودها في حياته ليس صدفة بل اب*تلاء جميل يختبر فيه رباطة إيمانه وثباته أمام قلب بدأ يتحرك دون إذن.
منذ ح*ادثة المطعم، تغيّر شيء خفي في سليم.
لم يعد ينام بسلام، ملامح سلسبيل التي رآها خائ*فة وض*عيفة أمام عينيه تطارده كأنها نداء لم يسمعه أحد سواه.
كان يبرر لنفسه أنه فقط يريد حمايتها، لكنه في أعماقه كان يريد امتلاكها.
وفي أحد الأيام، وبينما كان أيهم يقف أمام مكتبه يناقشه في أمر العمل، قال سليم بنبرة غير معتادة:أنا عايز أتجوز يا أيهم.
رفع أيهم حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً:خير يا سليم، خطوة كويسة والله البنت مين؟
أجابه سليم ببرود يخفي اضطرابه:سلسبيل.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة كأن الزمن توقف.
أيهم لم يتوقع أن يسمع اسمها منه، وبدا عليه التردد قبل أن يقول بحذر:بس يا سليم البنت دي مش من عالمنا، ولا تستحق تدخل في حياتك المليانة د*م وص*راع.
لكن سليم ض*رب الطاولة بيده بقوة وقال بعينين تشتعلان:أنا ما بسألش، أنا قررت!
في اليوم التالي، ظهر أمام سلسبيل ومعه رجاله، لكن الموقف كان مختلفًا عن المرات السابقة.
وقف أمامها وقال بصرامة:أنا جيت أطلبك رسمي وافقي.
ارتجفت شفتاها وهي تهمس بخ*وف:بس أنا أنا ما ينفعش مش موافقة.
اقترب خطوة، نظراته ح*ادة لكنها لا تخلو من أل*م:موافقتك أو لا، أنا هخطبك لأنك مش هتكوني لحد غيري.
تركت المكان باكية، وصديقتها تحاول تهدئتها، بينما سليم غادر بخطوات غاض*بة لا يعرف إن كان يحاول يهرب من شعوره أم يثبت لنفسه أنه ما زال يملك السيطرة.
وفي اليوم التالي، كان أيهم واقفًا عند المسجد القريب من الشركة بعد صلاة العشاء، حين جاءه سليم بصوت منخفض:خطبنا خلاص ومش ناوي أسيبها.
أيهم تنهد، نظر له بعمق وقال بهدوء م*ؤلم:سليم، خاف ربنا في البنت دي الجواز مش فرض سيطرة ولا امتلاك، ده ميثاق غليظ قدام ربك.
أنا بحبها يا أيهم!
الحب مش مبرر للظ*لم الحب اللي يخلي البنت تبكي خ*وف، ده مش حب، ده وج*ع.
صمت سليم لحظة، ثم قال بنبرة خافتة:أنا يمكن مش عارف أحب بالطريقة الصح، بس مش هقدر أسيبها.
أيهم وضع يده على كتفه قائلاً:يبقى صلي ركعتين استخارة يمكن تعرف إذا كان الطريق ده هداك ولا ه*لاكك.
وفي مكان آخر، كانت سلسبيل جالسة في غرفتها الصغيرة، تنظر إلى صورتها في المرآة بعينين دامعتين، تهمس لنفسها:ليه يا رب؟ هو ليه مش بيفهم إني مش عايزة أعيش بخ*وف؟
أغمضت عينيها، ورفعت يديها بالدعاء، بينما بعيدًا عنها كان سليم ينظر إلى السماء من شرفته، لأول مرة يشعر أن قلبه ليس ملكه وأن كل ق*وته لا تساوي شيئًا أمام دمعة منها.
كانت قاعة الخطوبة صغيرة لكنها دافئة، امتلأت بأصوات الضحكات والموسيقى الخفيفة.
جلست سلسبيل بثوب وردي ناعم يليق ببراءتها، تتجنب النظر إلى سليم الذي كان يراقبها في صمت، نظراته تائهة بين الفرح والس*يطرة، وبين رغب*ة لم يفهمها هو نفسه.
في تلك اللحظة دخل خالها أدهم الرجل الذي كانت تحبه منذ طفولتها وتعتبره أباها الثاني.
كان حضوره كنسمة هواء خفيفة وسط التوتر، اقترب منها وربت على كتفها ضاحكًا:إيه الجمال دا يا سلسبيل؟ ما شاء الله عليكي، سليم هيخاف يسيبك لوحدك دقيقة!
ضحكت سلسبيل بخجل، وردت عليه:خالّي بس كفاية هزار، الناس بتسمع.
أجابها بخفة د*م:أسيبك لمين؟ دا أنا أخ*اف عليكي أكتر من نفسك يا بنتي!
كانت تضحك من قلبها، لأول مرة منذ فترة طويلة، لكن سليم كان يراقب المشهد بملامح جامدة.
كل ضحكة من فمها كانت كأنها س*كين تغرس في غيرته، وكل نظرة ودّ بينها وبين خالها كانت تزيد من اضطرابه.
جلس بجانبها بصمت، يكتفي بالنظر إليهما، بينما أدهم لا يتوقف عن المزاح وكأنه يستمتع بإغاظة سليم عمدًا.
ثم التفت أدهم له قائلاً بابتسامة خب*يثة:عامل إيه يا عريس؟ شكلك متوتر كأنك داخل م*عركة مش خطوبة!
رد سليم ببرود:يمكن الاتنين واحد يا غلس.
ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت سلسبيل ضاحكة من ردّه الغامض، بينما أدهم أومأ برأسه وقال مازحًا:واضح إنك عنيد زي أبوك بس خليك حنين على البنت دي، دي غالية علينا كلنا.
وفي زاوية أخرى من القاعة، كانت زوجة أدهم تجلس متعبة على الأريكة، تمسك بطنها المنتفخ بتعب واضح.
حاولت سلسبيل النهوض لتساعدها لكنها أشارت بيدها قائلة بنبرة ضيق:اقعدي انتي يا سلسبيل، أنا تمام بس الإزعاج كتير، والمزاح مالي المكان.
كانت تشعر بالضيق من ضحكات أدهم وصوت سليم المنخفض، ربما بسبب الحمل أو الغيرة الخفية من اهتمام الجميع بالعروس الصغيرة.
اقترب منها سليم قليلًا وهمس لها بصوت خافت لا يسمعه أحد:مبسوطة كده؟ كل الضحك دا علشان خالك؟
نظرت له ببراءة مستغربة نبرته، وقالت بهدوء:هو خالي يا سليم، وأنا مبسوطة علشانه هنا.
شد أنفاسه ببطء محاولًا كبح غض*به، ثم ابتسم نصف ابتسامة وقال:ماشي يا سلسبيل بس ما تضحكيش كتير قدام الناس.
قالها ثم نهض متجهًا نحو أيهم، الذي كان يراقب كل شيء بصمت.
ابتسم أيهم وقال بهدوء:الغيرة مش حلوة يا سليم، خصوصًا في ليلة زي دي.
رد سليم دون أن ينظر له:أنا مش بغير، بس مش بحب حد يقرب منها.
أيهم تنهد، نظر إليه وقال بصدق:يا أخي سيبها تضحك، يمكن دي أول مرة تفرح من شهور خاف على قلبها مش عليها.
رواية حياة مراهقة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماء السرسي
مرت أيام قليلة بعد الخطوبة، والبيت كان مليان حركة وتهاني من القرايب والجيران، لكن سلسبيل رغم كل ده كانت حاسة بحاجة غريبة جواها مش عارفة تفرّق هي راحة ولا خوف.
كانت قاعدة في شرفة بيتهم، نسمة الليل بتداعب شعرها الطويل، وكل تفكيرها في اللي حصل، في سليم الجندي، الرجل اللي دخل حياتها فجأة وسيطر عليها من غير ما تقول كلمة واحدة.
دخل أبوها بهدوء، قال بابتسامة باهتة:مالك يا بنتي؟ سرحانة كده ليه؟ المفروض تبقي مبسوطة دا سليم راجل كويس.
ابتسمت سلسبيل بخفة وقالت:يمكن يا بابا، بس بحس إن في حاجات مستخبيّة مش بفهمه.
هزّ الأب راسه وقال:هو فعلاً غامض، بس خالك أدهم بيقول إنه راجل أمين.
ثم غادر الغرفة، وسابها مع أفكارها.
في الليلة دي، رن تليفونها، رقم غريب.
ترددت قبل ما تفتح الخط، ولما قالت ألو، سمعت صوته العميق المميز:بتفكّري في إيه يا سلسبيل؟
صوت سليم.
ارتبكت وقالت:إنت بتكلّمني منين؟! جبت رقمي إزاي؟
رد بهدوء فيه لمحة سخ*رية:مش مهم إزاي المهم إني عارف إنك مش بتنامي من كتر التفكير.
حاولت ترد عليه بحدة لكنها فشلت، كانت نبضاتها سريعة جدًا.
قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها:أنا مش مضايقة حد، سيبني في حالي يا سليم.
ضحك بخفوت وقال:أنا اللي مضايَق من بعد الخطوبة ما سمعتش صوتك، كنت فاكر إنك نسيتي إنك بقيتِ تخصيني.
انق*بض قلبها من الكلمة الأخيرة،تخصيني.
فيها رهبة ودفء في نفس الوقت، لكنها قالت بحذر:إحنا لسه مخطوبين، يعني لسه مش.
قاطعها بهدوء غامض:بس قريب والوقت اللي جاي هيخلّيكِ تفهمي أنا مين بالضبط.
ثم أغلق الخط، تاركًا ورا صوته أثر كأنه نقش على جدار قلبها.
تاني يوم، وهي خارجة من البيت رايحة الشغل الجديد في الكافيه، اتفاجئت بعربية فخمة واقفة بعيد، والسواق بينزل منها باقة ورد حمراء ويحطها قدام باب العمارة.
نظرت حواليها بخوف، لكنها استلمت الورد وفيه كارت مكتوب عليه بخط أنيق:ما تقلقيش من اللي جاي، أنا جنبك دايمًا.
بدون توقيع.
عرفت في قرارة نفسها إن سليم هو اللي بعتها، بس ما كانتش عارفة ليه قلبها بيرتعش مش من الخ*وف من الإحساس الغريب بالأمان.
الليلة دي، رجع سليم بيته متأخر، وكان أيهم مستنّيه في المكتب.
قال أيهم وهو بيقلب في أوراق على الطاولة:شايفك متغيّر اليومين دول.
رد سليم من غير ما يرفع عينه:مفيش.
قال أيهم بابتسامة خفيفة:مفيش؟ ولا في واحدة بدأت تهزّ الحيطان اللي بنيتها حواليك؟
سليم رفع نظره بحدة، لكن ملامحه ما قدرتش تخفي ارتباكه.
قال ببرود:أنا عمري ما سمحت لحد يدخل حياتي، ومش هبدأ دلوقتي.
فابتسم أيهم وقال بهدوء:الكلمة دي هي أول علامة إنك بدأت تتغيّر فعلاً.
سكت سليم للحظة، وبعدها قال بنبرة منخفضة:هي مختلفة يا أيهم بس مش عايزها تخ*اف مني.
أيهم ابتسم وقال:ما تخ*افش، اللي بيحب بصدق عمره ما يخوّف.
في اللحظة دي، كانت سلسبيل بتبص للسماء من شباك أوضتها، وهي مش عارفة ليه حاسة إن حد بيفكر فيها
كانت تتنهد وتقول لنفسها:يا رب، لو في خير في الطريق دا، طمّن قلبي.
ريم كانت قاعدة في بلكونة الفيلا الكبيرة، في الدور التاني، وسط عتمة الليل اللي ملوش صوت غير هسهسه الصراصير.
قلبها واج*عها، مش عارفة ليه كل مرة تحاول تنسى اللي حصل، تلاقي الوج*ع بيخبط فيها تاني.
البيت كله نايم، بس هي لأ.
بتبص على السما، بتحاول تلاقي فيها طمأنينة، بس كل حاجة جواها كانت خايفة.
من ساعة ما رجعت الجامعة، وكل ما تشوف الدكتور شهاب الدسوقي مدرس مادة الأدب بتحس كأن نفسها بتت*قطع.
هو مش بيعمل حاجة تخ*وف، بالعكس بيتعامل بذوق، صوته هادي، ونظراته دايمًا فيها احترام.
بس ريم مش قادرة ترتاح.
تجربتها القديمة، اللي محدش يعرف عنها غيرها، كانت كفاية تك*سّر أي بنت.
شاب استغل براءتها، خلاها تصدّق إنه بيحبها، وبعدها سابها، وسبّ وراها خوف من الرجالة كلها.
في اليوم دا كانت رايحة الكلية، الجو حر، وهي شايلة شنطتها بخطوات مترددة، لحد ما سمعت صوته وراها:صباح الخير يا ريم.
اتجمدت في مكانها، مشيت خطوتين، لكنه قرب أكتر وقال بابتسامة بسيطة:ماينفعش تفضلي تسيبي المحاضرات بالشكل دا، أنا ملاحظ غيابك.
ردت بسرعة:عندي ظروف يا دكتور.
قال بهدوء:أنا مش جاي ألومك، أنا بس قلقان عليك.
القلق اللي في صوته كان حقيقي، بس هي دماغها ترجمت كل حاجة خ*وف.
رجعت خطوة لورا وقالت بعصبية:من فضلك، متقربش مني تاني!
اتصدم شهاب من نبرتها، وقال بخفوت:أنا آسف مش قصدي أضايقك.
وسابها ومشي، بس النظرة اللي سابها وراها كانت صعبة، فيها وج*ع مش بسيط.
الليل، لما رجعت ريم البيت، كانت قاعدة في أوضتها تبكي بصمت، ماسكة صورة قديمة ليها وهي بتضحك قبل ما تتكسف الدنيا حواليها.
سمعت صوت حد بيخبط الباب برفق،
ريم، يا بنتي، مالك؟
صوت أبوها رشيد الأبنوُدي، الراجل اللي الكل بيهابه في القاهرة، لكن قدام بنته بيبقى قلبه طري زي النسمة.
مسحت دموعها بسرعة وقالت:مفيش يا بابا، صداع بسيط.
فتح الباب ودخل، وقعد جنبها، وقال بنبرة صعيدية هادية:اللي جوا قلبك مابيتخباش عليا يا بنتي، انتي مش مرتاحة من حاجة؟
انهارت ريم في حض*نه وقالت وسط بكاها:أنا بخ*اف يا بابا، كل مرة حد يقرب مني بحس إني هقع في نفس الغلط تاني.
رشيد ضم*ها وقال بحنية وصرامة في نفس الوقت:اللي آذاك زمان خلاص راح، محدش في الدنيا ليه الحق يخ*وفك تاني، طول ما أنا عايش، محدش هيقرب منك إلا وأنا واقف قدامه.
ابتسمت ريم بخجل وقالت:حتى لو كان حد كويس؟
قال بابتسامة صغيرة:لو كويس فعلاً، هيعرف ييجي من الباب، مش من ورا الخ*وف.
في اليوم اللي بعده، دخلت المحاضرة متوترة، لكن شهاب كان واقف بيشرح كأنه ما حصلش حاجة.
وبعد المحاضرة، وهي خارجة، سمعت صوته يقول بهدوء:ريم، أنا عارف إنك مش بتحبّي حد يقرب، بس لو في يوم احتجتِ تتكلمي أنا موجود.
ما بصّتش وراه، بس قلبها حس بحاجة مختلفة
خ*وفها القديم لسه موجود، بس فيه حاجة جديدة بتحاول تدخل جواها يمكن أمان؟
كانت ريم تمشي في ممر الجامعة بخطوات مترددة، تحاول أن تتجاهل تلك النظرات التي تلاحقها من بعيد. قلبها يخفق بخ*وفٍ لم تعرف سببه منذ أن علمت أن الأستاذ الجديد في قسمها هو نفسه شهاب الدسوقي الاسم الذي بدأ يتردد في عقلها كجرس إنذار.
هي لا تعرفه حقًا، لكنها رأت فيه شيئًا يثير اضطرابها، ربما بسبب تلك التجربة القديمة التي جعلت قلبها يك*ره الاقتراب من الرجال.
ريم!
تجمدت مكانها كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا من القوة، وكأنه يعرف تمامًا ما يفعله بصوتٍ كهذا التفتت نحوه على استحياء، وابتلعت ريقها بصعوبة.
أيوه يا دكتور؟
كنتِ نسيتي الكشكول في القاعة.
اقترب منها بخطوات بطيئة، ومدّ يده بالكشكول ترددت في أخذه، لكنها في النهاية مدت يدها بسرعة لتتجنب أي احتكاك، وقالت بصوت خافت: شكرًا.
ابتسم بخفة وهو يراقب ارتباكها:ليه كل مرة تتجنبي الكلام معايا كده؟ أنا مش هآكلك يا آنسة ريم.
خفضت نظرها إلى الأرض وهمست:معلش يا دكتور، أنا بس مش بحب أتكلم كتير.
نظر إليها طويلًا وكأنه يحاول قراءة ما خلف عينيها الخجولتين، ثم قال بهدوء:مش بحب أضايق حد، بس برضو مش بحب أشوف حد خايف مني من غير سبب.
كانت كلماته بسيطة، لكنها اخترقت قلبها في داخلها، صوت آخر يقول: هو مش زي غيره يمكن يكون مختلف؟
لكن التجربة القديمة التي تركت فيها ج*رحًا عميقًا كانت أقوى من أي محاولة للاطمئنان.
مرت أيام، وبدأت تلاحظ أنه يتعمد الحديث معها أمام الطلبة، بطريقة محترمة جدًا، لا تُثير حولها كلامًا يساعدها إن احتاجت شيئًا في البحث، ويذكرها
دومًا: العلم عبادة يا ريم، والنفس لما تتعب اشتغلي، ما تسيبيهاش للفراغ.
كانت تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تهزّها كل مرة، وكأنها تفتح نافذة في جدارها المغلق.
في إحدى المرات، رآها جالسة تبكي في فناء الكلية بعد أن جاءها اتصال من حبيبها السابق الذي خدعها، فاقترب منها دون أن يجلس، وقال بصوت خافت: اللي يج*رّحك مش لازم تديه فرصة يج*رّحك تاني يمكن ربنا شايللك الأفضل.
رفعت نظرها نحوه، لأول مرة شعرت أن خوفها منه بدأ يضعف، لكنها تداركت نفسها بسرعة وغادرت، بينما هو وقف يراقبها بعينين تحملان أكثر مما تقولان.
ومنذ ذلك اليوم، صار هو وهاجسها الذي لا يفارقها بين خوفٍ قديم واهتمامٍ جديد لا تريد الاعتراف به.
مرت أسابيع، وتغيّرت نظرة ريم تدريجيًا دون أن تشعر صارت تتابع محاضرات شهاب بتركيز مختلف، كأنها تراه للمرة الأولى، تلاحظ طريقته في الشرح، في حديثه عن الأخلاق، عن قيمة النفس، وعن الخوف من الله قبل أي خطوة.
كان كلامه دائمًا صادقًا عميقًا، وكأنه لا يُدرّس مادة علمية فقط، بل يزرع فيهم شيئًا من الإيمان.
في إحدى الأيام، كانت تعمل على بحثها في مكتبة الكلية، فدخل هو بهدوء يحمل بعض الأوراق. لمحها من بعيد، ثم اتجه نحوها وقال بابتسامة خفيفة: لسه قاعدة لحد دلوقتي؟ الدنيا بقت ليل.
رفعت رأسها بخجل: كنت عايزة أخلص البحث قبل ما أرجع البيت.
طب والبيت بعيد؟
شوية بس مش مشكلة.
وقف أمامها صامتًا لحظة، ثم قال بنبرة فيها اهتمام حقيقي: مش عايزة أحرجك، بس مافيش داعي ترجعي لوحدك متأخر كده لو موافقة، أقدر أستناك عند البوابة وأطمن إنك وصلتِ تاكسي آمن.
ترددت، وعيونها تحاول تهرب من نظراته الخ*وف القديم بدأ يتسلل لعقلها من جديد، لكن شيء ما بداخلها كان يقول: هو محترم مش زي اللي قبله.
همست: شكراً يا دكتور، بس ما ينفعش أتعبك.
التعب إنّي أسيب بنت من بناتي تمشي لوحدها بالليل، مش العكس.
كلماته تلك علقت في أذنها، وابتسمت بخفة رغم ارتباكها، ثم جمعت أوراقها وعندما خرجت، وجدته فعلًا عند البوابة، ينتظرها دون أن يتكلم، فقط رفع رأسه نحوها وقال:ربنا يستر طريقك يا ريم.
ومنذ تلك الليلة، بدأت نظرتها له تتغير تمامًا…
صارت تدعو له دون وعي وهي تسجد، وتشعر بأمان غريب حين تراه.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تمشي في ساحة الكلية، سمعت بعض الطالبات يتهامسن ويضحكن: دكتور شهاب واضح عليه معجب بحد.
ضحكت أخرى: أكيد ريم شفتِ نظرته ليها؟
تجمدت ريم مكانها، خفق قلبها بسرعة، وبدأت تنفي في داخلها تلك الفكرة، لكن وجهها احمرّ رغمًا عنها.
وفي نفس اللحظة، ظهر شهاب من بعيد، وكأن القدر قرر أن يختبرها.
نظر إليها بابتسامة هادئة، وقال وهو يمر بجانبها: لسه الخ*وف لسه جواكي؟
ارتبكت بشدة، وردت بصوت خافت: يمكن بس مش منك.
توقف عند كلمتها، التفت نحوها بعينين فيهما دفء لم تعرفه من قبل، وقال بهدوءٍ شديد: كويس لأنّي مش ناوي أكون سبب خ*وف لحد، بالعكس يمكن أكون سبب أمان.
وتركها تمشي وعطر كلماته مازال يلتف حولها.
في تلك اللحظة، شعرت ريم أن قلبها بدأ يلين لأول مرة منذ زمن، وأن جدار الخ*وف بدأ يتشقق، لا بسبب ضعفها بل بسبب رجل علّمها أن الطيبة مش دايمًا قناع.
كانت سلسبيل تخرج من المقهى بعد انتهاء نوبتها المسائية، متعبة قليلًا، حين توقفت سيارة سوداء أنيقة أمامها.
تجمدت لحظة، إلى أن فُتح الباب وخرج منه سليم بملامحه الصارمة المعتادة، وابتسامة خفيفة نادرة الظهور على وجهه.
قال بهدوء:اركبي.
ترددت لحظة وهي تنظر إليه، ثم قالت بخجل: فين هنروح؟
مشوار صغير وعد، مش هتندمي.
ركبت السيارة متوترة، وكل لحظة تمر كانت تثير في قلبها فضولًا أكبر.
لم يكن سليم يتكلم كثيرًا، فقط بين الحين والآخر ينظر إليها من طرف عينه وكأنه يخشى أن تهرب منه.
قاد السيارة خارج المدينة، والهواء البارد يتسلل من النوافذ برائحة المساء الممزوجة بالبحر.
قالت بصوت خافت: الجو جميل النهارده.
ابتسم وقال: عشان النهارده مش يوم عادي.
نظرت له باستغراب، لكنه لم يُكمل.
توقف أمام مكان هادئ يطل على النيل، ونزلت معه تتأمل الأضواء المتراقصة على سطح الماء، وشعرت بشيء من الراحة الغريبة، كأن قلبها يعرف هذا المكان.
جلسا قليلًا، ثم قال وهو ينظر إليها:مستعدة نرجع؟
نرجع؟ لسه بدري.
ضحك بخفة:ثقي فيّ، المفاجآت لسه ما بدأتش.
ركبت السيارة مجددًا، وهذه المرة، حين اقتربا من أحد البيوت الفخمة، توقف وطلب منها أن تغمض عينيها.
قالت بدهشة:ليه؟
ما تسأليش بس اسمعي كلامي.
مد يده بلطف وربط حول عينيها رباطًا حريريًا، ثم نزل وساعدها على السير بخطوات حذرة.
كانت تسمع ضحكات خافتة وهمسات، ورائحة عطر وزهور تملأ الجو.
ثم، فجأة، سمعَت صوت الجميع يصيح:عيد ميلاد سعيد يا سلسبيل!
أزال سليم الرباط عن عينيها، فشهقت من الدهشة.
القاعة كانت مزينة بالورود البيضاء والبالونات الفضية، والأنوار الصغيرة تتلألأ كنجوم.
على الطاولة أمامها كعكة كبيرة عليها رقم 18، وصورتها مطبوعة بخفة في المنتصف.
دمعت عيناها، والتفتت نحو سليم غير مصدقة.
قال بابتسامة نادرة، وصوته هذه المرة دافئ على غير عادته: كل سنة وإنتِ طيبة يا أجمل صدفة حصلتلي في الحياة.
اقتربت منها الفتيات يغنين ويصفقن، وبدأت تضحك وسطهم رغم دموعها، ثم أطفأت الشموع وهي تتمتم: يا رب احفظهم كلهم.
وكان الاحتفال بسيطًا لكنه صادق، مليئًا بالحب الصامت والدفء.
وهي في تلك اللحظة، شعرت لأول مرة منذ زمن، أن حياتها بدأت فعلًا.
رواية حياة مراهقة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماء السرسي
بدأت الأصوات تخفت شيئًا فشيئًا، وغادرت الفتيات الواحدة تلو الأخرى بعد أن التقطن الصور وضحكن كثيرًا.
ظل المكان مغمورًا بضوء الشموع الخافت، والجو يعبق برائحة الفانيليا والورد.
وقفت سلسبيل تنظر نحو الكعكة التي لم يتبقَّ منها سوى قطعة صغيرة، تمسح دموعها وتبتسم بخجل.
فجأة سمعت خطوات خلفها استدارت، لتجده سليم يقترب ببطء، يداه في جيبيه، وعيناه مثبتتان عليها بنظرة مختلفة تمامًا نظرة هادئة، لكنها عميقة لدرجة جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء دون وعي.
قال بصوت خافت، كأنه يخشى أن يقطع سكون اللحظة: كنتِ حلوة النهارده أكتر من أي وقت.
ارتبكت، عضت على شفتها بخجل، ولم تدرِ بماذا تجيبه.
اقترب منها أكثر حتى صارت المسافة بينهما ضئيلة جدًا،
وهمس: عارفة يا سلسبيل من يوم ما شوفتك، وأنا مش قادر أخرجك من بالي.
رفعت رأسها إليه بدهشة، قلبها يخفق بعن*ف، لكن كلماتها تعثرت:سليم أنا.
قاطعها بنبرة دافئة لكنها حازمة: مش لازم تقولي حاجة دلوقتي بس كنت عايزك تعرفي إن وجودك في حياتي بقى جزء مني، زي النفس.
سكت لحظة، ثم مد يده وأخذ خصلة من شعرها كانت قد خرجت من حجابها دون قصد، أعادها برفق مكانها، وهمس: ما كنتش ناوي أخ*وفك ولا أضغط عليك بس النهارده، وأنا بشوفك بتضحكي، حسّيت إنك فعلاً نوري اللي كان ضايع عني.
أخفضت رأسها، لا تعرف هل تبكي أم تبتسم، كل شيء بداخلها مضطرب.
همّت بالابتعاد، لكنه أمسك بمعصمها بلطف وقال بصوتٍ خافتٍ عميق:مت*خافيش مني يا سلسبيل يمكن أكون ق*اسي، بس عمري ما هأذيك.
نظرت لعينيه طويلًا، كأنها تبحث عن صدق كلماته، ثم قالت بصوت مرتعش: أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل بس اللي أنا متأكدة منه إنك دايمًا بتخليني مش مطمنة ومطمنة في نفس الوقت.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:يمكن علشان إحنا الاتنين اتخلقنا ن*وجع بعض ونطيب بعض في نفس الوقت.
ثم ابتعد عنها بهدوء، تاركًا خلفه أثر كلماته يتردد في قلبها كنبضٍ لا يهدأ،
وبينما كانت تراقب خياله يختفي عبر الممر، أدركت أن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا.
مرّ يومان بعد عيد ميلاد سلسبيل، لكن قلبها لسه مش مستوعب اللي حصل.
كل لحظة تفتكر نظرة سليم، وطريقة كلامه، وإزاي لمس شعرها بخفة كأنه بيخاف ي*وجعها.
كانت بتحاول تبعد عنه، بس في كل مرة تشوفه قدامها تتهرب، ومع ذلك عينيها تروح له غصب عنها.
في الصبح، وهي بتجهز الشاي في المطبخ الصغير اللي خصصهولها سليم في القصر، سمعِت صوت دوشة برا، خطوات سريعة، وصوت ص*راخ خافت.
خرجت بسرعة، لقت الحرس بيتحركوا ناحية البوابة، وسيارة سوداء بتدخل بسرعة جنونية.
نزل منها فارس، ووشه شاحب ويده ماسكة على كتفه اللي مليان د*م، وجنبه شاب طويل، عيونه شبهه، بس فيها هدوء غريب فراس.
صرخت واحدة من الخدم: يا مصيبة! فارس اتص*اب!
اتجمعت الناس حواليهم، وطلعت سلسبيل بسرعة من غير ما تحس، بتدور على سليم.
وفي اللحظة دي، سليم نزل من الدور التاني بخطوات سريعة، صوته جه قوي ومليان قلق: إيه اللي حصل يا فارس؟ مين اللي عمل كده؟
اتنفس فارس بصعوبة وقال: كمين حد كان مستنينا واضح إنهم عارفين طريقنا كويس.
اتبدل وش سليم بلون تاني، مزيج بين الغضب والهدوء اللي يسبق العاصفة.
أشار للحرس وقال: خدوه جوه المكتب، واستدعوا الدكتور حالًا محدش يفتح بقه بكلمة.
أما فراس فكان ماسك أخوه بيد مرتجفة، بيحاول يخفف عنه، وقال لسليم: الرص*اصة خرجت من الكتف الحمد لله، بس الن*زيف جامد.
سليم حط إيده على كتف فراس وقال بنبرة فيها احترام
واضح: عملت اللي تقدر عليه يا فراس دلوقتي دوري أنا.
دخلوا فارس للمكتب، وسليم واقف جنبه لحد ما خلّص الدكتور الإسعافات الأولية.
وبعد ما خرج الطبيب، سليم قعد على الكرسي المقابل لأخوه في السلاح، وقال بصوت منخفض: احكيلي بقى، مين اللي جرّأ يعمل كده؟
فارس بصله بعينين متعبة وقال: نادر الدهشان بدأ يلعبها صح المرة دي.
في اللحظة دي، دخلت سلسبيل من غير قصد، كانت بتجيب ميّه وفوطة، ووشها باين عليه القلق.
ولما شافها سليم، لوهلة نسي كل حاجة، حتى الد*م اللي على هدومه.
قال لها بهدوء:ادّي الفوطة لفراس وارجعي أوضتك، المكان هنا مش آمن.
هزّت راسها وقالت بخوف:بس أنا كنت عايزة أطمن على فارس بيه.
ابتسم فارس رغم أل*مه وقال: أنا كويس ، متخافيش أنا جامد أوي، ربنا يستر طريقك.
نظرت سلسبيل ليه بابتسامة باهتة ومشيت، لكنها حسّت إن فيه حاجة أكبر من مجرد شغل سليم فيه عالم غامض بيغلي حواليها، وهي داخله من غير ما تاخد بالها.
بعد ما خرجت، بص فراس لسليم وقال: البنت دي شكلها مش زينا خالص، نقية قوي.
رد سليم وهو بيبص ناحية الباب: عشان كده أنا مش عايزها تت*وسخ بعالمنا بس يمكن فات الأوان.
وسكت الاتنين، والصمت كان تقيل لدرجة إن أنفاسهم بس اللي بتتسمع.
في برا القصر، كان الليل ساكن بس في قلب سليم، الح*رب كانت بدأت فعلاً.
الليل نزل على القصر وسكون غريب خيّم على كل ركن.
رائحة المطهر لسه مالية الجو بعد ما خرج الدكتور، وصوت أنفاس فارس الهادية بيكسر الصمت.
لكن سليم ما كانش قادر يهدى واقف في مكتبه، قدامه خريطة كبيرة، وبين إيديه ملف مفتوح وصور عليها د*م متجمد.
دخل أيهم الراوي بهدوء، لبسه دايمًا بسيط، عيونه فيها وقار وهدوء بيخلي المكان يطمن رغم كل التوتر.
قال له بنبرة جدّية:يا سليم، أنا قلتلك كتير الظ*لم ملوش آخر حلو، والد*م بيجيب د*م خف شوية على نفسك، وخف أكتر على اللي حواليك.
سليم لف له وبصله بحدة، وبعدين قال بنبرة
منخفضة: همّا اللي بدأوا يا أيهم أنا ما بسيبش حقي، وخصوصًا لما يوصلوا لرجالتي.
أيهم تقدم ناحيته وقال وهو حاطط إيده على كتفه: لو كنت فاكر إن الانت*قام راحة، تبقى غلطان الراحة تيجي لما ربنا يرضى عنك.
بص له سليم لحظة، وبعدين سحب نفسه وقال: ما تحاولش توقفني النهارده اللي حصل النهارده مش هيعدّي بالساهل.
طلع من المكتب واتجه للجراج، عيونه فيها له*ب، راكب عربيته السودا، ومعاه اتنين من رجالته، والوجهة كانت معروفة مخزن مهجور في أطراف القاهرة، بيتجمع فيه كل معلومة بتخص خصومه.
في نفس الوقت، في القصر، كانت سلسبيل قاعدة في أوضتها، متكوّرة على نفسها وبتبكي في صمت.
كل المشاهد اللي شافتها النهارده بتلف في دماغها الد*م، الصراخ، سليم الغاض*ب، رع*بها لما شافت فارس بين الحياة والم*وت.
جواها ص،راع غريب هو الراجل ده، اللي بيحميها ويخاف عليها، نفس الشخص اللي بي*خوف الناس؟
نفس الشخص اللي عيونه فيها ن*ار كل ما حد يغلط معاه؟
سمعت خبطة خفيفة على الباب، فتجمدت مكانها، قالت بصوت واطي:مين؟
جه صوت أيهم من ورا الباب:أنا يا سلسبيل، افتحي لو مش تعبانة.
فتحت الباب، ووشها باين عليه الخ*وف.
دخل أيهم، نظر حواليه، وبعدين قال: مت*خافيش، محدش هي*أذيكي هنا سليم يمكن شديد، بس عمره ما هيقرب منك ب*أذى.
قالت له بصوت مرتعش:بس أنا شفت حاجات تخ*وف أنا مش فاهمة أنا فين، ولا الناس دي بتعمل إيه.
ابتسم أيهم بحزن وقال:سليم ليه عالمه، عالم صعب بس انتي ليكي قلب طيب، يمكن وجودك هو اللي هيغيّره.
سكت لحظة، وبعدين أضاف وهو بيبصلها بنظرة
أبوية: خدي بالك، اللي حواليه دايمًا بي*تأذوا، إلا اللي ربنا كاتب له يكون سبب هدايته.
نزلت دمعة على خدها وهي بتقول:بس أنا مش قادرة أهرب، كل مرة بحاول بحس إن فيه حاجة بتشدني له.
ابتسم أيهم وقال: يمكن دي حكمة ربنا يا بنتي.
وفي نفس اللحظة، رجع سليم للقصر، هدومه مليانة تراب، وصوته مبحوح، بس في عينيه كان فيه ارتياح بسيط كأنه خلّص المهمة.
دخل المكتب وسأل الحارس:خلّصتوا تنظيف المكان؟
قال له: أيوه يا باشا، وكل اللي كانوا هناك اختفوا من الوجود.
سكت سليم شوية، وبعدين رفع عينه للسقف وقال في سره:يمكن فعلاً أيهم عنده حق بس أنا ما أعرفش طريق غير ده.
وفي اللحظة دي، كانت سلسبيل قاعدة تبص من الشباك، شافت عربيته داخلة القصر، قلبها دق بسرعة،
مش عارفة هي خايفة ولا مطمّنة لأنه رجع.
الليل كان ساكن، بس جوه القصر كانت الرياح بتخبط في الشبابيك كأنها بتهمس بشيء غامض.
سليم نايم على سريره، ملامحه مشدودة، وعرق خفيف على جبينه.
في الحلم كانت أمه واقفة قدامه بنفس ابتسامتها اللي كان فاكر إنه نسيها لابسة جلابية بسيطة، وشعرها مغطى بإيشارب أبيض.
قالت له بصوتها الحنون اللي كان بيطمنه زمان:خُد بالك من نفسك يا سليم وساعد اللي حواليك، ما تسيبش قلبك يضلم الدنيا ما تستاهلش القسوة دي يا ابني.
مدّ إيده ناحيتها، بس كل ما يقرب، كانت بتبعد وتختفي في نور أبيض ساطع.
صوتها كان آخر حاجة سمعها قبل ما يصرخ:مامااااااا!!
فتح عينيه مفزوع، أنفاسه سريعة، قلبه بيدق بقوة، قام قاعد وهو بيبص حواليه.
الهدوء خيّم تاني، بس جواه دوشة مش طبيعية.
كان بيهمس: ماما ماماااا
وفجأة الباب اتفتح بخفة، ودخلت سلسبيل لابسة بيچامة بسيطة، شعرها مفكوك ووشها باين عليه القلق.
قالت وهي بتقرب منه بحذر:فيك إيه يا سليم؟ سمعتك بتنادي؟
بصلها بعينين محمرتين، كأنه تايه في مكان مظ*لم وشافها فجأة.
قال بصوت مبحوح: كانت هنا كانت قدامي.
قالت باستغراب: مين؟
أمي كنت سامع صوتها، شُفتها وهي بتضحكلي كانت بتقولّي ساعد الناس، ما تظل*مش حد كلامه اتك*سر وسط بكاء مكتوم، فمدّ دراعه وس*حب سلسبيل ناحيته، حض*نها بقوة كأنها طوق نجاة، والدموع نازلة على خده.
هي اتج*مدت في الأول، بس لما سمعت صوته المك*سور
بيقول: وحشتني يا ماما وحشتني.
حست بشيء واج*عها جواه.
فضلت ساكتة، بس حطت إيدها على كتفه وقالت
بهدوء: خلاص يا سليم يمكن كانت بتيجي تطمن عليك.
هو ما ردش، كان لسه حض*نها بقوة، وصوته بدأ يهدى، لحد ما نفسه بقى منتظم، ووشه استقر على كتفها.
بعد لحظات، صوته اختفى تمامًا، نام من الإرهاق، وإيدها لسه على شعره.
بصت له بحنان غريب عليها، وهمست لنفسها: أول مرة أشوفك ضعيف كده يا سليم وسكتت، وكل اللي سمعته بعدها كان أنفاسه الهادية، ونور القمر داخل من الشباك، منور وشّه الهادي كأنه طفل بعد ما تعب من البكاء.
رواية حياة مراهقة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماء السرسي
الليل كان ساكت سكون ثقيل قبل العاصفة.
صوت الريح وهي بتحرك ستاير القاعة، كأنه إنذار خفي بشيء جاي.
حسام كان عند الباب، ماسك س*لاحه بحذر، عينه بتتحرك يمين وشمال.
همس لسليم: في اتنين بيتسللوا من الجهة الجانبية واضح إنهم محترفين.
سليم أومأ برأسه بهدوء، لكن ملامحه كانت ن*ارية، عينه فيها شرارة الغضب.
قال بنبرة غليظة وهو بيشد المس*دس من الحزام: اللي يفكر يقرب مني مش هيخرج حي.
سلسبيل كانت واقفة وراهم، مرعوبة،
قلبها بيدق بسرعة وهي بتحاول تفهم اللي بيحصل.
سليم، في إيه؟ قولّي!
رد وهو بيبص لها بنظرة حنان وسط التوتر:ادخلي الأوضة وقفلي على نفسك بسرعة يا سلسبيل!
دخلت وهي مش قادرة تبعد عن الباب،
بتسمع أصوات خطوات، بعدها صرخة مكتومة،
وبعدين دوّي رص*اص هزّ المكان.
حسام صرخ:ورا الكرسي يا سليم!
الرص*اصات بتطير حوالين القاعة، والزجاج بيتكسر.
سليم اتراجع ورا العمود، ضرب ط*لقة، والتانية واحد من المهاجمين وقع، لكن التاني دخل من الجهة الخلفية.
حسام حاول يمنعه، لكن اتفاجئ بض*ربة قوية خلته يقع على الأرض.
سليم شافه، واندفع بكل قوته في لحظة شجاعة، ض*رب المهاجم التاني، لكن التاني أط*لق الن*ار عليه قبل ما يقع.
صوت الرص*اصة مزّق الهدوء سليم اتراجع خطوة، إيده على صدره، والد*م بدأ يخرج ببطء.
سلسبيل، اللي كانت ورا الباب، سمعت الصوت
وصرخت: سليم!
جريت ناحية القاعة، والدموع في عينيها،
وشافته مرمي على الأرض، أدهم بيحاول يضغط على الج*رح.
قالت وهي بتنهار: لااااا، لأ يا رب سليم! قوم بالله عليك!
حسام قال بصوت متوتر: هيتنفس، بس لازم إسعاف بسرعة!
سليم فتح عينه بالعافية، صوته مبحوح:ما تخافيش أنا كويس حاول يبتسم، لكن الد*م نزل من فمه.
وعدتك إني مش هسيبك لوحدِك.
سلسبيل كانت بتبكي وبتح*ضنه،
إيده الباردة لمست خدها، وصوته بدأ يضعف.
حسام صرخ للحرس اللي وصلوا: بسرعة! خدوّه على المستشفى!
وفي اللحظة اللي شالوه فيها على النقالة،
سلسبيل كانت بتجري وراهم، صرختها بتشق صمت
القصر: متسبوش سليم! بالله عليكم متسبوش سليم!
والقصر اللي كان مليان أنوار وضحك،
بقى كله صمت صمت ثقيل كأن الروح نفسها واقفة تستنى مص*ير سليم.
المستشفى كانت مليانة دوشة صوت الأجهزة، الممرضين اللي بيجروا، صوت سلسبيل وهي بتعيط وتناجي ربها.
أدهم ماسكها من كتفها، بيحاول يثبتها رغم إن قلبه هو كمان بيتقطع.
الدكتور خرج من غرفة العمليات، ملامحه كانت متوترة،
سلسبيل جرت عليه وهي منهارة:طمني يا دكتور سليم كويس؟ هيعيش؟
ابتلع الطبيب ريقه وقال بهدوء حزين:الرص*اصة دخلت قريبة من القلب، ولحقناه في آخر لحظة بس هو دلوقتي في غي*بوبة، واللي جاي في علم ربنا.
الكلمة دي غيب*وبة خبطت في عقلها زي سك*ين.
وقعت على الأرض، وأدهم سارع يشيلها.
قومي يا سلسبيل، بالله عليكي ما تضعفيش دلوقتي.
دخلت الغرفة بعد شوية،
كانت الإضاءة خافتة، وسليم نايم على السرير الأبيض،
الأنابيب طالعة من صدره، وجهاز المراقبة بيصدر صوت ثابت كل شوية.
قربت منه بخطوات بطيئة،
قلبها بيرتعش وهي بتشوف وشه الشاحب، اللي لسه عليه آثار الد*م.
جلست جنبه، لمست إيده بخوف،
ولما حسّت ببرودتها، دموعها نزلت أكتر.
ليه يا سليم؟ ليه دايمًا بت*تأذى علشاني؟
أنا ما استاهلش اللي بتعمله ده أنت دايمًا بتقف قدام الكل عشان تحميني وأنا حتى ما كنتش أعرف إنك بتحبني كده.
صوتها كان واهي،
كأنها بتحكي لروح مش لجسد.
مدت إيدها ولمست شعره بخفة،
قوم يا سليم، أرجوك قوم أنا مش قادرة أشوفك كده
وقف أدهم عند الباب،عينه كانت مليانة غُصة،
قال بصوت مبحوح:هو أقوى من كده يا سلسبيل، سليم دا ما بيقعش بسهولة.
في اللحظة دي دخل رشيد،
وشاف المنظر فتنهد بحزن: يا رب اشفيه، الولد ده قلبه جامد بس ربنا هو القادر.
أيام عدت، وسليم لسه بين الحياة والم*وت،
وسلسبيل ما فارقتهش لحظة،
كانت بتقرأ له قرآن، وتكلمه، وتضحك أحيانًا كأنها بتحاول ترجعه من عالم تاني.
وفي يوم وهي قاعدة جنبه،
مسكت إيده وقالت:عارف يا سليم لو قمت المرة دي، هقولك كل حاجة في قلبي مش هخاف ولا ههرب تاني.
لكن سليم كان ساكت،
عيناه مغمضتين، وصدره بيعلو بهدوء مع كل نفس ثقيل وصوت الأجهزة هو الوحيد اللي بيشهد إن لسه في أمل.
عدّت أيام طويلة، والكل تعب سلسبيل ما كانتش بتروح البيت، بقت جزء من الغرفة دي،
تنام على الكرسي الصغير جنب سريره،
تصحى على صوت الأجهزة، وتفضل تراقب تنفسه كأنه هو نبضها.
الشمس بدأت تدخل من الشباك الصبح،
الإضاءة كانت دافية، وهدوء المستشفى شبه م*خيف.
سلسبيل كانت قاعدة وراسها على السرير، نايمة وهي ماسكة إيده.
وفجأة إيده اتحركت.
حركة بسيطة جدًا كأنها همسة حياة.
فتحت عينيها بسرعة،
قامت تنتفض وهي بتبصله،
سليم! سليم! سمعتني؟
لكن ما فيش رد،
غير إن أصابعه ضغطت على إيدها بخفة،
دموعها نزلت من الفرحة والخوف مع بعض.
يا رب يا رب، هو بدأ يحس بيا!
خرجت بسرعة تنادي الممرضة،
هو اتحرك! الدكتور! بسرعة!
دخل الطبيب ومعاه الممرضة، وبدأوا يفحصوه،
ضغط، نبض، تنفس قال الطبيب بابتسامة خفيفة: الجسم بدأ يستجيب دي علامة كويسة جدًا.
سلسبيل حطت إيدها على فمها، دموعها نازلة وهي بتقول: الحمد لله الحمد لله يا رب!
الطبيب خرج، وقال لرشيد اللي كان برا: الحالة مستقرة، ودي أول إشارة وعي.
رجعت سلسبيل له،
قعدت جنبه بهدوء،
ولمّا قربت منه، همست له بصوت مرتعش: أنا هنا يا سليم، مشيتش ولا ثانية عنك افتح عينيك بقى، كفاية غياب.
وكأن قلبها نادى قلبه،
سليم حرّك رأسه بخفة، وصدره ارتفع بتنفس أعمق.
ثم، بعد لحظات طويلة من الصمت رمشه الأول ظهر.
الدموع غرقت وجهها،
ضحكت وسط البكاء،
سليم! حمد الله على سلامتك يا حبيبي!
عيناه اتفتحت ببطء، نظرته كانت تايهة،
شافها قدامه، شعرها متبعثر ووجهها مليان دموع وفرحة.
همس بصوت واهي: كنت بحلم بيكي.
ردت عليه وهي بتبكي وتضحك:وأنا كنت بدعيلك ترجعلي، ومارجعتش غير عشان كده.
سكت لحظة، حاول يرفع إيده،
ولما لمست خدها قال بخفوت:ما كنتش عايز أسيبك ولا دلوقتي.
غمضت عينيها وهي تبكي،
ولا أنا، يا سليم، ولا أنا.
رواية حياة مراهقة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماء السرسي
كان سليم لسه بيستعيد وعيه، وابتسامته الضع*يفة مطمّنة الكل حواليه.
سلسبيل قاعدة جنبه، وإيدها في إيده، مش مصدقة إنها بتشوفه صاحي قدامها بعد كل اللي حصل.
رشيد دخل الغرفة مبتسم وهو يقول:الحمد لله، رجعت لنا يا بطل.
لكن الباب اتفتح تاني فجأة،
ودخل أيهم لابس جلابية رمادية بسيطة، ووشه منوّر كعادته،
بس وراه بنت خجولة منتقبة، واقفة بخطوات هادية وراسها لتحت.
الجميع اتلفت ناحيتهم باندهاش.
رشيد قال بحدة خفيفة: هو في إيه يا أيهم؟ مين دي؟
أيهم تنحنح، وبص لسليم بابتسامة:أظن الوقت مناسب أقولكم أنا اتجوزت.
سكت الكل لحظة.
سلسبيل شهقت بخفة، وسليم رفع حاجبه
بض*عف: اتجوزت! من غير ما تقول لحد؟
ضحك أيهم وقال وهو يلمس كتف سليم بحنية: كنت ناوي أقولك يا سليم، بس كنت في غي*بوبة يا غالي.
ثم نظر للبنت وقال بهدوء وفخر:دي مراتي مريم.
مريم رفعت يدها بخجل وسلّمت على رشيد وابتسمت لسلسبيل من تحت النقاب،
صوتها كان ناعم ومرتبك وهي تقول: شرف ليا أتعرف بحضراتكم.
سلسبيل قامت بسرعة، حضنتها بخفة وقالت وهي تضحك: مبروك يا أيهم! والله ما كنت أتخيل اليوم ده أبداً.
أيهم ابتسم وهو ينظر لسليم: وكنت عايز أجيلك أول واحد أباركلك برجوعك، وأقولك إن ربنا بيبدّل الح*زن فرح، لو قلبنا صادق.
سليم نظر له نظرة مزيج بين الدهشة والإعجاب، وقال بصوت واهي:حتى وانت متجوز، لسه بتتكلم حكم يا شيخ أيهم.
ضحكوا كلهم، والجو اتبدّل فجأة من كآب*ة لدفء.
سلسبيل بصّت لسليم بخفة وقالت وهي تمسح دموعها:شايف؟ ربنا بيرزق الناس في وقت ما حدش يتوقع.
سليم ابتسم بخفة وقال بصوت مبحوح:يمكن الدور عليّا المرة الجاية ضحكت سلسبيل واحمر وشّها.
وأيهم قال بابتسامة هادئة: هو ده اللي كنت بدعيلك بيه من زمان يا سليم، ربنا يجمعك باللي تستاهلك.
اللحظة كانت مليانة نور وسكون،
كأن ربنا أرسل الخبر ده عشان يداوي الكل في نفس اللحظة ج*راح سليم، خ*وف سلسبيل، وح*زن البيت اللي عاش على أعصابه أيام طويلة.
كانت الغرفة هادئة، والإضاءة خافتة، وسليم قاعد على الكرسي جنب السرير، بيبص في وش سلسبيل وهي نايمة على الكنبة الصغيرة، تع*ب الأيام ظاهر على ملامحها.
قرب منها بهدوء، همس: كنتي هتسبيني لو ما فقتش، صح؟
فتحت عينيها على صوته، نظرت له بارتباك وقالت بخفوت: كنت بدعيلك كل يوم.
ابتسم سليم بخفة وقال: الدعوة وصلت، بس تأخرت شوية.
جلست سلسبيل وهي بتعدل خصلات شعرها
وقالت: كنت خ*ايفة عليك
وأنا كنت خ*ايف عليكي، أكتر من نفسي.
نبرته كانت صريحة، غريبة عليها، مش نفس الصوت الح*اد اللي متعودة عليه.
نظرت له بتردد وقالت: ليه اخترتني يا سليم؟ ليه أنا؟
سكت لحظة، عينيه فيها تع*ب، وقال: لأنك النور الوحيد اللي دخل حياتي المظ*لمة كنت محتاجك، حتى لو مش عايز أعترف.
سكتت سلسبيل، قلبها بيخبط بشدة.
قرب منها ومد يده ولمس شعرها برفق وقال بصوت خافت: وعد مش هسمح لحد يقرب منك تاني.
اللحظة كانت صافية لدرجة إنها خلتها تنسى كل خ*وفها.
كانت هترد، بس هو قال فجأة بابتسامة باهتة: بس لازم ترتاحي شوية الأيام الجاية مش سهلة.
سكتت وهي حاسة إن في حاجة جوة صوته مش مريحة كأنه ورا الابتسامة دي في ج*رح لسه بيسيل.
في نفس اللحظة بمكان مجهول على أطراف القاهرة.
مستودع قديم، جدرانه متشققة، والهواء مليان برائحة الحديد والب*ارود.
فارس واقف، عضلاته مشدودة وملابسه ملطخة بالغبار والد*م، وصوته هادي لكنه م*رعب: آخر مرة بسألك، مين اللي أمر يض*رب سليم الجندي؟
المتهم مربوط في الكرسي، وجهه مت*ورم، والد*م بينزل من أنفه.
يرفع راسه بصعوبة ويقول:ماعرفش أنا بس كنت موصل الرسالة.
قبل ما يكمل، فراس ض*ربه بلكمة قوية في وشه وقال بحدة:الرسالة دي خلت الراجل بين الحياة والمو*ت، هتتكلم ولا نكمّلك إحنا؟
فارس أشار بإيده لفراس يوقف، قرب بنفسه للراجل وقال بصوت هادي لكنه يق*طّع القلب: اللي يمس سليم الجندي، كأنه مس أخويا.
ثم أخرج س*لاحه ووضعه على الطاولة وقال: قدامك دقيقتين بس قبل ما أسيب فراس يتصرف.
الراجل بدأ ين*هار، صوته يرتعش:اسمه نادر نادر الدهشان هو اللي دفع الفلوس هو اللي أمر!
فارس رفع نظره لفراس، والاتنين تبادلوا نظرة صامتة مليانة غضب.
قال فراس ببطء: اللعبة ابتدت.
ورد فارس ببرود قات*ل: لأ دي نهايت*هم اللي ابتدت دلوقتي.
بعد أيام من الصمت المليان توتر، وبعد ما عرف سليم من فارس وفراس إن نادر الدهشان هو السبب ورا محاولة اغ*تياله، قرر إنه يهدّي أعصابه شوية، أو بالأحرى يخدع نفسه بالهدوء قبل ما يبدأ حرب جديدة.
اقترح أيهم، بابتسامته الهادية المعتادة: يا سليم، خد سلسبيل وسافروا شوية حتى أسبوع واحد النفس محتاجة تروق، والعقل ما يعرفش يفكر في الح*رب وهو تعب*ان.
بصّله سليم وقال ببرود ظاهري يخفي تعب عميق: وأنا هسيب الدنيا تول*ع؟
رد أيهم وهو بيحط إيده على كتفه: الن*ار هتفضل موجودة، بس لو دخلتها وانت مجهد، هت*تحرق. اسمع كلامي يا صاحبي.
كانت مريم قاعدة بجانب سلسبيل، وشجعتها بابتسامة
رقيقة: سافري يا سلسبيل دي أول مرة تخرجي من الدوامة دي كلها، خديها راحة، لنفسك، مش علشانه بس.
وبالفعل، بعدها بيومين، كانت الطيارة بتقلع من مطار القاهرة.
سليم جالس بجانب سلسبيل في المقعد الجانبي، وهي متمسكة بذراع الكرسي وعينيها على النافذة.
قال لها بخفة: أول مرة تركبي طيارة؟
هزت راسها بالإيجاب وقالت بخ*وف واضح: أول مرة أخرج برا القاهرة أصلًا.
ضحك سليم وقال: يبقى هنبدأ كل حاجة جديدة ليكي، تبقى أنا السبب فيها.
أيهم ومريم كانوا في المقاعد القريبة، يتهامسون بهدوء.
مريم تبص لسليم وتقول:يمكن السفر ده هو اللي هيلم شتاتهم من تاني.
فيرد أيهم وهو بيبص ناحيتهم: يا رب، هو محتاج السلام أكتر من أي حد.
بعد ساعات وصلوا لمكان ساحلي في الجونة، البحر أزرق هادي، والفندق فخم لكن بعيد عن الزحمة.
سلسبيل كانت واقفة على البلكونة، شعرها بيتطاير من الهوا، وهي بتبص للموج.
دخل سليم ووقف وراها، بصوت واطي قال:البحر شبهك هادي من فوق، عميق من جوّه.
استدارت له، ابتسمت بخجل وقالت: وإنت شبه الموج ما يسيبش حاجة فحاله.
ضحك بخفة وقال: يمكن عشان بحب كل اللي بيتحدى سكوني.
قرب منها بهدوء، لمس وشها وقال: سلسبيل وعد، لو الأيام خدتنا في دوامة، تفضلي جنبي.
نظرت له بعينين فيها خ*وف وصدق:لو خ*دتني الأيام منك هتعرف ترجعني؟
سكت لحظة وقال: أنا ما بسيبش حاجة أحبها تضيع.
في نفس الوقت، في جناح أيهم ومريم كانت مريم بتحضر له شاي بالنعناع، وقالت له بابتسامة
بسيطة: شايف؟ يمكن السفر ده يبقى بداية خير ليهم.
رد أيهم وهو يقرأ في مصحف صغير: الخير دايمًا بيبدأ بالنية الطيبة، بس سليم لسه قلبه م*وجوع ربنا يهديه ويثبّت خطاه.
وبينما الجو كله راحة وهدوء، كان فارس بيستلم مكالمة على هاتفه في القاهرة صوت غامض قال له: نادر الدهشان عرف إن سليم عايش وقال كلمته:المرة دي مش هيقوم تاني.
فارس مسك الهاتف بقوة، وقال بنبرة حازمة: لو قرب منه، هتبقى ح*رب ما يشوفش آخرها.
كانت ريم واقفة قدام المِرآة، ترتّب طرحتها بإيدين بترتعش قلبها بيدق بسرعة غريبة، ووشها أحمر كأن الن*ار مسّته.
كانت الليلة خطوبتها ليلة ما صدّقتش إنها هتحصل أصلًا.
رفيقتها كانت معاها، بتضحك وتهزر تحاول تهوّن عليها التوتر: يا بنتي، هو مش هياكلك!
ردت ريم بخجل وهي تحاول تبتسم: مش عارفة أتعامل كل الناس بتبصلي، وحسّاني غريبة عن المكان.
كان الصالون مزين ببساطة، ورد أبيض على الطاولات، وشموع خفيفة مضيّة الأجواء.
شهاب الدسوقي، المدرس الجامعي الهادئ، كان واقف بيتكلم مع والدها بخطوات واثقة، بس عيونه كل شوية تسرق نظرة لريم، بنظرة فيها احترام ودفء واضح.
ولما نادى عليها والدها بصوت مليان فخر: ريم يا بنتي، تعالى سلمي على خطيبك.
حست كأن الأرض بتلف بيها، مشت بخطوات بطيئة، راسها منحني، مش قادرة تبصله.
وقف شهاب قدامها وقال بنبرة هادية مليانة أدب:مبروك يا ريم ربنا يجعلها بداية خير.
رفعت راسها بصعوبة، لمحت عيونه، فحست بحاجة غريبة جواها مش خوف، بس طمأنينة ناعمة كانت بتطغى على توترها.
مدّ إيده علشان يصافحها، فترددت لحظة، وبعدين مدت إيدها وهي بتبص في الأرض.
الله يبارك فيك، قالتها بصوت واطي جدًا.
الناس صفقوا، والموسيقى بدأت، وأبوها كان بيضحك، واضح عليه الرضا.
بس ريم كانت سرحانة، بتحاول تفهم إحساسها ليه قلبها مش بيرفض المرة دي؟ ليه حسّت إن نظرة شهاب مش زَيّ الباقيين؟
جلس شهاب جنبها بعد قليل، قال بهدوء يخفي اهتمامه: عارف إنك متوترة، بس خدي وقتك أنا مش مستعجل على حاجة أهم حاجة تكوني مرتاحة.
اتسعت عيناها بدهشة، لأول مرة حدّ يقولها كلمة مرتاحه ويقصدها بصدق.
ابتسمت بخجل وقالت:شكراً أنا بس مش متعودة على كده.
قال وهو ينظر للسقف كأنه بيهرب من عينيها: ولا أنا متعود على الخوف اللي شايفه في عينيك بس هتعلمي مع الوقت إن مش كل القلوب بت*وجع.
سكتت ريم، ودمعة صغيرة نزلت من غير ما تحس، مسحتها بسرعة وهي بتضحك بخفة علشان محدش يشوف.
بس شهاب لاحظ، وقال في نفسه بهدوء:الوعد الأول عمري ما هخليكي تبكي لوحدك تاني.
بعد ما انتهى الحفل، وراح الضيوف واحد ورا التاني، جلست ريم على سريرها، فستانها لسه عليها، بس طرحتها كانت مرمية على الكرسي.
كانت بتبص في الفراغ، مش عارفة إذا كانت مبسوطة ولا خايفة أكتر من الأول.
دخلت عليها صاحبتها ملك بابتسامة واسعة وهي شايلة صينية عصير: يا عروسة! وشك كان منوّر القاعة كلها.
ضحكت ريم بخجل وهي تقول: من الخ*وف يمكن، مش من النور.
جلست ملك جنبها وقالت: لأ، النهاردة كنتي مختلفة أول مرة أشوف فيكي الهدوء ده حتى لما كلمك شهاب، ملامحك كانت ساكنة كأنك مطمنة.
سكتت ريم شوية، وبصت ليدها اللي كان فيها الدبلة، وقالت بهمس: معرفش يمكن علشان كلامه.
قالك إيه؟
قال أنا مش مستعجل خدي وقتك الكلمة دي خلتني أحس بحاجة غريبة كأنه مش عايز ياخد مني حاجة، بالعكس، كأنه بيحميني.
ملك ابتسمت وقالت: شكله راجل كويس، يا ريم. يمكن ربنا عوّضك.
أخفضت ريم رأسها وقالت: يمكن بس الخ*وف لسه جوايا، مش عايزة أتعلق وأت*وجع تاني.
رنّ جوالها فجأة، نظرت للشاشة فت*جمدت ملامحها شهاب الدسوقي يتصل بكِ.
بصت لملك بارتباك، فقالت الأخيرة بحماس: ردي! مش معقول تسيبيه يتصل أول مرة وما ترديش.
رفعت ريم الهاتف لأذنها بصوت مرتعش: ألو.
جاء صوته هادئًا، دافئًا كنسمة ليلية: وصلتِ البيت؟
أيوه، الحمد لله.
كنت عايز أقولك حاجة قبل ما اليوم يخلص.
اتفضل.
أنا مش عايز أكون مجرد اسم في ورقة خطوبة نفسي أكون راحة ليكي، ومكان أمانك. مش لازم تردي دلوقتي، بس حبيت أقولها.
صمتت ريم لحظات، تحاول تمسك أنفاسها اللي اختلطت بخفقان قلبها، ثم قالت بخفوت: شكراً يمكن دي أول مرة أحس إن في حد بيحاول يفهمني.
ضحك بخفة وقال: وأنا عندي صبر طويل جدًا، يا ريم تصبحين على خير.
وأنت من أهله.
أغلقت الخط وهي تشعر بشيء دافئ بين ضلوعها لأول مرة منذ سنين، حسّت إن الليل مش مخيف كعادته، وإن في صوت رجولي محترم قدر يطفّي جزء من خ*وفها القديم.
نامت ريم وابتسامتها صغيرة، لكنها صادقة.
كانت ريم تمشي بخطوات متوترة في ممرات الجامعة، تشعر بأن كل العيون عليها.
منذ إعلان خطوبتها للدكتور شهاب الدسوقي، صارت الهمسات تلاحقها:معقولة؟ الدكتور شهاب خطب طالبة؟
ده بي*موت فيها من أول ما دخلت الكلية!
كانت تحاول تتجاهلهم، رأسها منخفض ووجهها محمر، حتى سمعت صوتًا مألوفًا يقول بنبرة حازمة لكنها هادئة:ريم!
توقفت في مكانها، التفتت، فوجدته قادمًا بخطوات ثابتة، يحمل في يده ملفًا، وملامحه جادة كالعادة.
ارتبكت وقالت بخجل: دكتور شهاب.
قلتلك بلاش دكتور.
آسفة عادتك معايا في القاعة.
وأنا قلتلك خلاص، إحنا خارج القاعة مش طلبة ودكاترة.
لاحظ نظرات بعض الشبان الواقفين قريبًا، أحدهم كان يضحك وهو يرمق ريم بجرأة، فاشتعلت ملامح شهاب دون أن يتكلم، اقترب منها أكثر بخطوة جعلت الشاب يصرف بصره فورًا.
قال بنبرة خافتة لكن ح*ادة: ما تحبيش تمشي لوحدك كده، خصوصًا وقت الزحمة.
نظرت له بدهشة وقالت:هو في مشكلة؟
لا، بس مش بحب حد يبصلك بالشكل ده.
كلماته خرجت عفوية، أقرب إلى اعتراف خفي، جعلت وجهها يحمرّ أكثر، فخفضت نظرها وهمست: إحنا لسه ما نعرفش بعض كويس يا شهاب.
وده اللي أنا ناوي أغيّره.
سار بجانبها حتى وصلوا إلى الكافيتريا، جلسا على طاولة جانبية، وهي تشعر أن كل نبضة في صدرها مسموعة.
مدّ لها كوب العصير وقال بابتسامة خفيفة: متقلقيش، مش هأكلك.
ضحكت بخجل:شكلك وانت غاضب يخوف أصلًا.
الغيرة بتخليني أفقد أعصابي أحيانًا.
غيرة؟
أيوه، غيرة مش ناوي أخفيها لما أشوف حد بيحاول يقرّب منك، بحس نار بتشتعل جوايا.
بصت له بدهشة، ثم قالت بخفوت: بس أنا مش عملت حاجة تغضبك.
عارف وأنا مش زعلان منك بس خديها وعد مني، طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يؤذيك أو يقرب منك بكلمة.
سكتت ريم، وفي قلبها خليط من الخوف والأمان.
كان كلامه فيه قسوة، لكنه في نفس الوقت طمأنها بشكل غريب.
رفع بصره نحوها وقال: على فكرة، بكره عندي محاضرة خفيفة الصبح وبعدها ممكن أستناك برا، نخرج نتكلم شوية، بس من غير خوف ولا توتر.
هشوف.
لا، شوفي بسرعة مش عايز أسباب للهروب المرة دي.
ضحكت بخفة، فابتسم هو أخيرًا، وبدت ملامحه أكثر دفئًا مما رأته من قبل.
كانت كريمة قاعدة في البلكونة القديمة، نفس المكان اللي كانت بتقضي فيه لياليها تبكي على حالها،
لكن المرة دي الوضع اختلف الهوى داخل ومعاه ريحة قهوة، ومحروس جاي من المطبخ شايل الفنجانين بنفسه.
قال بابتسامة خفيفة وهو بيقرب منها: لسه بتحبي القهوة على ريحتها زي زمان؟
رفعت عينيها له بتردد، وقالت بنبرة فيها دفء
خفيف: على ريحتها بس، الطعم بقى مرّ زي الحياة.
ضحك وقال:يمكن لو شربتيها معايا تبقى أحلى.
حط الفنجان قدامها وقعد قصادها، نظرها ليه كان فيه حيرة الراجل اللي قدامها هو نفس اللي ك*سرها زمان، نفس اللي خلى ولادها يبعدوا عنها،
بس في ملامحه دلوقتي في حاجة مختلفة حنية مش معتادة.
قال وهو بيتنهد: كريمة أنا غلطت، كتير.
سكت لحظة، وكمل: بس كنت فاكر إن الرجولة إن الواحد يفرض كلمته، وإن الست لو كانت طيبة لازم تت*قهر.
وافتكرت إمتى إنك غل*طان؟
لما شوفتك بتتعبي لوحدك، وبتواجهي كل حاجة من غير ما تشتكي.
افتكرت لما خس*رّتني ضنايا؟
أيوه حسام نفسه قالي، يا بابا، أمي ما تستاهلش اللي عملناه فيها.
الدموع لمعت في عينيها، لكنها خبّتها بابتسامة بسيطة
وقالت: الدنيا بتدور يا محروس، بس مش دايمًا بتصلّح اللي بوّظت*ه.
يمكن مش تصلّح، بس ممكن نبدأ من جديد.
سكتوا شوية، والهدوء كان جميل صوت العصافير والهوى، وكأن الزمن رجعهم لأول أيام زواجهم لما كانوا بيضحكوا على أتفه سبب.
مد يده وقال بخجل:تسمحيلي نبدأ من الأول يا كريمة؟
الأول؟
أيوه أنا اللي هطبخ النهارده، وإنتي ترتاحي.
ضحكت بصوت عالي لأول مرة من سنين، وقالت:ده لو الأكل ماولعش في المطبخ.
لو ولّ*ع، نطفيه سوا المهم متسيبينيش لوحدي تاني.
بصت له طويلاً، وفي قلبها خليط من الغفران والحذر، لكنها شعرت بحاجة كانت مفتقداها من سنين الأمان.
في اللحظة دي، حسّت إن الحياة ممكن تبتدي تاني، وإن الحب الحقيقي مش دايمًا بيكون في الكلام
أحيانًا بيكون في نظرة، أو فنجان قهوة بسيط بعد تعب سنين.
كانت الشمس داخلة من شباك الصالة، رايحة على الحيطة اللي كانت باهتة من كتر السنين،
لكن النهارده النور فيها مختلف.
كريمة وقفة في المطبخ، ريحة الطبيخ مالية المكان، ووشها هادي وهي بتغرف الأكل.
سمعت صوت ضحك جاي من الصالة، صوت آسر وحسام بيتكلموا في حاجة خفيفة.
اتجمدت لحظة، مش مصدقة أذنها من زمان البيت ده ما سمعش صوت ضحك،
ولا حتى كلمة حلوة من أولادها.
دخلت الصالة وهي شايلة الأطباق وقالت:مالكم بتضحكوا على إيه؟
آسر بصّ لها بابتسامة وقال: بنحكي لحسام على الموقف اللي حصللي امبارح وأنابشتغل مع أبي، لما وقعت على وشّي وأنا شايل الكرتونة.
ضحكت كريمة بخفة: هو إنت لسه زي زمان يا آسر، كل حاجة تتحول لمشكلة عندك!
قال حسام وهو بيضحك: بس المره دي أمي، وقعته كانت مضحكة فعلاً.
الضحكة خرجت منهم كلهم مرة واحدة، كانت بسيطة، لكنها كسرت حاجز كبير بينهم.
جلس محروس معاهم، وشال اللقمة من الطبق
وقال: الأكل النهارده ريحته تفتح النفس.
أنا اللي عملته.
قالتها كريمة بابتسامة فخر خفيفة.
رد عليها بلطف: واضح إنك رجعتي زمانك الجميل زمان كنتِ بتعملي الأكل ده مخصوص ليّا.
غمزها آسر وقال: يا سلام، رجعوا الرومانسية القديمة ولا إيه؟
ضحكوا كلهم، ووجّهت كريمة نظرة عتاب لآسر وقالت له بخجل: اسكت يا ولد، انت مالك!
لكنها كانت مبسوطة جواها شعور جديد،
مش بس بالفرحة، لكن بالطمأنينة، بالدفء اللي كانت بتفتقده من سنين.
بعد العشاء، دخل حسام المطبخ وقال بخجل: ماما ممكن أساعدك في المواعين؟
بصت له بدهشة وسكوت طويل،
هو نفس الولد اللي كان من شهور بس بيدفعها وبيقولها كلام يوجع القلب،
ودلوقتي بيطلب يساعدها؟
دموعها نزلت غصب عنها، حاولت تمسحها بسرعة وقالت بابتسامة: تعال يا حبيبي تعالى ساعدني.
وقفت جنبه، بتغسل وهو بيشطف، والمياه بتجري،
لكن جواها كانت بتغسل سنين وجع طويلة.
في اللحظة دي، فهمت إن ربنا ما بينساش دعوة أم بتوجعها الحياة،
وإن حتى بعد الانك*سار، ممكن تجي لحظة صغيرة تغيّر كل حاجة.
رواية حياة مراهقة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماء السرسي
كانت كريمة قاعدة في البلكونة الصغيرة بعد ما الأولاد ناموا، النسمة الباردة بتداعب طرحتها وهي شايلة فنجان الشاي.
سمعت خطوات محروس وهو داخل بهدوء، جايب كرسي وقعد جنبها من غير ما يتكلم.
فضلوا ساكتين شوية، لحد ما قال بصوت واطي: بقالنا كتير ما قعدناش كده من غير زع*ل ولا خ*صام.
ردت وهي تبص قدامها:اللي بينّا وج*ع كبير يا محروس، مش سهل يتنسي.
قال بأسى: عارف بس يمكن لو الزمن رجع، كنت اخترت أفضّل معاكي مهما حصل.
بصت له بنظرة فيها خليط من الدهشة والحنين وقالت:وانت فاكر الكلام ده سهل عليا؟ أنا اللي شلت الحمل كله لوحدي، وانت كنت في دنيا تانية.
سكت لحظة وقال وهو يمدّ إيده فوق الطاولة
الصغيرة:خلاص يا كريمة، ما تفتحيش وج*ع القديم، خلينا نبدأ من أول وجديد يمكن ربنا يرضى علينا.
نزلت دمعة على خدها وقالت بخفوت: يا رب تكون صادق المرة دي.
ابتسم بخفة وقال: والله صادق، ومش عايز أشوف في عينيك غير الراحة.
فابتسمت هي كمان، لأول مرة من سنين.
أما في قصر سليم، الجو مختلف تمامًا.
كانت سلسبيل قاعدة في الصالة، تقلب في مجلة وهي بتحاول تتجاهله،
بينما هو واقف بيكلمها بنبرة فيها لعب واضح:إيه يا سلسبيل؟ هو الجواز منك خلّاك متكبرة عليا ولا إيه؟
رفعت عينيها له وقالت ببرود: أنا مش متكبرة، بس مش فاضية لمشاكساتك يا سليم.
قرب منها خطوة بخطوة، لحد ما بقت المسافة بينهم صغيرة جدًا وقال بنغمة ماكرة: مشاكسات إيه؟ أنا راجل هادي خالص.
ضحكت بسخرية: هادي؟ إنت آخر حاجة ممكن تتوصف بيها الهدوء!
ابتسم وقال:يمكن، بس معاكي بحاول أكون مختلف.
سكتت، قلبها دق بسرعة، مش عارفة ترد، فغيّرت الموضوع بسرعة وقالت: مش المفروض عندك شغل؟
قال بثقة:خلّصته، عشان أفضى أضايقك شوية.
هزت راسها وهي تكتم ابتسامة صغيرة،
وسابها ومشى، بس ضحكته كانت باينة هو عارف إنها بدأت تتأثر بيه، حتى لو بتحاول تخبي.
وفي الجهة التانية، كان أيهم ومريم قاعدين على الشرفة الكبيرة،
القمر منور المكان وصوت البحر بعيد يوصل خفيف.
مريم قالت بخجل: إنت عارف، عمري ما كنت أتخيل إنك تبقى بالشكل ده، هادي وكريم كده.
ضحك وقال: وأنا عمري ما كنت أتخيل إن ربنا يرزقني بواحدة زيك.
بطل تقول كده.
ليه؟ أنا مبسوط، وده مش ذن*ب.
مدّ إيده على شعرها بلطف وقال:ربنا عوضني بيكي، يا مريم.
ابتسمت هي والدمعة في عينها وقالت:وأنا كمان، يمكن كنت فاقدة الأمان لحد ما جيت.
ضمها بخفة وقال وهو ينظر للسماء: الأمان مش في المكان يا مريم، الأمان في الناس وأنا ناوي أكون أمانك لآخر يوم في عمري.
كانت سلسبيل واقفة قدام المراية في غرفتها،
بتسرّح شعرها بعصبية، وكل شوية تبص لوشها كأنها بتحاول تقرأ في ملامحها حاجة مش مفهومة.
همست لنفسها:إيه اللي بيحصلي؟ ليه كل مرة يبصلي كده قلبي يدق بالشكل ده؟
قعدت على طرف السرير، واخدت نفس عميق وهي تفكر في كل موقف بينهم كلامه المبطّن، ضحكته اللي بتغلبها،
وغيرته اللي بتظهر في أبسط التفاصيل حتى من غير ما يقولها صراحة.
لسه بتفكر، لما سمعت الباب يخبط.
صوته جه من ورا الباب، هادي وواثق كالعادة:ممكن أدخل؟
ترددت لحظة وقالت:اتفضل.
دخل سليم بخطوات ثابتة، لابس قميص مفتوح الزرار الأول، وريحة عطره غطت المكان.
قال بابتسامة جانبية:شكلك كنتِ بتفكري فيا، صح؟
نظرت له بسرعة وقالت بتوتر: متخيل نفسك محور الكون ولا إيه؟
ضحك وقال: لا، بس في حاجات بتتقال من غير كلام.
قلبها دق بقوة، فحاولت تغيّر نغمة الحوار: كنت عايز إيه يا سليم؟
قال وهو يقف قريب منها أكتر مما يلزم:بس كنت عايز أطمن إنك بخير بعد اللي حصل امبارح في العشا، واضح إنك اتضايقت.
أنا بخير، وما فيش داعي تتدخل في كل حاجة تخصني.
رد بهدوء: لما تخصك تبقى تخصني برضه.
اتجمدت في مكانها، وابتلعت ريقها بصعوبة.
إنت ليه دايمًا بتتكلم كده؟
قال بنبرة فيها صدق نادر: يمكن عشان بحاول أوضح اللي مش قادر أقوله بصراحة.
وساعتها يعني؟ أصدق إيه؟
أصدق إنك بقيتِ تهميني أكتر من اللي كنت متخيل.
سكتت سلسبيل، عيونها ارتبكت، ودمها سخن في عروقها.
حاولت تتكلم لكن صوتها اختفى.
هو لاحظ ده، فابتسم وقال بلطف:خلاص، مش لازم تقولي حاجة.
استدار وخرج بهدوء، تارك ورا صمته أثر كبير.
لما الباب اتقفل، لمّت نفسها على السرير، وضغطت على صدرها بإيديها،
وقالت بصوت واطي مرتعش:لأ أنا مش هقع في حبه. مش ممكن أكرّر نفس الغلط.
لكن جوّاها كانت عارفة إن قلبها بدأ فعلاً يتكسر أمامه،
وإن الهروب بقى مستحيل.
مرّت الأيام بهدوء غريب، وبدأت سلسبيل تلاحظ تغيّر سليم.
بقى أكثر لطفًا، صوته ناعم لما يكلمها،
يتحجج دايمًا بقربه منها خايف عليكِ، الجو برد، متتعبيش نفسك كلام بسيط، لكن في كل مرة كانت تحسّ بدفا غريب يتسلل لقلبها،
وتتساءل بين نفسها: هو بيهتم بيّا كده ليه؟
وفي خضم كل ده،
جت أخبار زواج فارس من ابنة عمه ليلى.
الكل انشغل بالتحضيرات، البيت امتلأ زينة وضحك،
وسليم رغم سعادته لصاحبه، كان حاسس بحاجة ناقصة.
في ليلة الفرح، لبست سلسبيل فستان هادي بلون السماء،
بسيط لكنه أبرز ملامحها الهادئة.
ولما دخلت القاعة، كان سليم واقف بيتكلم مع أيهم،
بس أول ما شافها الوقت وقف.
نسي كل حاجة حواليه الزفة، الموسيقى، الضيوف.
بس هي، بخجلها وبسمتها الخفيفة، كانت كفاية تخليه ينسى العالم.
اقترب منها ببطء وقال بصوت واطي:انتي دايمًا تعرفي إزاي تسرقي الأنظار من غير ما تعملي حاجة.
ابتسمت في خجل: أنا؟ ده فارس هو العريس مش أنا.
ضحك بخفة وقال:العريس محظوظ إنه شافك النهارده.
مرّت اللحظات، والليلة كانت مليانة فرح،
لكن في عيون فارس، كان فيه شيء مختلف.
بين السعادة والارتباك، كأنه بيتزوج بعقله مش بقلبه.
أما ليلى فكانت بتحبه من زمان، بس ما قالتش،
وسعيده إنها أخيرًا أصبحت زوجته حتى لو هو مش واقع في حبها بعد.
في نهاية الفرح، وقف سليم مع فارس برا القاعة،
قال له وهو يربت على كتفه: مبروك يا فارس، تستاهل كل خير.
ابتسم فارس وقال: شكلي الوحيد اللي متجوز ومش مصدق اللي حصل.
رد سليم بابتسامة فيها معنى: ساعات النصيب بييجي من غير ما نحس بس المهم نحافظ عليه.
رجع سليم بعدها بيته، ووقف قدام باب أوضته،
سمع ضحكة سلسبيل جايه من المطبخ وهي بتحكي لمريم عن الفرح.
ابتسم لنفسه وقال: يمكن أنا اللي دوري جاي.
كانت سلسبيل في اليوم التالي بعد الفرح بمزاج رايق،
قررت تروح مع مريم للمول يشتروا شوية حاجات.
ضحك وبساطة البنات ملوا الجو،
وسليم كان في مكتبه، لكن عينه على هاتفه كل شوية
من غير سبب واضح أو يمكن السبب كان واضح جدًا.
رن هاتفها، رقم مجهول، ترددت لكنها أجابت.
صوت شاب قال بابتسامة متوددة:مساء الخير، أنا سامر كنا مع بعض في الفرح امبارح، فاكرة؟
تفاجأت سلسبيل: آه، بس إزاي عرفت رقمي؟
ضحك وقال: بسيطة، كنت محتاجة مساعدتي في التصوير، فخدت الرقم من فارس.
كانت ناوية تنهي المكالمة، لكن القدر خلّى سليم يدخل المكان في نفس اللحظة.
وقف وراها بدون ما تتنبه، وسمع جزء من المكالمة.
عيونه اتسعت، نبرة صوته اتغيرت: سامر؟!
انتفضت سلسبيل وأغلقت الهاتف بسرعة.
سليم! إنت هنا من إمتى؟
قال وهو يعقد ذراعيه: من وقت كفاية أسمع اسم واحد مش المفروض يتقال.
اتلخبطت كلماتها: ده مجرد مكالمة عادية.
قاطعها بحدة، وصوته نازل بهدوء يخفي ناره:مفيش حاجة اسمها مكالمة عادية لما فيها راجل بيكلم مراتي.
اتجمدت سلسبيل، قلبها يدق بقوة.
هو نطقها للمرة الأولى: مراتي.
نظرت له بدهشة ممزوجة بخوف: سليم، إنت بتبالغ.
اقترب منها خطوة، عيونه سوداء فيها بريق غيرة شرسة: يمكن بس أنا راجل مش بعرف أشارك اللي ليا، فاهمة؟
حاولت ترد، لكنه أكمل بصوت أخف: أنا مش زعلان منك، بس عايزك تفهمي إنك من اللحظة دي ليّ أنا.
مرت لحظة صمت طويلة،
نظراتهم تلاقت، ما بين الخ*وف والدفا، بين الغضب والحنين.
كانت سلسبيل تشعر إنه غاض*ب لكنه في العمق خائ*ف عليها.
وهي لأول مرة، ما قدرتش ترد عليه،
فقط تمتمت بخفوت: حاضر يا سليم.
وابتسم بخفة وقال:كده أحسن.
رواية حياة مراهقة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماء السرسي
بعد الموقف، رجعت سلسبيل لشقتها وهي متوترة،مش عارفة تزعل ولا تخاف ولا تضحك على رد فعله الغريب.
جلست على طرف السرير، تخلع حجابها بهدوء ودموعها بتنزل من غير صوت.
كانت حاسة إنها اتكتمت، وإنه ما حاولش يفهمها.
بعد دقائق، سُمِع طرق خفيف على الباب.
ترددت، لكنها لما فتحت كان سليم واقف،وشكله متغير لا في عصبية، ولا في ق*سوة.
في إيده باقة ورد حمراء، وفي التانية كيس صغير.
قال بنبرة منخفضة: ممكن أدخل ولا لسه زعلانة؟
ما ردتش، فدخل بهدوء، حط الورد على الطاولة،وقعد على الكرسي المقابل، عينه ما بتفارقها.
أنا آسف، صوتي علا شوية.
رفعت نظرها ليه بصمت، فقال: يمكن مش بتعود أسيب اللي بحبه يت*أذي ولا حتى يسمع كلمة تزعله.
اقترب منها خطوة خطوة،
فتح الكيس، طلع منه علبة صغيرة فيها قلادة فضة بسيطة،شكلها راقي وناعم جدًا،
وقال بابتسامة خفيفة: دي مش تعويض عن الكلام، دي وعد إني أحاول أكون أهدى المرة الجاية.
حاولت تمسك دموعها، لكنها قالت بخفوت: أنا ما كنتش غلطانة يا سليم.
اقترب منها أكتر، رفع وجهها بإصبعه برقة
وقال: عارف بس الغيرة أوقات بتعميني، وده مش مبرر، أنا عارف.
نزل على ركبته أمامها، نظر في عينيها وقال بصدق: كل اللي بطلبه منك إنك تصبري عليّ شوية يمكن أتعلم إزاي أكون زوج كويس.
ابتسمت سلسبيل، ودمعة نزلت على خدها.
مد يده ومسحها بلطف وهو يقول: مبحبش أشوف دموعك، ولا عايزك تخافي مني تاني.
ثم وقف، ومد يده ناحيتها: تعالي، نطلع نمشي شوية في الجنينة، محتاج أسمع ضحكتك بدل الزعل.
نظرت له لحظة، ثم أمسكت يده بخجل.
وفي تلك اللحظة، كانت تحس لأول مرة أن الغموض اللي حواليه فيه دفء خفي دفء رجل قوي، لكنه حين يحب، يلين أمام من ملكت قلبه.
كانت الليلة هادئة، والنسيم بيهفهف برفق وسط أشجار الجنينة الواسعة حوالين القصر.
الممرات مضاءة بفوانيس صغيرة لونها ذهبي، والجو فيه ريحة ورد وياسمين.
سارت سلسبيل بجانب سليم، خطواتها بطيئة وحذرة، بتحاول تهرب من صمته اللي بيخلي قلبها يدق بسرعة.
كان لابس قميص أسود مفتوح من الأعلى، شعره متلخبط شوية، وعينه فيها نظرة مش مفهومة مزيج بين الشوق والحنين والهيبة.
قال وهو ماشي جنبها: كنت فاكر إنك هتطرديني بعد اللي حصل.
ابتسمت بخجل وقالت:كنت ناوية بصراحة بس الورد شفعلك.
ضحك بخفة، ضحكته كانت نادرة، دافئة لدرجة خلتها تنظر له بدون ما تحس.
يعني لو كل مرة زعلتي أجيب ورد، هتسامحيني؟
ردّت بابتسامة صغيرة: على حسب نوع الغلط.
وقف قدامها، قرب منها خطوة،
وصوته بقى أهدى: طب والغلط اللي أنا فيه دلوقتي؟
قالتها بخفوت: أنت عامل إيه دلوقتي؟
همس وهو بيبصلها بعينين سكنها الحب لأول مرة: بغلط إني ببصلك كده بس مش قادر أبطل.
احمرّ وجهها، وحاولت تغيّر الموضوع بسرعة: الجو جميل النهارده.
ضحك وقال: وانتي الأجمل فيه.
مشت قدامه شوية بخجل،
وفي لحظة وقفت لما شافت فراشة نازلة على وردة قدامها.
مدت إيدها برقة، والفراشة وقفت على كفها،
ابتسمت، والضوء الذهبي كان بينعكس على ملامحها النقية.
اقترب سليم بهدوء،
نظر إليها كأن الزمن وقف،
وقال بصوت خافت: عمري ما شفت حاجة بريئة بالشكل ده لا الفراشة، ولا انتي.
التفتت له،
ولوهلة حسّت إن كل خ*وفها القديم تلاشى،كأنها بتحس بالأمان وسط هيبته، وكأن العتمة اللي في قلبه بدأت تذوب مع ابتسامتها.
ظلوا كده لدقايق طويلة،صمت بينه وبينها، لكنه مليان كلام مش قادرين يقولوه.
وبينما القمر بينعكس على الممرات،
قال سليم بهدوء: يمكن الليلة دي تكون بداية جديدة لينا يا سلسبيل.
ردت بصوت خافت وهي تبص له بعينيها
اللامعتين: يمكن لو أنت فعلاً ناوي تبدأها بصدق.
قال وهو بيقرب منها بخطوة واحدة: صدقيني، أنا أول مرة في حياتي عايز أبدأ صح.
كانت شمس الصبح بتتسلل من شبابيك القصر،وسكون لطيف مغلف المكان بعد ليلة طويلة مليانة مشاعر.
استيقظت سلسبيل لوحدها، مددت يدها ناحية السرير،
لكن ما كانش فيه حد نظرت حوالينها، كل حاجة مرتبة، كأن سليم اختفى بهدوء،بس ريحته كانت لسه عالوسادة قوية، رجولية، مطمئنة.
قامت ولفّت الشال على كتفها، مشت في الممرات،البيت كان ساكت بس قلبها كان مليان فراغ.
همست وهي تمشي: أول شهر بعد الجواز والبيت فاضي؟
وفي اللحظة دي،كان سليم الجندي راكب عربيتُه السودا، متجه لشغله،
وجهه جامد لكن ملامحه فيها أثر سهر،وأفكاره لسه معلقة بضحكتها اللي ما فارقته من امبارح.
على الجانب التاني من المدينة،في شقة صغيرة دافية،كان أيهم الراوي قاعد جنب مريم اللي بتضحك بخجل،وإيده على بطنها برقة.
قال بفرحة خالصة:يعني خلاص؟ متأكدة يا مريم؟
ضحكت وهي تمسح دمعة من فرحتها: أيوه يا أيهم، أنا حامل.
وقف فجأة، ضحك من قلبه،قرب منها وقبّل جبينها وقال:الحمد لله يا رب ده أحلى خبر سمعته في حياتي.
ثم جلس جنبها، حط إيده على بطنها وقال: ربنا يتمملك بخير يا مريم هعلمه يحب ربنا زيي، ويحبك أكتر مني.
ابتسمت وهي تهمس: وأنا هعلمه يبقى حنين زيك.
في اللحظة نفسها تقريبًا،في أحد مكاتب الأمن الاقتصادي،
كانت الأصوات عالية،والضباط بيتكلموا بحزم: قبضنا عليه يا فندم، نادر الدهشان في الإيد.
اتقفل الملف بختم أحمر،وانتهت أسطورة رجل الأعمال اللي ماحدش قدر يلمسه.
وشوارع القاهرة كلها كانت بتحكي عن سقوطه،اللي حاول ينافس سليم الجندي وانتهى به المطاف ورا القضبان.
أما بعيد عن كل ده،
في بيت كبير تاني،
كانت ليلى زوجة فارس بتقف قدام المراية،تحاول تضبط شعرها، وتختار فستان جديد.
بصت لنفسها وقالت بخفوت: يمكن النهارده يلاحظني يمكن المرة دي يبصلي مش يعدّي كأني مش موجودة.
دخل فارس، لابس بدلة رمادية، ماسك ملف بيده.
رفعت عينيها بسرعة وقالت بخجل مصطنع: رايح الشغل بدري كده؟
قال بدون ما يطّلع فيها: عندي شغل مهم، متأخريش على الدكتور.
سكتت لحظة، ثم قالت: نفسي مرّة تسألني عن نفسي، عن اللي بحبه أو بزعل منه.
وقف مكانه، اتنهد وقال: ليلى أنا بحاول أظبط حياتنا، مش عايز مشاكل.
قالت وهي تحبس دمعتها: وأنا عايزة اهتمام مش أكتر.
خرج من غير كلمة، وهي فضلت تبص وراه لحد ما اختفى،تحاول تفهم هو ليه دايمًا بعيد كده،
هو اتجوزها بعقله بس قلبه لسه مش ليها.
رجع الليل بهدوءه، والهواء كان بارد خفيف بيداعب ستاير الشقة الكبيرة.
كانت سلسبيل قاعدة في الصالون، لابسة فستان بسيط بلون السما، شعرها مفكوك ووشها باين عليه التردد من ساعة ما خرج سليم وهي حاسة بحاجة غريبة، مش عارفة هي اشتياق ولا خوف.
سمعت صوت الباب الخارجي،
خطوات تقيلة، ثابتة، وريحة العطر اللي بقت تعرفها كويس.
دخل سليم الجندي، ملامحه مرهقة بس العيون العيون فيها شرارة دفء نادرة الظهور.
قال بصوته العميق: كنتِ مستنياني؟
حاولت تخبي توترها، قامت بسرعة وقالت وهي تبتسم ابتسامة صغيرة: لأ كنت بشوف التلفزيون.
ضحك بخفوت، بص لها وهو بيخلع الجاكيت: التلفزيون بيفرحك كده؟
سكتت لحظة وقالت بخجل:هو اللي قدامي.
قرب منها بخطوات بطيئة،وقف قريب جدًا لدرجة إنها سمعت أنفاسه،
قال وهو بينظر ليها بعينين فيها شيء جديد عليها: وأنا مش كفاية اللي قدامك؟
حست بدقات قلبها بتجري جري،بعدت خطوة وقالت بهمس:أنا مش عارفة أرد.
ضحك بخفة وقال: مترديش، بس خدي بالك أنا مش بحب التجاهل.
قعد على الكرسي المقابل ليها،مسك كوب العصير اللي كانت حطاه على الطاولة وقال:بتفكرى ف إيه يا سلسبيل؟
قالت وهي تبص في الأرض: في حاجات كتير في اللي فات، واللي جاي، وفي نفسي خايفة من المستقبل.
ابتسم وقال: الخوف ده طبيعي، بس طول ما أنا حواليك محدش يقدر ي*ؤذيك.
رفعت عينيها ببطء، شافت في نظرته صدق غريب، فيه قوة بس كمان فيه حنية مخفية.
قالت بخفوت: حتى لو اللي هي*ؤذيني هو أنت؟
سكت لحظة، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:ساعتها هأحميك مني قبل أي حد.
مرت لحظة صمت، فيها كلام كتير متقالش.
قامت وقالت وهي بتضحك بخفة:هجهزلك العشا، أكيد جعان.
رد بنبرة دافية: لأ، جعان لحاجة تانية.
اتسعت عينيها بدهشة وارتباك،لكن قبل ما تتكلم، قام هو، قرب منها ولمس خدها بإيده وقال: جعان راحة، جعان هدوء جعان وشك اللي بيخليني أنسى تعب الدنيا.
اتسمرت مكانها، أول مرة تشوف سليم الجندي بالشكل ده،
مش الزعيم اللي الكل بيخاف منه لكن الراجل اللي جواه طفل تايه بيدور على دفء بسيط.
قرب منها وقال بخفوت: وعد، ما تسيبينيش زي ما الدنيا كلها سابتني.
ردت وهي تبكي من غير ما تحس:طول ما قلبي بيرف لما أشوفك، مش ممكن أسيبك.
مد إيده بهدوء ومسح دمعتها،وقال: وأنا وعد، مش هخلي دمعة تاني تنزل منك وهو يضمها بحنان ويقب*ل وجهها وبعد ذلك غابوا في عالمهما الخاص.
كانت ليلى قاعدة على طرف السرير، ويديها مضمتين في حجرها،
والصمت مالي أوضة النوم اللي بدأت تحس إنها أبرد مكان في البيت.
الساعة عدّت منتصف الليل، وفارس لسه في مكتبه، كالعادة،مشغول بشغله، أو يمكن متعمد يبعد عنها هي ما عادتش قادرة تفرّق.
تنهدت بصوت خافت، ودمعة نزلت على خدها من غير ما تحس،
حاولت تمسحها بسرعة، كأنها بتخاف حد يشوف ضعفها،حتى وهو مش معاها.
فتح الباب، ودخل فارس بهدوء.
كان ماسك ملفات بإيده، وعينيه راكزة على الأرض،
ولا كأنه شايفها.
قال بجفاف: لسه صاحية؟
ردت وهي بتحاول تثبت نبرتها: مستنياك.
رفع عينيه ليها، فيها تعب واضح بس برده فيها برود.
قلت لك ما تستنيش، نامي بدري.
قالتها بصوت مهزوز: يعني خلاص؟ حتى وجودي بقي عبء؟
اتسع صدره بتنهد طويل، حط الملف على الطاولة
وقال: ليلى، أنا مش ناقص جدال اليوم كان طويل ومليان مشاكل.
وقفت فجأة، صوتها خرج متقطع: وأنا؟ أنا مش مشكلة؟
كل يوم بترجع متعب، ما بتبصليش، ما بتسألش عني،
ولا حتى بتحاول تسمعني أنا مراتك يا فارس، مش قطعة أثاث في البيت!
سكت فارس، وشها المليان حزن كان كفاية يك*سره لو بس سمح لنفسه يحس.
لكنه اختار يهرب كالعادة.
قال بنبرة منخفضة لكنها قاس*ية: ليلى، في حاجات أهم من الكلام الفاضي ده.
سكتت، ودموعها بدأت تنزل بصمت.
همست وهي بتبص في الأرض: ما فيش حاجة أهم من قلب بيحبك.
لكن هو ما ردش.
راح ناحية الدولاب، طلع بيجامته،
وقال: بكرة عندي اجتماع بدري، خليكي نامي.
دخل الحمّام، والباب اتقفل وراه بهدوء،لكن الهدوء ده كان أسوأ من أي صرخة.
ليلى وقفت قدام المراية، بصت لنفسها،وقالت وهي تمسح دموعها:يمكن لو كنت غيري كنت شفتني.
لمست بطنها بخفة، كأنها بتحاول تستمد منه القوة،وقالت
بهمس: حتى لو ما حبنيش، هحب اللي جاي مننا يمكن يغيره.
وفي اللحظة دي، كانت قررت حاجة جواها،إنها مش هتستسلم للحزن،بس كمان مش هتفضل دايمًا تنتظر منه نظرة تعطف.
هتبدأ تحب نفسها، وتخلي الأيام تثبت لفارس
إن اللي ضيّعه مش مجرد حب دي كانت حياة.
رواية حياة مراهقة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماء السرسي
من بعد الليلة دي، ليلى ما بقتش زي الأول.
ما عادتش بتستناه يصحى أو يرجع من شغله.
بقت تصحى بدري، تجهز نفسها، تخرج تزور أهلها أو تروح النادي،
وترجع مبتسمة، كأنها نفضت عن قلبها وجع السنين.
كانت بقت تضحك أكتر، تهتم بنفسها،لبسها أنيق، شعرها دايمًا مرتب،وحتى صوتها لما تكلمه بقى هادي، بلا عتاب، بلا انتظار.
في البداية، فارس تجاهل التغيير.
قال في نفسه:يمكن فترة وتزهق.
لكن الأيام عدّت وليلى بقت فعلاً مختلفة.
دخل يوم عليهم في الصالة، لقاها قاعدة على الكنبة،
بتضحك وهي بتتكلم في التليفون مع أختها.
ضحكتها كانت دافية، نغمتها خفيفة،
وكأنها نسيت تمامًا وجوده.
وقف لحظة يتأملها،وفي قلبه حاجة اتحركت من غير إذنه.
هي بتضحك كده من غيري؟
لكن سرعان ما رسم على وجهه الجمود المعتاد،
وقال ببرود: شكلك مبسوطة النهارده.
التفتت ليه بابتسامة خفيفة: آه، كنت بكلم هالة بنفكر نطلع مشوار بكرة.
قال بنبرة محايدة: لوحدكم؟
آه، ليه؟
لا بسأل.
سكت.
رجع يقلب في أوراقه على الطاولة كأنه مش مهتم،
لكن ودنه معاها،
وعقله مش عارف يركز.
وبالليل، وهو في مكتبه،فضل يسمع صوتها وهي بتتكلم مع نفسها في المطبخ،تغني بصوت واطي، نفس الأغنية اللي كانت دايمًا تغنيها زمان قبل ما الحزن يملأ بيتهم.
حس بحاجة بتخنقه،مش غيرة واضحة ولا حب معلن لكن حاجة ما قدرش يسميها.
طلع من المكتب، وقف في الممر يراقبها وهي واقفة قدام الفرن،وشعرها سايب على كتفها،ضحكت لما شافته وقالت
بلطف: جوعت؟
قال بسرعة، كأنه بيهرب من ضعفه: لا، كنت عايز ميه.
دخل المطبخ، مد إيده على الكوب،بس صوته خرج أهدأ من العادة وهو يقول: شكلك مرتاحة اليومين دول.
قالت وهي بتصب العصير: بحاول أعيش يا فارس الحياة قصيرة.
كلمة أعيش وقعت عليه زي س*هم.
رد بهدوء جاف: تمام، عيشي زي ما تحبي.
وغادر المطبخ،لكن قلبه كان م*ولّع غيرة ووج*ع.
دخل أوضته،قعد على السرير،وهمس لنفسه:هي فعلاً بطّلت تحبني؟ ولا بتحاول تخليني أغير؟
بس مهما كانت الإجابة،قرر يفضل صامت، كعادته.
مش هيعترف لا بغيرته،ولا بحبه اللي حاول يخ*نقه سنين لكنه نسي إن الصمت أحيانًا بيك*سر القلوب أكتر من الكلام.
كانت ليلى في المطبخ بتحضر القهوة،والبيت هادي كأنه نايم على أطراف أصابعه.
النهارده كانت ناوية تخرج مع صاحبتها القديمة هالة اللي رجعت من السفر،لبست فستان بسيط لونه سماوي،نزل شعرها على كتفها، وبسمة خفيفة على وجهها كأنها بتتحدى الح*زن اللي عاش فيها سنين.
فارس كان قاعد في الصالة،بيراجع شوية أوراق،لكن لما شافها نازلة من فوق،
اتجمد مكانه.
هي دي ليلى؟
اللي كانت دايمًا حزين*ة، مطفية؟
النهارده كانت شبه النسمة،وفي عينيها ضوء غريب، مزيج من القوة والأنوثة.
قال بهدوء مصطنع: رايحة فين؟
قالت وهي بتعدل شنطتها: خارجة مع هالة شوية.
رفع حاجبه: الساعة دي؟
آه، اتأخرت علينا شوية هنقعد على القهوة، مش أكتر.
سكت لحظة،عينه بقت تلاحق كل حركة منها،كل تفصيلة في لبسها.
قال بصوت فيه نغمة غيرة خفية: يعني لازم تروحي كده؟
نظرت له باستغراب: كده إزاي؟
فستان مفتوح كده والناس كلها هتبص.
ضحكت بخفة وقالت:فارس، دا فستان عادي جدًا.
عادي بالنسبالك، مش بالنسبالي.
قرب منها خطوتين،وصوته نزل أوطى: ما بحبش الناس تشوفك كده.
قالت ببراءة، لكنها كانت حاسة بقلبها بيدق: ليه؟
رد ببطء، وهو بيحاول يخفي توتره: ما بحبش بس كده.
قاطعهم صوت رسالة على موبايلها.
بص فارس تلقائيًا للشاشة،
شاف اسم هالة، لكنه لمح قبلها إشعار من رقم غريب بيقول:وحشتينا يا ليلى.
وقف مكانه،عينه اتبدلت.
قال بحدة: مين دا؟
اتلخبطت وقالت بسرعة: دا رقم غلط، أكيد.
رقم غلط بيقولك وحشتينا؟!
اقترب منها أكتر،صوته بدأ يفلت منه الغض*ب اللي كان حابسه سنين:أنتي كنتِ بتتكلمي مع حد؟
نظرت له بدهشة وأل*م: إنت جنيت؟ أنا طول الوقت في البيت!
مش دايمًا من لما بدأتي تخرجي وأنا مش مطمن.
سكتت لحظة، وبعينين فيها دموع قالت: دلوقتي بس افتكرت تسألني فين بروح؟ بعد ما كنت مش شايفني أساسًا؟
كلمتها وج*عت قلبه،لكن كرامته منعته يرد بلين،فقال بحدة:جاوبي بس.
مش هجاوب على حاجة بالشكل دا.
وأدارت ظهرها، وراحت ناحية الباب.
لكن قبل ما تمسك المقبض،مد إيده بسرعة ومسَكها من ذراعها بلطف،صوته كان مك*سور المرة دي: ليلى استني.
اتجمدت مكانها.
نظرت له،وشافت في عينيه حاجة أول مرة تشوفها بوضوح خوف.
قال بصوت واطي جدًا: أنا مش عايز أخسرك حتى لو ما تعرفيش قد إيه.
سكتت،وعينيها دمعت همست بخفوت:متأخر يا فارس بس يمكن لسه في وقت.
سيبته ومشيت،وسابته وراه تايه بين ندمه وغروره بس أول مرة يحس إن الخوف الحقيقي مش من الرص*اص اللي واجهه طول عمره،إنما من فقدانها هي.
كانت الساعة تعدّت نص الليل،
والشارع هادي إلا من صوت الكلاب البعيدة وصوت أنفاس ليلى المت*قطعة.
جلست على الكنبة في بيت هالة،عينيها حمر من البكاء،وشعرها مفكوك، كأنها فقدت السيطرة على نفسها.
هالة قعدت جنبها،حطت فنجان الشاي قدامها وقالت بهدوء:اشربي يا ليلى، نفسك هيهدى شوية.
ليلى مسكت الكوب، لكن إيديها كانت بترتعش.
قالت بصوت مخن*وق: هو ليه بيعمل كده يا هالة؟
أنا تعبت والله تعبت.
مش قادرة أفهمه، يوم يبعدني، ويوم يغير عليا كأنه بيحبني ولما أقرب، يرجع يقفل كل الأبواب.
هالة لمست كتفها بلطف وقالت: يمكن بيخاف، يمكن اتعود يخبي مشاعره.
يخاف؟ يخاف من إيه؟
أنا مراته! المفروض أكون أقرب واحدة ليه، بس حاسه نفسي غريبة عنه.
كأن بينا سور عالي، كل ما أحاول أوصل له، يبعد أكتر.
انف*جرت بالبكاء،دفنت وجهها في حضن هالة،وصوتها كان بيخرج متقطع، مليان وج*ع: أنا ما طلبتش منه حاجة غير إنه يكلمني،يضحك معايا، يسألني عن يومي لكن حتى دي بقت كتير عليه.
ولما ابتديت أضحك تاني، غير عليا وض*ربني بنظرته،
كأنه بيحاسبني إني عايشة!
هالة كانت بتمسح دموعها بإيدها وهي بتحاول تهديها: يا حبيبتي، ما تستسلميش للحزن كده.
اللي بيحبه دايمًا بيغلط، بس يمكن هو مش عارف يوصللك.
الرجال اللي زي فارس صعبين،بيكتموا كل حاجة، بس جوّاهم ن*ار.
ليلى رفعت راسها من حضنها،نظرت لهالة بعينين غارقة في الدموع وقالت: بس ال*نار دي بت*حرقني أنا.
هو مش بيحس، وأنا اللي بت*كوي كل يوم بصمته.
قامت من مكانها، مشت خطوتين ناحية الشباك،وبصت في الظلام وقالت بصوت واهي: يمكن أكون غلطت لما حبيته يمكن كنت بفتكر إنّي هقدر أغيره بس الحقيقة، هو اللي غيرني خلاني أخاف من الحلم، ومن الضحك، ومن نفسي كمان.
اقتربت منها هالة،وحطت إيديها على كتفها وقالت: اللي بيتألم كده، بيكون لسه في قلبه أمل يمكن اللي بينكم لسه ما ماتش،بس محتاج شوية صبر، وشوية صدق.
سكتت ليلى،وبصت لهالة بنظرة حزينة وقالت: نفسي أصدقك بس قلبي مش قادر.
وانهارت تاني بين أحضانها،تنهيدة طويلة خرجت منها كأنها بتودّع وج*ع عمره سنين،وهالة حضنتها بقوة،وهي بتهمس في أذنها: لو هو حبك بجد هيعرف يرجعك بنفسه.
كان الصبح لسه بيطلع،ضوء الشمس الخفيف بينسل من شباك الصالة،والبيت فاضي إلا من صوت الساعة اللي بتعدّ الثواني ببطء.
فارس دخل البيت بخطوات تقيلة،وشه متعب، وعينيه فيها أثر سهر طويل.
وقف في النص، بص حواليه،على الكنبة اللي كانت بتقعد عليها ليلى،على الكوب المك*سور اللي لسه ما اتشالش من الأرض،على السكون اللي خ*نقه خ*نق.
نادى بصوت واطي: ليلى سكت لحظة ليلى، أنا عارف إني غلطت، بس ارجعي.
مافيش صوت غير صدى كلماته.
قرب ناحية غرفتها، فتح الباب،
لقي سريرها فاضي، والغطا متكوم كأنها خرجت مستعجلة.
قلبه وقع.
حط إيده على راسه وقال بينه وبين نفسه: إيه اللي أنا عملته؟
أنا كنت بحاول أبعد عنها علشان ما أوجع*هاش،
بس في الآخر وجعتها أكتر.
اتنهد وهو بيبص في المراية اللي على الحيطة،شاف وشه الشاحب وقال: تستاهل يا فارس دا جزاء اللي بيكتم كل حاجة جواه.
في اللحظة دي دخل فراس،أخوه، وشافه واقف كده، فسأله بقلق: مالك؟ وشك متغير كده ليه؟
ليلى مشيت، يا فراس.
قالها فارس بصوت مبحوح، كأنه بيتكلم لأول مرة عن وج*عه.
فراس اتنهد وقال له: ما تلومهاش، يا فارس.
البنت كانت بت*تألم، وإنت كنت عامل نفسك مش شايف.
أنا كنت شايف كل حاجة بس كنت خايف، خايف أحبها أكتر فت*تأذي بسببي.
كل اللي حواليّ بي*توجع، وأنا مش عايزها تكون زيهم.
فراس قرب منه وقال بحدة فيها شفقة: الحب مش ضعف، يا فارس.
اللي بيخاف من الحب بيضيع نفسه واللي بيحبّه.
دور عليها، قبل ما تروح منك بجد.
طلع فارس المفاتيح من جيبه،وقال بعزم: مش هرجع غير وهي معايا.
ركب عربيته، والعالم حواليه كان ضباب،عقله كله صور
ليلى ضحكتها، زعلها، عيونها اللي كانت بتتكلم أكتر من كلامها.
فضل يسوق في الشوارع،يسأل أصحابها،يروح الأماكن اللي كانت بتحبها،لحد ما وقف قدام بيت هالة،وقف لحظة ياخد أنفاسه،
وبعدين نزل، دق على الباب.
هالة فتحت، اتفاجئت لما شافته،قال بهدوء، وعينه فيها قلق وحزن: ليلى هنا؟
هالة بصّت له بنظرة فيها عتاب وقالت: جاي تدور عليها دلوقتي؟ بعد ما كسرت قلبها؟
عارف إني غلطت، بس عايز أصلّح.
هي مش هنا، راحت بيت أهلها بس يا فارس، لو بتحبها بجد، ما ترجعهاش بنفس القسوة،رجّعها بالحنية اللي استنتها منك سنين خصوصًا وهي حامل وبتتأثر بأي حاجة.
سكت فارس لحظة،وعينيه لمعت دموع وهو يقول:المره دي مش هسيبها تدمع لوحدها.
خرج، ركب العربية،وهو بيحس إن المرة دي لازم يتغير
مش علشانها بس،لكن علشان نفسه اللي تعبت من الصمت.
كانت ليلى قاعدة في شرفة بيت أهلها،
النسمة الباردة بتحرك خصلات شعرها الخفيفة،
وعينيها بتتأمل الشارع من غير تركيز.
من يوم ما رجعت، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها نسيته،
لكن قلبها كان بيكذبها كل مرة تسمع فيها صوت عربية من بعيد.
وفجأة سمعت خبطة خفيفة على البوابة الحديد.
قامت بخطوات مترددة،ولما فتحت الباب شافته.
فارس.
واقف قدامها، لابس قميص أسود وبنطال جينز اسود، وشكله متغير.
فيه تعب، وفيه وجع، بس الأغرب فيه خوف.
قال بصوت خافت: ازيك يا ليلى؟
ما ردتش.
لفّت وجهها ناحية البيت وقالت: لو جاي تطمن، أنا بخير.
قرب منها خطوة،مش جاي أطمّن، جاي أرجّع اللي راح.
ضحكت بمرارة، اللي راح يا فارس، راح.
كلمة آسف مش كفاية بعد اللي وجّعني.
مد إيده كأنه بيحاول يلمسها، بس وقف في نص الحركة.
قال بهدوء غريب: ما جايش أقول آسف،
جاي أقول إني من غيرك تايه كل حاجة فقدت معناها.
بصّت له بعين فيها دموع مكبوتة: يعني دلوقتي افتكرت تحبني؟
بعد ما دُست على قلبي؟
ما نسيتش لحظة،كنت بحاول أحميك منّي،لكن الظاهر إن البُعد وجعك أكتر من قربى.
سكتت، وبصّت له،القلب عايز يركض له، بس الكرامة واقفة سداً بينهما.
قالت بصوت مهزوز: أنا تعبت يا فارس مش قادرة أعيش بين خوفك وصمتك.
قرب منها، ونبرة صوته كانت أقرب للرجاء:المرة دي مش هسكت،ولا هسيبك تبكي لوحدك تاني.
اديني فرصة واحدة أثبت لك إن فارس اللي عرفتيه مات،واللي قدامك دلوقتي، راجل بيحبك بصدق.
نزلت دمعة من عينها،لكنها أخفتها بسرعة وقالت: خليه يثبتها بالكلام ده مش بالوعود.
ابتسم بخفة وقال: وهعملها، حتى لو طول العمر.
وسابها تمشي،لكنه كان عارف إنها المرة الأخيرة اللي هيسيبها لوحدها.
وفي نفس الوقت،في القصر الكبير على أطراف القاهرة،
كان سليم الجندي واقف في شرفة مكتبه،الدخ*ان طالع من سي*جارته، ووشه ساكن،لكن جواه بركان.
دخلت سلسبيل بخطوات خفيفة،كانت لابسة فستان بسيط، شعرها مربوط بعفوية،وعيونها فيها حذر.
قالت بخفوت:كنت عايزني يا سليم؟
التفت ليها، وصوته جه غليظ وواثق: ليه خرجتي من الفيلا من غير إذني؟
ردت وهي بتحاول تمسك أعصابها: كنت محتاجة أتنفّس شوية حسّيت إني مخ*نوقة.
ضحك بس*خرية وهو يقرب منها: تتنفّسي؟
ولا تهربي؟
فاكرة إني مش هعرف؟
مش بهرب منك يا سليم،
بس أنا مش قادرة أعيش في خوف كل يوم.
كل الناس بتهابك، وأنا كمان قرب منها أكتر، عيونه سكنت على وجهها،وقال بصوت منخفض لكنه مخيف: وأنا عايزك تهابيني فعلاً بس أكتر من كده، عايزك تفهمي إنك تخصيني.
اتجمدت مكانها،مش عارفة ترد،لكن في عينيه لمحت حاجة مختلفة مش بس القسوة اللي متعودة عليها،فيها لمحة ضعف خفيفة، زي واحد بيحارب نفسه.
قالت بهدوء: أنا مش ملك حد، يا سليم.
أنا ليا كياني.
قرب منها خطوة تانية،وقال بجدية: وأنا عمري ما كنت بخاف من حاجة،لكن دلوقتي بخاف تفلتِي مني.
سكتت، ووشها احمر،قلبها بدأ يدق بسرعة،ولأول مرة،ما قدرتش تفرق بين خوفها منه وحاجتها ليه.
وقف بينهم صمت طويل،بس الصمت كان مليان كلام.
رواية حياة مراهقة الفصل العشرون 20 - بقلم اسماء السرسي
كانت الليلة ساكنة،وسليم قاعد في جناحه الكبير، نور الأباجورة الدافئ بينعكس على الحيطان الحجرية للقصر.
وشه شاحب، وسي*جارته مطفية من نصها.
عينيه متعلقة في الفراغ، لكن جواهها دوّامة من الذكريات.
صوت أمه، ناعم، حنون،بيكرر في دماغه نفس الجملة:خليك سند يا سليم، ما تظلمش الناس، وافتكر ربنا دايمًا.
رمش بعينه بسرعة، ومسح دمعة خفيفة نزلت غصب عنه.
من سنين طويلة، محدش شافه يبكي.
بس الليلة، الحلم رجع له إحساسه القديم الإحساس اللي دفن*ه جوّه لما قرر يكون سليم الجندي اللي محدش يقدر عليه.
دخلت سلسبيل بهدوء،كانت لابسة جلابية بيت ناعمة، شعرها سايب على كتفها،
مضطربة، لكنها اتشجعت وقالت بصوت هادي: إنت كويس؟
ما ردش في الأول،بس بعد لحظات قال بصوت
مبحوح: كنت بحلم بيها أمي.
قربت بخطوات بطيئة،وقالت بخ*وف:خير إن شاء الله.
لف وشه ناحيتها، وفي عينيه حاجة مختلفة: قالتلي أساعد الناس وأسعد اللي حواليّ.
وسكت شوية، وبعدين أكمل: وأنا اللي عملت العكس طول عمري.
سلسبيل بصت له بدهشة،هي عمرها ما سمعته بيتكلم كده،ده حتى لما بيتضايق، بيقسى، ما بيضعفش.
لكن اللي واقف قدامها دلوقتي مش سليم الجندي اللي الناس بترتجف من اسمه،ده مجرد راجل موج*وع بيحاول يلاقي نفسه تاني.
اقتربت منه، ومدّت إيدها على الطاولة وخدت كوب المي،
قدمته له وهي تقول بخفوت:يمكن ربنا بيفكرك بيها علشان تصلح اللي اتك*سر جواك.
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا،ولأول مرة نبرة صوته تبقى دافية وهو يقول: إنتِ السبب، يا سلسبيل من يوم ما ظهرتي، والدنيا بقت مش زي الأول.
وشّها احمر، وقلّبت نظرها بعيد،بس قلبها كان بيدق بسرعة غير طبيعية،كأنها لأول مرة تشوف الإنسان اللي جوا الوحش.
وفي مكان تاني، في شقة صغيرة في الزمالك،كانت ليلى واقفة قدام المراية،بتمشط شعرها وبتحاول تخبي تعب عينيها.
سمعت صوت المفاتيح في الباب،ولما لفّت شافت فارس داخل شايل باقة ورد صغيرة.
قال بخجل مش متعود عليه:للصلح لو لسه في فرصة.
ابتسمت بخفة وقالت:أنت اتأخرت بس الورود دي غسلت وج*عي كله.
قرب منها، ولمس خدها بهدوء،وقال بصوت مبحوح: كنت غبي لما سبتك لوحدك،بس المرة دي، مش ناوي أكرر الغلط.
ردت بعينين فيها دموع بس سعيدة: كفاية إنك جيت كفاية إنك اتكلمت.
حض*نها، واللحظة كانت صافية،زي نسمة بتمر على روحهم، تمسح كل الوج*ع اللي فات.
وفي اللحظة دي،في القصر، كان سليم بيبص من الشباك وبيهمس لنفسه:يمكن فعلاً أقدر أبدأ من جديد بس المرة دي، على نظافة.
وسلسبيل كانت وراه بصمت،ما قالتش حاجة، بس جواها كانت حاسة إن ربنا يمكن بعته ليها مش علشان تِت*أذي،لكن علشان تِشفيه.
كانت الفيلا متلألئة بالأنوار،وأصوات الضحك والموسيقى الخفيفة ماليه المكان.
أيهم كان بيستقبل ضيوفه بابتسامته المعتادة، ومريم، زوجته، بتلف حوالين الطاولات تتأكد إن الكل مبسوط.
في الركن، كانت ريم واقفة بجوار خطيبها شهاب الدسوقي، بتحاول تبان هادية، لكن ملامحها باينة عليها الخجل، كل ما حد يباركلها، وشّها بيحمر أكتر.
أما فارس وليلى، فكانوا قاعدين قريب من المسبح،هي بتتكلم بحماس عن تفاصيل ديكور البيت الجديد،وهو بيبصلها نظرات فيها اهتمام صادق لأول مرة من شهور.
في وسط الأجواء دي، دخل سليم وسلسبيل.
هو ببدلته الغامقة الأنيقة، وهي بفستان ناعم بلون الباستيل،وحجابها يبين شعرها مرفوع بطريقة بسيطة، وابتسامتها كانت من النوع اللي ينور القاعة كلها.
كل العيون اتجهت ليهم لحظة دخولهم،لكن اللي لاحظه الناس أكتر إن سليم ماسك إيدها.
اتبادلوا همسات، وأيهم قرب منهم بابتسامة
عريضة: أخيرًا وصلتوا! كنت هبدأ أعيّد من غيركم.
سليم ضحك بخفة:كنت هستناك تهرب من الكيكة زي كل سنة؟
ضحكوا كلهم، وجلسوا في الركن المخصص للعيلة.
كانت سلسبيل بتتكلم مع ريم بخفة دمها المعتادة،وبعد شوية بدأ شاب من ضيوف أيهم اسمه جود،صديق قديم للعيلة يقف معاهم ويتبادل النكات.
ضحكت سلسبيل بصوت عفوي،ضحكة بريئة لكنها كافية تخلي سليم يغير تمامًا.
سكت فجأة، وبصلهم بنظرة جانبية،إيده اتشنجت وهو ماسك الكوباية،وصوته بقى متحفظ لما قال بحدة خفيفة: واضح إنكم اتعرفتوا بسرعة.
التفتت له سلسبيل بدهشة:ده بس بيهزر يا سليم.
ابتسم الشاب وقال:والله يا أستاذ سليم مراتك د*مها خفيف جدًا.
الكلمة دي كانت كفيلة تشعل ش*رارة الغيرة في عينيه.
رد بنبرة فيها غموض واضح: آه وأنا بس اللي عارف إن ورا الد*م الخفيف ده لسان حامي جدًا.
ضحك الكل، لكن سلسبيل فهمت إن الجملة دي مش هزار.
قامت بخفة من الكرسي وقالت:هروح أساعد مريم في التورتة.
سليم تابعها بنظره، وكل حركة منها كانت بتأكّل الغيرة اللي جواه أكتر.
هو نفسه ما فهمش ليه الغيرة دي موجعة كده،
بس كان متأكد من حاجة واحدة إنه مش عايز حد يضحكها غيره.
في اللحظة دي، وقف أيهم بجانبه وقال وهو يربّت على كتفه:أول مرة أشوفك بتغير بالشكل ده يا سليم.
ابتسم سليم نص ابتسامة وقال: ما تقولش إني بغير بس يمكن اتعودت إنها تبقى ليا لوحدي.
أيهم ضحك وقال بخفة: أهو كده، روح يا راجل، قبل ما تبوظ عيد ميلادي بوشك المكفهر ده.
ضحك سليم رغمًا عنه،وخطا بخطوات ثابتة ناحية المطبخ هناك، كانت سلسبيل بتقطع الكيكة وهي بتتكلم مع مريم.
وقف وراها بصمت لحظة، وبعدين همس: المرات الجاية لما حد يحاول يضحكك، خليني أنا اللي أبدأ.
التفتت له بارتباك وقالت بخجل: هو في إيه يا سليم؟ كنت بهزر بس.
ابتسم بخفة وقال: وأنا كمان بس هزار من نوع تاني.
سكتت، وبصت له بنظرة فيها شيء ما بين الخ*وف والدفء.
هو ما قالش أكتر، لكنه في داخله كان عارف إنها المرة الأولى اللي قلبه دق فيها عن وعي.
كانت الساعة تعدت منتصف الليل،والفيلا غارقة في السكون إلا من صوت المطر اللي بدأ يطرق على الزجاج برقة.
دخل سليم وسلسبيل الفيلا، هو ساكت من لحظة ما ركبوا العربية،
وهي ماشية جنبه، ماسكة طرف فستانها بخفة، بتحاول ما تبينش ارتباكها.
وقف عند الشرفة،فك أزرار جاكيت البدلة، وشعل سي*جارة،نظراته بعيدة، كأنه بيحارب أفكاره بصمت.
بعد لحظات، سألته سلسبيل بهدوء:مالك؟ زعلان مني؟
لف ناحيتها ببطء، دخان الس*يجارة بيغلف ملامحه،وقال بصوت واطي لكنه واضح: مش زعلان بس ما بحبش حد يقرّب منك كده.
رفعت حاجبها بدهشة:تقرّب؟ يا سليم، ده راجل بيهزر، والناس كلها كانت بتضحك.
أطفأ الس*يجارة، ومشى ناحيتها بخطوات بطيئة،ولما وقف قريب منها جدًا،قال: أنا عارف بس الغيرة ما فيهاش منطق، بتحصل كده غصب عني.
نظراته كانت صريحة، دافئة ومتوترة في نفس الوقت.
هي عضّ*ت شفايفها بخجل وقالت بخفوت:أول مرة أشوفك كده كنت مخ*يف شوية.
ابتسم، ابتسامة صغيرة جدًا، وقال: وأنا أول مرة أحس بالخ*وف برضو خف*ت إنك تبعدي عني.
سكتت وهي تبص له، قلبها يدق بسرعة.
قالت بخفوت: ليه؟
اقترب أكتر، لحد ما بقى بينه وبينها نفس واحد: يمكن لأنك بقيتِ كل حاجة في يومي من غير ما أحس.
نزلت عينيها للأرض، ووشّها احمرّ،حاولت تغيّر الكلام وقالت بسرعة: أنا هغير هدومي وأجيبلك شاي.
مسك يدها قبل ما تتحرك وقال بابتسامة هادئة:الشاي بعدين خلينا نحكي شوي.
جلست على الكنبة وهو قعد مقابلها.
قالت وهي تحاول تهزر:ما كنتش أعرف إن سليم القاسي ممكن يغير كده.
ضحك وقال:الق*اسي لما يحب بيخ*اف، والخ*وف دايمًا بيخليه أضعف.
رفعت نظرها له، وقالت بصدق: أنا ما كنتش متوقعة منك الكلام ده.
رد بهدوء:ولا أنا كنت متوقع من نفسي بس إنتِ غيرتِ حاجات كتير جوايا يا سلسبيل.
في اللحظة دي، كانت نظراتهم متشابكة،بينهم ألف كلمة ما اتقالتش،لكن الشعور كان واضح جدًا هو بيحبها،وهي بدأت تحبه من غير ما تعترف.
المطر اشتد بره،وسليم مد إيده ناحية شعرها المبلول من المطر اللي لحقهم قبل ما يدخلوا،وقال بابتسامة خفيفة: شكلك محتاج تدفي الدنيا برد.
قالت بخجل وهي تقوم: أنا هدخل أنام، تصبح على خير.
رد بصوت واطي: وانتي من أهل الخير يا سلسبيل.
ولما راحت لغرفتهم،فضل واقف مكانه،يبص للباب اللي قفل وراها،ويبتسم ابتسامة فيها وج*ع جميل،زي اللي لقى أخيرًا اللي كان دايمًا بيدور عليه.