برأسها الكثير من الأسئلة، هل تم قتل شقيقتها؟ كيف ذلك؟ ومن الفاعل؟ تشعر بالذنب لموت شقيقتها روما، ماتت وهم على خلاف، تحاول التكفير عن ذنبها. وافقت في استمرار زواجها من "إيدن" لعلها تكشف سر موت "روما". زفرت أنفاسها بثقل، يومان قد مرا لم تعد للقصر، تقتن بذلك البيت الغريب عنها صحبته. مساء الخير. صوته الخشن قد أفاقها من شرودها، فقد عاد من الخارج لكنها لم تعطه اهتمامًا، ما زالت شاردة.
اغتاظ من تجنبها له لكنه تمالك ذاته ليحاول فتح مجال للحديث صحبتها: بقالك يومين مش بتروحي الجامعة ليه؟ رفعت عينيها لترمقه ببرود وتعاوِد مراقبة الأشجار من خلف قضبان الشرفة، جلس أمامها بغيظ: مش بكلمك؟ مش بتردي ليه؟ جز على أسنانه بغيظ منها ليباغتها بسحبها من قدمها، شهقت بصدمة وهي تحاول الابتعاد لمنع أي تلامس بينهم. هي تنفر منه وذلك يغضبه، ليسألها بهدوء زائف: أنتِ بتحبيه؟ كادت أن تجيبه بتعالي لكنه ضغط على ساقها محذرًا
إياها: من غير كدب، في حاجة ورا خطوبتكم مكنتش بالحب، فجاوبي على سؤالي. قطبت حاجبها بسخط من فظاظته في الحديث، لتتحدث بتعالي: وأنت مالك بحبه ولا لأ؟ وبعدين ده خطيبي أكيد بحب. بتر حديثها حينما وضع كفه على ثغرها حابسًا كلماتها بين كفه، هو يحاول تمالك غضبه لكنها تستفزه! نفر أنفاسه بضيق لتصطدم بنقاء بشرتها، كان يشد على كل حرف يخرج من ثغره محذرًا إياها: مبقاش في هو خلاص، في أنا بس، في جوزك. أرجعت رأسها للخلف بنفور من حديثه:
مؤقتًا مراتك لفترة مؤقتة وهبرر موقفي لجاك. استقام متجاهلًا حديثها ببرود ظاهري: يلا عشان نجيب روبين من المدرسة. أبصرته بدهشة: نجيب روبين؟! أنا وأنتِ؟ أكد لها وهو يمد كفه ليعاونها على النهوض: روبين بيحبك تخديه من المدرسة وأنا هروح معاكي. رفضت مساعدته لتنهض بمفردها، تشعر بالملل لبقائها بالمنزل، لا ضرر من بعض التنزه. *** ارتدت ثوبًا بلون الزهري يليق ببشرتها، قد وجدته على الفراش، هو من أحضره!
تقف أمام المرآة تتحسس ثوبها، هو يليق بها، تذكرت طفولتهم، كان يحضر لها كل ما تحتاج لتتشابه مع بقية التلاميذ. لم تستطع غلق السحاب، انتفض بدنها بفزع حينما أحست به خلفها! لم تدرك متى قد دخل للغرفة؟! عيونهما قد تلاقت لثوانٍ في انعكاس المرآة، رفع يده بروية ليغلق السحاب. شريط ذلك اليوم قد مر عليها، دخول شقيقه للغرفة واتهامه بالباطل، الضرب الذي تلقاه على يد جده، وسفره للخارج أسفل بكاء والدته.
كيف رآها والدها بالتبني وصمة عار بالنسبة له، وتعنيفها على يد "جيسكا"، عقدة الذنب تلك لم تستطع التخلص منها. ترقرقت عيناها بدموع الألم، لتنهمر دموعها وهي تتابع انعكاسه المعلق على سحابها. التفتت له وهي تبكي بصمت لتنبس بأسف حقيقي: أنا آسفة. قطب حاجبه بتعجب لتتابع بغصة: مكنتش أتمنى إن حياتك تبوظ كده، أنا السبب.
وهنا قد فهم مقصدها، قد زارتها ذكرى الماضي لتشابه المواقف، هي تبكي لأجله وهي قد تعرضت للأذى مثله، هو علم كل شيء من شقيقها بالتبني. رفع يده ليتحسس وجنتها بخفة: اهدي، خلاص، اللي حصل حصل، المهم الحاضر مش الماضي. صدقيني لو قولتلك إن سفري كان أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. ابتعد عنها ليحضر المعطف الذي أحضره لها، حاوط به بدنها ليردف بهدوء وهو يعدل خصلاتها: أنتِ ملكيش ذنب كنت طفلة واتأذيتي زي.
حديثه كمثل الثلج على قلبها قد برد نار ضميرها التي نهشت بها طول تلك السنوات، عيناها لم تكونا مصدقتين لحديثه: بس اللي حصلك كان بس. قاطعها وهو يمحو دموعها بخفة: محدش لينا كان ليه ذنب، هما اللي آذونا. أغلق معطفها ليسترسل ببسمة: يلا عشان منتأخرش على روبين. أومأت له وهي تمحو دموعها لتسير خلفه. *** تجلس جواره تتابع قيادته بهدوء، لم تتخيل يومًا أن يعود ويكون زوجها حتى لو لفترة مؤقتة.
بداخلها فيضان من المشاعر، هو كان حبها الأول، من أحبته بصمت وانتظرت عودته فقط للاعتذار منه. أعادت أنظارها نحو الشرفة ليلفتها رجل يسير صحبة فتاة، يمسك كفها وهي تضحك له برقة. اتسعت عيناها ما إن رأت وجه الرجل كان جاك! قاطع شرودها "إيدن" بعدما لاحظ شرودها: بتبصي على إيه؟ ناظر مكان شرودها ليرى "جاك"، شد على مقبض السيارة. أهي حزينة لرؤيته؟ أكانت تحبه؟ أنتِ بتحبيه؟ نفت له لتخاطبه لأول مرة منذ عودته عما بداخلها:
مش بحبه الحب ده، جاك كان معايا في كل حاجة، عارف إيه بيوجعني وإيه لأ، عارف إني كنت عايشة وحاسة بتأنيب ضمير من ناحيتك بيخليني منامش الليل، كنت بحرم نفسي من أي حاجة ممكن تبسطني على أساس إني كده بعاقب نفسي. هو عارف كل ده وفي الآخر حاول يحسسني بالذنب من ناحيته وهو عايش حياته؟! زفرت بضيق وهي تفرك وجهها بإرهاق لتتابع: شكلي حطيت ثقتي في الشخص الغلط.
جزء بداخله شعر بالسعادة من حديثها، هو سعيد أنها لم تعد تثق به بعد الآن، لكن لم يعجبه حزنها بسببه. ترجلت من السيارة لتحتضن "روبين" ببسمة بشوشة لتسأله: عملت إيه النهاردة؟ أجابها بملل: ولا حاجة. ضحكت بخفة على إجابته فهو يكره المدرسة، اقترب "إيدن" منه ليحمله أسفل اعتراضه: مالك مكشر ليه بس؟ أمال هتعمل إيه لما تكبر؟ رغم شعوره بالضيق من عمه، يخاف الوثوق به فيخذله كوالده، إلا أنه يشعر بالأمان لوجوده!
أراح "روبين" رأسه على كتف عمه بصمت، تابعت ذلك المظهر بحب، كم تمنت أن يكون هو والده. *** تجلس على الأريكة تضم ركبتيها لها تحتضن بدنها، شاردة بأفكارها، لا تعلم ما القادم، يستحيل أن تعود لذلك القصر بعد ما حدث. تريد السفر والفرار لكنها لا تقوى على ترك "روبين"، تفكر بقاتل "روما" وزواجها، العديد من الأسئلة. قاعدة كده ليه؟ التفتت له ببطء ليجلس أمامها، أبصرته لثوانٍ لتسأله: عايزة أعرف مين اللي تسبب في موت روما؟ أرجعت خصلاتها
للخلف لتتابع بتشتت: أنا زهقت بقيت حاسة بالذنب لكل حاجة ولأي حد. قبل ما أجاوب قوليلي إزاي روما ووليام اتجوزوا؟ زفرت أنفاسها بثقل وهي تتذكر الماضي: كانت حامل، لما باباك رفض جوازهم روما راحت لأهل المدينة ونشرت خبر حملها من ابن الوزير، الشعب ثار على عيلتك وعملوا مظاهرات قصاد القصر إن ابن الوزير اتعدى على بنت من عامة الشعب، وعشان بسكتة الناس اتجوز وليام، كان بيحبها بس بعد فترة من والدتها كل حاجة اتغيرت. كان
يستمع لها بصمت ليسألها: وخطوبتك من جاك إيه سببها؟ رطبت شفتاها لتنبس: بعد موت روما بابا كان عايز روبين يبقى معانا مكنش واثق في عيلتك وطبعًا الوزير رفض ده، كنت على خلاف مع وليام بسبب معاملته مع روما قبل وفاتها فحب يعاند معايا وقالهم إنه يتجوزني عشان أربي روبين، وقتها جاك اتدخل وطلبني من بابا اتفقنا إننا نتجوز لما أتخرج وكده يضمنوا إني أكون جزء من العيلة وأفضل مع روبين. وإيه خلى جاك يعمل كده؟ ابتسمت بسخرية لتنبس:
وقتها كان بيعاند أهله بس مع الوقت افتكر إنه اتملكني. تنهدت بثقل وقالت: أنا عايزة أمشي من هنا بروبين مش هستحمل أفضل هنا، بس وليام استحالة يسيبه. رفع يده ليعبث بخصلة من شعرها يجيبها بهدوء: مكان روبين جنب أبوه، يعني معايا. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!