التفت إتجاه الباب وهو يخلع مريوله، ليقابل صديقه شهاب أمامه وهو يلهث آثر ركضه. "في إيه مالك؟ تحدث شهاب بتوتر مرتبك. "باهي ممكن طلب، أنا لازم أروح البيت، في مشكلة. صدقني مش هتأخر، تلت ساعات بالكتير أوي، تبقى مكانى في الشيفت." زفر باهي بحنق وهو يتمتم. "انت جاى وأنا مروح، دي الإجازة بتاعتي." نظر الآخر له برجاء. "معلش يا باهي، مش هتأخر والله، تلت ساعات بالكتير، هخلص المشكلة دي وأجي على طول."
تنهد باهي بعدما رأى خوف الآخر يظهر بوضوح على وجهه، ليربط على كتفه بموافقة. "روح، لو اتأخرت دقيقة هزعلك، أنا عايز الحق الإجازة." ضرب شهاب على صدر باهي بامتنان وهو يتحرك بسرعة للخارج. "ليك واحدة عندي." عاد باهي لربط المريول على خصره مرة أخرى، ثم أخرج هاتفه ليرسل رسالة سريعة بحروف مشتاقة وتهفو للطيران إلى بيته بكل سرعة. "أسف مش هعرف أوصل دلوقتي، هوصل متأخر، أوعدك هعوضك."
وصله الرد بنفس الدقيقة بحروف حزينة خطت بأنامل رقيقة، وكأنه استمع لصوتها الحزين وليس مجرد قراءة كلمات. "باهي أنت غايب بقالك أسبوعين، كمان عايز تتأخر عن كده كمان." عقد حاجبيه بضيق وهو يرد بحزن. "غصب عني، إن شاء الله مش هتأخر غير ساعتين تلاتة، هعوضك." وصلته رسالة أخرى. "أنا اللي عملالك مفاجأة، مش قادرة أصبر أكتر من كده، لازم تشوفها." ابتسم بسعادة حالمة وفضول لم يستطيع أن يداريه. "طب اديني نبذة عقبال ما أوصل."
"لا لازم تشوفها بنفسك مينفعش أقولها، مستنياك، متتأخرش." رد على الرسالة بقلبين باللون الأحمر، ثم أغلق الهاتف وعاد لمكان صديقه شهاب ليشرع في بدء العمل.
يده تعمل بسرعة ومهارة عالية، بينما عقله في مكان آخر بعيد عن هذا العمل، يفكر بكل شيء حدث معه، بداية من أول عمل بدأ به، حتى الآن لا يستطيع حصر عدد الأعمال التي عمل بها، فهو يكاد يكون عمل بكل شيء. منذ الصغر وهو يعتمد على نفسه، يعمل بالعديد من الوظائف حتى بجانب الدراسة. يشعر بالمسؤولية تجاه كل شيء، فهو لم يكن يومًا شابًا هزليًا لعوبًا يعتمد على والده، بل إنه يحب العمل وكسب المال بجهده، حتى أنه استطاع الزواج في سن صغير. وبالتفكير عن الزواج ابتسم تلقائيًا وهو يتذكرها، وبمجرد تذكرها عاد للعمل بسرعة أكبر وهو ينظر لعقارب الساعة مرة أخرى، يتمنى أن تمر الثلاث ساعات بسرعة الريح، حتى يستطيع العودة.
بأحد الشقق البسيطة بمحافظة الشرقية. كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر وهو يتحدث بعصبية محدثًا رفيقه في اللعبة الإلكترونية التي استحوذت على عقول الشباب، وجعلتهم يعيشون في العالم الافتراضي أكثر من الواقع، جعلت الإدرينالين دائمًا عاليًا في دمهم متعصبين ومشتتين، العنف هو أسلوبهم في اللعبة مما جعل اللعبة تبهت على الواقع فيصبح أسلوبهم في العموم الهمجية والعنف. "أنت يابني، روحت فين وسايبني أضرب عليهم بسرعة، هموت."
انفتح باب الغرفة بعنف وصوت والده يدوي في الغرفة. "أنت يابني اطفي الزفت ده وقوم صلي." التفاته سريعة منه ثم عودة تركيزه للشاشة وهو يردف بدون اهتمام. "حاضر يا بابا، نخلص الجيم ده وأقوم." نظر له والده بحدة وهو يقترب ليضربه على كتفه الأيسر. "لأ قوم صلي الأول، أنت كل شوية تقول كده وبتنسى نفسك." زفر وهو يقلب عينيه بملل، يتمنى أن ينتهي هذا الحوار بسرعة، فقط استاء لهذا المعتاد. "يا بابا قولتلك هخلص الجيم ده وهقوم."
مد والده يده بكل سهولة مغلقًا الجهاز، لينظر الآخر بصدمة للشاشة السوداء، ثم انتفض يصرخ بغضب. "ليه كده، أنا قولت هخلص وأقوم أصلي." رفع والده إصبعه السبابة مشيرًا له بتحذير. "وطي صوتك وأنت بتتكلم معايا، ولما أقولك قوم صلي تقوم تصلي على طول، لو مت وربنا سألك مصلتش ليه هتقول أصل كنت بلعب؟ صرخ بغضب وهو يركل بقدمه الكرسي الذي يجلس عليه.
"أنا زهقت من الكلام ده بقى، إيه المشكلة يعني لما أخلص وأقوم أصلي، أنا أصلًا مش عايز أصلي." شعر والده أن العالم يدور به ليردف بصدمة. "أنت بتقول إيه! مش عايز تصلي! ليه كافر." هز أكتافه بلامبالاة. "أنا بحس إن الصلاة كأن ورايا واجب ولازم أعمله عشان أخلص منه، مش عشان أنا عايز أصلي، مش شايف إن برتاح أصلًا، ممكن بقا تفكك مني."
انقبض صدره من هذا الكلام الخطير، ابنه هو لا يرى في الصلاة فائدة يفعلها مجبرًا ليتخلص منها، هو بالكاد يفعلها أصلًا. هل ابتعد عن ابنه ليكون بهذا السوء؟ هل قصر في تربيته؟ أردف بتلعثم. "أنت إزاي بقيت كده، أنت بتتكلم بجد، أنت أي فايدتك من الحياة أصلًا!!! "يوه مش هنخلص بقا من الكلام ده، أنا سايبالك و خارج."
خرج من الغرفة ضاربًا الباب بعنف، لينظر والده في أثره بصدمة غير مستوعب كلام ابنه، شعر بأنه نزل عليه كالصاعقة ضاربًا بكل معايير الواقع والخيال، ارتخت أعصابه وسقط جالسًا على الفراش بذهول. همس بعدم تصديق. "عمار!! بعد أربع ساعات عاد لبيته أخيرًا، فتح الباب بأصابع ملهوفة وهو ينادي بصوت سعيد. "حبيبتي، أنا رجعت." صمت باستغراب وهو يلتفت حوله بخيبة أمل بعدما وجد البيت يغوص في الظلمة.
لكن ما لفت نظره على منضدة السفرة كانت شمعة مشتعلة وبجانبها ورقة فوقها وردة وبجانبها شيء آخر لا يعلم ما هذا. اقترب بتعجب منها ليقرأ ما بها، ظل قليلًا يحاول استيعاب الحروف البسيطة المكتوبة غير مصدقًا لما قرأ، شعر برجفة تمر على جسده وطبقة شفافة تتجمع بأعينيه. ليأتي صوت من خلفه يؤكد على الكلمات المكتوبة. "مستعد يا بابا ليا!
هل ما يعيشه واقع أم خيال لا يستطيع التحديد أو الحزم في هذا الشأن، هذا أكثر مما تمنى فقد وهبه الله بيتًا ثم شريكه حياة ثم سيرزقه بطفل أصبح الآن نطفة في رحمها. في اليوم التالي كان يقف في المطبخ يعد الغداء بكل رحابة صدر ولا يسع البيت لأجنحته السعيدة. فكرة أنه سيكون أبًا تجعله يكاد يطير فرحًا، يفكر بكل شيء، وأهمها كيف سيوفر له حياة كريمة.
اتسعت ابتسامته وهو يتخيل أن يكون له ابن يعلمه بنفسه كل شيء، يجعله رجلاً يشد أزره مثلما علمه والده. نفخ أوداجه بفخر من مجرد التخيل. يريد العمل ليل نهار حتى يستطيع أن يوفر للصغير القادم حياة جيدة ولا ينقصه فيها شيء. رغم صعوبة المعيشة لكنه لن ييأس، فالكد والعمل هو أساسه الذي تربى عليه ولا يمل منه، فلن يكون باهي الشرقاوي إن لم يعمل بكفاح يدير عجلة الحياة بكل مهارة وذكاء، وكل هذا بثقته أن الله سيرزقه من حيث لا يحتسب.
تقدم باهي بخطوات هادئة للمقهى الذي يجلس به مع أصدقائه بملامح هادئة مستكينة. ألقى السلام على أصدقائه ثم جلس معهم ليرتفع صوت أحدهم بنبرة مازحة لكن فاح منها الحقد بوضوح. "معتش حد بيشوفك على طول في الشغل بقا، سمعت إنك هتترقى لاعبه." ابتسم باهي بلا اهتمام لكلامه ورد بهدوء معقبًا. "أكيد هكون في الشغل أنا ملزوم ببيت وورايا التزامات دلوقتي." رد صديقه مرة أخرى بخبث. "أيوه بقا يا عم ما أنت متجوز ومحدش قدك."
عقب صديق آخر له بسخرية مبطنة وهو يتعمد إحراجه. "إيه يا جمال الواد هيموت من غلك عليه، صلي على النبي في قلبك." رفع جمال إحدى حاجبيه بسخرية وهو يبتسم ابتسامة متجمدة ظهر زيفها بوضوح لأعينهم جميعًا. "يا عم هحسده على إيه هو حد يروح للنكد برجله!! تجاهل باهي هذا الحديث العقيم منهم، ثم رفع صوته لصبّي المقهى كي يجلب له كوب شاي. عرض صديقه الثالث الذي كان يجلس بصمت عقب سيجارة على باهي وهو ينغزه. "خد روّق يا عم وسيبك من كلامه."
رفض باهي وهو ينظر للسيجارة باشمئزاز. "شكرًا يا عم ما أنت عارف إني مش بدخن." ضحك الآخر بابتذال وهو يشعل السيجارة بعدما وضعها بين شفتيه وتحدث بمهارة وعقب السيجارة يتحرك مع شفتيه دون أن تسقط. "الحق عليا عايزك تروّق، عنك يا عم." زفر باهي بعدم راحة وهو يشعر باختناق من هذه الجلسة، أراد الانسحاب والعودة لدفء منزله بدلًا من هؤلاء الحمقى غير المجديين. ارتشف نصف كوب الشاي ثم وقف يردف بجدية.
"يلا أنا همشي بقا عشان ألحق أقعد مع الحاج شوية." رفع صديقه الذي عرض عليه السجائر رأسه بدهشة. "أنت لحقت يابني! اقعد معانا شوية إحنا مش بنلحق نشوفك." ربت باهي على كتفه. "هبقى أشوفكم بكرة بس عشان الحاج مجدي ميزعلش، يلا مع السلامه." بعد رحيله أردف جمال بحسرة. "بيضاله في القفص ابن المحظوظة." نهره الآخر بحدة. "إيه يا عم الكلام ده، ده إحنا أكتر ناس عارفين هو تعب قد إيه في حياته وبدأها من تحت، متولدش في بقه معلقة دهب يعني."
نظر له جمال بطرف عينيه بضيق. "طب بص يا فالح هو بقا فين وإحنا فين، هو اتجوز وشغال في فندق كبير وهيترقى وعنده شقته الملك، إنما إحنا يا خيبتها معمرناش في شغلانة أسبوع، هي بتبقى حظوظ." نظر الآخر له بدهشة مستنكرًا مدى حقده على الآخر ليحرك رأسه بذهول وهو يردف بضيق شديد.
"الشقة اللي بتتكلم عنها دي هو نحت في الصخر عشان يشطبها ويتجوز فيها، والشغلانة اللي عينك فيها دي برضه هو بدأها من تحت من شيف في مطعم صغير، مفيش حاجة اسمها حظ اسمه ربنا بيعوض صبره واجتهاده، الحظوظ دي شماعة للي زيك بيعلق عليها خيبته لما يبقى مناخيره في السما ومش راضي بنصيبه وعايزه أول ما يشتغل يبقى وزير. أنا ماشي أنا كمان سلام."
في طريق العودة كان شارداً في مستقبله، يرسم خططًا كثيرة لكي يصبح وضعه المادي والاجتماعي أفضل وما يشجعه على هذا هو النطفة الموجودة برحم زوجته والذي بين الليلة وضحاها سيكون في هذه الدنيا يملأ عليه حياته. ارتد للخلف أثر دفعه من شخص يمر بعصبية من جواره ليلتفت الشخص صارخًا لكنه قطع كلامه بدهشة. "مش تفتح... باهي إزيك عامل إيه! ابتسم باهي تلك الابتسامة الهادئة التي يتميز بها. "عمار إيه الأخبار مالك ماشي مش طايق نفسك ليه كده!
زفر عمار وهو يعبث برأسه. "مفيش، شوية مشاكل متشغلش بالك، المهم أخبارك إيه." أومأ باهي برضى. "تمام الحمد لله." رسم عمار بسمة مغتصبة بسبب ما يعانيه ثم أردف بنبرة صادقة. "مضطر أمشي دلوقتي بس خلينا نشوفك وخلي بالك من نفسك." رحل باهي وهو يفكر في عمار المعروف عنه في قريته أنها مشاغب سيء الخلق كثير المشاكل، عراكه مع والده لا ينتهي، يسمعه كل من في القرية من صراخ بينهم.
عاد باهي للبيت بخطوات تكاد تطير لكن قبل الصعود لمنزله الخاص دخل يجلس مع أهله وقد وجد زوجته كذلك بالداخل فجلس باستمتاع مستكين ينعم بهذه الأجواء قبل أن يعود للعمل والغرفة الباردة التي يقيم بها من أجل عمله. بعد يومين.
وقف ينظر أمامه ينتظر مرور شاحنات النقل الضخمة لداخل المخازن. عقد ذراعيه يتابع دخولها وهو يكاد يغلي من معاملة والده السيئة فهو ينكر كل جهده المبذول في العمل، على الرغم أنه هو من يدير كل أعمال والده التجارية. رفع عينيه يتابع دخول الشاحنات وتفريغ العمال ما بها. اقترب المسؤول عن المخزن يحيه بصوت لطيف. "عبد الرحمن إخبارك إيه! التفت له عبد الرحمن ببنيته الضخمة الرياضية يرد التحية. "تمام يا حسين إيه أخبارك."
"بخير يا ريس والله، أخبار الحاج إيه! ابتسم عبد الله ابتسامة باهتة. "بخير يا حسين." وضع عين يده يربت على ساعد عبد الرحمن الذي مازال يقيده أمام صدره. "ربنا يطولنا في عمره، عن إذنك هروح أتابع العمال." أومأ له عبد الرحمن بهدوء ثم التفت مرة أخرى بعد رحيله يتابع العمل من بعيد وهو يزفر كل دقيقة والأخرى ثم يستغفر بعدها.
شرد في حياته المتداخلة لا يستطيع أن يحدد له وجهة محددة للمضي بها قدمًا، فلا منه استطاع بناء عمل خاص به، ومن جهة أخرى والده يقيده في هذا العمل الذي لا يترك فرصة إلا وذكره بمدى شقائه في بناءه ويرفض رفضًا قاطعًا على أن يترك عمله معه وبناء عمل خاص به.
تنهد باستياء بعد كل هذا والده لا يرضى على عمله ولا يعطيه ما يستحقه من أموال، يرفض حتى أن يمارس هوايته المفضلة وهي السباحة على الرغم من أنه ماهر بها لدرجة جعلته مطلوبًا في مسابقات عالمية لكن أيضًا والده رفض أن يدخل بها معللًا أنها تفاهات تضيع الوقت، والعمل أولى بجهده ووقته.
استفاق من شروده على خروج أول شاحنة من المخزن ليفرد ذراعه بجانبه ويتحرك اتجاه المكتب ملتقطًا الأوراق من فوقه ثم ألقى السلام على حسين وهو يردف بجدية. "أول ما البضاعة كلها تروح على المحلات كلمني يا حسين، مش عايز تأخير على التجار." أومأ له حسين وهو يؤكد عليه أن العمل سيسير بسلام ليتجه عبد الرحمن بعد ذلك إلى سيارته مغادرًا المكان.
دخل المكتب على والده وهو يلقي السلام باحترام من شيمه الحسن، نظر له والده بابتسامة بسيطة وهو يجلس على كرسيه بشموخ خلف المكتب العتيق الذي يرفض التفريط به مما زاده هيبة ووقار ارتسمت على ملامحه العميقة الصارمة. "استلمت الشحنة يا عبد الرحمن! أومأ له بهدوء وهو يضع الورق أمامه على المكتب. "آه يا حاج وده الورق بتاعه وهيّتوزع للتجار والمحلات متقلقش." أومأ له والده بهدوء وهو يحرك حبات السبحة في يده ببطء.
"جدع يا عبد الرحمن، روح بقا يلا على المخزن التاني عشان الشحنة التانية هتوصل كمان ساعة يادوب تستلمها." أغمض عبد الرحمن عينيه بضيق وهو يتمتم. "طب هروح أستريح يا حاج شوية عقبال ما توصل." عقد والده حاجبيه بجدية وحزم. "استلم الشحنة الأول وتعالى استريح قبل ما تسافر شوية." اتسعت عينيه بدهشة وهو يردف بضيق. "أسافر فين! يا حاج أنا بقالي يومين منمتش أصلًا." رد والده ببساطة مستفزة.
"هتروح تخلص المصلحة دي بسرعة وترجع، مش عايزها تروح من أيدينا وبعدين إسكندرية مش بعيدة يعني ساعتين تلاته بالكتير، وبعدين قولتلك ريح شوية قبل ما تسافر." مسح عبد الرحمن على وجهه بحركات متشنجة يحاول فيها كبت غضبه. "طب خلي حد يروح مكاني." ضرب والده على المكتب بعصبية. "مين هيروح مكانك!!
أنت ابني الوحيد ولا عايزني يعني أروح أجيب حد من إخواتك البنات يروح مكانك، و متقوليش حد غريب، أنت عارف إن مستحيل هأمن لحد غريب يروح يخلص مصلحة زي دي، الكلام انتهى يا عبد الرحمن هتروح تستلم البضاعة دي وتيجي تسافر بالليل إسكندرية."
التفت يضرب الأرض بخطوات غاضبة تكاد ينفجر رأسه من الصداع وكتمه لغضبه بداخله يركب السيارة مغلقًا الباب بعنف خلفه ثم قبض على المقود يضغط عليه بحدة حتى ابيضت قبضتاه يتنفس بسرعة وغضب شديد حتى تحولت عيناه لحمراء، لكن كل هذا وفي النهاية لن يستطيع مخالفة أمر والده. في أحد محلات الملابس النسائية. وقف شاب في نهاية العشرينات يرتب الملابس مرة أخرى في مكانها بصبر بعد أن رحلت إحدى الزبائن. التفت على نداء صاحب المحل.
"عبيدة تعالى عايزك." تقدم عبيدة باحترام لصاحب المحل الكبير في السن يردف بلهجة مصرية يشوبها لهجته السورية الأصلية. "تكرم عيونك، تؤمرني بإيه." تنهد صاحب المحل بهم ثم نكس رأسه بقلة حيلة. "زي ما أنت شايف يابني الحال واقف إزاي، والإيراد على القد خالص، والسوق نايم، فمعلش قبض الأسبوع ده هيبقى قليل مش زي كل مرة." تجمد عبيدة مكانه ثم ابتسم بهدوء وربت على كتف الرجل بحنان. "ولا يهمك معلم، الله يرزق، ما تحمل هم خير إن شاء الله."
ابتسم الرجل بإحراج. "متزعلش يابني غصب عني، أنا مش هاين عليا أقولك أمشي والله ربنا يصلح الحال يارب." رد عبيدة بإحراج. "ولا يهمك معلم خير إن شاء الله، عن إذنك." خرج عبيدة يقف على باب المحل ينظر للمارة وقد شعر بضيق صدره من سوء أحواله المادية لكنه مؤمن أن الفرج قريب. أخرج هاتفه يجيب على المتصل بعدما ارتفع الرنين يخرجه من شروده. "إيه يا حبيبي وينك، .... ماشي يا بابا بستناك في المحل."
أغلق الهاتف وهو يمسد على وجهه يستغفر ربه لا يعلم من أين يأتي بأموال تعليم أخته الصغيرة والتي لم يتبقى سواها له في الحياة. بعد نصف ساعة تقدمت فتاة بالتاسعة عشر وابتسامة مشرقة بخطوات واسعة لتقول بصوتها الصبوح. "السلام عليكم عبيدة إيه أخبارك النهاردة ملحقتش أشوفك الصبح قبل ما أنزل."
ابتسم عبيدة لشقيقته الصغيرة التي أصبحت تتحدث اللهجة المصرية بطلاقة دون أن تخلطها مع السورية عكسه فهو لم يستطع حتى الآن التحدث بالمصرية فقط مازال يخلط الكلمات وإن كانت السورية هي الغالبة على كلامها. "ولا يهمك يا بابا خلصتي المحاضرات! أومأت له ثم ابتسمت بخجل وهي تفرك أصابعها، ليربت على شعرها مشجعًا إياها لتتحدث. "قولي يا بابا إيش بدك." نظرت للأرض بخجل. "بصراحة عايزة مصاريف الكلية الترم قرب يخلص ولسه مدفعتش المصاريف."
تنهد عبيدة وقد شعر برصاصة تصيب قلبه بعجز لا مثيل له لكنه لم يظهر هذا بل ربت على رأسها بحنان. "ماشي يا بابا، راح أعطيكِ المصاري بيوم السبت لا تحملي هم شي." احتضنت ذراعه بسعادة وهي تبتسم باتساع وقد ظهرت أسنانها المصفوفة وتنغلق عيناها العسلية بأهدابها الطويلة. "ربنا يخليك ليا يارب." أشار لها برأسه. "يلا على البيت وأنا بخلص وأجي، يلا لا تتأخري."
ابتعدت تؤمئ في طاعة لتتحرك مبتعدة لينادي عليها يستوقفها وهو يردف بقلق لا يذهب عنه. "سيلا طمنيني لما توصلي حبيبتي." أشارت له بإصبع الإبهام بمعنى تمام بينما بقي هو يتطلع في أثرها وسنين عمره الماضية تدور في رأسه ما بين الحرب والهروب وحماية شقيقته في رحلته الشاقة حتى وصول الاثنين إلى مصر لتبدأ رحلة أخرى من الشقاء لا تنتهي.
نظر باهي لعيون زوجته الدامعة وهي تطالعه وهو يرتب أشياءه استعدادًا للعودة إلى العمل بعد ثلاثة أيام إجازة قضاها معها. ليتقدم منها يمسح وجهها بحنان. "طب بتعيطي ليه دلوقتي مش انتِ عارفة إن لازم أمشي! أومأت له ثم قالت وهي تحاول أن تبتسم رغم حزنها. "أيوه بس مش عارفة حاسة المرة دي مش عايزك تمشي، مينفعش تاخد يوم إجازة كمان." ابتسم لها وهو يردف بجدية رغم الحنان الظاهر بصوته.
"أنتِ ناسيه إن في باشا جاي في الطريق ولا إيه لازم مينفعش استهتار في الشغل خالص دلوقتي." أومأت له بتفهم ثم تمسكت بيده وشعور بالخوف يلازمها. "مش عارفة قلبي مقبوض ليه، خير يارب، خلي بالك من نفسك يا باهي، طمنيني عليك أول ما توصل." قبل رأسها برفق. "متخافيش خير بإذن الله، خلي بالك من نفسك، متتعبيش نفسك، أنا عملت أكل وسبته في التلاجة على التسخين بس، لو احتاجتي أي حاجة كلميني، ولو الفلوس خلصت قوليلى ماشى!
أومأت له وهي تعانقه. خرج من باب المنزل وهو يحمل حقيبته على ظهره يمضي في طريقه لكن هذه المرة لديه طاقة للعمل بكل جهده فقد تحقق حلمه وبعد بضعة أشهر سيأتي قطعة صغيرة منه لطالما حلم بهذا اليوم السعادة التي تغمر قلبه تجعله أكثر خفة وعلى استعداد للتحليق في السماء أو الصراخ بعلو صوته أنه سيصبح أبًا لكنه استمع لتحذيرات والدته بأن لا يخبر أحد الآن.
نظر لساعة يده لتتسع عينيه بصدمة فقد تأخر على موعد الحافلة التي سيذهب بها إلى القاهرة لم يكن أمامه حل سوى أن يستقل دراجته النارية للسفر بها فالقاهرة لا تبتعد كثيرًا عن قريته ساعة وسيصل، تنهد وهو يسمي بالله فعلى الرغم من رفضه السفر بالدراجة وخصوصًا في الليل لكن لم يعد هناك رفاهية اختيار أمامه. ارتدى خوذة الأمان همس وهو يستعد. "والله لو حد عرف أن سافرت بيكي ما هيحلوني، يلا بسم الله توكلنا على الله."
كان كل شيء جيدًا وكاد يقترب من القاهرة إلا ما حدث فجأة جعل قلبه يكاد يتوقف. وهو يقود بكل ثبات شعر فجأة بالسيارة جانبه تصدمه بكل قوتها ليطيح من على الدراجة مسافة كبيرة ويطيح معه كل أحلامه لم يشعر بشيء سوى أنه يطير في الهواء ثم ارتد بكل قوته على شيء قاسٍ فتت عظامه ومن فوقه شيء ثقيل يقع على رأسه وبعدها لم يعد يشعر بشيء وقد ابتلعته الظلمة. قبل نصف ساعة.
استقل عبد الرحمن السيارة بأعين حمراء وجسد مرهق مقدرته أبعد ما يكون عن السفر فجفنه تكاد تنغلق من شدة الإرهاق، لكن إصرار والده على السفر الآن لم يستطيع أن يعارضه فلبى طلبه واستعد للسفر.
وعلى الطريق الدولي تملكه رغبة شديدة في النوم وتداخلت أضواء السيارات أمامه ببعضها فاختلت عجلة القيادة بين يديه لم يستفق إلا على صدمة قوية بشيء أمامه جعلته يدعس الفرامل بسرعة مما جعل السيارة تنقلب عدة مرات ومن أمامه الشخص الذي صدمه وقد غرق الاثنان في دمائهما. أغمض عبد الرحمن جفونه واستمع لصوت مشوش يأتي من بعيد. "يا ساتر يا رب، حد يتصل بالإسعاف، شوفوا اللي طار من على المكنة ده بسرعة، استر يا رب ونجيهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!