الفصل 6 | من 10 فصل

رواية كاليندا الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
18
كلمة
4,078
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

يتأمل مياه النهر الجارية، يرى صورتها تطفو وهي تبتسم إليه ثم تحولت تلك الابتسامة المشرقة إلى وجوم ووجه عابس. عبرة تساقطت من ذهبيتها التي لن ينساها أبداً. انتشله من لحظات تأمله صوت لم يعتد عليه بعد، قائلة له: _أحمد؟ مالك من ساعة ما جينا وأنت سرحان ولا حتى عبرتني بكلمة. حدق إليها بامتعاض وكأنه مُجبر على جلوسه برفقتها، أجاب: _عايزاني أقول إيه يعني يا مروة. بادلته بنظرة عتاب وقالت:

_أول خروجة لعريس وعروسة بعد خطوبتهم وكتب كتابهم، المفروض يقولها إيه؟! ده أنت حتى مهنش عليك تقولي أزيك، إمبارح قاعد جمبي في الكوشة ونازل عليك سهم الله واللي يجي يبارك لنا ما تردش عليه، لما خليت شكلي وحش وسمعت تعليقات سخيفة. زفر بضيق وانبلج على ملامحه الضجر قائلاً: _معلش حقك عليا، أصلي مضغوط في الشغل اليومين دول وساعات بنطبق شيفتات زيادة، فببقى مصدع ومش مركز خالص. أقتربت منه ووضعت يدها على يده قائلة بلهفة:

_خلاص تعالي روح عندنا ريحلك ساعتين أو زي ما أنت عايز ولما تصحي نقضي باقي اليوم مع بعض وأعملك الأكل اللي بتحبه. سحب يده مما جعلها تشعر بالحرج وقال: _خليها مرة تانية أحسن. جاء النادل يحمل كأسين من عصير المانجو الطازج وطبقين يعلوهما قطعتين من الحلوى، قام برص الكأسين والأطباق ثم سأله: _أي خدمات تاني يا فندم؟ _لاء، شكراً. بينما هي نظرت إلى طبق الحلوى بإشتهاء وقالت: _الله، شكل التشيز كيك يجنن، أنا بحبه أوي.

غرزت الشوكة وحملت قطعة صغيرة وأبتلعتها بإستمتاع، فأردفت: _أنا عارفة إنك بتحبه أوي، عشان كده هاتعلم طريقته وأعمله لك لما نتجوز. كان هو شارداً في موقف مشابه تماماً، عندما كان يتنزه مع شمس برفقة شقيقته التي كانت تتركهم بمفردهما وتجلس على بعد مسافة تاركة لهما الخصوصية. (مشهد سابق) يقطع أحمد قطعة بالشوكة خاصته ويمدها أمام فمها، فقالت له شمس بخجل ووجنتيها شديدة الحمرة من الخجل: _بتعمل إيه، الناس بتبص علينا. ضحك وقال:

_واحد بيأكل حبيبته اللي هتبقى مراته، فيها إيه ما بنعملش حاجة حرام. أومأت له وأجابت: _عارفة بس بتكسف أوي، وبعدين ما بحبش الجاتوه. سألها بنبرة رومانسية حالمة: _طيب بتحبي إيه وأنا هاجيبه لك حالاً؟ أجابت وتنظر في الفراغ تفكر: _حاجة حلوة كده دوقتها في مرة عند واحدة صاحبتي، اسمها إيه يا شمس، اسمها إيه، آه، افتكرت، اسمها تشيز كيك. نهض ووقف ثم انحنى في عرض مسرحي قائلاً: _طلباتك أوامر يا مولاتي.

اعتدل وقام بمناداة النادل، فجاء له مسرعاً: _أمرك يافندم. سأله الآخر: _عندكم تشيز كيك؟ أجاب النادل: _آه يافندم، عندنا كذا نوع بالفراولة أو الشيكولاتة والمانجا وبالتوت. نظر أحمد إلى شمس وسألها: _بتحبيها بطعم إيه؟ ابتسمت بسعادة وأجابت: _بالمانجا. قال أحمد للنادل: _اتنين بقى وصاية وكتر المانجا. أومأ له النادل قائلاً: _تمام يافندم. (عودة للوقت الحالي)

عاد من شروده وتذكره للموقف القديم، ليجد مروة تنهض وتلملم هاتفها وحقيبتها، تتمتم بكلمات غير مفهومة، وهنا انتبه إلى خطأه الفادح وهو التجاهل. أمسك معصمها وسألها: _بتعملي إيه؟ جذبت يدها بحدة وأجابت: _بعمل اللي المفروض يتعمل من ساعة ما جينا، وعمالة أكلم فيك وأحاول أغيرلك مزاجك وبرضو متجاهلني كأني هوا قاعد قدامك. قال لها بنبرة يستعطف سجيّتها وقلبها النقي: _عشان خاطري أقعدي بس وما تفهمينيش غلط. صاحت في وجهه بحنق:

_لأ فهماك صح يا ابن خالي، وأنت فاهم وأنا فاهمة، بس كنت بقول لنفسي أصبري عليه يابت يا مروة لما يفوق من الصدمة اللي هو فيها، لسه مش هينساها بسهولة ده مكنش بينهم خطوبة يوم ولا اتنين ده سنين غير عشرة الجيرة اللي ما بينهم. أفرغ تنهيدة بقوة نابعة من أعماق صدره وقال: _وفرتي عليا اللي كنت هقولهولك، وزي ما قولتي كده بالظبط، فعلاً لسه ما نسيتهاش وقلبي ماهوش كارت ميموري أمسح اللي أنا عايزه وقت ما أحب. ابتسمت بتهكم وتحدق

إليه بنظرة سخط قائلة: _ولما الحكاية كده، ليه جيت طلبت إيدي وعارف ومتأكد إن أنا زي الهبلة هوافق، وطبعاً مرات خالي واثقة من كده، فقالت لما أجوزه بنت عمته العبيطة اللي هاتموت عليه من زمان خليها تنسيه البنت اللي كان خاطبها. كاد يجيب ولكن قاطعته بنبرة حادة قوية تثأر بها لكرامتها: _ولما أنت بتحبها أوي، مكملتش معاها ليه؟! ، ولا عشان الهانم خلاص ما بقتش تنفع بعد ما علم لك عليها ابن حماد السفوري وخلاك لبانة في بوء أهل البلد.

وما كان ينقصه تلك الكلمات التي حولته من حمل وديع إلى وحش ثائر أو يمكننا قول أصبح كالبركان الذي انفجر لتوه، تتقاذف من عينيه الحمم والجمار المشتعلة، شعرت بلهيب على وجنتها بعدما هبط عليها بلطمة قوية أخرج فيها ما يكمن من غضبه وهو يصيح بها: _اخرسي. غرت فاها واتسعت عينيها التي كادت تخرج من محجريهما، وإنها لثوان مرت حتى أدركت ما فعله بها، صرخت به وهي تخلع خاتم الخطبة ثم ألقته في وجهه: _طلقني، أنا بكرهك. ***

وفي اليوم التالي قام محمد بتوديع أشقائه متعللاً بعمله حيث لم يستطع التغيب عنه أكثر من ذلك، وترك لهم ابنته أمانة لديهم مع كثير من التوصيات عليها إلى شقيقه محمود وزوجته. بينما شمس كانت تجلس مع ابنة عمها رحاب التي تكبرها بعامين، وتدرس في الجامعة.

_بجد مش مصدقة نفسي، يعني كان لازم عمو محمد يجيبك بنفسه وإلا كده مكنتش شوفتك خالص، ده غير طبعاً إن كلها أيام وهتتجوزي، وزي أصحابي مش هاشوفك غير في المناسبات وإن جوزك خلاكي تحضري. تبدلت ملامح شمس من الابتسامة إلى الحزن وهي تنظر إلى بنصرها في يدها اليمنى فارغاً من خاتم الخطبة الذي ترك أثره ولم يزول بعد، ردت بتوتر: _ماتضايقيش ياستي، أنا قاعدة معاكي ومطولة شوية، وبالنسبة للفرح خلاص، مليش نصيب أكمل.

عقدت ما بين حاجبيها باستفهام ثم اقتربت منها وسألتها بترقب: _هو إيه اللي حصل؟ رغماً عنها ذرفت عينها عبرة بلورية انسدلت على وجنتها، جعلتها تشيح وجهها وغير قادرة على التحدث، وقفت رحاب أمامها، رفعت وجهها من طرف ذقنها.

_شمس أنا آسفة، وحقك عليا لو سؤالي زعلك وخلاكي تعيطي، بس اعذريني أنا سألتك عشان عارفة اللي كان مابينك أنتي وأحمد مكنتش مجرد خطوبة، ده حب عمره سنين، فاكرة لما كنتي بترغي معايا بالساعات عنه وعن نظرات حبه ليكي لحد ما جه طلب إيديكي، كل ده راح إزاي؟

تريد الإجابة لكن ماذا عساها أن تخبرها، ما حدث ليس بالأمر البسيط يمكن ذكره وكأنها قصة عابرة، فابنة عمها صديقتها الثانية بعد إسراء وموضع ثقة وبئر أسرارها منذ الطفولة، ودت لو أن تحكي وتبوح بكل شيء لكنها تخشى تلك النظرة التي تجدها في أعين كل من يعلم بما حدث معها، هذه النظرة كالسكين المشتعلة فوق قطع الفحم المتوهجة، يمسك بها صاحبها ويغرزها بداخل فؤادها الواهن.

انفتح باب الغرفة وظهرت زوجة عمها لتنقذها من الإجابة على سؤال رحاب، لكن لهجة تلك المرأة أعلنت عن ناويها الخفية التي تضمرها وتتظاهر بعكسها. _والله عال، سايبيني طالع عيني في شغل الشقة وعمايل الأكل، والهوانم قاعدين يتساهروا. تأففت ابنتها وقالت: _مش الشقة دي لسه عملاها لك أول إمبارح ومخليها لك فلة. صاحت بها وهي تزجرها بنظرة حادة:

_وأنتي بتسمي شغل الطلسئة ده ترويق، قومي منك ليها وقسموا الشغل على بعض وتلموا السجاد والمشايات وتغسلوها في المدخل. أجابت ابنتها بسخرية: _إيه كل ده يا ماما هو العيد بكرة، وإحنا ما نعرفش! لكزتها والدتها بعنف وقالت: _لاء يا حلوة يا أم لسانين، أهل خطيبة أخوكي محمد جايين بعد بكرة، وبعدين هنا كل واحد لازم يخدم نفسه أنا مش الخدامة اللي جبهالكم أبوكم. التفت رحاب إلى شمس وهي ترفع أكمامها عن ساعديها قائلة:

_معلش يا شمس أستنيني أخلص اللي ورايا وجاية لك، ما تنميش بقي. صاحت شوقية باعتراض وكأن حدثت كارثة: _ده مين دي اللي تستناكي وما تنمش؟! ، مش بنت زيها زيك، وده بيت عمها مش حد غريب، ده غير إنها مش ضيفة وقعدتها هتطول، يعني زيها زينا في البيت وتروق وتكنس وتمسح وتغسل زينا، ولا ما بتعمليش مع أمك كده يا شمس؟ أجابت الأخري وهي تزدرد لعابها بتوتر: _طبعاً بساعد ماما، ومن غير ما أقول يا طنط كنت هساعد رحاب.

_طيب يلا بقي خلصوا بسرعة قبل ما عمك ما يطلع من الدكان، وأكون أنا خلصت الغدا. ذهبت شوقية، فأقتربت ابنتها من شمس تربت عليها: _حقك عليا أنا يا شمس، لو كلام ماما زعلك، هي شديدة وقوية بس قلبها طيب. هزت الأخرى رأسها بابتسامة ساخرة: _واضح، واضح. *** وبعد عناء يوم من الأعمال الشاقة تمددت كلتيهما على التخت، زفرت رحاب بتعب وقالت: _اه يا وسطي اللي اتقطم في غسيل السجاجيد، وأنا كان مالي ومال أهل خطيبة أخويا اللي جايين.

قالت شمس بتعب أيضاً: _معلش إحنا برضو كنا بنعمل كده أيام ما كنت مخطوبة. استدارت إليها الأخرى بانتباه وقالت: _فكرتيني صح، قوليلي بقى سبب فسخ خطوبتك ولو ده هيضايقك خلاص، اعتبريني مسألتش. زفرت من التعب الجسدي والنفسي فأجابت: _هقولك، بس اوعديني اللي هاحكيهولك سر ما بينا لحد ما أرتب أموري وآخد حقي.

وفي الغرفة المقابلة، تتمدد شوقية بجوار زوجها الذي يتصنع النوم هروباً من وصلة ثرثرتها التي تنتهي بألم شديد في الرأس لم يزول ولو بألف فنجان قهوة. _آه ياني، جسمي اتدغدغ من شغل طول النهار. تمتم محمود دون أن يوضح كلماته إليها: _اللي يسمعك مايشوفش البنات اللي طلعتي عينيهم النهاردة وفاكراني مش عارف، وليه مفترية أعوذب بالله. مالت عليه وسألته: _بتقول حاجة يا حاج؟ أجاب بصوت مصتنع يغلبه النعاس: _بقول أذكار قبل النوم.

_اممم، طيب كنت عايزاك في موضوع كده بخصوص بنت أخوك. سألها بسخرية دون يلتفت إليها: _مالها، لحقتي تزهقي من قاعدتها؟ أجابت باستنكار: _لاء، بالعكس جت في وقتها أهي هي والبت رحاب يشيلوا عني شغل الشقة شوية، أنا خلاص عضمتي كبرت ومبقتش قادرة على طلباتكم زي الأول. تمتم مرة أخرى: _ده أنتي عليكي صحة تهد جبال، كلنا هانموت وأنتي اللي هاتفضلي عايشة في الآخر. لكزته في كتفه: _بصي لي كده وانتبه ليا. استدار إليها بتأفف:

_أخلصي يا شوقية، عشان أنا صاحي من الفجر وعايز أتخمد. أجابت بامتعاض: _مابراحة عليا يا حاج، اللي هاقوله لك فيه خير لينا ولأخوك، بص بقي واسمعني للآخر، الولد حمدي خلاص قرب يخلص الجيش بعد خمس شهور ونازل أجازة الأسبوع الجاي، وبما أن شمس خلاص فسخت خطوبتها، إيه رأيك ما نخطبها للولد، ونبني لهم شقة الدور الخامس، وأهي بنت اخوك ومتربية على إيدينا. رفع إحدى حاجبيه الكثيفين وقال بتهكم:

_أنتي قصدك تجوزيها لإبنك ومنها تبقي ليكي خدامة، صح؟ _أنا ماقولتش كده، وفيها إيه لما تخدمني أنا هابقى حماتها غير ما أنا أصلاً مرات عمها الكبير. تنهد بسأم وضجر منها:

_اسمعيني أنتي كويس يا شوقية، أنا عارف وأنتي عارفة إن زينب عمرها ما هتديكي بنتها وخصوصاً بعد اللي عملتيه فيها زمان وبسببه خليتي أخويا ما يجيش يعيش معانا ويبني له شقة في البيت وأشتري مننا حقنا في بيت أبويا عشان يعيش فيه هو و بنته ومراته ويكفيها من شر أذيتك ليها، ولا ناسيه سنتين العذاب اللي عاشتهم وأخويا يجري بيها على الدكاترة ومايعرفوش إيه اللي عندها غير لما جاب لها شيخ موثوق فيه وعرف إن معمولها سحر أسود وقدر يعرف مين

الدجال اللي ورا المصيبة دي ولولا أنه راح بلغ عنه الحكومة واعترف بمصايبه مكنش حد عرف إنك اللي ورا اللي حصل ليها، كل ده بسبب الغيرة والحقد اللي بتتظاهري إنهم راحوا من قلبك، لكن أنا متأكد إنك لسه مليانة بالسواد، والأمارة عايزة البت لإبنك اللي عارفه عمره ما هيعترض ولو هيقولك كلمة حتى لو شافك بتدبحي مراته قدام عينيه، فأتقي الله أنتي عندك بنت والدنيا سلف ودين، يوم ليك ويوم عليك.

كانت تستمع إليه بصدمة، فأجابت بعدما انتهى: _يا ليلة طين، أنت شايفني بالوحاشة دي كلها! صاح يبوخها: _أنا مش شايف حاجة قدامي وعايز أنام، أطفي النور واتخمدي. والتفت للجهة الأخرى مدثراً جسده بالغطاء، تاركاً إياها كالنيران المندلعة ولم تجد شيئاً تحرقه فاحترقت هي، قالت في داخل عقلها: _وربي وما أعبد ما هاكون شوقية بنت الجزار غير لما أجوز البت شمس للولد حمدي ابني، ويا أنا يا أنت يا حاج. ***

يصدح صوت تلاوة آيات سورة الكهف من المآذن بأعذب الأصوات، فهذا يوم الجمعة يذهب الرجال إلى المساجد والاستماع إلى الإمام وهو يلقي عليهم الخطبة من حكم ومواعظ وتفسيرات لأمور دينهم الدينية والدنيوية، وبعد الانتهاء يرفع آذان الإقامة فينهض الجميع ويصطفون في صفوف متساوية استعداداً لأداء الصلاة. وبالأعلى في منزل الحاج محمود، تصيح شوقية بصوتها الجهوري على الفتاتين:

_ما تقومي ياختي منك ليها، ولا مستنين الخدامة تحضرلكم الفطار وأنتم نايمين لي زي الهوانم. نهضت رحاب بتأفف قائلة: _أستغفر الله العظيم أهو ابتدينا على الصبح. نظرت تبحث عن شمس وجدتها تؤدي فرضها في إحدى الأركان وقد انتهت للتو، نهضت وهي تقول بهدوء يشوبه السخرية: _قومي يا رحاب اتوضي وصلي الضهر، وحصليني قبل ما مرات عمي تدخل ترمينا من الشباك. هزت الأخري رأسها وهي تضحك على كلماتها فأجابت:

_أنتي بتقولي فيها، أمي وأنا عارفها لما بتهب منها ممكن تعملها. خرجت شمس وتتصنع البسمة تلقي التحية على زوجة عمها المتسلطة: _صباح الخير يا مرات عمي. رفعت الأخري زاوية فمها بتهكم وأجابت: _قصدك مساء الخير يا عينيا، فين المزغودة التانية، ادخلي أندهيلها وروحوا حضروا الفطار زمان أعمامك خلصوا صلاة وطالعين على هنا.

أومأت إليها دون أي رد وذهبت إلى المطبخ، خرجت رحاب من الغرفة متجهة نحو المطبخ أيضاً فوجدتها تعد الطعام، فأخذت تتمتم بصوت لا يسمعه سواهما: _كل يوم جمعة الموال اللي ما بيخلصش ده، ومراتات أعمامي قاعدين هوانم في شققهم مابينزلوش غير لما أعمامي يطلعوا ويجوا ياكلوا على الجاهز. قالت الأخري: _وفيها إيه يا رحاب؟ ، دول مهما كان ضيوف عندكم مش إلزام ولا فرض عليهم ينزلوا يعملوا الأكل، وبتكسبي ثواب في إكرامهم. أجابت الأخري بسخرية:

_اسكتي يا شمس أنتي ما تعرفيش حاجة، لولا بابا هو اللي مجمعهم وحاكم عليهم يوم الجمعه ده مقدس الكل بيتجمع عندنا، كان زمان كل واحد بقي في حاله وأنا ارتحت. _برضو ما فهمتش قصدك، يعني دي حاجة حلوة ولا وحشة، بس أنا شايفة لمة العيلة دي أجمل حاجة بتعمل ترابط وبتألف القلوب وتقربهم من بعض وبيفضل الود والحب مابين الأخوات وعيالهم. أجابت الأخري وهي تقطع حبات الفلفل:

_ده كان زمان يا شمس، أيام ما كنا في البيت القديم في البلد ولما كان جدو وتيتا الله يرحمهم عايشين، دلوقتي كل واحد فيهم يلا نفسي، ما أنكرش إن ماما أسلوبها يطفش مراتات أعمامي منها حبتين أو نقول أربع حبات بس قلبها أبيض. رمقتها الأخري باستنكار وفي داخلها قالت: _أنتي هتقوليلي، ده أنا من ساعة ما جيت وهي عماله ترمي لي كلام زي الدبش. أجفلهم صوت شوقية من الخلف: _خلصتم ولا عاملين ترغوا؟ أجابت شمس:

_أنا عملت البيض والفول والجبنة فاضل الطعمية هقليها قبل الأكل على طول عشان ماتبردش. وقالت ابنتها: _وأنا بعمل السلطة أهو، وهاحشي البتنجان بالتتبيلة. أجابت عليهما وهي تلتقط مفرش حراري كان معلقاً على مشجب معدني في الحائط: _وأنا هاروح أفرش السفرة عقبال ماتخلصوا وتطلعوا الأطباق، شكلهم طالعين على السلم.

جلس الجميع حول المائدة ويترأسها الحاج محمود، فكان وجهه مكفهر ولم ينطق بحرف منذ أن عاد من المسجد، بينما أشقائه الآخرين يتبادلون الأحاديث مابين الأخبار والفكاهة، وزوجاتهم تتحدثن مع شمس التي تشعر بانقباضة في قلبها لا تعلم ماهية مصدرها لاسيما كلما تلاقت عينيها بعينين عمها محمود لن تجد سوى نظرات الغضب والتجهم. نهضت باكراً بعد أن انتهت من طعامها: _الحمدلله. قالت لها رشا زوجة عمها حجازي:

_كملي أكلك يا شمس، ده أنتي مكملتيش ربع رغيف. أجابت بخجل: _أكلت وشبعت الحمدلله دي أكلتي. فقالت شوقية بأسلوبها الفظ: _ياختي البنات اليومين دول ماسكين في أبصر إيه اللي اسمه دايت، لحد ما بقوا شبه خلة السنان ويقولوا لك دي الموضة. عقبت السيدة محاسن زوجة عمها الآخر يحيي: _هم بيحافظوا على جسمهم بس أهم حاجة يكون تحت إشراف دكتور تغذية عشان ميأثرش على الصحة. عقبت رشا: _فعلاً صح، مفيش أحسن من الواحد ياخد باله من صحته.

فقالت شوقية عن عمد: _الكلام ده يا رشا ياختي لواحده زيك كده ولا وراها عيل ولا تيل، لكن ياختي إحنا ورانا عيال عايزين صحة من حديد فلازم تاكلي وتتغذي. اكتسى الشحوب وجه الأخرى من كلمات سلفتها اللاذع، فنهضت تاركة ما بيدها من طعام وقالت: _عن إذنك يا شمس أنا طالعة فوق عشان حاسة بصداع، ابقي تعالي انتي ورحاب نقعد مع بعض شوية. أومأت لها وقالت: _حاضر يا طنط.

غادرت رشا المنزل وزوجها يرمق شوقية بامتعاض ثم نظر إلى زوجها ليجده في عالم آخر، لكن محاسن لم تصمت لتقول: _عمرك ما هتبطلي كلامك الجارح ده يا شوقية، ده أنتي عيالك على وش جواز المفروض تعقلي كلامك قبل ما تطخي في وش اللي قدامك وتراعي شعورهم. نهضت هي أيضاً وقبل أن تذهب قالت: _ابقي تعالي يا شمس أقعدي معانا بيت عمك يحيي مفتوح لك في أي وقت. انفضت المائدة واحد تلو الآخر، وهم يحيي بالمغادرة قائلاً:

_عن إذنك يا حاج محمود أنا نازل أقعد على القهوة شوية. وتبعه حجازي بالقول أيضاً: _وأنا كمان نازل، خدني معاك. وهنا تخلى محمود عن صمته الرهيب وأمرهم بحدة: _استنوا عندكم، عايزكم في موضوع مهم. كانت شمس تشغل نفسها بجلي الصحون لتتجنب كلام زوجة عمها، وبينما هي شاردة صوت هذه الحيزبون شوقية أفزعها: _بت يا شمس. انتفضت الأخري، فأردفت زوجة عمها: _عمامك عايزينك في أوضة الجلوس.

كانت دقات قلبها البائس تقرع كالطبول، تركت ما في يديها وقامت بغسلها من الصابون ثم تجفيفها بالمنشفة، وذهبت تخطو بحذر وتاركة شوقية التي يتآكلها الفضول خاصة بعدما حذرها زوجها من الوقوف والتصنت وأن تلتزم غرفتها ريثما ينتهي من هذا الاجتماع. وقفت شمس على الباب باستحياء، فأشار لها عمها وقال: _ادخلي. وقفت أمامهم وتنظر إلى أسفل، فنظرات ثلاثتهم لا توحي بخير أبداً، لماذا يريدونها، هل علموا ما حدث لها؟ قاطع حدسها صوت عمها الغليظ:

_بصي يا بنت أخويا من غير لف ولا دوران هسألك سؤال واحد وتجاوبي عليه. أزدردت لعابها بخوف وتوتر، فأجابت بخفوت: _اتفضل يا عمي. _ابن حماد السفوري غلط معاكي زي ما الكل بيحكي في البلد؟ صاحت دفاعاً عن نفسها عندما أدركت اتهامه لها بأن ما حدث كان بإرادتها وليس عنوة عنها: _لاء ماحصلش. صمتت لثوان وهي تنظر ليديها وهي تفركهما في بعضهما البعض وأردفت: _وحصل. أقترب منها عمها يحيي والغضب يسطو عليه، صاح بها:

_هو إيه اللي حصل واللي ما حصلش يا بت؟! ، ما تجاوبي على عمك عدل بدل ما أرزعك كف يعدلك. أمسك حجازي به لتهدئته قائلاً: _أهدي يا يحيي، واسمعها للآخر. ترقرق دموعها على وجنتيها وبصوت متحشرج أخبرتهم: _هو خدني بالقوة وعمل اللي عمله وصورني فيديو وبعته لخطيبي عشان يكسرني ويكسروا زي ما كان بيهددني ديماً.

لم تشفع لها عبراتها لدى قلوبهم القاسية، لطالما والدها عانى من صرامتهم وقسوتهم وعدم إنصافهم للمظلوم لذا أثر الابتعاد عنهم وفضل المكوث في القرية تجنباً للمشكلات، كما إنه لا يريد خسارتهم، فهما إن كان سيظلون أخوته إلى الأبد.

وبالعودة إلى التي تنتظر ردود أفعالهم حيث سوف يثأرون لشرفهم ويقتصون من الطاغية حمزة وأهله هكذا ظنت، ولا تعلم إنها ستتلقى العكس، وإذا بصفعة هاوية هبطت على وجنتها من كف عمها الغليظ، جعلها لم تر شيئاً سوى الظلام، فسقطت مغشياً عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...