أمسكها من كتفيها، ورفعها لتقف، ورفع رأسها إليه قائلاً بحزم: -حصل إيه يا آيتن احكيلي.. أغلقت عينيها وهاجمتها الذكريات بقسوة.. ذكريات كانت تخفيها في زاوية مقيدة بذاكرتها تحاول أن تنساها ولا تنساها، ذكريات مؤلمة تدمر لحظاتها. -من 5 سنين كده.. ظهر شاب في حياتي كان جارنا ومعجب بيا واتقدملي اتخطبنا.
-وكان وقتها صاحب العمارة بيضايقنا كتير و بيتلكك عشان مفيش معانا راجل لدرجة أنه قدم بلاغ فينا بالكدب لحد ما مهاب دافع عننا وخلاه يندم أنه عمل كده. -مهاب كان قبل ما أكتشف حقيقته كان راجل بجد.. وكان علاقاته العامة قوية وله معارف كتير عشان كده دافع عني بسهولة. -وقولتله أنا مش عايزك تجرحني زي بابا. -قالي أنا عمري ما أعمل حاجة تضايقك، واللي فات من عمرك ده خلاص راح.
-طبعًا حبيته وكنت مبسوطة جدًا معاه.. زي ما يكون ربنا بعتلي الراجل اللي هيعوضني.. هيعوضني عن قسوة أبويا. -بس كان في حاجة غريبة كانت واحدة جارتي قالتها لي مرة، إن مهاب كان من عيلة مش كبيرة أوي وكان بيشتغل في شركة مكان عادي ومرتبه ميسمحش إنه يمتلك كل ده.. عربية غالية جدًا وأراضي وكان عنده شقتين باسمه.. ده غير فلوسه اللي في البنك.
-بصراحة شكيت شوية، بس لما سألته قالي إن ده ورث أبوه من جده وكان مقسم لكل واحد فيهم وهو عايش.. وهو حط فلوسه في مشاريع لحد ما كبرت. -طبعًا أنا صدقت وخلاص عادي.. مهاب كان بيتعامل معايا بكل احترام جدًا. -لحد ما قرر يعملي مفاجأة بمناسبة إني دخلت الكلية وكنت جايبة مجموع حلو في الثانوي، بس هو أجل لحد ما نتخطب وأقدم في الكلية.
-يومها جابلي هدية وقالي إنه في عزومة مع صحابه ومراتاتهم عند المزرعة بتاعة حد منهم، وأنهم عايزين يتعرفوا عليا. -وطبعًا استأذنت ماما ووافقت لأن مرات صاحبه دي اتصلت بيها تعزمني تاني وكلمت ماما وقالتلها إنها عايزة تتعرف عليا. -وعدى عليا بعد المغرب وروحت معاه. -الغريب إن مش كلهم معاهم زوجاتهم زي ما قالي، ما عدا واحد بس منهم اللي مراته كلمتني وحتى مكنتش قاعدة معانا طول الوقت.
-بعدها كان في واحد من صحابه دول قالي إن شكلي حلو وبمعنى أدق عاكسني بس بطريقة غير مباشرة طبعًا من غير ما مهاب يكون قاعد. فلاش باك.. ذهبت إليه قائلة بصدمة: -مهاب .. صاحبك اللي قاعد هناك ده عاكسني. قهقه قائلاً بضحكة وبرود: -تلاقيها بتتهيألك بس أو ميقصدكيش. يردف قائلاً ببرود: -وبعدين حتى لو قاصد .. ما طبيعي أي راجل يعجب ببنت حلوة. رمقته بكل ذهول ليتراجع بعدها بضحكة مزيفة قائلاً: -بهزر طبعًا… هو بجد عاكسك؟
-أيوة يا مهاب … يلا نمشي. -وبعدين فين الستات اللي موجودة زي ما قولتلي … مفيش غير صاحبة العزومة ودي مقعدتش معايا كتير. -في إيه يا آيتن … انتي بتغيري جو؟ هو انتي قفل كده ليه؟ -أنا برضو اللي قفل ولا انت اللي غريب النهاردة أوي.. أنا مش مصدقة… انت إزاي بتكلمني كده بكل برود وكمان أنا مش مرتاحة وأنا قاعدة لوحدي كده ومعظمهم رجالة في المكان.
-خلاص يا آيتن هي اتحسبت علينا عزومة… هنقعد نتغدا يا حبيبتي ونمشي… ومش هخرجك تاني مع صحابي. بعد قليل تقدمت منها زوجة صديقه قائلة بابتسامة: -إيه رأيك تيجي تساعديني في تجهيز السفرة؟ نظرت إلى مهاب ليطلب منها أن يمضي اليوم بسلام حتى يذهبوا.. فأومأت برأسها وهي تدخل معها المطبخ تساعدها في تجهيز طاولة الطعام بالخارج.
وأثناء دخولها مطبخ الڤيلا مرة أخرى… وجدت مهاب بالغرفة التي بجانب المطبخ، وهو يرتدي بنطالاً فقط، لكنها كانت المرة الأولى التي رأته فيها هكذا. ثم أغمضت عينيها وقالت له: -انت لابس كده إزاي؟ رد قائلاً: -هو انتي مكسوفة ليه؟ كانت عيناها مرتعبة في ذلك الوقت بخوف، لدرجة أنها كادت أن تخرج، ولكنه كان الأسرع منها فهو سحبها بشدة نحوه قائلاً بنبرة شيطانية:
-أنا ما صدقت الفرصة جاتلي وأخيرًا بقينا لوحدنا.. بقالي 6 شهور طالع عيني دلع ومسؤولية وعامل نفسي راجل بجد عشانك.. انتي الوحيدة اللي الحوار طول كدا معاها. لقد صدمت وأخبرته بصوت عالٍ بصراخ: -انت ماسكني كده ليه… سيبني. -هقولك على السر اللي محدش يعرفه وسبب إن عندي الفلوس دي كلها إنه.. لم تستطع آيتن استكمال الحديث وهي تبكي بعنف وألم. جلست على الأرض ترتجف. فانحنى حمزة بجانبها وأمسك رأسها ودفنها في صدره
وهو يهمس بهدوء في أذنيها: -اهدي يا حبيبتي.. ومتخافيش أبدًا. أكملت بصوت منقطع.. متحشرج وهي تعود إلى الماضي مرة أخرى، ومهاب يكتم فمها من محاولاتها للصراخ قائلاً بنبرة حادة: -متخافيش أنا مش هلمسك زي ما انتي فاكرة … صاحبي اللي عاكسك هو اللي حابب يكون معاكي.. أظن انتي كده فهمتي أنا بشتغل إيه! ليدفعها نحو الغرفة وهو يغلقها خلفهم لتدفع الباب وتحاول فتحه وتصرخ بعنف وقوة وتضربه بكل ما تطوله يدها ولكن لا فائدة. قال
بنفاذ صبر بنبرة متعصبة: -انتي الوحيدة اللي صبرت عليها عشان مكنتيش بتوافقي نخرج لوحدنا خالص ولا حتى أوصلك بعربيتي. صاحت بنبرة متألمة بتوسل: -سيبني أمشي وأنا مش هقول لحد على السر ده. قهقه بضحكة عالية: -هو دخول الحمام زي خروجه.. بقولك دي فرصة عمري اللي بقالي 6 شهور مستنيها.. أنا صبرت عليكي عشان حبيت وجودي معاكي. رمقته باشمئزاز قائلة بانهيار:
-بس أنا حبيت مهاب الراجل اللي بجد مش انت.. انت واحد تاني قدامي… أسوأ واحد أتحرج حتى أقول عنك راجل. وجدته يشد شعرها بقوة ومن ثم صفعها على وجهها قائلاً: -الاتنين واحد بس اللي قدامك ده مهاب الحقيقي التاني كان لابس قناع يتدارى فيه.. وبعدين خلينا نتفاهم كده عشان تتبسطي. صرخت قائلة: -تفاهم إيه أنا اتصدمت فيك. -انتي لو بنت ذكية واقفة فعلاً في ضهر خطيبك اللي هيبقى جوزك إحنا ممكن نوصل لدرجة من الغنى مانقدرش نتخيلها.
قترب نحوها يمسك ذراعها بقوة آلمتها قائلاً بحقد: -خليكي كده هتفضلي غبية، ياريتني كنت بنت كنت عارف كويس أنا هعمل إيه. بصقت على وجهه بكره: -ما أنت كده فعلاً … أنت بالنسبة لي مبقتش راجل خلاص. لم تمضِ لحظة واحدة حتى شعرت بسخونة وجنتيها أثر صفعته لتقع أرضًا تنظر نحوه بخوف، ليصرخ بها قائلاً: -انتي هتتبسطي وهخليكي مش محتاجة أي حاجة... ولو مسمعتيش اللي بقوله هخليكي تشوفي أيام سودة في عمرك.. فوافقي بمزاجك أحسن ما أخليكي تندمي.
كور يده بشدة وتحولت عيناه إلى كتلة من السواد.. سواد جعله أشد قسوة مما كان عليه. بينما هي هتفت من الألم وهي تتنفس بصعوبة: -حرام عليكي يا مهاب … سيبني… أنا مش كده … أنا مش كده صدقني. وجدته يضرب رأسها بالحائط ويصرخ بشكل مرعب قائلاً: -انتي اللي جبتيه لنفسك.
صفعها بكل قوته وبلا رحمة.. لم تكن تعرف حتى كيف أن تصرخ أكثر من هذا.. فنبرة صوتها أصبحت ضعيفة مع كل صفعة قوية منه. وجدته يخبرها أن هذه “قرصة أذن بسيطة” من أجل التأديب.. بحق الله.. من منهم يستحق التأديب! ظل أن يفعل هذا طوال اليوم ويضربها بشدة.. ويسمعها كلمات بشعة مرعبة.. لم تستطع تحمل الألم.. كانت ستموت بين يديه حرفيًا. انتهاء الفلاش باك. صرخت آيتن وهي تخبأ وجهها في تيشيرت حمزة. همست بقهر:
-انت عارف لو كان حصل كنت هتدمر طول عمري.. وأنا كان أهون عليا أموت ولا يعمل كدا.. لحد ما لقيته بيهددني بأمي.. طبعًا اترعبت. -بعدها البنت اللي قال إنها مرات صاحبه دي… صعبت عليها وهي كانت ضحية قبلي بس ملقيتش حد ينقذها. -كانت مبسوطة من تصميمي وإني مستحملة كل اللي عملوا فيا. -وقتها هي اتكلمت معايا لما هو طلب منها تعقلني.. وتعرفني حصلها إيه… وإنه الموضوع كأنه اعتداء حصل معاها.
-ساعتها هي قالتلي اعملي نفسك إنك موافقة وأنا هتصرف. -طلب منها تساعدني أغير هدومي… وبعدها كان المفروض صاحبه ده مستني يعمل كده ومهاب كان مشي وسابني. -اللي فهمته إنه بيمشي في اللحظة دي وبيستنى في عربيته. -استنت هي مكاني في الأوضة… وخرجتني من باب جانبي من المزرعة وقالتلي اهرب على طول. -وأنا بهرب سمعت صوت الراجل ده بيتخانق معاها… بعدها صوت تكسير زجاج… وعرفت إن هي خبطته بحاجة وصرخت.
-قالتلي ملكيش دعوة اهربي بسرعة قبل ما مهاب يرجع يكتشف اللي عملناه… وتقريبًا الراجل اللي كان معاها ده كان اغمى عليه أو معرفش حصله إيه. -ركبت تاكسي ورجعت البيت. -أخدت أمي وحكيتلها كل حاجة.. وقعدنا عند دنيا صاحبتي. -وعمها كان شغال في الجامعة.. راح اداني ملفي عشان أحول تجارة انجلش جامعة إسكندرية. -وسألته ينفع يحطلي زي نسخة كدا في جامعة الفيوم.. عشان يبان إن أنا لسة في الجامعة. -طبعًا مكنش ينفع بس هو حاول وعمل كدا.
-وبعدين جينا إسكندرية واخدنا شقة هنا. -واتعرفت على خديجة في آخر سنة ليا في الجامعة. -بس من يومها وأنا اتغيرت تمامًا.. بقيت قوية أووووي.. الضعف والطيبة بتاعة زمان اتمسحوا نهائي. -مبقتش بصاحب أي حد ولا بثق في حد بسهولة. -وطبعًا الحب ده كان آخر حاجة ممكن أفكر فيها. -وبعدها اشتغلت في فندق هاني.. كان وقتها هو وخديجة لسه متخطبوش رسمي بس كان مكلم باباها في الموضوع وهي كانت لسه متخرجة وعايزة تشتغل الأول.
-وبدأت اطلع كل طاقتي في الشغل لحد ما نجحت ووصلت للي أنا فيه. تأوه من الألم عليها وهو يرى عينيها اللتين أصبحتا لون الدم، والدموع الساخنة تنهمر على خديها. فحاصر كتفيها بيديه محاولاً تهدئتها: -اهدي يا آيتن.. كل ده عدى خلاص مفيش خطر تاني. مست آيتن برعب: -المشكلة إني خايفة يعملي حاجة.. خصوصًا إنه ظهر من قريب وهددني.
تذكر ما كانت تعيشه من قبل بخوف ورعب. رأى حالتها تزداد سوءًا. ارتجف جسدها أكثر فأكثر. زاد صوت بكائها وأصبحت تبكي وتصرخ. لم يجد مفر إلا لاحتوائها بين ذراعيه، يمشط شعرها بيده بحنان، ويهمس بهدوء: -خلاص والله كل حاجة هتبقى تمام.. بس اهدي بقي.. محدش هيجي جمبك طول ما أنا موجود ومعاكي.. على جثتي لو حد إذاكي. تجيب هي بصعوبة وسط شهقاتها: -ده.. ده… كان…
عانقها أكثر وأغمض عينيه بغضب لأنها تعرضت لهذه الصدمة في الماضي، مهددًا بداخله بأسوأ عقاب لهذا الشخص. ليهمس بهدوء: -انسي.. انسي يا آيتن.. عايزك تمحي كل ده من ذاكرتك.. صعب أنا عارف بس حاولي تنسي عشان ترتاحي. يبقيا فترة على هذا الوضع لتهدأ هي من نوبة بكائها تلك. مرت فترة من الصمت ليقطعها هو بنبرة هادئة قائلاً بابتسامة: -جعانة؟ أجيبلك حاجة تاكليها. نظرت نحوه لحظات قبل أن تردف:
-لا.. خليك جنبي وبس.. أنا عايزة أنام.. ومش عايزة أبقى لوحدي. ربت على شعرها بنبرة حانية: -انتي مش لوحدك.. أنا جنبك وهفضل.. خليكي متأكدة من ده. همست بقلق: -يعني مش هتسبني خالص. همس في أذنها: -لا مش هسيبك.. وبعدين أنا متعودتش عليكي كده.. أنا متعود على آيتن القوية.. القوية أوي.. أنا مش عايزك تتعبي بمجرد التفكير في أي حاجة وحشة.. مش عايزك تضعفي أو تخافي من حد وأنا معاكي.. فاهمة؟؟؟
بينما هي تفكر في الأمر حقًا. إلى متى سوف تخاف؟ إلى متى ترى وجه ذلك الخسيس في كل الرجال؟ إلى متى؟! أغمضت عينيها بروح منهكة. لأول مرة شعرت بالأمان.. الأمان الذي سلب منها. أخيرًا وجدت سلامها وهدأت روحها. شعرت بالاطمئنان بين ذراعيه. وعدها بأنه لن يسمح بحدوث أي شيء سيئ لها. وحمزة رجل لا يخلف بوعده. كلاهما أغمض أعينهما وهما يعانقان بعضهما البعض كروح واحدة.
مرت ساعتان. غفت آيتن في حضنه. بينما هو لم يستطع النوم. رن منبه هاتفه بموعد صلاة الفجر كعادته. ولكن هذا اليوم قلقت آيتن وشعرت به يتحرك من جانبها. عادت للوعي لتنظر قليلاً إليه. فوجدته يدلف إلى الحمام توضأ وخرج بعد خمس دقائق. وجدها نهضت من على السرير. وعيناها تنظر إليه. حمزة بحرج: -آسف لو المنبه صحاكي.. كملي نوم طيب. هزت رأسها بنفي: -لا أبدًا.. ده عشان أنا منمتش كويس بس. ثم زمّت شفتيها بضيق عندما وجدته خارج من الغرفة:
-انت رايح فين؟ مش هتنام تاني؟ حمزة بابتسامة: -لا يا حبيبي.. هصلي الفجر وأرجعلك. -انت بتصلي الفجر في ميعاده ماشاء الله؟ قهقه بدهشة من نبرتها: -أكيد الحمد لله.. أنا متعود على كده. آيتن بارتباك: -أصل.. كنت فاكرة يعني مبتصليش في نفس الميعاد. هز رأسه بتفهم: -لا الحمد لله بصلي في ميعاده.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة، دلفت بسرعة إلى غرفة الملابس وأخذت منشفة. ثم دلفت إلى غرفتهم لتناوله المنشفة يجفف بها. بينما حمزة كان سعيدًا لاهتمامها به.
صلى السنة ثم الفجر. وجلس يسبح قليلاً كعادته. ثم قرأ ما تيسر من القرآن من سورة “يس” التي تعود أن يقرأها دائمًا بعد صلاة الفجر بالتحديد. وفي أثناء قراءته وهو جالس على الأرض. جاءت آيتن وهي ترتدي إسدال أزرق. وحجابه الأزرق الذي زادها جمالاً. ابتسم فور رؤيتها بهذا المنظر. ثم تابع قراءة السورة. بينما هي تكومت في حضنه. وهو ما زال يقرأ السورة. كما لو كانت قطة تجلس بجانبه في هدوء وسكينة مستمتعة بدفء من بجانبها.
أخذها تجلس بجانبه ويمسح على حجابها. وهو يقرأ وعيناه في المصحف. وكأنه محتضن ابنته ذات الثلاث سنوات جاءت لتجلس في حضن أبيه. ليستكمل آخر آيات في السورة بصوته المريح الهادئ:
“أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ* إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” أغلق المصحف وانهى بصدق الله العظيم. ثم قبل رأس آيتن وهي مغمضة عيناها مبتسمة في حضنه. هتفت آيتن باستغراب:
-أنا بجد مبسوطة إنك ماشاء الله بتقرأ القرآن بالتجويد. حمزة بتبرير: -القرآن عشان في مدرستي كانوا بيهتموا بالقرآن شوية.. مع إنها لغات بس بصراحة مأهملوش النقطة دي. ثم أردف بابتسامة:
-تاني نقطة بصلي في مواعيدي إزاي.. هقولك حاجة.. أنا حاطط دايما في دماغي إن ربنا مش بيبارك في حاجة بتأخرني عن الصلاة وإننا أصلاً مش كاملين وحياتنا فيها حاجات غلط طبعًا.. فالصلاة بالالتزام دي الباب المتوارب مع ربنا دايما وهي أساس البركة في حياتنا. ماما كانت دايما معوداني إن حتى لو اتأخرت وجت صلاة على صلاة إني منامش في يوم إلا لما أصلي كل اللي عليا.. لحد ما اتعودت أصلي كل فرض في وقته.
-أنا كمان بصلي كل الفروض لكن دايماً عندي مشكلة.. مبعرفش أنتظم في المواعيد وصلاة الفجر يوم إجازتي بس لما ماما بتصحيني معاها. أشار على قلبها، قائلاً باتزان:
-عارفة لو علقتي قلبك بيها.. هتبقي انتي اللي مستنية الأذان يأذن.. وهتحسي إن هي مكان الراحة الوحيد في حياتك. في جملة بابا قالهالي زمان لما كنت صغير وبتهرب من إني أصلي معاه.. الجملة دي معلقة معايا جدًا.. قالي لما بيجي وقت أذان الصلاة “ربنا بيتهيأ لملاقاتنا” فتخيلي كده إن ربنا بيبقى مستنيكي. آيتن بشرود: -ماما دايماً تقولي تخيلي أول ما الأذان يأذن إن الشيطان بيتحدى ربنا تقوم ولا لا. كشر حمزة وهو يقاطعها:
-فطبعًا مش هتخذلي ربنا.. أكيد هتقومي. بعد صمت دام لدقائق سألها بفضول: -صحيح إيه أكتر حاجة ممكن تخوفك أو نقطة ضعفك في الحياة؟! ردت بدون تفكير: -إن أمي تمشي في يوم.. أنا عارفة إن الموت أمر لابد منه.. بس بدعي ربنا يخلي اليوم ده متأخر أوي.. أو يبقى يومي قبلها. -بعد الشر عليكي وعليها.. انتي من النوع اللي بيبقى عارف نهاية الرواية أو على الأقل ملامحها وبتأكدي إن النهاية محتومة لكن برضو بتبقي خايفة منها. هزت رأسها بنفي:
-أنا مش خايفة من النهاية.. أنا عارفة إني مش هقدر أعيش وهي بعيدة.. مش خوف من حاجة قد خوفي إني أرجع البيت في يوم وملاقيش نفسها فيه. -ربنا يطول في عمرها. ثم أردف حمزة بإعجاب: -بس قوليلي بقي إيه القمر ده. ردت آيتن بخجل: -بجد شكلي حلو بالطرحة؟ غمز لها قائلاً: -هو فيه أحلى من كده؟ آيتن بتلقائية: -أنت. شعرت بالخجل من تسرعها، ثم نهضت وهي تتهرب منه: -آه صحيح.. أنا هقوم أصلي الفجر وهتعود على الميعاد ده معاك. -تمام يا حبيبتي.
بعد مرور عدة أيام… في صباح يوم جديد وبالتحديد.. الساعة السادسة صباحًا. استيقظت آيتن على رنين هاتفها. رفعت خصلات شعرها بينما كانت كفها الأخرى على فمها تتثاءب. جاءها ذلك الصوت الرجولي على الطرف الآخر: -إيه يا آيتن.. انتي لسه نايمة؟ ردت بنعاس: -إجازة بقى وكده.. أومال انت نزلت بدري إمتى؟ حمزة بنبرة قاطعة: -طيب يلا قومي وفوقي كده وغيري هدومك.. عشان هاخدك نخرج بره. هزمت شفتيها بضيق، قائلة بتوسل:
-حرام عليك.. حد يخرج الساعة 6 الصبح.. خلينا بالليل عشان خاطري. قاطعها بخشونة، غير مهتم لتوسلها: -قومي بلاش كسل.. نص ساعة وهعدي عليكي. آيتن بتذمر: -لا.. مش قادرة عايزة أناام بجد. ابتسم بمكر وهو يقول: -طيب عمومًا قدامك ساعة بالظبط… هعدي عليكي ولو ملقتكيش جاهزة… هتصرف أنا. قاطعته بسرعة وهي تعتدل بالجلوس: -خلاص.. أنا صحيت أهه. أمرها بحذر قبل أن يغلق المكالمة: -تمام.. والبسي حاجة طويلة شوية.
خرجت بعد أن انتهت ووجدته يناديها وكان ينتظرها في أسفل المبنى. لتجده متكئًا على سيارته. اقتربت منه، تهمس بهدوء: -صباح الفل. وضعت يداها حول خصرها، قائلة بنعاس: -يا صباح القلق. جلست بالمقعد الأمامي في سيارته وبدأ بالتحرك، سألته بفضول: -ها هتوديني فين؟ رمقها عبر المرآة يبتسم ابتسامة ماكرة وكأنه يخفي شيئًا ما عنها، قائلاً بحدة: -أولاً مينفعش تسألي إحنا رايحين فين.. هتعرفي لما نوصل.
عقدت حاجبيها معلنة عدم رضاها على كلامه شابكة ذراعيها حول صدرها، قائلة بمشاكسة بصوت خافت: -هتلر والله. رمقها بحدة: -سمعتك على فكرة. هتفت بقوة: -ما أسمع.. هو أنا هخاف منك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!