اتسعت عيناها بدهشة وهي تعيد كلماته بتقطع. _جمب أبوة؟ رفرفت بأهدابها وهي تطالع محياه القريب منها. _تقصد إيه؟ ابتعدت عنه بعدما أدركت مقصده. استقامت وهي تعيد خصلاتها بعنف. _انتَ هو أبو روبين الحقيقي صح؟ إزاي؟ كنت بتخون أخوك مع حبيبته؟ إزاي مفكرتش فيه؟ شوفتها إمتى أصلًا؟ كلماتها مبعثرة، عقلها لا يستوعب الصدمة. وقف أمامها وهو يحاول الاقتراب منها لتهدئتها. _انتِ كنتِ عارفة منين إنه مش ابن وليام؟ نهرته بسخط.
_مالكش دعوة كنت عارفة منين؟ جاوب عليا. لم تدعه يجيبها فقد تابعت بإنفعال وهي تربط الخيوط ببعضها. _وليام اللي قتلها صح؟ هو عرف إن روبين مش ابنه عشان كده اتغير معاها! يعني أنا أختي ماتت بسببك انتَ. لم تعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه. دفعته بصدره بقوة وهي تتحدث بصراخ. _انتَ السبب في موتها. إزاي قدرت تعمل كده في أخوك؟ واتجوزتني ليه؟ عايز مني إيه أنا كمان؟
سمح لها بالتفريغ عن غضبها، متحملًا ضرباتها التي كان بعضها مؤذيًا له. حاوط ذراعها ليعيق حركتها أسفل مقاومتها ليجيب بثبات. _عايزة تعرفي الحقيقة يبقى اسمعيني. بروده لم يفعل شيئًا سوى أنه أشعل نار غضبها أكثر. احتدمت مقاومتها، ترغب في سحب يدها وهي تشرّز بسخط. _إيه البرود اللي انتَ فيه ده؟ انتَ أتسببت في موت حد فاهم يعني؟ دخلت ليه في حياتي تاني؟
عاق حركتها وهو يحتضنها. جلس بها أرضًا ليحيطها بساقيه وذراعه مسيطرًا على حركتها. يعلم كم هي عنيدة. صاح بها بقوة مما أجفل بدنها. _بس خلاص اهدى واسمعي. هو خائف من فقدانها، خائف ألا تصدقه. أردفت بضيق وهي تسعى للتحرر من عناقه. _إزاي قدرت تسيب ابنك كل ده؟ انتَ إيه يا أخي؟ شد على عناقها غير مكترث لحركتها.
_من ٩ سنين ماما قررت تدي روما منحة لألمانيا كشكر لچيسكا عشان ربتك. سكنها كان قريب مني، مكنتش تعرف حد هناك. كنت بعتبرها أختي الصغيرة، أي حاجة بتحتاجها كنت ببقى معاها فيها. لحد ما قالتلي إن حد بيطاردها من الجامعة واتعدى على سكنها. رطب شفتيه وتابع بغيظ من ذاته.
_الوقت كان اتأخر، اضطريت أخليها تبات الليلة دي عندي بعد ما جاتلي. اليوم ده جدي رفض للمرة التالتة إني أرجع البلد تاني. حالتي كانت وحشة، كنت بكسر وبشرب مش شايف قدامي لحد ما بدأت أغيب عن وعي. استند بجبهته على كتفها، يبتعد عن عينيها مسترسلًا حديثه.
_ولما صحيت أدركت اللي حصل. وقتها اعترفتلي إنها بتحبني وكانت قاصدة إن ده يحصل بينا عشان أجبر أكون معاها. أنا عارف روما بتحب السلطة والنفوذ، حسيت وقتها إني بتلوي دراعي وبتجبرني. طردتها من البيت وخلّيت ماما ترجعها تاني. عيونها كانت مستنكرة لحديثه، كيف له أن يطردها! أجابها على سؤالها الصامت.
_روما مكنتش زي ما انتِ فاكرة. أنا مش أول حد في حياتها، هي بتسعى للسلطة. حبت تنتقم مني لما رجعت قربت من وليام وخلّته يحبها وبلع هو الطعم. لما عرفت خبر حملها عملت فضيحة في البلد عشان تتجوزة وتلحق نفسها. رفع عينيه لعيناها لثوانٍ من الصمت مردفًا بهدوء. _انتِ عارفة روما وعارفة شخصيتها. معرفش إيه اللي حصل بينهم بعدها، بس تقريبًا شك إنه مش ابنه. وبعدها وليام عرف إنه مش ابنه. الحادثة كانت مدبرة. أردفت بتشكك.
_وانتَ عرفت منين إنه وليام؟ وعرفّت منين إن روبين ابنك؟ ابتسم بثقة محتفظًا بجزء لنفسه. _نسيتي إني بقيت چنيرال الأعمال؟ عرفت من ماما روما كانت كاتبة في مذكراتها قبل ما تموت. ولما جيت اتأكدت بنفسي. عيونها تائهة وعقلها مرتبك، لا تستطيع تقبل الحقيقة. _طب هتقول لوليام إيه؟ استحالة يسيب لك روبين. _روبين بقى باسمي خلاص. دي فايدة السلطة. رفعت كفها بعدما حرر قيدها تعيد خصلاتها خلف أذنها. _انتَ اتجوزتني ليه؟ ليه عملت كده؟
انتَ مش محتاجني في حاجة، كل حاجة حلتها لوحدك. رفع يده ليُداعب وجنتها بلمسات حنونة يُجيبها بهدوء. _أربع شهور. أنا رجعت من أربع شهور. شوفت واحدة لابسة فستان صيفي مشجر لايق عليها وفاردة شعرها كانت بتجري وسط الناس وهي بتضم كتبها ليها. خبطت فيا واعتذرت من غير ما تلاحظني. فك عقدة حاجبيها بإبهامه وهو يبتسم بخفة.
_قعدت في مخبز قريب لنفس الشارع بالصدفة وقابلت نفس البنت وهي بتطلب قهوة وبتقعد لوحدها وهي بتراجع دروسها وبتضحك ببشاشة للناس. الصدف زادت وهي ملاحظتنيش ولا مرة. وسط انشغالي كنت بروح نفس الشارع عشان أشوفها. تابع حديثه وهو يتأمل عينيها.
_فضولي بقى ليها مش عارف أوصل لطرف خيط. كنت بدور بنفسي من غير مساعدة حد. انشغلت عنها فترة بسبب الشغل ولما رجعت شوفتها في جنينة. قربت منها بفضول كانت بتقطف تفاح من الشجرة. استغليت الفرصة وقربت منها عشان تلاحظني بس عرفت إنها مخطوبة لقريبي. اتسعت عيناها بعدما فهمت أنها المعنية بالحديث. ابتلعت ريقها، تشعر بثقل أثر كلماته. عيناه تقص الكثير. _انتَ تقصد إيه؟
_الصدف جمعتنا أكتر. طلعت بتشتغل في القصر وأقرب حد لابني. وبقيت بقرب ليها أكتر من غير إدراك. كنت عايزة تلاحظني رغم إني وشوفت علاقتها بابني وحنيتها عليه. وهنا حسيت قد إيه أنا أناني. كنت عايزها ليا أنا لوحدي. مكنتش فاهم مشاعري غير إني عايزها تبقى معايا. كل ده وقف لما افتكرت هي مين. البنت اللي كانت السبب في نفْيي من البلد واتهامي بالمتحرش. الغضب سيطر عليا لكن اكتشفت بعد كده إن غضبي مكنش منها، كان من نفسي ومن أهلي.
تابع حديثه بخفوت. _مكنتش أتخيل إني في يوم من الأيام أحب اللي كانت السبب في نفْيي من بلدي. الطفلة اللي كبرت على إيدي. سند رأسه على جبهتها وهو يتشرب أنفاسها. _مكنتش عامل حسابي إني أعمل عيلة وأحب حد، لكن للقدر رأي تاني. اتجمعنا في زمن مختلف وحبيتك من غير إزاي وليه؟ أنا بحبك يا هيلين. أعادت رأسها للخلف تطالعه بصدمة. عيناها امتلأت بالدموع غير مصدقة لحديثه. هو يحبها، كيف ذلك؟ أيعني ما يقول؟ حلم طفولتها قد تحقق!
العديد من المشاعر قد داهمتها، خاصة بعدما أخرج حروف اسمها من بين شفتيه. ذكرها بماضيهم، كيف كان يشتري لها الهدايا ويحميها من الغرباء. كان مصدر أمانها الذي فقدته منذ زمن. لم تتحكم في مشاعرها، كورت قبضتها على قميصه، تكمشه بين كفها وتبكي بقهر. حاوطها بذراعيه يمسح على خصلاتها بحنان لتنبس بشهقات. _ايدين. همهم لها وهو يشد على عناقها لتتابع. _إزاي؟ أنا حاسة إني تايهة. تابع المسح على خصلاتها بحب وهو يقبل فروتها.
_أنا هوجهك للنور، هفضل جنبك زي زمان. ادينا فرصة. نفت له وهي تسعى للتحرر من عناقه. مسحت دموعها بقسوة. _مش هينفع، الكل هيكون ضدنا. الحياة هنا مش مريحة بالنسبة ليا. أنا عايزة أمشي، كده أنا اطمنت على روبين معاك. قاطع حديثها وهو يحاوط كفوفها. _مليكيش دعوة بحد، وافقي انتِ وسيبك من الكل. نفت له وهي تستقيم من بين يديه. _مش هقدر، معنديش القدرة إني أحارب وأواجه تاني. روبين لازم يعرف الحقيقة، أنا هساعدك وبعدها هيكون دوري انتهى.
*** حاوطت كوب القهوة الساخن أمامها بين كفيها لتدفئ بدنها تستمع لحديث "چاك" الموبخ لها بعدما علم أنها تزوجت من "ايدين". _يعني إيه؟ إزاي تعملي حاجة زي دي من غير ما ترجعيلي؟ زفرت أنفاسها بثقل لتجيبه بهدوء. _كنت لابس چاكت أسود وشعرك مرفوع لفوق، وهي فستان لبني وفوقه بلطو بني وماشين ماسكين إيدين بعض. فرحان في حياتك مع الشخص اللي بتحبه من غير ما تفكر تقولي، وجاي بتعاتبني على حاجة مكنتش بإيدي.
ارتفع طرف ثغرها بسخرية بعدما رأت دهشته لتتابع. _عارف إني عانيت من تأنيب الضمير سنين، وانتَ استغليت ده من غير ما تفكر فيا. عارف علاقتنا عاملة إزاي، لكنك أصررت تضغط عليا. يكره رؤية نفسه مخطئًا، لا يتقبل الهزيمة. استند بمرفقيه على الطاولة متجاهلًا حديثها ليدس سم كلماته ليحرز هدفه. _وانتِ فاكرة بعد جوازكم إيه هيحصل؟ عمره ما هيعلنه، ومجرد ما يلاقي الشخص المناسب هيرميكي زي أي حاجة ملهاش لازمة عنده.
استقامت تقف أمامه لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج منه هو، من صديق طفولتها المقرب، من يعلم نقاط ضعفها. صفعته بقوة دون تفكير. رفعت سبابتها أمامه لتنهره بقوة ودموعها حبيسة عدستيها. _أوعى تفكر إن كلامك ده هيفرق معايا. القلم ده عشان تفوق لنفسك. يخسارة يا چاك، أنا كنت بشوفك أقرب حد ليا في الدنيا. أردف بانفعال. _بس عمرك ما شوفتيني زيه، دايماً كان في بالك. ابتسمت بسخرية لتواجهه بالحقيقة.
_كنت عارف إن ايدين له مكانك مختلفة عندي. مكنتش بنام لسنين من كتر ما أنا ضميري بيأنبني. كنت عايشة بذنبه وانتَ عارف ده، لكنك استخسرت ده فيه. كنت عايز تاخد مكانه في كل حاجة، لأنه لما سافر حتى أهلك فضلوا يقارنوك بيه. رفعت يدها أمامه تمنع حديثه لتتابع. _أوعى تفكر تجيب الحق عليا، انتَ اللي خونت الثقة وخونت سنين صداقتنا. *** تجلس أمامه وهي تمسح على خصلاته، تحاول شرح له الوضع بأسلوب يتقبله.
_الحياة أوقات كتير بتخلينا نعمل حاجات غصبًا عننا ونقابل ناس وحشة وتؤذينا من غير ما تهتم بوجعنا. تابعت حديثها وهي ترى عينيه المهتمة. _عارف إنك بتحب وليام، لكن كان نفسك يكون أب كويس زي ما بتشوف أصحابك. مفيش أب بيقسى على ابنه. رطبت شفتيها تحاول تنقية كلماتها، تعلم أن روبين سيفهمها. _شوفتك عمك بيتصرف معاك بحب واهتمام إزاي؟ عشان هو أب، والأب مش بيكره عياله. قاطعها هو بهدوء. _ايدين هو بابا صح؟
سمعته بيتكلم مع بابا كان بيهدده إنه هينتقم منه على كل حاجة عملها لينا أنا وانتِ. اتسعت عيناها لتسيطر على الموقف وهي تضمه لها. _كل حاجة هتفهمها لما تكبر. أنا بس عايزك تعرف إن ايدين بيحبك أكتر من أي حاجة. بادلها العناق ليقول بتعقل لا يناسب سنه. _أنا فرحان إنه بابا. كنت بدعي إن تحصل معجزة وبابا يحبني، لكنها اتحققت بطريقة تانية. ***
غادر وليام العاصمة للأبد بصمت. لم تعُد للقصر فلا محل لها به بعد الآن. اكتفت أنها ودعت السيدة "چوليا" وشكرتها عما فعلته لها طوال تلك السنوات. ودعت شقيقها بالتبني. رأت "چيسكا" ترمقها بتقزز كعادتها. رطبت شفتيها لتنبس بغصة.
_عارفة إنك متقبلتيش إني أكون بنتك. شوفتيني بسرق شخصية إيلينا الحقيقية، لكن رغم ده أحب أشكرك إنك احتوتيني في بيتك ومحرّمتنيش إني أقول كلمة ماما. عمري ما اتمنيت أكون جزء من القصر ده ولا أدخل في حياة روما، بس انتِ شوفتيني دايماً مذنبَة. شوهتيلي ذكريات طفولتي واتهمتيني ظلم وأنا طفلة بحاجات مفهمتهاش غير لما كبرت. بس برضة شكراً لأنك علمتيني درس في حياتي عمري ما هنساه.
لانت نظرات "چيسكا" وهي تستمع للأخرى وترى دموعها لتستكمل حديثها. _أحب أقولك إني مسامحاكي. هسيبك لضميرك. ده أقوى عذاب للإنسان. ***
تقرأ الجريدة ترى إنجازات چينرال الأعمال، منتظرة قدوم القطار لترحل عن تلك المدينة. تنوي العودة بعد وقت لزيارة "روبين"، فلم تتح لها الفرصة لتوديعة. تعلم أن ايدين لن يتركها. هي تريد البقاء بمفردها لبعض الوقت لتنظم حياتها المشتتة. وليام قد رحل، وتعلم أن چاك السبب. چاك انتهت علاقتها به وانتهت صداقة السنوات. تركت القصر الذي ترعرعت به، لعلها تحظى ببعض الهدوء بحياتها. لم تتقبل فكرة أن روبين ابن روما وايدين. لا تستطيع لومه، فهو المظلوم بتلك الحكاية. تخاف أن تثق به فيتم خذلانها مجددًا.
*** يجلس على مقعده بإهمال، هي غادرت المدينة. لا يريد إجبارها على العودة ولا تركها. أفاق من شروده على دخول "روبين" وهو يسير بتردد. وقف أمامه ليسأله. _عايز حاجة يا روبين؟ نفت له وهو يقترب منه ليلثم شفتيه. _لا يا... ب... ابا. تيبست أوصاله، لا يصدق ما سمع. _انتَ قلت إيه؟ اقترب منه ليجثو على ركبتيه أمامه. ليسأله بدهشة. _انتَ عرفت؟ همهم له "روبين" قائلًا.
_ايلينا قالتلي. أنا مش زعلان منك، هي قالتلي لما أكبر هفهم الحقيقة. بس أنا مش عارف هي راحت فين، هي مشيت يا بابا؟ احتضنه بقوة وعيناه قد أغرورقت بالدموع. هو يعلم أن والدة قد نفذت وعدها قبل مغادرتها. لا يصدق تلك المشاعر التي أصابتة بعدما نعته بأبي. قبل فروته بحب. _ايلينا ممشيتش، هي بس سافرت عشان الجامعة وهترجع تاني. ***
أسبوعان قد مرا عليها وهي بمفردها. لم تستطع نقل أوراق جامعتها، لكنها وجدت مقهى للعمل به وجواره شقة صغيرة تسع وحدتها. لفت وشاحها حول رقبتها وهي تضم معطفها تقيها من برودة الثلوج. تحاول العودة بسرعة. تبضعت بعدما أخذت جزء من راتبها لتشتري ما تحتاج. هرولت بخطواتها شاعرة بالبرد ليوقفها صوت طفولي. _ايلينا!
التفتت بفزع لتندهش لرؤيتها "روبين" يجلس بالسيارة صحبة "ايدين". اقتربت منه بسرعة تحاول منعه من النزول لبرودة الجو، لكنه لم يهتم. ركض لها معانقًا إياها بقوة. _وحشتيني. تركت ما بيدها لتعانقه بسرعة تحميه من برودة الجو. لفتها صوته لم يكن معاتبًا بل سعيدًا. _وانتَ وحشتني أكتر. ابتعد عنها وهو يبتسم. _مع إني زعلان منك عشان مسلمتليش عليا، بس عارف إنك سافرتي بسرعة عشان الجامعة. أردفت بتعجب. _الجامعة! همهم لها وهو يتابع.
_أيوا بابا ايدين قالي إنك مسبتيش، انتِ مشيتي عشان الجامعة وهترجعي تاني. بس انتِ طولتي أوي. وهنا قد تلاقت عيناهما. هو مشتاق وهي خائفة. ابتسمت بسعادة بعدما لاحظت أنه نعته بـ "بابا". احتضنته بقوة وهي تحمل حقائبها بعدما ازدادت برودة الجو. _طب يلا ندخل بسرعة، الجو برد.
تابعهم هو بصمت ليدلف خلفها. عاين منزلها كان غرفة واحدة ومساحة للطعام صغيرة بها المطبخ والمرحاض، ورغم ذلك كان دافئًا مثلها. جلس على الأريكة بصمت لتقاطعه هي بهدوء. _هعمل لكم حاجة دافية عشان تشربوها. دقائق قد مرت لتضع المشروب الدافئ على الطاولة أمامهم. أشعل هو المدفأة ليجلسوا في جو عائلي هادئ. اقترب "روبين" منها وهو يحتضنها باشتياق لينبس بعفوية. _أنا دلوقتي عايش مع بابا لوحدنا. انتِ ليه بقا مش قاعدة معانا؟
مش انتِ وبابا اتجوزتوا المفروض تبقي معانا، احنا كده عيلة. سعلت بقوة متفاجئة من حديثه لتشتعل وجنتاها بحمرة الخجل، مُبعدة عينيها عنه لتسأل الصغير. _مين قالك كده؟ أشار على عمه بهدوء. _بابا قال كده. همهمت له وهي تتجنب سؤاله مقربة الكوب منه. _اشرب قبل ما يبرد عشان تدفى. بعد وقت غط روبين في نوم عميق وهو يحتضنها. ابتعدت عنه بخفة لتضع الغطاء فوقه، تحاول بث الدفء له. _محتاجين نتكلم.
حاولت السيطرة على رجفة كفها أثر سماعها صوتة الغليظ لتقف جواره أمام الشرفة يتابع تساقط الثلوج. _مشيتي ليه؟ فركت كفوفها لتجيب. _أنا متلغبطة، مفيش حاجة مترتبة في حياتي. التفت له يُناظرها بهدوء. _وأنا قولتلك هرتبلك كل ده بس افضلي معايا. كنتِ فاكرة إني مش هلاقيكي. نفت له بهدوء. _أنا عارفة إنك هتلاقيني. أنا بس كنت محتاجة وقت لنفسي. _وأخدتي وقتك؟ كادت أن تجيبه لكنه سألها مجددًا. _انتِ عايزة تبقي معايا ولا لأ؟ بتحبيني؟
سؤاله قد شل حركتها. هي لا تعرف الجواب، لا تدرك مشاعرها. أهو تعلق منذ الطفولة أم حب نما بداخلها؟ رطبت شفتيها لتجيب بتباطؤ. _أنا خايفة، مش هقدر أتحمل وجع تاني. نبس بهدوء. _مش واثقة فيا؟ طال صمتها لتجيب بعد لحظات. _واثقة إنك تقدر تحميني أنا وروبين، لكني مش واثقة إن مشاعرك تفضل ليا أنا. مريت بحاجات كتير أوي مش هقدر أتحمل وجع تاني. همهم لها ليتوجه للباب وهو يسحب معطفه. _روحي نامي وأنا شوية وهرجع. أسرعت له وهي تنفي.
_لأ طبعًا مش هسيبك تطلع في الجو ده. مسح على خصلاتها بخفة لينبس بهدوء. _متخافيش مش هبعد، محتاج أفكر شوية. تخطاها ليخرج وهو يرتدي معطفه. راقبته من خلف الشرفة وهو يستنشق ثم لفائفة. ترى قبضتها وهي تتكور بغضب وجنتاه الحمراء أثر البرودة. هو بحاجة لها وهي تحتاج له. ارتدت معطفها لتلحق به، لا تريد أن تكون مصدر قلق بالنسبة له. هرول لها وهو ينهرها بعدما خرجت. _ادخلي جوا برد عليكي. نفت له بعناد. _اشمعنى انتَ؟
زفر بقلة صبر وهو يلقي سيجارته. _أنا هستحمل، انتِ لأ. تجاهلت حديثه لتقول. _بتفكر في إيه؟ أنا بس قولت اللي جوايا. أبصرها لثوانٍ أربكتها، يتأملها بصمت، كسرها بقوله. _أنا آسف. اتسعت عيناها لكلماته المفاجئة، تابع. _آسف لأني مش عارف ومعرفتش أحسسك بالأمان من ناحيتي. حقك تخافي، بس عايزك تعرفي إني هحاول عشانك. اقترب خطوة منها.
_أنا مش صغير ومرّيت بحاجات كتير في حياتي تخليني أقدر أحدد مشاعري من غير تفكير. أنا بحبك وعايز أكون معاكي. أوعي تفتكري إني بحاول أخليكي جنبي بسبب روبين. أنا بس طمعان إن لمستك الحنونة والأنثوية دي تكون في حياتنا. رفع كفه البارد ليحاوط وجنتيها مردفًا بحنان. _عايزك بس توافقي تكوني جنبي وأنا هحارب عشان أملك قلبك. وافقي انتِ بس.
هزت رأسها بالموافقة دون تفكير. هي تسحق فرصة للعيش بسعادة. عانقها بقوة وهو يستنشق خصلاتها، نافسًا قرب أذنها. _أوعدك إني هعمل المستحيل عشانك. متفكريش في حد، من بكرة هعلن خبر جوازنا. ابتعد عنها وهو يتحسس وجنتها. _حياتي بقت عبارة عنك وعن روبين بس. ضرب أرنبة أنفها بمشاغبة. _مش ناوية تقوليلي حاجة كده ولا كده؟ نفت له بخجل وهي تبتعد عنه بعدما فتح ذراعيه ليعانقها مجددًا. لتنبس بطفولية كما في ماضيهم.
_هنشوف الموضوع ده لما تمسكني الأول. ركضت أمامه بصعوبة لوجود الثلج. كان يتابعها ببسمة واسعة وعيون لامعة متذكرًا مغامرتهم في الماضي. هو ناضج منذ مراهقة، لكن بها شيء يجبره على التخلي عن كل شيء، فقد لرؤية بسمتها. نسي هويته ومكانته في البلاد ليركض خلفها وهو يستمع لصراخاتها. تخاف أن يمسك بها. حاوط خصرها وهو يرفعها عن الأرض. اختل توازنه ليسقطه فوق الثلج. اعتدل ليدغدغها مستمتعًا بصوت ضحكاتها. _اعترفي يلا وقوليها إنك بتحبيني.
_خلاص خلاص هقول. أوقف حركة أصابعه، يسمح لها بأخذ أنفاسها لتدعي التفكير لتقول بخبث. _بحب نفسي أكتر. صُدم من إجابتها مما جعله يدغدغها بغيظ. _لسه خبيثة زي ما انتِ. السنين مغيرتكيش. _وأنا كمان يا بابا عايز ألعب معاكم. التفت للصوت ليجده روبين يرتدي معطفه ووشاحه يدفئ نفسه جيدًا ويبصرهم بعينين لامعتين بالحماس. استقام "ايدين" وهو يلحقه ليحمله وهو يدور به في الهواء. _تعالَ انتَ كمان.
وضعه قربها وهو يداعب معدته مؤديًا لظهور ضحكاته الصاخبة. *** مر عام كامل، تقف الآن لتسلم شهادته، تخرجها. تسير ببعض الثقل، هي بشهرها الرابع الآن. أخذت شهادتها. تناظرهم من أعلى المنصة، ترى زوجها يجلس وقربه روبين الذي أصر على حمل باقة الزهور لها. تحسست معدتها بحب. عاونها زوجها على نزول السلالم ليقدم "روبين" الزهور لها. _مبروك التخرج أيلي. قبلة وجنتها بحب قائلة بسعادة. _الله يبارك فيك يا حبيبي. تدخل "ايدين" بضيق.
_اشمعنى هو؟ ما أنا باركتلك مرتين. تحسست وجنته بحب وهي تقبل وجنته ببسمة واسعة لتنبس قرب أذنه. _هو ابني وانتَ حبيب قلبي. ابتسم لها مظهرًا صف أسنانه الأمامي يحمل روبين وهو يمسك يدها. _يلا نروح بيتنا عايز أقعد مع عيلتي شوية. وهنا قد تكون انتهت قصتنا. جمع القدر ثلاثتنا لنعوض بعضنا. "قد تُدفن الهوية في ركام الذاكرة، لكن الحب الحقيقي يعيد بناء الإنسان من جديد. نحن لم ننسَ الألم، بل اخترنا أن نكون دواءً لبعضنا البعض."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!