بعد مرور عدة أيام، ومنذ مقابلتهم الأخيرة وأسلوبه السخيف معها، لم يخبرها بموافقته للعمل معهم أم لا، فتركها حائرة، تود أن تعرف ما سيحدث. لتهاتفها سكرتيرته بموافقتها على بدء الشراكة بينهم، حتى هو لم يتصل بها بنفسه ولا يخبرها بشيء. فقررت مهاتفته بنفسها. –حمزة، ازيك؟ أجابها بنبرة رسمية: –تمام.. أخبارك إيه؟ تنهدت بعمق قائلة:
–كله تمام.. حبيت أكلمك عشان أقولك إنّ مستر هاني عامل حفلة صغيرة كده مع أعضاء شركتك بمناسبة الـ Deal اللى هيتم بينا. أومأ ببرود: –تمام.. هقول ليزيد وباقي الأعضاء. لم يستفسر منها عن الميعاد ولا حتى يسألها عن التفاصيل. لتزفر بضيق قائلة: –الحفلة هتكون في الأوتيل عندنا.. بكرة الساعة 9 PM. حمزة بنبرة ساخرة: –أنا مسألتكيش أصلاً. ردت بابتسامة صفراء: –Actually.. أنا كنت بأكد الميعاد عشان تبلغ زمايلك ومديرك بس. لتُردف
بنبرة متجاهلة إياه: –يلا أشوفك بكرة بقى.. ثم أغلقت الهاتف دون أن تسمع منه رد. *** كانت أماني تتحدث مع منة على الهاتف لتخبرها بموعد الحفلة. –صحيح يا منة عايزة أقولك علي حاجة.. بس المهم أوعي حمزة يعرف إن أنا قلت لك. منة بثقة: –عيب يا خالتو ده أنا منة حبيبتك. تنفست بتوجس: –ما هو ده اللي مخوفني.. بس عموما في أوتيل جديد هيتعاقدوا معاه وعاملين حفلة صغيرة بمناسبة بداية الشغل بينهم يعني.. فـ إيه رأيك تروحي معاه؟ منة بهيام:
–الله حفلة.. يعني طبعاً فيها ناس مزز وحاجة حلوة كده. خالتها بتحذير: –آه طبعاً.. يمكن يعجب بيكي عريس حلو كده.. وياريت تكوني على طبيعتك، ولا أقولك بلاش طبيعتك عشان هتفضحينا كده.. بصي خليكي عاقلة يا منوش وهادية واتعاملي بلباقة وأدب.. ومتتكلميش مع حد ولا تسمحي لحد يكلمك.. ولا تفتحي مواضيع تافهة. أومأت بأدب: –حاضر يا خالتو متقلقيش. أردفت أماني بتأكيد: –المهم جهزي فستان شيك كده و ميكب خفيف وتعالي بدري على 8 مثلاً.
–حاضر يا خالتو.. يلا باي.. يدوب ألحق أحط ماسكات وأجهز نفسي. *** في المساء. في شقة حمزة. كانت منة ترتدي فستان رقيق باللون البرتقالي، فهي تعشق تلك الألوان الفاتحة المبهجة. كان تصميمه يضيق من الخصر وواسع من الأكمام ومن أسفل وطويل يصل إلى قدميها. لتفرد حرير شعرها البني الطويل الذي تعدي خصرها بقليل، وقد ازداد من جمالها وفتنتها. لم تضع من مستحضرات التجميل إلا القليل، فهي بطبيعتها جميلة لا تحتاج لأشياء كثيرة.
خرجت من غرفة خالتها عندما سمعت صوت حمزة في الصالة. هتف حمزة بصوت عالٍ: –ماما أنا نازل.. عايزة حاجة من برة؟ ثم التفت ليجد منة أمامه، قائلاً بتعجب: –ازيك يا منة؟ أنتِ عندنا من امتى؟ تجاهلت سؤاله قائلة: –ازيك يا ميزو؟ سألها بشك: –أومال إيه الشياكة دي؟ رايحة فين كده؟ أجابته بشقاوة وطفولية: –رايحة معاك. حمزة بصدمة: –مع مين! أنا؟ منة بمحاولة إقناعه: –أيوه يا ميزو.. هو فيه غيرك.. أصل خالتو قالتلي إنك رايح حفلة.
رد بنبرة ساخرة: –وأنتِ بقى لابسة فستان وحاطة ميكب وعرفتي بالصدفة يا عيني إن أنا رايح حفلة وعايزة تيجي معايا! –شوفت القدر! تجاهل كلامها، موجهاً حديثه لوالدته: –أنا نازل يا ماما.. عايزة حاجة؟ منة بإصرار: –حمزة أنا جاية معاك أصلاً. –إيه ده غصب عني! صاحت بصوت شبه باكي: –أنت مش فاهم.. أنا من الضهر بحط ماسكات زبادي وقهوة وحاجات تانية عشان الخروجة دي، وفي الآخر مش عايز تاخدني معاك. حمزة باستغراب: –القهوة اللي بشربها..!
حطيتيها ماسك على إيه؟ أجابته بغرور: –على وشي.. مش شايفني منورة إزاي.. لتضيف بنبرة مرحة: –بجد الماسك ده تحفة.. لا حقيقي فاتك كتير إنك مجربتوش. زفر الهواء بضيق: –فاتني إيه يا هبلة أنتِ.. ماسك زبادي وقهوة إيه اللي أحطه؟ ما في جاهز أحسن. استعطفت والدته: –خلاص يا حمزة خدها معاك بقى. هز حمزة رأسه بنفي: –مستحيل يا ماما.. أنتِ عارفة منة وتصرفاتها. والدته بثقة:
–لا يا حبيبي دي قالتلي إنها هتكون عاقلة النهاردة.. أنا نبهت عليها، متقلقش. رفع حاجبيه ليقول بتوجس: –يعني أنتِ اللي معرفاها بقى! صاحت منة بتبرير: –ما أنا مبخرجش يا ميزو وصعبت على خالتو فقالتلي.. ودي خروجة جايهالي من السما معاك ومش هتحصل تاني غير كمان فترة.. خليني أتبسط بقى. لم تعطيه فرصة للموافقة أو الرفض، فهي في خلال ثوانٍ اختطفت من يديه مفاتيح سيارته قائلة بمرح:
–يلا أنا هستناك تحت في العربية.. متتأخرش عليا.. عشان محدش يعاكسني وأنا لوحدي كده و زي القمر. ونزلت السلالم بخفة كأنها فراشة تتطاير.. حتى أنها لم تستخدم المصعد الكهربائي. هذه هي طبيعتها، تنظر إلى الأشياء بمنظورها الخاص، كل شيء في عالمها وردي، لا يوجد ألم أو وجع، دائماً سعيدة. لم يستوعب ما حدث! فهي وضعته أمام الأمر الواقع، ولم يكن أمامه خيارًا غير حضورها معه الحفلة. زفر هواءً حارًا كثور هائج وهو يقول لوالدته بعتاب:
–ماما.. شايفة بنت أختك؟ والدته بحنان: –معلش يا حبيبي خدها معاك وخلاص.. يوم وهيعدي.. خليها تنبسط. صاح حمزة بحدة: –ماشي يا ماما.. ماااشي. *** في الفندق. على طاولة واسعة وطويلة، يجتمع عليها أعضاء الفندق والشركة بمناسبة احتفال إمضاء العقد بينهم. كانت منة مندمجة مع شخص يجلس أمامها، تحدق به بإعجاب. فرمقها حمزة بغضب وهو يقول لها بصوت منخفض حاد: –ما تتلمي بقى وبطلي تركزي مع حد. همست بهيام:
–شعره.. يلهوي على تسريحة شعره يا حمزة.. إيه القمر ده! هتف بصوت عالٍ موجهاً حديثه لهذا الشخص المعجبة به منة: –مايكل.. هو “يزيد” راح فين؟ رد مايكل بتركيز: –مش عارف.. كان لسه هنا. شهقت منة بصدمة وقالت بهمس لحمزة: –مايكل! ياربي اسمه مايكل بجد؟ حمزة بسخرية: –تخيل. ردت منة بحسرة: –أنا في حد عامل “بي بي” في حظي على فكرة. زفر بضيق قائلاً بتحذير: –اتعدلي بقى واحترمي نفسك شوية. منة بعتاب: –اخص عليك يا حمزة.. ده بدل ما تواسيني!
حمزة بسخرية: –أواسيكي إيه.. ما أنتِ بتضحكي وعادي أهو. همست ببراءة: –العين تضحك والقلب حزين يا أخويا. –معلش. التفتت لآيتن الجالسة بجانبها، التي كانت ترتدي فستان أسود أنيق ويصل إلى ركبتيها، وتضع لمسات رقيقة من المكياج. سألتها منة بفضول: –لو سمحتي.. هو درجة ونوع الروج بتاعك ده إيه؟ زغر لها حمزة بضيق: –منة اتهدي بقى. منة بتبرير: –الله! مش بسألها على نوع الروج! ضحكت آيتن:
–لا أبداً.. اسألي براحتك حبيبتي.. ده من NARS درجة Red Lizard. ردت منة بطريقة مازحة: –ميرسي يا قمر.. ده أنا دوخت عليه في محلات اخر العنقود و اتنين ونص. حمزة متأففاً وهو يرمق منة بغيظ: –يخرب عقلك.. كنت متأكد إنك هتفضحينا.. محلات “آخر العنقود واتنين ونص” إيه دول! آيتن باستغراب: –لا هو مش موجود فيهم طبعاً أو هتلاقيه كوبي.. هتلاقيه في مزايا والمولات الكبيرة أو أي بيدج مضمونة من على الانستجرام. –بس شكله غالي صح؟
آيتن بتبرير: –أيوه.. بس أنتِ ممكن تجيبي روج من Brand تكون Drug store.. مش شرط High End يعني وهتلاقيه حلو أوي برضو. تدخل حمزة مبرراً: –منة بس بتحب.. بتهزر.. هي بتجيب أصلاً أوقات ميكب High End.. بس هي بتحب تجيب كل الأنواع وتستكشف. قهقهت منة بضحكة: –أنا بحب أدعم كل المنتجات. لتُردف موجهة حديثها إلى آيتن: –فين الأماكن اللي فيها الروج بتاعك بقى عشان ده لسه مجبتوش؟
–في مكان حلو وساعات بيعملوا Sale تحفة.. هتلاقي خصومات هتعجبك أوي.. لو تحبي تيجي معايا معنديش مشكلة. هتفت بحماس: –ياريت.. طب هاتي رقمك بقى. *** أخذها معه إلى الشركة في اليوم التالي، فهذا كان طلب آيتن لتأتي معه. فاليوم هناك اجتماع بين شركتهم والفندق. بعد انتهاء الاجتماع، دلف هو وآيتن مكتبه ليجد منة مندمجة بقراءة رواية جديدة رومانسية. صاحت بتذمر وهي تغلق الكتاب: –مش فاهمة.. مش هبطل أحب البطل قبل ما البطلة تحبه ولا إيه!
آيتن بتساؤل: –هو مين ده؟ منة بابتسامة: –أبطال الروايات. آيتن بحيرة ودهشة: –أنتِ بتكراشي على أبطال الروايات ولا الواقع ولا إيه بالظبط؟ رد حمزة بتبرير: –لا.. هي بتكراش على نفسها. قهقهت آيتن بضحكة لتسألها: –صحيح يا منة.. أنتِ إيه مواصفات فتى أحلامك؟ ردت منة بهيام: –بصي يا ستي.. أنا عايزاه عصبي، عينيه حادة كالسيف، ملامحه قاسية لكن وسيم، لا يهاب الريح، يخشاه الجميع، ليظهر لي طفلي أنا. حمزة بسخرية وهو يلقي كلمات تهكمية:
–الله يخربيت الروايات اللي طيرت دماغك.. مش عايزاه مقرمش من الجوانب وطري من النص بالمرة؟ منة بشقاوة: –ياريت.. هيبقى تحفة. حمزة بنبرة ساخطة: –ابقي اتغطي كويس وأنتِ نايمة يا منة.
لاحظت آيتن أن منة أقصى طموحاتها أن تجد شريك حياتها. استغربت قليلاً اختلافهم، فشخصية منة جميلة طفولية، ولكن تربط سعادتها بالمستقبل، وكأنها تجلس على محطة تنتظر قطار الحب يأتي لترحل معه إلى مدن بعيدة لم يراها ولم يسمع عنها. فمشكلة منة أنها تعرف تماماً ما تنتظر، لكنها لا تعرف من الذي تنتظره؟ هي تنتظر البطل المجهول الذي قرأت عنه في الروايات وتمنت أن تلتقي بشخص مثله في الواقع، أو الأبطال في الأفلام الرومانسية. ولكن!
هل يجب علينا أن نربط سعادتنا بالمستقبل؟ وننتظر قدوم الشخص المناسب حتى نشعر بالحياة ونحبها؟ الروايات والأغاني الرومانسية التي تتغزل لنا بالحب، فهي تصور لنا عالماً ساحراً، خيالياً نحقق فيه كل ما نريد داخلها! “منة” لديها عالمها الوردي الذي تنتظر فيه حبيبها المستقبلي أو الخيالي. سألتها منة بفضول: –وأنتِ بقى يا آيتن معندكيش كراش ولا حبيب؟ –لا.. أنا سنجل.
في هذه اللحظة، دخل يزيد “مدير الشركة” إلى مكتب حمزة، ثم تدخل في حوارهم قائلاً باستغراب لآيتن: –معقولة! إزاي القمر ده لسه سنجل؟ ضحكت آيتن لتجيبه بثقة: –عشان أفضل قمر. ضحكت منة: –ياربي! طيرتلك جبهتك خلاص.. أنا رأيي تدور عليها. يزيد بضحكة صفراء: –لا.. هروح أشتري واحدة جديدة. زغر لها حمزة بغضب شديد بعد خروج يزيد من المكتب وهو يطلب من حمزة تقرير ما: –يخربيت سنينك.. ده المدير بتاعي. لتجيبه برقة: –قمر أوي.. يخربيته.. لتردف
وهي تسأل آيتن مرة أخرى: –آيتن.. أنتِ ليه مرتبطيش؟ ردت بلا مبالاة: –أنا شايفاهم كلهم بشكل متساوي.. وملقتش فيهم الراجل اللي يستحق أركز عليه نظري أكتر من ثانيتين وأحس إن هو ده اللي خطفني عنهم كلهم. –بمعنى؟ أجابتها بتفكير: –يعني لسه ملقتش الراجل اللي يخليني أحس إنه مختلف عنهم. –زي إيه؟ فكرت قليلاً ثم ردت بثقة:
–مش عايزة راجل أكون في إيديه أنا وفي قلبه واحدة تانية وفي عينيه كذا واحدة.. يا أما أكون محتلة كل قلبه وحياته.. أو يروح يشوف حياته اللي كلها بنات. منة بابتسامة: –هتحبي لما تحسي بيه.. لما تلاقي اللي يفهم آيتن من جوة مش اللي ظاهر قدام الناس.. اللي يخطفك ويغيرلك إحساسك بالوقت معاه ومن غيره، ويعوضك عن حاجات كتير.
–يمكن.. بس الحب مش أولى اهتماماتي.. يعني مش مستنياه ولا حياتي واقفة من غيره.. في نفس الوقت مش متعقدة من الحي ولا حاجة.. بس الفكرة إننا نختار صح. شخصية “آيتن” كأنها رجل.. حتى وإن كانت تلبس ثياب امرأة فاتنة وتملك جسداً مغرياً، إلا أن ذكاءها المشاعري وتحكم عقلها وتفكيرها العاطفي يتفرع عن أصل عقل الرجل. فهي تريد أن تستمتع وتعيش حياتها بعيداً عن المسؤولية أو الارتباط.
ترى الحب لا يحقق السعادة التي تصورها لنا الأغاني والروايات الرومانسية! خطر ببالها فكرة لترى منة من خلالها باستمرار، فهي الرابط بينها وبين حمزة، فقررت أن تنتهز الفرصة وتعرف عن طريقها معلومات عنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!