الفصل 5 | من 10 فصل

رواية كاليندا الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
20
كلمة
2,487
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

في مركز الوحدة الصحية التابعة للقرية، تتمدد أعلى التخت وعيناها تحدق في السقف. تقف الممرضة على يمينها تعلق كيس المحلول على العمود المعدني، وعلى الجهة الأخرى يتابع الطبيب ضغط الدم عبر الجهاز اليدوي قائلاً: _كده تمام، وشوية بعد ما تخلص المحاليل هيبقي الضغط مظبوط. ها يا شمس حاسة بإيه دلوقتي؟ تحركت مقلتاها نحوه بدون أن تتحدث، ثم عادت لوضع التحديق في السقف مرة أخرى. _طب أنا رايح أكمل الكشوفات اللي عندي بسرعة وراجعلك تاني.

خرج الطبيب من الغرفة الصغيرة. سألته زينب بقلق وخوف على ابنتها: _بنتي مالها يا دكتور؟ أجاب بهدوء وطمأنينة: _أطمني يا مدام، بنتك كويسة الحمدلله. كل الحكاية ضغطها نزل شوية، وطبعاً واضح إنها مبتاكلش فقلب معاها بهبوط. والحمدلله بعد ما علقنا لها المحاليل فاقت، لكن شكلها مش حابة تتكلم. وده نتيجة ضغوط نفسية وعصبية. فياريت بعد ما تقوم بالسلامة تودوها لدكتور نفسية. شهقت والدتها بضجر: _بعد الشر يا دكتور، ليه هو أنا بنتي مجنونة؟

ابتسم رغماً عنه من بساطة تلك المرأة، فأوضح لها: _أنا مقولتش توديها مستشفي أمراض نفسية، أنا بقولكم خليها تزور دكتور نفسية بيقعد معاها كذا جلسة يرجعها لكم أحسن من الأول. تدخل محمد قائلاً: _أنا فاهم قصد حضرتك يا دكتور، بس ما تأخذنيش الوضع والظروف اللي إحنا فيها مش هتنفع لزيارات لدكتور نفسي، بس ممكن نغير لها الجو اللي عايشه فيه. أومأ له الطبيب مرحباً:

_ياريت، يبقي أفضل، بس أهم حاجة الراحة النفسية وتبعد عن أي حاجة تضيقها، لأن التعب اللي عندها ده نفسي أكتر ماهو عضوي. ولو محتاجين أي مساعدة أنا في الخدمة. _تسلم يا دكتور، ربنا يوفقك. فأجاب الآخر: _العفو، عن أذنكم. ولج كلاهما إلى ابنتهما المنفصلة عن الواقع. جلست زينب بجوارها: _شمس، أنتي كويسة يا ضنايا؟ أمسك محمد يدها وعانقها بين كفيه:

_شمس حياتي، يلا بقي عايزك ترجعي البنت القوية، وهخليكي تغيري جو البلد خالص، وهاخدك عند رحاب بنت عمك، مش كان نفسك تشوفيها؟ رمقته زوجته بامتعاض، فهو يعلم ماهية تلك النظرة. كيف تجد ابنتك راحتها في بيت عمها وزوجته التي تشبهها دائماً بالحية في دهائها وخبثها، لا تحب الخير لأحد بت، وخاصة زوجات أشقاء زوجها. بادلها بنظرة حاسمة وقال: _عموماً، أنا كلمت أخويا وقالي بيتي مفتوح في أي وقت وفرح جامد. تفوهت زينب دون أن

تدرك فداحة سؤالها الأحمق: _وياتري قولتله إيه سبب الزيارة والمفروض كلهم عارفين إنها كانت هاتتجوز بعد أسبوع؟ زفر بضيق من حماقتها المتسرعة، فأجاب: _قولتله محصلش نصيب، عادي يا زينب، دول بيبقو في يوم الفرح وبتحصل مشكلة تافهة وكل واحد بيروح لحاله. وبنتنا لسه صغيرة. أنا بس اللي أستعجلت لما وافقت علي موضوع الخطوبة والجواز، ياريتني كنت أستنيت لحد ما تخلص تعليمها زي ما أهل المدينة بيعملوا.

_الحمدلله جت علي قد كدة، أنا أهم حاجة عندي بنتي تبقي كويسة. وبكررها لك يا محمد، أنا هاسيبك تنفذ اللي في راسك وتوديها عند أخوك، بس والله لو بنتي حد جرحها بنظرة بس هناك لأسافر لهم أنا بنفسي ولا يهمني أنهم أخواتك ولا أهلك. _عشان ساعتها أرمي عليكي اليمين. قالها بتحدي، فاتسعت عينيها بصدمة. لم يدع لها مجال الرد، فغادر الغرفة حتى يستنشق الهواء ويكظم غضبه الذي لو أطلقه سيحدث ما لا يحمد عقباه. *** _علي جمب ياسطا الله يخليك.

قالتها سحر لسائق سيارة الأجرة الذي ترجل لمساعدتها هي وابنتها إسراء في نزول الحقائب المحملة من كل جميع أنواع الفواكه والخضار واللحوم. وبعد أن أفرغ سيارته من الحقائب سألها: _تؤمري بحاجة تانية يا خالتو أم أحمد؟ أجابت وهي تخرج أوراق من المال من حقيبة نقودها: _ما يأمرش عليك ظالم يابني، تسلم يا حبيبي، أتفضل. وضع يده على صدره وقال بحسم: _وربنا أبداً، يا خالتي، ده أنتي في مقام أمي وأحمد أخويا، عيب كده.

_يابني دي لقمة عيشك، وأنا ما يرضنيش كفاية تعبناك و خليناك تلف معانا من الصبح عقبال ما أشترينا الحاجات. _أبداً، يا خالتي، ولا تعب ولا حاجة. قالها مبتسماً، وعينيه لا تفارق إسراء الشاردة في الفراغ مقطبة حاجبيها. وبعد الشكر والسلام، طرقت باب المنزل، فتحت لها مجيدة الباب بترحاب وحبور: _يا مرحب، يامرحب، بت يا مروة تعالي شيلي عن مرات خالك يابت.

ركضت مروة تلك الفتاة ذات التاسعة عشر عاماً، إلى زوجة خالها وقامت بمساعدتها في إدخال الحقائب، وتبادل القبلات والعناق وقدمت إليهم مجيدة كل ما لذ وطاب في وجبة فطور شهية و يعقبها مشروب الشاي الساخن ويتبعه الفاكهة والتسالي. _تسلم إيدك يا مجيدة ياختي. قالتها سحر، فأجابت الأخرى بسعادة بالغة: _دي حاجة بسيطة يا أم أحمد، ويجي إيه في اللي محملاه مكنش ليه لزوم، إحنا أهل مش أغراب.

_ده عشان الغالية مروة، تاكل وتتهني، وبعدين ده كله من خير أخوكي. _ربنا يخليه ويبارك لنا فيه. _يارب، بصي بقي إحنا أكلنا وشربنا الشاي وحلينا، نيجي بقي للكلام المهم واللي جايلك مخصوص عشانه. نظرت مجيدة إلى ابنتها التي كاد يخرج من جانبيها جناحان من فرط السعادة، لتوبخها والدتها أمام زوجة خالها وابنتها: _شوفي البت اللي معندهاش دم، خشي جوه يا بت. _فيه إيه يا مجيدة، بتزعقي لها ليه خليها قاعدة، تعالي أقعدي جاري يا مروة.

نظرت الأخرى إلى والدتها تنتظر الإذن، فرمقتها الأخرى بتوعد وقالت من بين أسنانها: _قومي فزي، اسمعي كلام مرات خالك. نهضت وذهب لتجلس بجوارها، ربتت سحر على فخذها وقالت: _ده أنا هابقي أمها التانية إن شاء الله. ابتسمت مروة بخجل، فقالت والدتها قبل أن تكمل سحر حديثها: _قبل ما تقولي اللي أنتي عايزاه، هو اللي سمعته عن خطيبة ابنك ده صح، وعشان كده سابها. تلون وجه الأخرى بالحمرة من الغيظ:

_كانت خطيبته، وأهي راحت لحالها ربنا يسهلها ويسترها على ولايانا. لوت الأخرى شفتيها جانباً وقالت: _ما هو عشان المحروس ابنك عامل زي القرع بيمد لبره.

_ما خلاص يا مجيدة، أهو عرف غلطته وأدينا جينا لك نطلب إيد مروة لأحمد، وياريت الأسبوع الجاي هيبقي شبكة وكتب كتاب والاتفاقات ما تحمليش همها، ابني شقته زي ما شوفتيها والموبيليا كلها عمولة خشب زان أصلي ده غير النجف في كل الأوض والريسبشن وتكيفات وعلقنا الستاير وأشترينا المراتب و السجاد تيجي تنقيه العروسة بنفسها، وعشان عارفه ظروفك خصوصاً بعد وفاة أبو مروة الله يرحمه، أنا كنت عاملة جمعية علي جمب كده هديها لأحمد يجيب المطبخ و الأجهزة الكهربائية و الفرش، عليكي أنتي شنطة هدومها بس، ها قولتي إيه؟

انبلجت السعادة والفرحة العارمة على محياها، فأجابت: _هو فيه بعد قولك كلام يا مرات أخويا، بنتي بنتك ومش هاتروح لحد غريب، أنتي أمها وخالها أبوها، و إبن أخويا شاب ماشاء الله عليه، كان متربي على أيدي. _وبكده نقول مبروك ونقرأ الفاتحة. _نقرأ الفاتحة من غير أخويا وابنه العريس؟ _دي فاتحة محبة يا مجيدة، لأن المرة الجاية هاتبقي فاتحة وشبكة وكتب كتاب. _اللي تشوفيه، عقبالك يا إسراء يا حبيبتي.

كانت شاردة وكل ذهنها في صديقتها وحالها الذي يرثى له، لكزتها والدتها في ذراعها: _ما تردي علي عمتك يا بت. انتبهت إليهم فقالت: _تسلمي ياعمتو، وألف مبروك. انطلقت الزغاريد من فاه سحر و تبعتها شقيقة زوجها بعد قراءة سورة الفاتحة. ***

توالت الأيام وكأنها سنين في مضيها، وكان الحال لا يتغير، مازالت في حالة سكون لا تتكلم، لا تريد رؤية أحد بل تقوقعت في عزلتها حتى جاء اليوم التي تعالت فيه الزغاريد من منزل عائلة كامل حماها سابقاً، فوصلت إلى أذنيها، نهضت في لمح البصر بعد أن خفق قلبها ولا تعلم ما السبب، وكيف لا يخفق وصاحب القلب الوحيد الذي أحبه يستعد الآن للذهاب إلى عروسه الجديدة، يرتدي حلة سوداء وفي أبهى هندامه لكن عينيه مثل صحراء خاوية من الحياة جرداء من أي مصدر للحياة، كأنه مجبر وليس مخير، وبرغم اعتراضه في بادئ الأمر على قرار والديه لكن اعتراضه قوبل بالأمر الحازم وألا سوف يغضبون عليه، وكانت حجتهم الواهية إنهما يريدان مصلحته وزيجته من ابنة عمته سينسيه ألف شمس وغيرها.

وقفت خلف الستار بعد أن أطفأت الأنوار، ويا ليتها ما وقفت ولا شاهدت أو سمعت، ها هو يخرج من باب المنزل يحمل باقة من الزهور في يده ووالديه وشقيقته يرتدون ثياب خاصة بالاحتفال، وقد وضحت الرؤية عندما خرج الجيران لتهنئتهم، فقالت إحداهن: _ألف مبروك يا أم أحمد لإسراء. أجابت سحر بنفي: _لاء، دي مش إسراء عقبال عندكم أحمد ابني رايح يخطب بنت عمته وكتب كتابه عليها الليلة دي عقبال عيالكم. وبعد أن تبادلن النسوة نظرات التعجب،

فأجابت السيدة: _الله يبارك فيكي يا ختي ويتمم له على خير وتكون جوازة الهنا إن شاء الله. أحمد! عقد قران على ابنة عمته! كيف؟ ومتى؟ هل لهذا الحد يريد أن يمحوها من حياته! هذه الأسئلة التي دارت في عقلها للتو، مما جعل احتراق قلبها يزداد ضراوة حتى أصبح كالرماد في مهب ريح عاتية، تبعثر ذراته بكل قوتها غير مكترثة. كفي، كفاني ألماً وجراحاً، أريد الابتعاد عن هذا الجو الملوث بالنفوس البغيضة.

أوصدت النافذة كما أوصدت أبواب فؤادها المتهالكة ثم قامت بتجفيف عبراتها التي انهمرت رغماً عنها، فخرجت لتجد والدها يجلس أمام التلفاز يتصفح جريدة ورقية ووالدتها تحتسي كوب من الشاي وتشاهد مسلسلها المفضل. _بابا أنا عايزة أسافر. قالتها بنبرة يعلم والدها أن هناك خطب ما خلف قرارها دون أي نقاش. أجابت والدتها وهي تترك الكوب أعلى الطاولة: _وليه الاستعجال ده؟ أستني يومين كمان حتى تفوقي شوية. رسمت بسمة على

محياها متقنة الصنع وقالت: _أنا كويسة، ها يا بابا بكرة الصبح نسافر. أومأ لها والدها متفهماً الحالة النفسية التي تخالجها حالياً، فقال: _حاضر يا حبيبتي، روحي أنتي جهزي شنطة هدومك و نامي كويس عشان نمشي بعد صلاة الفجر في الروقان قبل زحمة المواصلات. أجابت باقتضاب: _تصبحوا على خير. وذهبت إلى غرفتها، فقالت والدتها بحنق: _أنت أي حاجة تقولك عليها البت، حاضر ونعم!

جري إيه يا محمد، البت مش طبيعية مش شمس بنتي اللي عرفاها، وبصراحة مش عايزاها تسافر عند أخواتك بحالتها دي. طوى محمد الجريدة التي بين يديه ووضعها فوق المنضدة قائلاً: _طالما ده هيخليها مرتاحة نفسياً، فمفيش أي مشكلة، أهم حاجة عندي راحتها ولو راحتها في آخر بلاد العالم هوديها، ريحي أنتي بس نفسك، وشيلي أخواتي وسلايفك من دماغك. وأطلق زفرة بتأفف ثم نهض تاركاً إياها تتمتم بكلمات توبيخ وتوعد. ***

يسير في الردهة بترنح يحتسي الخمر من الزجاجة مباشرة وفي يده الأخرى سيجارة محشوة بخليط من المواد المخدرة. _أنا حمزة السفوري، اللي الكبير بيترعب مني قبل الصغير، أبويا يقولي أهرب. أشار إليه صديقه الثمل والمتمدد على الأرض وجواره لفائف سجائر وزجاجات خمر، قائلاً له: _ياعم بقي أتهد وأقعد بقي، من الصبح مصدع أمي وطيرت لي النفسين من نفوخي. أستدار له الآخر وأطلق صوتاً قذراً، فقال:

_هو أنا كنت بتكلم معاك يا حليتها، أنا بتكلم مع نفسي. _طيب ياريت تاخد نفسك وتركنوا في أي حتة بعيدة عني عشان مش ناقص صداع. رمقه حمزة بوعيد وقال: _طيب يا روح خالتك من هنا ورايح شوف مين اللي هيشتري لك المزاج ولا الخمرة اللي بتطفحها دي، وأبقي روح مد إيدك لمرات أبوك اللي مقشطاه أول بأول. ضحك الآخر بتصنع وقال: _أي يا عم كنت بهزر معاك، في إيه ياصاحبي، أرغي براحتك، ولا أقولك أحكيلي تاريخ وأمجاد عيلتكم.

حدق نحوه بنظرة دونية من أعلى إلى أسفل ثم قهقه حتى توقف وتحولت ملامحه إلى شخص آخر، فقال لنفسه: _أبويا سابنا أنا وأمي لجدي وسافر الخليج عشان يشتري لنا بيت خاص بينا غير بيت جدي اللي كان مليان مشاكل وخاصة من عمي الو...

أغمض عينيه وهو يسترجع ذكري طفل في السادسة من عمره، كان يبحث عن والدته بعد عودته من المدرسة وإذا به يفتح باب غرفة والدته الخاصة بغتة، حتى رأي ذلك المشهد الذي ظل محفور بذاكرته، عمه الذي كان بمثابة أبيه في أحضان والدته في وضع حميمي، شهقت والدته وانتفضت من بين ذراعي شقيق زوجها وهي تردد: _يالهوي، يالهوي، يخربيتك يا هدي. نهض من جوارها ذلك الشيطان بصدره العاري: _بطلي ولولة، وسبيني أنا هاتصرف معاه بنفسي.

أقترب من الصغير ونظرات عينيه تنضح بالرعب حتى رأي بنطال الصغير قد تبلل وهو يتراجع إلى الخلف، يستعد للهروب، وقبل أن تتحرك قدميه إلى الخارج خطوة واحدة كان في قبضة هذا الوحش، كتم أنفاس الصغير وقام بربطه في التخت ثم كمم فاهه بقطعة من القماش حتى لاتصل صرخاته إلى الجد القعيد في الردهة خارجاً.

وبكل قسوة و عدم إنسانية تناول عصا غليظة وهبط بها على جسد الصغير بلا رحمة، لم يكتف بذلك بل أمسك بالمقص والشفرة الحادة وأنهال على رأس الصغير يقص خصلاته بعشوائية حتى أصبح رأسه حليقاً ومليئة بالجروح والخدوش، وبرر فعلته لزوجة أخيه المتسمرة في مكانها وخشيت أن تصيح وتمنعه حتى لا يفتضح أمرها، قال لها: _كده مش ها يقدر ينطق ولا يقول اللي شافه وحلقة راسه دي مش هتخليه يعتب بره باب الدار تاني.

ومن تلك اللحظة تحول الصغير إلى شخص آخر، قلبه مليء بالحقد والكراهية، وبرغم امتناع والدته عن أفعالها الآثمة وأخذت تتوسل إليه ليسامحها وقامت بإقناعه إنها قد تابت لكن لا تعلم بإن ما رآه وحدث له على يد عمه جعله ما هو أصبح عليه حالياً، بينما عمه ترك المنزل للأبد قبل عودة أخيه وذلك بعدما أكتشف معرفة والده القعيد بعلاقته بزوجة أخيه وطلب منه بأن يرحل ويبتعد، خشيت هدي من حماها وخاصة بعد أن قام بتهديدها، فقررت التخلص منه بتفريغ حقنة هواء في ذراعه لم يتحملها وتوفي على الفور، ولم تدرك أن صغيرها رأى فعل آخر لها أكثر قذارة ووحشية.

عاد من ذكرياته السوداء على رنين هاتفه ليجد المتصل به والدته، فأجاب: _ألو. _أنت فين؟ _عايزة إيه؟ _عايزاك ترجع البيت، وتبطل صياعه عند أصحابك. قهقه بسخرية وقال: _ويهمك أمري أوي كده، ولا ناسية اللي عملتوه فيا أنتي وعمي زمان يا هدي هانم! _بقي كده يا حمزة! طيب خليك عندك وأياك ترجع عشان لو شوفتك هاموتك. رد بتهكم ليصفعها بكلماته: _زي ما موتي جدي؟

أوصدت المكالمة بدون أن تجيب، فهي تعلم إنه في حالة ثمل شديدة، وخشيت إنه لو عاد يتفوه بكلماته التي ستفتح عليها أبواب الجحيم. *** تجلس بجوار نافذة السيارة تتابع في صمت، لا تعلم قرار ذهابها هل هو من الصواب أم كان قراراً متسرعاً وسيترتب عليه عواقب لا تحمد عقباها. انتبهت على حديث والدها وهو يقول: _يلا يا شمس يا حبيبتي، وصلنا وعمك مستنينا بعربيته.

ترجلت من السيارة ليتبعها والدها، فهما الآن في ميدان رمسيس وكان بانتظارهما عمها أو الحاج محمود كبير العائلة، أستقبلهما بالترحاب والعناق والفرح يكسو ملامحه، أخذهما بسيارته إلى منزله الذي يقع في مدينة حلوان وفي الطريق تبادل الشقيقان الحديث ما بين السؤال عن الحال والصحة، كما أوضح محمد لشقيقه بأن ابنته تمت فسخة خطبتها وعلل بسبب كاذب حتى لا تحدث كارثة و يتثنى له الوقت المناسب ويرفع القضية على نجل السفوري لكنه منتظر استقرار حالة ابنته النفسية بدلاً من أن يحدث لها انتكاسة.

وصل الجميع إلى المنزل المكون من أربعة طوابق، فالطابق الأول تعود ملكيته إلى عمها الصغير كريم وهو يعمل في إحدى القري السياحية في شرم الشيخ، و الدور الثاني يملكه الحاج محمود وزوجته شوقية وأولاده رحاب ومحمد وحمدي، والدور الثالث يسكنه عمها يحيي وزوجته محاسن ولديهما ابنتين لمياء وفرح، بينما الدور الرابع يعود لعمها حجازي وزوجته رشا لم يرزقا بالأولاد بعد.

كانت شوقية زوجة الحاج محمود في انتظارهم و بعد إلقاء السلام وتبادل المصافحة التي لم تخلو من نظراتها الفضولية على هيئة شمس. _إلا مالك يا شمس كده خسانة أوي وبقيتي معضمة، ده حتى المفروض فرحك الأسبوع الجاي. _المذاكرة والثانوية العامة بقي وبالنسبة للفرح محصلش نصيب الحمدلله. شهقت بتصنع وقالت: _ليه كده كفي الله الشر، ده إحنا كنا لينا قعده مع بعض تحكي لي فيها إيه اللي حصل. صاح بها زوجها:

_حطي الفطار يا شوقية، وسيبي البنت ترتاح من السفر. _الفطار جاهز يا حاج، هاحطوا عقبال ما الجماعة يغسلوا إيديهم ويغيروا هدومهم. قالت شمس: _معلش يا طنط، مش هاقدر أفطر أنا هادخل أنام شوية. فأجاب عمها: _أتفضلي يا بنتي، أدخلي ريحي لك جمب رحاب، ولما تصحو أبقو أفطروا مع بعض.

ولجت شمس إلى داخل الغرفة ذات الأثاث البسيط وابنة عمها تغط في النوم، تركت حقيبتها جانباً، وخلعت وشاحها ثم تمددت بجوارها، ولأنها مستيقظة من قبل صلاة الفجر غلبها النعاس، فأسدلت جفونها الواهنة وذهبت إلى العالم التي تتمني أن تمكث فيه وتبتعد عن واقعها البائس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...