تحميل رواية حياة مراهقة بقلم اسماء السرسي pdf
بقلم اسماء السرسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
والنبي يبابا جوزهولي أنا مش هقدر أعيش من غير صالح. صالح ده كل حياتي، هو حب الطفولة والإعدادي والثانوي، هو حب عمري. عمري متمنيت حد على سجادتي، لا وكان هو متحرمنيش منه. يبابا. أبوه بقسوة: دا كلام عمك زغلول يا أسماء. طلما عمك زغلول قال مش هينسبك، يبقى مش هينسبك. أسماء ببكاء مرير: يبابا عميي مش عاوزني أتجوز صالح عشان ابنه حاطط عينه عليا وعاوزني أكون ليه. أبوها ببرود: وماله ابن عمك. أسماء ببكاء: وصالح كمان ابن عمي يا يبابا، وأنا لو مش هكون لصالح مش هكون لحد غيره يا يبابا. طخخخ. قلم على وشها. أبوها بغ...
رواية حياة مراهقة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماء السرسي
كان أيهم الراوي دايمًا شخص مختلف.
عقله راجح، قلبه طيب، ووشه فيه نور بيخليك ترتاح له من أول مرة.
بعد ما خلص شغله في مصر، جات له فرصة سفر كبيرة على الخليج مشروع ضخم خاص بالأمن الإلكتروني، والكل شجعه يروح.
حتى سليم، رغم قلقه، قاله بابتسامة: روح يا صاحبي، الدنيا هناك هتفتحلك أبوابها.
سافر أيهم، وبدأ صفحة جديدة.
استقر في بلد بعيدة، جوها غريب عليه، بس هو كان دايمًا بيتأقلم بسرعة.
كان بيشتغل في شركة كبيرة متخصصة في الحماية التقنية،
وكان معروف بين زمايله إنه ما بيخافش من حد، بس بيخاف ربنا.
كان كل فترة يكلم سليم أو مراته مريم، صوته دايمًا ثابت، يطمنهم عليه:كله تمام يا مريم، هنا ناس طيبة، والشغل ماشي كويس.
لكنها كانت تحس دايمًا في نبرته بقلق خفي.
وفي يوم،اتصل بيها صوته مهزوز، وبيقول: لو حصلّي أي حاجة، خدي بالك من نفسك ومن ابننا ومن سليم.
اتجمدت وقتها وقالت له بخ*وف:في إيه يا أيهم؟ بتقول كده ليه؟
ضحك بخفة مصطنعة وقال: ولا حاجة يا بنت الناس، مجرد ضغط شغل متخافيش.
بعد المكالمة دي، سكت تمامًا.
مفيش رسايل، لا مكالمات، ولا حتى إشارات أونلاين.
اختفى.
وبعد أسبوع،بدأت الأخبار تتسرب ببطء.
الشرطة هناك قالت إنه كان متورط في ملف غامض يخص ته*ريب بيانات ومعلومات سرية تخص رجال أعمال كبار.
ناس بتقول إنه اكتشف مؤامرة كبيرة وحاول يبلغ عنها.
وناس تانية قالت إن اللي حواليه كانوا بيستغلوه.
آخر مرة اتشاف فيها،كان خارج من الشركة متأخر بالليل،ووشه عليه توتر غريب،وفي الكاميرات باين حد بيستناه في العربية السودا اللي كانت مركونة على جنب الطريق.
من بعدها مفيش.
بعد أيام،جالهم اتصال من السفارة:نأسف نبلغكم إن السيد أيهم الراوي لقى حت*فه في حادث إط*لاق ن*ار غامض.
كان الخبر كأنه ط*لقة خرجت من السما.
مريم وقعت مغشي عليها،وسليم مسك التليفون بإيد مرتعشة وقال بصوت مبحوح: لا لا يمكن، هو وعدني يرجع.
أما رشيد، خاله، وقف صامت،وشه جامد لكن عنيه بتقول كل حاجة:اللي عمل كده كان عارف هو بيض*رب فين.
كان البيت ساكت على غير العادة.
مفيش ضحك، ولا صوت مريم اللي دايمًا كانت تملأ المكان بالحياة.
الخبر نزل عليهم زي الصاعقة أيهم م*ات.
كانت سلسبيل أول واحدة سمعت من سليم،صوته وقتها كان متغيّر، خشن ومك*سور في نفس اللحظة.
قالها وهو مش قادر يرفع عينه فيها: سلسبيل أيهم اتق*تل.
فضلت تبص له، كأنها مش سامعة صح.
ضحكت بخفة واهية وقالت:بطل هزار يا سليم مش وقت نكت سخيفة.
لكن لما شافت دموعه اللي كان بيحاول يخفيها،وقع الفنجان من إيدها على الأرض واتك*سر.
جريت على مريم،اللي كانت قاعدة على الأرض وسط هدومه وصوره،تمسك التيشيرت اللي كان لابسه آخر مرة قبل سفره،وتشم فيه كأنه ممكن يرجعه.
كانت بتبكي بحرقة وتقول: وعدني يا سلسبيل وعدني إنه راجع.
ماكنش بيكذب عليا أبداً.
كان بيقولي: مستحيل أسيبك حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.
طب إزاي إزاي سابني؟
سليم وقف بعيد،وشه جامد كأنه حجر، لكن عينيه فاضحة اللي جواه.
ضرب الحيطة بيده وهو بيقول من بين أسنانه:اللي عمل كده هيدفع التمن.
دخل رشيد في الوقت ده، وجهه شاحب وصوته
مبحوح:الج*ثمان جاي من بره الليلة والشرطة فتحت تحقيق.
سليم، متتسرعش.
لكن سليم كان مش سامع حاجة،كان شايف قدامه بس صورة صاحبه وهو بيضحك،بيفكره بكلامه قبل السفر:خلي بالك من نفسك يا سليم، ومن الناس اللي بتحبهم.
الكلام ده بقى بيرن في ودنه كط*عنة.
خرج برا القصر،ركب عربيته وساق بجنون، والدموع بتنزل من غير ما يحس.
كان حاسس إن الدنيا كلها بتنهار من حواليه.
أما مريم، فكانت في غرفتها،بتحضن صورته، بتتكلم كأنه عايش،بتقوله:رجعلي بس يوم واحد، عايزة أقولك ارجع علشان ابننا اللي راح ينولد بس يوم واحد، وبعدين روح تاني لو لازم.
وسلسبيل وقفت على الباب،دموعها سايحة على خدها،مش قادرة تدخل ولا قادرة تمشي،حاسه إن البيت اتسحب منه النور،وإن الوج*ع بقى سيد الموقف.
وفي آخر الليل، لما الكل نام،خرج سليم لبرا،وقف في الحوش يبص للسماء وقال بصوت واطي: وعد يا أيهم وعد إن اللي عمل كده، مش هيطلع منها سالم.
كانت مريم قاعدة في شقتها، الدنيا ساكتة تمامًا إلا من صوت عقارب الساعة.
البيت اللي كان مليان ضحك أيهم، بقى دلوقتي مليان فراغ وصدى حزن.
بتقلب في صوره على الموبايل، دموعها نازلة على خدها من غير صوت.
وفجأة رن الجرس قامت تمسح دموعها بسرعة، تظن إن يمكن سليم أو حد من العيلة جاي يطمن عليها.
لكن أول ما فتحت الباب، لقت راجل واقف، طويل، لابس جاكيت غامق، ونظرة عينيه مش مريحة أوي فيها حاجة غريبة، مزيج بين الخ*وف والن*دم.
قال بهدوء: مساء الخير يا مدام مريم أنا اسمي ياسر الخولي كنت بشتغل مع الأستاذ أيهم الراوي.
اتجمدت مكانها، صوتها اتك*سر: إنت كنت تعرفه؟
أكتر مما تتخيلي، كنت معاه في نفس القسم، وشُفت حاجات محدش غيري شافها.
قالها يدخل؟ بصت له بتردد، بس في الآخر دخل.
جلس على الكرسي اللي كان دايمًا أيهم بيقعد عليه،بص حواليه وقال بهدوء: الله يرحمه كان راجل نضيف في وسط عالم كله وس*اخة.
مريم قالت بقلق: يعني إيه؟
يعني أيهم م*ات لأنه كان عايز يعمل الصح.
رفعت عينيها في خ*وف:تقصد إيه؟ حد قت*له؟
أيوه بس مش زي ما قالوا الحكاية مش ح*ادث.
كان في ملف خط*ير جدًا بيشتغل عليه، يخص عمليات ته*ريب وغس*يل أموال لشخصيات كبيرة في البلد وكان ناوي يسلمه للسلطات.
اتسعت عيناها:وإنت إزاي عرفت ده؟
كنت معاه في آخر ليلة شُفته وهو بيحاول ينسخ الملفات على فلاشه قبل ما يخرج من المكتب.
لكن قبل ما يكمل، وصلته مكالمة خرج بعدها على طول، وقاللي بالحرف:لو ما رجعتش، بلغ سليم الجندي إن اللعبة أكبر مما تتخيل.
تسمرت مريم، قلبها يدق بع*نف.
هو قال اسم سليم؟
أيوه، قاله وكان واثق إن سليم الوحيد اللي هيقدر يكمل من بعده.
ياسر وقف وهو بيبص حواليه بخ*وف: أنا ما ينفعش أطوّل هنا في ناس بتراقبني من يوم الح*ادث.
بس خدي دي.
مدّ إيده، سلّمها فلاش صغيرة فضية، وقال: ده اللي قدر يحتفظ بيه قبل ما يم*وت بس خدي بالك، أيهم م*ات عشان المعلومات دي.
احفظيها كويس وسلّميها للي تثقي فيه.
قبل ما ترد، كان خرج من الباب واختفى في الظلام،
وسابها واقفة، الفلاش في إيدها، وإحساس غريب بيخترق صدرها خ*وف، وفضول، وشيء تاني خفي كأن أيهم لسه عايش،ولسه بيحاول يقولها حاجة.
الساعة كانت تعدّي منتصف الليل، وسليم قاعد في مكتبه الصغير اللي في الطابق العلوي من بيت العيلة.
أوراق مبعثرة، ملفّات مفتوحة، وكوباية قهوة ساقعة من كتر ما نسيها.
كان غارق في أفكاره عن أيهم، صديقه اللي راح فجأة وترك فراغ كبير جواه.
دخلت مريم بخطوات مترددة، وشها باين عليه الإرهاق وقلة النوم.
لما شافها، قام فورًا واقف:مريم! إيه اللي جابك في الوقت ده؟ في حاجة؟
مدّت إيدها المرتجفة وقدّمت له الفلاشة الصغيرة:الراجل ده قاللي إنك لازم تاخدها اسمه ياسر الخولي قال إنه كان بيشتغل مع أيهم.
سليم اتجمد مكانه، نظر للفلاشة كأنها قن*بلة موقوتة.
ياسر الخولي؟!
أيوه، قال إن أيهم سابهاله قبل ما يم*وت، وإنك الوحيد اللي لازم يعرف محتواها.
جلس على الكرسي، شبك أصابعه في شعره:يا رب كنت حاسس إن في حاجة ناقصة في القصة دي.
مريم بصت له بخوف: يعني فعلاً أيهم اتق*تل؟
غالبًا أيوه ودي ممكن تكون المفتاح.
فتح اللاب توب، وبدأ يوصل الفلاشة، وصوته واطي وهو
بيقول: لو فعلاً دي فيها اللي أنا متخيله، فالموضوع أكبر من مجرد تحقيق فاسد.
الملفات بدأت تظهر على الشاشة صور، تحويلات مالية، تقارير سرّية، أسماء شركات وهمية.
عيناه اتسعت، قلبه بيدق بسرعة.
يا نهار أبيض دي شبكة كاملة!
مريم قالت بصوت مرعوب: سليم، لو حد عرف إن الفلاشة دي وصلت لنا إحنا في خ*طر!
بصّ لها بثبات وهو بيغلق اللاب توب: متخ*افيش، من النهارده أنا اللي هكمل اللي بدأه أيهم ومش هسيب حقه يضيع.
في نفس الوقت تقريبًا، كان ياسر الخولي ماشي بسرعة في شارع جانبي مظلم.
كل شوية يبص وراه، حاسس إن في حد به.
ريح خفيفة بتتحرك وسط الأشجار، وصوت خطوات خافتة بيتردد في المسافة.
أخرج موبايله، حاول يتصل بحد، لكن الخط مقطوع.
اللعنة أسرع خطاه، قلبه بيخبط في صدره، وفجأة لمح ظل أسود بيتحرك في الجهة التانية من الشارع.
وقف مكانه، وصرخ:مين هناك؟
مفيش رد بس صوت خفيف لزجاج بيتك*سر من بعيد.
ابتلع ريقه، وبدأ يجري، لحد ما وصل لموقف عربيات مهجور.
فتح باب سيارة قديمة بسرعة، حاول يشغّلها لكن قبل ما يدور المفتاح،ظهر راجلين لابسين أسود من وراه.
واحد منهم قال بهدوء: كان المفروض تخلّي لسانك مقفول يا ياسر.
صرخ ياسر:إنتو اللي قت*لتوه؟ إنتو اللي خلّيتوا مريم تبكي عليه؟!
مد الراجل التاني يده وفيها أداة معدنية لامعة
الكاميرا لو تخيّلناها مشهد سينمائي بتتحرك ببطء على وجه ياسر،صوت أنفاسه بيتسارع، وبعدين صوت طل*قة واحدة فقط يشق الصمت.
بعد لحظات، تلف سيارة سوداء وتختفي في الظلام،
بينما الموبايل بتاع ياسر بيقع على الأرض،وشاشته منورة برسالة غير مرسلة لمريم:لو حصللي حاجة ثقي بسليم.
كانت مريم جالسة في غرفة المعيشة، تحاول تُلهي نفسها بقراءة كتاب أيهم القديم،
لكن قلبها كان مثقلاً بالقلق بعد لقائها مع ياسر قبل يومين.
صوت المطر بالخارج يملأ الأجواء، والنافذة تهتز كلما ضربتها الرياح.
رنّ هاتفها، نظرت للشاشة، رقم غريب.
ألو؟
حضرتك الأستاذة مريم؟
أيوه، مين معايا؟
من قسم الشرطة نحب نبلغك إن الأستاذ ياسر الخولي وُجد مق*تول في سيارته قبل ساعات.
تجمدت الكلمات على لسانها.
مـ… م*ات؟
للأسف، أيوه. لو عندك أي معلومة عن آخر مرة شُفتيه فيها، ياريت تمرّي علينا.
أغلقت الهاتف ببطء، كأن الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة.
وقعت الفلاشة من يدها على الأرض، وجلست على الكرسي وهي تهمس: يا رب كل اللي حواليّ بيمشوا واحد ورا التاني ليه؟
الدموع بدأت تنزل، مش بسبب الخ*وف فقط، بل من ثِقَل الفقد.
الناس اللي كانت بتدي حياتها معنى، بيروحوا واحدًا تلو الآخر.
رفعت نظرها للسقف وقالت بصوت مبحوح: لو أيهم لسه عايش، يا رب رجّعه مش قادرة أتحمل تاني.
في المقابل، كان سليم واقف في شرفة الفيلا وقت الغروب،
الهواء بارد، لكنه حاسس بدفء غريب في صدره.
جاءه صوت سلسبيل من ورائه، ناعم ومتردد: سليم في حاجة لازم أقولك عليها.
التفت نحوها بابتسامة:خير يا حبيبتي، في إيه؟
مدّت له ورقة صغيرة من المستشفى،عيناه قرأتا الكلمات بسرعة، وبعدين رفع نظره لها بدهشة ممزوجة بفرح لا يوصف.
سلسبيل! إنتِ حامل؟!
ضحكت بخجل، وعينيها تلمع: الدكتور قال في أول الشهر.
لم يتمالك نفسه، ض*مها بين ذراعيه بقوة، يدور بها في المكان كطفل فرح.
ياااه يا سلسبيل، أخيرًا! هنبقى عيلة بجد.
ضحكت وهي تقول:بالراحة يا سليم هتوقعني!
جلسا سويًا على الأريكة، وسليم ماسك يدها بلطف،
صوته اتغير، بقى أكثر عمقًا ودفئًا:أنا كنت فاكر إن حياتي وقفت بعد موت أمي بس وجودك غير كل حاجة.
ربنا يخليك ليا يا سليم.
مرّت لحظة صمت مليئة بالمشاعر،ثم رفع يده يدعو:يا رب احفظهم، سلسبيل واللي جاي وخلينا دايمًا سند لبعض.
كانت ليلى جالسة أمام المرآة تُسرّح شعرها الطويل ببطء،صوت أنفاسها المتقطعة يختلط بصوت عقارب الساعة في الغرفة الواسعة.
التفتت نحو السرير، فارس يجلس واضعًا نظارته، يقلب أوراق عمله كعادته كل مساء.
كل شيء فيه منظم، دقيق، هادئ إلا قلبه، فهي لم تعرف طريقه بعد.
قالت بصوت منخفض: فارس هتفضل طول الليل كده؟ مش تعبت من الشغل؟
رفع عينيه نحوها، بابتسامة باهتة: الشغل ملوش مواعيد يا ليلى، انتي عارفة.
سكتت لحظة ثم قالت بخفوت: يعني حتى وأنا قدامك، تفضل تشوف الورق أكتر مني؟
توقف عن القراءة، وضع الأوراق على الطاولة، تنهد بعمق، ثم قال:ليلى أنا مش متعود أتكلم كتير، بس دا مش معناه إني مش حاسس.
بتحس بإيه؟ لأني بجد مش فاهمة!
بحس إنك طيبة وصبورة أكتر من اللازم.
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها، بس مش دي مشاعر حب يا فارس.
يمكن بس الحب عندي ملوش كلام.
صمتٌ ثقيل ساد المكان،ليلى عضّت شفتها كي لا تبكي، ثم قامت ببطء، اقتربت منه وجلست بجواره.
فارس، أنا مش عايزة منك ورد ولا كلام حلو أنا عايزة أحس إنك بتشوفني.
نظر إليها نظرة طويلة، فيها شيء من الوج*ع الذي يخفيه دائمًا،ثم مد يده ولمس كفّها بلطف، وقال بصوت
خافت: يمكن معرفش أعبّر زي الناس، بس وجودك راحة حتى لو مابنطقش بيها.
ابتسمت بخجل، دموعها لم تسقط هذه المرة.
وضعت رأسها على كتفه، وهو ظل صامتًا،لكنه لأول مرة منذ زواجهما، رفع يده ووضعها حولها بخفة.
الهواء في الغرفة صار دافئًا،وصوت أنفاسهما امتزج، كأنهما وجدا أخيرًا بداية صغيرة لحبٍّ كان يبحث عن طريقه بصمت.
كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً، والهدوء يخيم على البيت.
ليلى في المطبخ تُحضّر له العشاء، بينما ينتظرها فارس في مكتبه يتفقد بعض الأوراق.
فجأة، سمعت صوت ارتطام عنيف، تبعته صرخة خافتة.
ركضت بخوف، لتجده على الأرض ممسكًا بصدره، وجهه شاحب وعرقه يتصبب.
صرخت وهي تركع بجانبه: فارس! يا رب، فارس ردّ عليا!
حاول أن يفتح عينيه بصعوبة، وقال بصوت
متقطع: دوخة بس بسيطة.
بسيطة إيه؟ إنت مش قادر تتنفس!
ساعدته على الجلوس، واتصلت بالإسعاف وهي تبكي.
كانت المرة الأولى التي تراه فيها ضعيفًا بهذا الشكل،
والمرة الأولى التي تشعر فيها كم هو غالٍ على قلبها.
في المستشفى، بعد الفحوصات، طمأنها الطبيب بأن ضغطه انخفض بسبب الإرهاق الشديد وقلة النوم.
جلست بجانبه، تمسك يده وتهمس: ليه بتع*ذب نفسك كده؟ مش كفاية اللي فيك، كمان الشغل يا فارس؟
فتح عينيه ببطء، نظر إليها نظرة طويلة، فيها امتنان لم يقدر أن يعبّر عنه بالكلمات.
قال بخفوت:كنتِ خايفة عليا قوي، صح؟
إنت مش فاهم أنا كنت هم*وت وأنا شايفاك كده.
ابتسم بهدوء، ثم رفع يده ليلمس وجهها برفق.
يمكن دي أول مرة أشوفك بتخافي عليا بالشكل ده وأنا أول مرة أحس إن ممكن أفقدك فعلاً.
لم يُكمل الكلام، اكتفى بأن أمسك يدها بإحكام،
وكأن قلبه بدأ يعترف بما أنكره طويلًا.
مرت أسابيع، وفارس بدأ يستعيد نشاطه، لكن شيئًا تغيّر بداخله.
صار يضحك أكثر، يقضي وقتًا أطول مع ليلى،
وأصبح يلاحظ أدق تفاصيلها ضحكتها الخجولة، وصوتها حين تناديه.
وفي صباحٍ دافئ، خرجت ليلى من الحمام تمسك بيدها نتيجة اختبار الحمل،كانت يدها ترتجف، ودموعها على وشك النزول،
فهي لا تعرف إن كان سيفرح أم سيغضب!
دخل فارس الغرفة، لاحظ ارتباكها،في إيه يا ليلى؟
مدت الورقة نحوه، بصمت.
قرأها ثم رفع رأسه إليها، عيناه اتسعتا بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة خافتة لأول مرة منذ زمن.
اقترب منها، ووضع يده على بطنها بلطف، وقال بصوت مبحوح: يعني أنا هبقى أب؟
أومأت برأسها، والدموع في عينيها، أيوه يا فارس، هتبقى أب.
ضحك ضحكة قصيرة خرجت من أعماقه، وض*مها إليه بقوة.
الحمد لله يمكن دي البداية اللي كنت مستنيها.
تقصد إيه؟
أقصد إن ربنا رجّعلي الحياة فيكِ وفي اللي جاي.
بكت بين ذراعيه، وهو يهمس لها: أوعدك من النهارده مش هسيبك تزعلي تاني، لا من برودي ولا من سكوتي.
وفي تلك اللحظة، شعرت ليلى أن قلب فارس الذي طالما كان صامتًا نبض أخيرًا باسمها ظل يتذكر كل هذه اللحظات وزوجته على وشك الولادة ومريم قد سبقتها لغرفة الولادة.
رواية حياة مراهقة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماء السرسي
كانت أصوات الأن*ين والص*رخات تتداخل في أروقة المستشفى،ورائحة المعقّم تملأ المكان، والقلوب كلها على ن*ار.
في غرفة واحدة، كانت مريم وليلى جنب بعض
الاتنين على سريرين متقابلين، والوج*ع في عيونهم أكبر من الكلام.
مريم بتتنفس بصعوبة، ودموعها بتنزل وهي تمسك إيد ليلى
بقوة: ليلى أنا خ*ايفة.
وأنا كمان يا مريم بس استهدي بالله، ربنا معانا.
أيهم فين؟ مش شايفاه من بدري.
جاي، أكيد جاي فارس كلمه وهو في الطريق كانت تهون عليها فهي تعلم بأن حالتها النفسية لم تستقر بسبب فقدان أيهم.
كانت القابلة والتمريض يدخلوا ويخرجوا بسرعة،
والأطباء بينادوا بأصوات عالية، واللحظة كانت مشحونة.
ليلى حست بوج*ع فظيع في بطنها، فصرخت بصوتها،
ومريم مدت إيدها تمسك بيها، رغم وج*عها هي كمان.
خدي نفس، يا ليلى خدي نفس زي ما قالولك.
مش قادرة حاسة الدنيا بتدوّر فجأة دخل فارس وهو متوتر، لابس بالطو فوق هدومه،عينه بتدور على ليلى، ولما شافها اتجمد مكانه.
دموعها نازلة، وهي بتقول بصوت متقطع: فارس أنا مش قادرة قرب منها بسرعة، مسك إيدها، وقال بصوت واطي مليان رجاء:بصيلي يا ليلى متخ*افيش، أنا هنا، مش هسيبك لحظة.
وعد؟
وعد هتولدي وتفرحي، وهشوف ضحكتك تاني.
وفي الجهة التانية،تخيلت مريم أن يدخل أيهم مسرع وهو يلهث،أول ما شاف مريم دموعه نزلت من غير ما يحس.
حبيبتي، أنا هنا سامحيني ع التأخير.
كنت متأكدة إنك هتيجي، بس كنت عايزة أسمع صوتك.
وأنا جيت علشان أكون أول واحد يسمع أول صرخة لابننا.
المشهد كله اتغير، بقى فيه دفء غريب وسط الأل*م.
ضحكة مريم الخافتة وسط دموعها كانت بتطمن ليلى،
وصوت فارس بيهمس بالدعاء،والأطباء بيستعدوا للحظة المنتظرة.
وبعد لحظات من الص*راع بين الحياة والم*وت تعالت أول صرخة، ثم بعدها بثواني صرخة تانية من السرير المقابل.
بكى فارس وهو شايف دموع ليلى،وض*مها برفق وهو يقول بصوت مرتعش: الحمد لله يا ليلى الحمد لله، الأم والطفل بخير.
وفي الجهة التانية، كانت مريم ولدت بنت وتتحدث لنفسها وكأنها ترد على أيهم بنت شبهك يا أيهم كانت ووتوقع انه معها ضحك وسط الدموع وقال:ربنا رزقني بأجمل بنت في الدنيا فنامت وهي تحلم به.
وفي الغرفة اللي كانت مليانة أنين اتحول الأل*م لضحك وبكاء وفرحة،
كأن القدر قرر يكافئهم على كل التعب اللي عاشوه.
كانت مريم لسه على السرير، عرقها سايح على جبينها،بس ابتسامتها غريبة ابتسامة فيها راحة، كأنها شافت حد بتحبه.
الكل حواليها فرحان، بس هي عينها ثابتة على نقطة فاضية في الهوا،
وهي بتهمس بصوت واطي: أيهم شايفها؟ بنتنا شبهك أوي.
الممرضة بصت على فارس بخ*وف، وقالت بهمس:هي بتتكلم مع مين؟
هز فارس راسه بحزن، ووشه اتقفل،عارف إن أيهم م*ات من شهور بس مريم لسه مش قادرة تصدق، أو يمكن مش عايزة تصدق.
قرب منها وقال بلطف:مريم حبيبتي، خلي بالك من نفسك ومن بنتك.
هو هنا، أنا شايفاه، بيضحكلي بيقولّي مبروك يا مريومة.
أكيد بيباركلك من فوق يا مريم، من الجنة، هو مبسوط بيكي أوي.
دمعة نزلت من عين فارس وهو بيقول كده،والحاضرين كلهم سكتوا، كأنهم سامعين نفس الروح اللي هي سامعاها.
وفي الناحية التانية من الغرفة،كانت ليلى لسه مرهقة بس ضاحكة من قلبها.
الممرضة قربت منها وهي شايلة البيبي الصغير الملفوف في بطانية زرقا.
ألف مبروك يا مدام، ولد زي القمر.
ليلى بكت أول ما شافته،مدّت إيديها المرتجفة تمسكه،لكن فارس سبقها ومد إيده، استلمه منها بخ*وف الأب اللي أول مرة يمسك معجزة بالحجم ده.
بص في وشه الصغير وقال وهو بيهمس: ده ابني ابني بجد؟
أيوه يا فارس، ابنك.
سبحان اللي خلقك يا روحي.
ابتسم وهو بيقربه من صدره، حاسس بنبضه الصغير يلمس قلبه،وفي اللحظة دي نزلت دمعة من عينه، دمعة عمرها ما نزلت لا في وج*ع ولا ح*رب ولا خ*وف.
دي كانت دمعة حب أب.
ليلى بصت له وهي مش مصدقة،كانت أول مرة تشوف فارس بالشكل ده،وشه دافي، صوته هادي، وإيده بترتعش من الفرح.
قالت له بخجل: هتسميه إيه؟
ابتسم وقال: عايزة تسميه إيه انتي؟
نسميه أيهم علشان يفضل اسمه عايش بينا.
اتجمد فارس لحظة، وبص ناحيه مريم اللي كانت نايمة،
بتضحك لوحدها وهي بتهمس: شايف يا أيهم؟ سميّناه على اسمك رفع فارس عينه للسقف، وقال بهمس: الله يرحمك يا صاحبي شوف بنتك في كل طفل بيتولد دلوقتي، لأنك كنت الحياة فينا كلنا.
كانت الشمس طالعة بنورها الذهبي،ولسه ريحة المستشفى لابسة الهوا،صوت بكا الأطفال الصغار بيتخلل الممر كأنه موسيقى حياة جديدة.
سلسبيل كانت أول واحدة وصلت،دخلت الغرفة وهي شايلة بوكيه ورد أبيض ووردي،
عينيها دمعت أول ما شافت ليلى على السرير والبيبي نايم جنبها.
قربت منها وقالت بابتسامة: ما شاء الله، شبهك يا ليلى بس عنده ملامح فارس بردو.
ضحكت ليلى وقالت بخجل:أهو كده يبقى طلع جميل.
ضحكت سلسبيل وردّت:جميل لأنه جاي في وقت كله خير.
سليم دخل بعدها، صوته جه هادي لكنه مهيب
كالعادة: السلام عليكم.
كل اللي في الغرفة وقفوا، حتى فارس اللي كان بيحضن ابنه قام يستقبله.
سليم قرب بخطوات واثقة،بص للبيبي وبعدين لف على فارس وقال بابتسامة نادرة الظهور:مبروك يا فارس ربنا يجعله وجه خير عليكم.
مدّ فارس إيده، بس سليم ضمه بدل السلام،حضنه بقوة وقال له بهدوء: تستاهل كل خير يا فارس شُفتك أب دي حاجة تفرح القلب.
ابتسم فارس وقال: أول مرة أحس بخ*وف وفرحة في نفس الوقت.
رد سليم وهو يبص في البيبي: طبيعي، الأبوة دي مسؤولية مش بسيطة بس أنا واثق إنك قدّها.
مريم كانت واقفة في الركن، لابسة عباية بسيطة،وشها فيه أثر تعب بس عينيها فيها راحة غريبة.
قربت منها سلسبيل وضمّتها وقالت بحنية:الحمد لله على سلامتك يا مريومة، ربنا يعينك ويخلي بنتك ليكي.
دموع مريم نزلت وهي تهمس: كان نفسه أيهم يشوفها بس هو شايف، أكيد شايف وكان نفسه يسميها زينة .
سليم وقف جمبهم وقال بنبرة دافئة جدًا، مش شبه نبرته
العادية: هو شايف يا مريم، وبيبتسم من فوق، لأنك قوية زي ما كان عايزك وهي زينة أيهم وأنا متكفل بيها .
وبعدين مدّ إيده، ولمس خد البنت الصغيرة برفق وقال: دي بنت الراجل اللي كان شجاع بجد.
ابتسمت سلسبيل وهي تبص له،وشافت فيه حاجة جديدة هدوء، حنية، لمسة إنسان قبل ما تكون لمسة زعيم.
وكأن وجود الأطفال رجّع له حتة كان ناسيها من نفسه.
فارس بص لهم وقال: أنا عايز أسميه أيهم،علشان الاسم يفضل دايم بيننا، رمز للشهامة.
سليم سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيبتسم: يبقى الاسم ده على بركة الله أيهم الصغير، أول مولود في عيلتنا الجديدة وبنت أيهم ثاني مولود في عيلتنا وتعتبر ك بنتي.
ضحك الكل، والجو اتملأ بدفا نادر،حتى سليم، اللي دايمًا وشه جامد،كان بيضحك وهو بيبص على سلسبيل اللي عينيها بتلمع بالحب والفخر.
رواية حياة مراهقة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماء السرسي
البيت كان منور كله ضحك الأطفال في الصالة، وأصوات الكاسات وهي بتتخبط ببعض على السفرة،ريحة الأكل طالعة من المطبخ، فيها عبق البيت اللي بيرجع الروح بعد تعب المستشفيات.
سلسبيل كانت بتتحرك بخفة بين الكل،توزّع العصير وهي بتضحك بخجل لما فارس يقول لها:كده يا سوسو! هو أنا مش لسه أب جديد؟ فين العصير بتاعي المخصوص؟
ضحكت وقالت وهي تمد له الكوباية:أهو مخصوص ليك يا فارس باشا، بس أوعى تتدلع على ليلى كتير.
ضحك الجميع، ومريم كانت قاعدة هادية في الركن،تحضن بنتها الصغيرة، تبص لها وكأنها الدنيا كلها في حضنها.
عيونها فيها دموع، بس مش دموع حزن دموع امتنان.
سليم كان واقف عند الشرفة،بيشرب قهوته في صمت، وعينيه بتتابع الجمع من بعيد.
ابتسامة صغيرة طلعت غصب عنه لما سمع ضحكة سلسبيل.
هي كانت مختلفة النهارده مليانة طاقة وحنية، كأنها بتعوّض غياب الفرح اللي اتأخر سنين.
قربت منه بهدوء، وقالت بصوتها الهادئ:مش ناوي تشاركنا؟
لفّ عليها، عينيه وقعت في عينيها، وسكت لحظة قبل ما يقول:أنا مبسوط وأنا شايفكم كده كل حاجة رجعت طبيعية، وده بالنسبة لي كفاية.
ابتسمت وقالت بخفة دمها المعتادة:يعني لو حد غيري قال كده كنت قلت له كلام جامد،بس أنا هاخدها على إنها مجاملة لطيفة.
ضحك بخفة، وده نادر جدًا،وقال وهو يبص لها:يمكن عشانك بس، الكلام بيبقى أخف.
سكتوا لحظة، والجو بينهم بقى مليان دفء وصمت مفهوم.
من بعيد سمعوا صوت فارس بينادي: يا جماعة، تعالوا، عايزين نتصور كلنا سوا!
رجعوا للصالة، الكل اتجمع،ليلى شايلة ابنها، مريم ماسكة بنتها،وفارس بيضحك بصوت عالي وهو بيحاول يوقف الكل في مكانهم.
وقف سليم جمب سلسبيل من غير ما يقصد،لكن إيده لمست يدها بالصدفة،اللحظة كانت قصيرة بس قلبها خفق بقوة،ولأول مرة، هو نفسه حس بحاجة شبه الخوف مش من الح*رب ولا من أع*دائه،لكن من الشعور اللي بدأ يكبر جواه من ناحيتها.
التقطوا الصورة،لكن ما حدّش يعرف إن دي كانت أول لقطة تجمعهم كعيلة حقيقية وفيها بداية حكاية جديدة،بين رجل اتعلم يق*سو عشان يعيش،وامرأة علمته إزاي الحنية ممكن تكون أقوى من أي س*لاح
الليل كان ساكن،والقمر نازل نوره على شرفة البيت،وسلسبيل قاعدة على الكنبة، لابسة روب بسيط،تحط إيدها على بطنها بخفة وتبتسم لنفسها.
سمعت صوت سليم داخل من باب الشرفة،خطواته الهادية، وصوته لما قال:بتكلمي البيبي تاني؟
ضحكت وقالت: آه بحاول أقنعه يبطل رفس، شكله واخد طبعك عنيد.
قرب منها وهو ماسك كوباية الشاي،قعد جمبها وقال وهو بيبص على بطنها:لو طلع زيه فعلاً، ربنا يعينك عليّ مرتين.
ردت بخفة:بس أنت بقيت أهدى كتير، حتى لما بتزعل، مابقتش بتص*رخ.
سكت لحظة، عيونه راحت بعيد كأنه بيفتكر نفسه قبلها.
قال بصوت واطي: يمكن عشانك؟
أنا؟
آه، وجودك غير فيّ حاجات أنا كنت فاكرها م*اتت من زمان.
كنت فاكر إني مش هقدر أحب ولا أحنّ،بس انتي علمتيني يعني إيه أعيش وأنا مش خايف أفقد.
دمعت عيونها،حطت إيدها على يده وقالت بحنان:وأنا كنت فاكرة إن حياتي خلاص خلصت قبل ما تبدأ،
بس وجودك علّمني أصدق إن ربنا ممكن يعوض.
قرب منها، لمس شعرها بخفة،وقال بابتسامة صغيرة: متخ*افيش، ولا من بكرة، ولا من أي حاجة أنا هنا مش بس كزوج،كمان كأب، وسند، وواحد بيحبك أكتر كل يوم.
ضحكت بخجل وقالت:يا سليم، أول مرة سمعت منك كلمة بحبك كانت وانت بتزعق.
ضحك وقال:وكنتِ فاكراها ته*ديد مش حب.
ضحكوا الاتنين بصوت عالي،لكن بعدها ساد بينهم سكون حلو،سكون مفيهوش توتر،بس مليان طمأنينة.
هو مد إيده ولمس بطنها،والبيبي رفس بخفة، فابتسموا سوا،وسليم قال وهو بصوته الدافي:شايفة؟ حتى هو بيأكد كلامي بيقولك إيه؟
بيقول إنه بيحبك زينا تمام.
ضحكت سلسبيل،واستندت على كتفه وهي تهمس:ربنا يخليك لينا يا سليم.
والليل لفّهم بدفء غريب،دفء العيلة اللي اتبنت على وجع،لكن دلوقتي بقت مليانة حياة وحب وطمأنينة.
وفي ذات ليلة كانت سلسبيل جالسة وتشعر بأل*م الولادة وكأن سليم بجانبها ولاحظ ذلك فحملها وخرج من الفيلا و فتح باب السيارة ووضعها وأغلق الباب وصعد بجانبها وانطلق بالسيارة للمستشفى والليل كان طويل،وسليم قاعد في ممر المستشفى،
إيده على راسه، وصوته مخ*تنق بين شهقة ودمعة.
الوقت واقف،كل دقيقة بتعدي كأنها سنة.
من جوه غرفة الولادة،كان يسمع ص*رخاتها،كل ص*رخة كانت بتخ*ترق قلبه زي الس*كين.
قام بسرعة، حاول يدخل،بس الممرضة منعته:استنى بره يا أستاذ، ممنوع الدخول دلوقتي.
ص*رخ فيها بعصبية:دي مراتي! أنا مش هقدر أسمعها بتتوج*ع كده وأقف أتفرج!
جت الطبيبة وقالت بهدوء:ادعيلها يا سليم هي قوية وهتعديها.
رجع يقعد على الكرسي،إيده بتترعش،الذكريات كلها بترجع له خ*وفه من الفقد، من الوح*دة،من إنه يلاقي نفسه من غيرها.
قعد يهمس لنفسه: يا رب يا رب احفظها لي،أنا مليش غيرها،دي هي روحي.
وفجأة،الهدوء ساد المكان وبعدها صرخة صغيرة، ناعمة، كأنها موسيقى من السما.
سليم وقف مكانه،عينه دمعت قبل ما حتى يشوفها.
فتح الباب بسرعة،دخل وهو بيجري،ولقى سلسبيل على السرير، منهكة بس مبتسمة،تحمل مولود صغير ملفوف ببطانية زرقا.
وقف سليم مكانه مذهول،عينه بين سلسبيل والطفل،اتقدم بخطوات بطيئة،مد إيده بخوف كأنه بيخاف يلمس الحلم فيختفي.
قال بصوت مبحوح: ده ابني؟
ابتسمت وهي دموعها بتنزل وقالت: أيوه يا سليم، ابنك شبهك بالضبط.
ضحك وهو بيبكي،مد إيده ولمس خد المولود،وقال بصوت مرتعش: الحمد لله الحمد لله يا رب.
بص في عيون سلسبيل وقال:أنا كنت فاكر نفسي راجل قوي،بس النهارده قلبي وق*ع أول ما سمعت ص*رختك.
ردت عليه بصوت ضعيف:وأنا كنت عارفة إنك هتيجي أول واحد تمسك إيده.
قرب منها، قبل جبينها وقال:ربنا ما يحرمني منكم، لا إنتِ ولا هو.
أنا وعد وعد إني هكون أحسن راجل وأب،علشان تستحقوني.
والليلة دي كانت بداية جديدة،مش لبيت جديد بس،لكن لقلبين كبروا مع بعض،واتولد بينهم حب من نوع تاني حب فيه حياة كاملة اسمها عيلة.
مرت السنين بسرعة تبدلت الأح*زان أفراح،وتحوّل كل ج*رح لحكاية بتتحكى في الليالي بابتسامة.
البيت الكبير في أطراف القاهرة كان مليان ضحك الأطفال وصوت الحياة.
في الحديقة الخلفية، كانت زينة بنت أيهم بتجري وهي تضحك،وشعرها يتطاير في الهوا،وراها أسد ابن سليم بيحاول يلحقها وهو بيصرخ: زينة! استنيني بقى، أنا اللي هلعب الأول!
ومن بعيد، كان أيهم الصغير ابن فارس،واقف بإيده على خاصرته وبيغ*لي من الغيرة،وقال بصوت عالي:دي بتلعب مع أسد كتير قوي! أنا هقول لبابا!
ضحك الكبار، سليم بص لفارس وقال وهو بيهزر:شايف؟ الغيرة تورّث يا فارس، دي طلعت منكم.
فارس رفع حاجبه بابتسامة جانبية وقال:ولا ناسي إنك كنت بتغير على سلسبيل من النسمة يا سليم؟
ضحكت سلسبيل بخجل وهي شايلة ابن فارس الصغير،
وقالت بمزاح:أهم حاجة إن الغيرة دي تبقى حب مش وج*ع زي زمان.
أما سلسبيل، فكانت قاعدة في الظل تراقب الأطفال،تبتسم بخفة وهي تحط يدها على بطنها،لأنها في شهور حملها الأخيرة.
همس سليم وهو ماسك يدها: لسه مش مصدق إن ربنا بيرزقني تاني بعد كل اللي راح.
ابتسمت وقالت بهدوء:يمكن لأنك ما فقدتش إيمانك.
أما كريمة، كانت جالسة على الكرسي الخشبي في الحديقة،حولها أحفادها،عيونها تلمع فرحًا وهي تشوفهم يضحكوا ويتشاجروا بحب.
محروس واقف جنبها،في إيده كوب شاي، قال بابتسامة هادئة:شوفي يا كريمة زمان كنتِ بتعيطي، دلوقتي ضحكتك ماليه المكان.
ردت عليه بهدوء دافئ: لأن ربنا عوضني خير عن كل حاجة راحت في السماء، كانت الشمس تغرب،وألوان الغروب بتلون وجوههم بخيوط ذهبية،كأنها تقول:كل نهاية هي بداية لحكاية أجمل.
صوت سليم يعلو وهو ينادي الجميع:تعالوا نصور صورة جماعية! دي ذكرى ما تتعوضش!
تجمعوا كلهم،ضحك، دعابات، حب، ودفء إنساني يملأ المكان.
وفي وسط الزحمة،وقفت سلسبيل تنظر للعائلة كلها،همست في سرها وهي تنظر للسماء:يا رب احفظهم دي الحكاية اللي ما تنتهيش.
وأسدل الليل ستاره على بيتٍ كان يومًا مليئًا بالبكاء،فصار اليوم عنوانًا للطمأنينة والحب.