كلام كثير أراد قوله أسى يحتل قلبه لكن لا يعرف السبيل في التعبير عما يشعر به. فهو في النهاية الرجل الذي نشأ على الصرامة والعمل. العاطفة والكلام الطيب لا يعرفهما. حبه لابنه شيء مفروغ منه، لكنه لا يعبر عنه أبدًا. كل ما يعلمه أنه يريد أن ينشأ ابنه على ما نشأ هو عليه، الشدة والصرامة. ابنه ولي العهد في إمبراطورية عمله وحامي ثروته التي نحت في الصخر حتى تصبح ما هي عليه الآن. اعتدل عبد الرحمن في الفراش ثم تحدث بضعف:
"الشاب اللي خبطته حصل له حاجة؟ حمحم والده وهو يشيح بوجهه بعيدًا دون الاعتراف أنه كان أحد الأسباب الكبرى لما حدث، على الرغم من حدوثه رغم كل شيء، فالقدر مكتوب وما هو إلا أحد الأسباب. "في العمليات، سمعت أن حالته خطيرة." نهض عبد الرحمن من الفراش وهو يحاول التوازن والوقوف على قدمه وهو يردف بضيق شديد: "عايز أروح أطمن عليه."
لم يستمع لنداء والده أو يبالي بمنعه، فضميره المعذب هو من يقوده. يشعر باختناق وأن العالم يدور من حوله. فإذا حدث لهذا الشاب شيء لن يسامح نفسه، فهو السبب. كان عليه ألا يرضخ لأمر والده، كان عليه تلبية نداء جسده والراحة قبل السفر.
بعد عناء من المشي غير المتزن والألم المتفرقة في أنحاء جسده، وصل أمام غرفة العمليات، وما رآه كان بمثابة لكمة له. فعائلة الشاب هي إحدى العائلات المعروفة في القرية المجاورة. انقبض صدره وهو يبعد الأفكار السوداء عن رأسه. فإن صح الأمر، كيف سينظر في أعينهم؟ أقترب بخطوات بطيئة ثم همس وشعور بالذنب يقتله: "حاج مجدي." التفت والد باهي برأسه على هذا النداء الخافت لتتسع عيناه بدهشة ليردف بعدم استيعاب: "عبدالرحمن!!
نكس عبد الرحمن رأسه بألم. أكمل والد باهي بعدما استوعب الأمر من هيئة عبد الرحمن الرثة ورأسه التي يلفها الشاش وذراعه المعلقة والخدوش التي تملئه: "عبدالرحمن أنت يابني اللي عملت حادثة مع باهي! أغمض عبد الرحمن عينيه وقد صح تفكيره، الحادث كان مع باهي، ليومئ له بضعف ثم همس باستعطاف: "صدقني يا حاج مجدي معرفش ده حصل إزاي، أنا كنت مسافر وفجأة حصل كل حاجة مرة واحدة، باهي ظهر قدامي وحاولت أتفاداه لكن معرفتش.."
تنهد والد باهي وهو يومئ ثم أردف بنبرة يغلقها الحزن والعجز: "قدر الله وما شاء فعل، ادعيله يخرج بالسلامة." استند عبد الرحمن بجسده على الحائط ونظره معلق على باب العمليات، وقلبه وعقله يتضرعان إلى الله كي يخرج باهي من الداخل بسلام. هذا كل ما يتمناه.
زاغت عيناه على أفراد أسرته التي تبكي بجزع مفزوع وألم قلبه. فباهي شاب صالح يحبه الجميع، بار بوالديه وذو مواقف رجولية مع الجميع. علاقته به سطحية، لكن سمعة الأخيار معروفة، وهو يعيش في بلد يعلم الجميع بعضهم، لذلك معرفته بباهي وأسرته ليس شيء صعب. الصعب هو أن ما حدث حدث مع هذا الشاب الخلوق ذو المروءة الشديدة مع الجميع. "يارب نجيه لعائلته وخرجه بالسلامة."
نظر عبد الرحمن للجهة الأخرى وتوقع أن يأتي والده خلفه للاطمئنان على باهي، لكنه لم يأتِ. تألم قلبه لقسوة والده، لكنه لم يشغل باله كثيرًا بهذا الأمر، فهو يعرف طباع والده خير معرفة ولم ينتظر منه المواساة على أي حال. فهذا ليس الحادث الأول الذي يسقط فيه، وكل هذا بسبب ضغط والده عليه في العمل. كل ما يهمه هو العمل، كأنه تزوج العمل وأنجب العمل، العمل وفقط. ***
جلس شاردًا بجانب شقيقته التي تقص عليه شيئًا يقسم أنه لا يعرف ما هو، فعقله شرد بعيدًا. "عبيدة!! عبيدة أنت مش سامعني؟ التفت منتبهًا لها: "إيه يا بابا شو عم تقول لي؟ نظرت له باستياء وهي تعقد ذراعيها: "مالك يا عبيدة مش مركز معايا خالص ليه! نظر لها والحزن يحكي من بين عينيه قصصًا مسطورة بقلم المعاناة. من قال أن الخروج من الحروب نصر! نحن نخرج من الحروب بروح مفقودة، فقدناها بين الحطام ولا ندري مع أي عزيز فُقدت.
ربت على رأسها بحنان ورفق: "ولا حاجة حبيبتي شو كنتِ تقولي! عقدت حاجبيها وهي تتمسك بيده الكبيرة: "مالك يا عبيدة من ساعة ما رجعت وأنت مش مظبوط في حاجة ضايقتك، احكي لي مش إحنا اتفقنا نصارح بعض بكل حاجة." أردف باختصار حتى لا يحملها فوق طاقتها: "مشاكل في الشغل يا بابا، ماتحملي هم، ربك يهون بإذن الله. أنتِ انتبهي لدراستك." اعتدلت في جلستها وهي تحمحم بارتباك وقد أثلجت يدها من التوتر لتقول بصوت خافت تحاول ألا تثير غضبه:
"عبيدة، عايزة أقولك حاجة بس احلف إنك مش هتتعصب." ضاقت عيناه بتخمين من جملتها المريبة: "قولي على طول سيلا، ما بحبش الطريقة دي." ألقت جملتها بسرعة وكتمت أنفاسها بعدها، وكأنها ألقت قنبلة صنعتها يدويًا وتنتظر انفجارها، أو ربما حالفها الحظ ولا تنفجر. "عايزة أنزل أشتغل." أكملت بسرعة وهي تضرب على الحديد وهو ساخن مستغلة الصدمة الواقعة عليه: "قبل ما تتعصب أنا لقيت فرصة شغل كويسة والله وتقدر تتأكد من المكان بنفسك."
نظر لها بتفحص غير مصدق ما تقول. هل صغيرته وطفلته التي كانت تحبو منذ سنوات قليلة كبرت لهذه الدرجة؟ متى! بصوت متحشرج وأنفاس متقطعة وخوف قبض قلبه وقد ظهرت حبات العرق على جبينه وشعور بأنه مقصر في حقها تلبسه: "أنتِ ناقصك حاجة، أنا أثرت معاكي!! قلبت عينيها بملل من هذا العقل الشرقي الذي يفكر به معظم الرجال.
"عبيدة أنت عمرك ما قصرت معايا في حاجة، وبلاش التفكير الشرقي البحت ده، الناس بتشتغل عشان عايزة تشتغل، مش عشان أهلهم قصروا معاهم." وضع إصبعين على جسر أنفه وبين عينيه يحاول أن يكبح الرجل المتعصب بداخله والتعامل بشخصية المتعقل الهادئ الرزين حتى لا يخسر ثقة شقيقته به، فهذه وصية والديه له، وما بقي له من الدنيا. "سيلا إيه رأيك تركز في دراستك، ولما تتخرجي نبقى نشوف الموضوع ده، ها إيه رأيك." نظرت له بضجر وهي
تقفز على الأريكة لتواجهه: "عبيدة إيه المشكلة لما أشتغل وأنا بدرس، كتير من صحابي بيعملوا كده، على الأقل بياخدوا خبرة أكتر. أرجوك وافق، صدقني المكان كويس، والمواعيد كويسة." اتسعت عيناه وتحدث بحدة طفيفة خرجت بغير إرادة منه: "شو!! روحتِ تسألي من غير ما تقولي لي؟ عضت على شفتيها تبرر فعلتها بسرعة:
"ده كان في الطريق وأنا جيالك، وكنت بسأل عشان أقنعك، لأن لو ما كان مناسب ما كنت فتحت معاك الموضوع، وأنا كان بقالي شوية بحكي بحاول أمهد الموضوع معاك بس أنت كان رايح عقلك بشيء ثاني." هدأ من انفعاله بعدما رأى الزعر ارتسم على معالم وجهها الرقيق: "سيلا، أنا بخاف عليكي أكتر من نفسي، لهيك عصبت، أرجوكي لا تشغلي عقلي عليكي." ابتسمت بحنان وهي تكوب وجهه الرجولي بين يديها:
"صدقني أنا بخلي بالي من نفسي كويس، كمان عمري ما هقلقك عليا، بس وافق على الشغل ده عشان خاطري." زفر بغير ارتياح لكنه أعطاها إجابة مبهمة مختصرة: "اتركيني أفكر الأول." ابتسمت وهي تقبله على وجنته: "لك يؤبرني أحلى أخ في العالم، هقوم أعملك أحلى أكل." قبل أن تقوم قبض على يدها يسألها بجدية: "سيلا أكيد ما نقصك شي! ابتسمت تخفي حزنها لتقول تطمئنه: "الله يخليك ليا ما يحرمني منك أي حاجة."
تقدمت اتجاه المطبخ الصغير المطل على غرفة المعيشة، فهو يعيش مع أخته بشقة صغيرة مكونة من غرفة وصالة وجزء من الصالة يعتبر المطبخ وحمام صغير. كانوا يتشاركون الغرفة لكن بعدما شبت أخته أصبح يفضل أن ينام على الأريكة في الصالة حتى يعطي لها الخصوصية المطلوبة ولا يشعرها بعدم الراحة، كما بالأساس يجب الفصل بينهم كما قال النبي.
استلقى عبيدة على الأريكة وهو يفكر أن عليه البحث عن عمل بجانب عمله هذا أو حتى عمل آخر بدونه. فالأجر الذي يتلقاه لا يكفي شيئًا، مع تقليله سيكون الأمر صعبًا للغاية، ورجولته لا تسمح له بأن تعمل أخته وحتى لو عملت لن يسمح لها بأن تصرف جنيهاً واحدًا على المنزل أو عليه، فهذا مالها الخاص وإن انقلبت الأرض على السماء لن يجعلها تصرف جنيهاً عليه. همس بداخله: "اللهم فك الكرب، وارزق كل محتاج، اللهم فك كربي عاجلاً وليس آجلاً." ***
جلس على الفراش بعد أن تأكد من إغلاق الباب جيدًا ثم فتح هاتفه على إحدى المواقع المحجوبة والتي تحتوي على مقاطع غير أخلاقية تتعارض مع دينه الذي يعتنقه بالاسم فقط. ظلت عيناه مثبتة على المقطع المعروض بكل تركيز وقد تسارعت أنفاسه ودقات قلبه. أصبح شيطانه مسيطرًا عليه ولا يعي شيئًا أو جبال الذنوب التي يرتكبها. تحركت شهواته المكبوته وألغت عقله عن كل شيء.
بعد أن انتهى زفر وهو يلقي رأسه ويتنهد بألم. أصبح الأمر خارج عن سيطرته، إدمانه لهذه المواقع، تحرك شهواته، عقله البعيد كل البعد عن الصواب والخطأ. قطع أفكاره رنين على إحدى المواقع الاجتماعية. نظر للهاتف وقد كان صديقه الذي هاجر لخارج البلاد إلى إحدى الدول الأوروبية. "إيه يا معلم نسيتنا لما سافرت ولا إيه!! ابتسم صديقه الذي ظهر على الشاشة: "انساك إيه أنا اللي متصل بيك، أنت فايتك كتير أوي بجد." ارتفع حاجباه عمار بفضول
وهو يضحك ثم يسبه ببذاءة: "آه يابن الـ*** لاعبة معاك، وريني فايتني إيه!! تعالت ضحكات صديقه الماكرة: "فايتك مزز هنا ياض يا عمار إنما إيه، الستات هنا يلا على قفا من يشيل، كل حاجة متاحة، وأي آخر حلاوة، ناقصاك يا صاحبي." لم يكن صديقه، بل كان شيطانه الذي يسحبه معه لقاع الجحيم بكل قوة والآخر منساق خلفه كالأعمى خلف الشهوات، يلهث كالكلب خلف العظام. ابتسم عمار بحماس وهو يتمنى أن يكون معه يتمتع بكل ما لذ من نساء:
"نفسي أجلك والله، أنا اتخنقت من هنا ومعتش عايز أفضل." غمز صديقه له وهو يبتسم ابتسامة ماجنة: "تعالى وأهدلعك ياسطا، معتش هيبقى أفلام بس على الشاشة لا ياسطا هتبقى حقيقة قدامك للمس وكل اللي قلبك يحبه، العيشة هنا حاجة تانية خالص ياض، آخر دلع، محدش واخد باله من حد هنا، كل واحد يعمل اللي عايزه." ابتلع عمار لعابه بشوق وقد عمل عقله على رسم الصور له هناك، وتشوق قلبه للسفر. أكمل صديقه: "أبوك عامل معاك إيه! زفر عمار بقنوط:
"مش سايبني في حالي وعلى طول خناق خناق، تعبت وعايز أسيب البيت وأطفش منهم." ارتفع طرف شفتيه بسخرية: "دي حاجة جديدة يعني ما على طول خانقك، فكك يا عم وتعالى، الموضوع بسيط خالص، كام ساعة وتبقى هنا، محتاجة قلب جامد بس، هتيجي هنا تدلع وتلعب بالفلوس لعب كده."
تنهد عمار وقد دخلت الأفكار الشيطانية عقله وبدأت باللهو بها، فهو يتمنى هذه الحياة المرفهة لا وجود لرقيب أو شخص يجلس بالمنظار على أفعاله. بات الأمر مخنقًا ووالده يحاصره بكل مكان. "تمام هشوف الدنيا وأقولك، متنسناش بقى يا عم." ضحك رفيق فساده بصخب وهو يغمز له: "طب سلام أنت يا معلم لحسن فيه مزة بتشقطني وأنا بموت في الشقط." أغلق المكالمة ونظر لانعكاس صورته ببؤس.
أنه يريد حياة صديقه هذا، وليست تلك الحياة المملة، يريد الانطلاق وإخراج كل الكبت المحبوس بداخله. عاد لفتح أحد المقاطع الخارجة يتابع ما بها بتركيز. انتفض على دقات الباب ليعتدل في جلسته دون أن يجيب، ليستمع صوت والدته تنادي بخفوت: "عمار، عمار يا حبيبي أنت نمت! مش هتاكل! لم يجيب وقد علت دقات قلبه دون أن يعرف السبب. ليسارع بإغلاق الهاتف والنظر لأسفل الباب لظل والدته. شعر بالتوتر يكتسحه. راقب ابتعاد
والدته وهي تقول بصوت وصله: "ربنا يهديك يا بني." اقشعر بدنه للحظات ثم انتظر حتى تأكد أن والدته دخلت غرفتها ليعود لفتح الهاتف ومتابعة ما يفعل. لم ينتهِ إلا على أذان الفجر، نظر حوله وشعر بالاختناق فجأة لكنه تمدد على الفراش يسحب الغطاء عليه مغلقًا عينيه متجاهلاً نداء المؤذن لتأدية صلاة الفجر بكل جبروت وقلب متحجر. *** بعد مرور شهر.
جلس باهي على الفراش وقد بدأ بالتعافي قليلاً بعد نجاح أول عملية له وتوصية الطبيب بضرورة إجراء الأخرى بعد ستة أشهر على الأقل والحرص على الراحة وعدم الإجهاد. أقترب والده منه وربت على كتفه بحنان: "عامل إيه دلوقتي يا حبيبي." ابتسم باهي بجهد وهو ينظر لوالده بحب واحترام، فوالده لم يتركه طوال فترة مكثه في المستشفى، أو حتى بعد عودته إلى المنزل. "بخير يا حاج ربنا يخليك لينا." أردف والده بحنان حازم:
"أهم حاجة ترتاح ومتحملش هم أي حاجة." ابتسم باهي ثم اعتدل في الفراش بجهد: "أنا خلاص ارتحت كتير، لازم أنزل الشغل." صاح والده بحنق: "شغل إيه يابني دلوقتي، أنت لسه قايم من عملية خطيرة، وحادثة، والدكتور قال ترتاح." رد باهي بعدم راحة: "أيوه يا بابا بس لازم أنزل الشغل، أنا بقيت كويس الحمد لله، قعدتي مش هتزيد أو تأخر يعني." ظهرت ملامح عدم الرضا على والده: "طب اقعد أسبوع كمان ارتاح، وبعدين لو لقيتك كويس أبقى أنزل."
ضحك باهي بمشاغبة: "أنا قاعد شهر بالعافية والله، أنت عارف إن مش بطيق القاعدة كده." ربت والده على كتفه مبتسمًا: "عارف إنك فراك، معلش تعالى على نفسك أنت لسه خارج من عملية." "ينزل فين يا مجدي مفيش نزول دلوقتي خالص." كان هذا صوت والدته الصارخ وهي تدخل الغرفة محملة بصنية طعام. أرجع باهي رأسه للخلف بإرهاق وهو متأكد أن الحديث مع والدته لن يجدي نفعًا. جلست بجانبه على الفراش: "تنزل فين بس يابني ده أنت مدغدغ، أنت ناقص أصلاً."
أردف بحنق لم يخرج عن حدود الاحترام: "يا ماما هفضل قاعد في السرير يعني، أنا بقيت كويس الحمد لله صدقوني." أدمعت عيناه والدته وهي تردف بصوت باكي متأثر: "أنت عايز توجع قلبي عليك، حرام عليك يابني مش كفاية كنت مسافر بالزفت ده ومسمعتش كلامنا، ارتاح الدكتور قال ترتاح اسمع كلامنا في دي بقى، مفيش نزول يعني مفيش نزول، عايز تروح تقعد في القاهرة مين هيخلي باله منك."
"يا ماما هو أنا عيل صغير، أنا بقيت كويس والله، وبعدين والله معتش هركبها بقى، أنا مش هقدر أعد كده كتير أنا اتخنقت من القاعدة دي، ولازم أنزل الشغل." أشارت لزوجها بحنق وهي تبكي: "شوف برضو قلة سمع الكلام شوف." غمز والد باهي له حتى يصمت دون أن تراه زوجته: "خلاص يا حاجة مش هينزل متزعليش نفسك، أنا مش هخليه ينزل." نظرت له والدته لتتأكد ليومئ لها بقلة حيلة وقد ضعف أمام دموعها الغالية وقرر الانتظار أسبوع آخر.
اتجه ببصره صوب الباب ليبتسم وهو يتطلع لزوجته التي ترمقه بحنان مصحوب بالقلق وتذكر انهيارها عندما استيقظ. أرسل لها ابتسامة مطمئنة. *** جلست على الكاشير في إحدى الماركات الكبيرة تحسب مشتريات إحدى الزبائن أمامها. رفعت رأسها تردف بابتسامة عملية: "الحساب 1550 يا فندم." انكمشت ملامح الرجل ثم أردف بعبثية سمجة: "ليه كده!! احسبي ثاني، أكيد غلطتي." عقدت حاجبيها وهي تنظر للشاشة ثم رفعت رأسها له وما زالت
محتفظة بابتسامتها العملية: "لا يا فندم متأكدة مفيش أي غلط." أقترب برأسه منها متجاوزًا حدودها الشخصية وهو يردف بخبث: "طب خليني أتأكد." ابتعدت هي بسرعة بضيق وهي ترد بسرعة دون أن تسيطر على لهجتها: "ولك إيه فيه! ازدادت ابتسامة الشاب وهو يردف بسخف ساخرًا بعبث: "الله وكمان سورية تؤبري قلبي." اتسعت عيناها وكادت تصرخ به من وقاحته وقد ارتجفت يدها وأثلجت من التوتر، لكن قطع صرختها زميلها الذي وقف بجانبها يقول بجدية موجهاً
الحديث للشاب الذي يضايقها: "فيه حاجة حضرتك! نظر الشاب لزميلها باستخفاف: "بكلم الآنسة أنت إيه دخلك." ليرد الآخر بعملية: "أنا واقف معاها هنا، حضرتك خلصت الحساب! نفت سيلا برأسها وهي تردف بتوتر: "لا لسه." نظر للشاشة ثم رفع رأسه يقول للشاب الذي يضايقها بعملية: "الحساب 1550 يا فندم، هندفع كاش ولا فيزا." أخرج الآخر البطاقة الائتمانية خاصته واعطاها لها وهو يبتسم نصف ابتسامة. ليسحبها زميلها منه ويتعامل هو معه متجنبًا سيلا.
وبعد أن رحل التفت لسيلا التي قالت وهي تتنهد براحة: "شكرًا يا علاء بجد مكنتش عارفة أتصرف معاه." أومأ لها ثم قال بترحاب: "ولا شكر ولا حاجة ده واجبي، لما تلاقي حد بيسخف عليكي انسحبي ونادي لحد من الشباب مكانك، هتواجهي لسه مواقف كتير من دي." أومأت له مبتسمة، ليردف هو مستغربًا: "بس انتِ سورية فعلاً مكنتش أعرف بتتكلمي مصري كويس." ابتسمت بإحراج:
"آه سورية، عادي يعني، بفضل أتكلم بلهجة أهل البلد عشان محدش يسخف عليّ، زي اللي كان هنا ده." ضحك وهو يومئ موافقًا: "عندك حق، بس اللهجة جميلة أصلاً وبتتحب." كادت ترد لكن قطع كلامها صوت تعرفه عن ظهر قلب وهو يردف اسمها بحدة: "سيلا!! التفتت تبتلع لعابها بارتباك من مظهره الغاضب مرددة بخفوت وقد علمت جيدًا سبب غضبه: "عبيدة! *** مرت الأيام وفي أحدهم.
جلس على مكتب والده يرجع شعره للخلف بحدة يكاد يسقط أرضًا من الإرهاق. إن كان لديه ولو ذرة أمل واحدة أن يعتقه والده أو يخفف الحمل عليه فقد تبخر. أنه يعمل عمل خمس رجال، يسافر لإنهاء الصفقات، يشرف على نزول وتحميل البضائع حتى في بعض الأوقات يساعد يدويًا مع العمال، يراجع على الحسابات، يعمل على إصلاح الشاحنات، كل شيء فوق رأسه والمغيظ أنه لا يرتاح ولا حتى يتلقى أجر ما يفعله، كل شيء لحساب والده وباسمه وهو عليه أن يطالب بأجره كأنه عامل غريب!
"السلام عليكم." رفع عبد الرحمن رأسه ثم ابتسم بهدوء وهو يتطلع لتلك الفتاة الغريبة المبتسمة بارتباك وتجر حقيبة سفر كبيرة: "وعليكم السلام." أبعدت عيناها بخجل وهي تدور بهما في المحل تردد: "الحاج عرفات مش هنا!! هز عبد الرحمن رأسه بالنفي والفضول يتلبسه لمعرفة هوية تلك الشابة التي تسأل على والده: "لأ راح مشوار في حاجة ولا إيه؟ رفعت عينيها له: "خلاص هبقى أجيله وقت ثاني يكون موجود، سلام عليكم." انتفض
عبد الرحمن من مكانه بسرعة: "استنى بس أنا ابنه تقدرِ تقوليلي عايزة إيه." التفتت تطلع به ثم قالت بدون تفكير: "أنت عبدالرحمن! أومأ له مستغربًا معرفته به: "آه أنتِ مين بقى." أردفت اسمها بسرعة واختصار: "أنا نسيم، معلش ممكن تكلم الحاج عرفات تشوفه لو قريب استناه بدل ما أروح وأرجع ثاني، وكلمته مردش عليا." استند عبد الرحمن على المكتب بطوله الفارع، وقد ازداد هيبة ووقارًا كوالده: "طب مش تعرفيني نسيم مين طيب عشان أقوله." قلبت
عينيها بملل وهي تردف بضيق: "هو عارفني قوله بس نسيم هنا، هتتصل بيه ولا لأ." "السلام عليكم، أهلاً أهلاً يا نسيم إزيك." كان هذا صوت عرفات والد عبد الرحمن وهو يدخل المحل بخطوات شامخة. اعتدل عبد الرحمن باحترام: "وعليكم السلام اتفضل يا حاج، كانت بتسأل عليك." أومأ عرفات دون أن ينظر لابنه ثم قال بترحاب: "اتأخرت عليكي! كنت في مشوار، ده عبدالرحمن ابني." أومأت نسيم بارتباك: "آه ربنا يخليهولك يا حاج، لا أنا لسه واصلة."
أومأ لها عرفات وهو يخرج من جيب جلبابه مفتاح يمده لها: "ده مفتاح الشقة اللي هتقعدي فيها، ولو احتاجتي أي حاجة يا بنتي اتصلي بيا على طول، عبدالرحمن هيوصلك للشقة. وصلها الشقة الفاضية اللي تحتنا يا عبدالرحمن." عقد عبد الرحمن حاجبيه باستغراب من تلك التي سكنها والده في الشقة السفلية لهم في بيتهم. هل هي مستأجرة أم ماذا، لكن حتى لو مستأجرة لماذا يعاملها والده بهذا الود؟
شعور بعدم الارتياح شعر به وهو ينظر لها بارتياب، ثم نظر لوالده الذي أشار له أن ينفذ ما قال. احترم كلمة والده ولم يستفسر عن الأمر أمامها بس أومأ له وهو يقول: "آه طبعًا اتفضلي يا آنسة نسيم." "ربنا يخليك يا حاج عرفات جميلك ده في رقبتي." ابتسم والده وهو يرد: "متقوليش كده يا نسيم ارتاحي دلوقتي من السفر وهنتكلم بعدين." تقدم عبد الرحمن يحمل الحقيبة عنها وأشار لها لتتبعه.
أردف وهو يضع الحقيبة في شنطة السيارة الخلفية وفضوله يأكله ليسألها بطريقة غير مباشرة: "شكلك تعرفي الحاج من زمان." ردت باختصار: "آه." جلس خلف المقود وهو ينظر لها يتأمل: "تعرفيه منين." زفرت بارتباك ثم ردت وهي تنظر للنافذة: "الحاج هيبقى يقولك." اشتدت أصابع عبد الرحمن على المقود بضيق وهو يكتم غضبه ثم قاد السيارة إلى منزلهم. صعد قبلها إلى الشقة التي ستجلس بها وترك الحقيبة أمام الباب وأردف بجفاف دون أن ينظر لها:
"اتفضلي هي دي الشقة عن إذنك." أردفت بسرعة وهي تراه ينزل درجات السلم بسرعة: "شكرًا يا أستاذ عبد الرحمن." لم يرد عليها لتهز أكتافها بلا اهتمام وفتحت الشقة تجر الحقيبة للداخل. دخل عبد الرحمن المحل ثم جلس مقابل مكتب والده وانتظره حتى انتهى من المكالمة التي يجريها ثم سأله مباشرة ودون مقدمات: "مين نسيم دي يا حاج." نظر له والده ببرود ثم ألقى بجملته التي أصابت عقل عبد الرحمن بصاعقة شلته كليًا:
"دي بنت مراتي الثانية الله يرحمها." *** دخل باهي مطبخ الفندق الذي يعمل به وهو يتقبل سلام أصدقائه وزملائه وفرحتهم بعودته واستقبالهم الحافل به. ابتسم لهم بامتنان وهو يرد عليهم السلام والعناق. تقدم شهاب منه وهو يعانقه بسعادة: "أخيرًا حمد الله على السلامة يا معلم." ربت باهي على كتفه: "الله يسلمك يا صاحبي."
جاء مديره ليسلم عليه ومن خلفه شخص غريب أول مرة يراه باهي هنا هيئته وملامحه التي يعلوها الغرور والتكبر أشعرته بعدم الراحة. "إزيك يا باهي حمد الله على السلامة." ابتسم باهي ببهوت: "الله يسلمك يا مستر." ابتسم المدير له: "افتقدناك والله خلي بالك من نفسك بعد كده." أومأ له باهي بمجاملة ليلتفت المدير للشخص الذي خلفه يقدمه لباهي: "ده رأفت الزيني ابن إسماعيل الزيني مساعد مدير الـ HR، ويبقى الشيف اللي مسك مكانك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!