الفصل 15 | من 15 فصل

رواية قارب الموت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم الجنيدي

المشاهدات
21
كلمة
4,047
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

ربنا نهاية الطريق لم تكن كما رسمنا، ربما أحلامنا ليست نفسها قدرنا المكتوب، ما اتجهنا له كان سراب منثور. لا أعلم ماذا كان سيحدث لو لم نتخذ هذا الطريق، لكن الشيء الأكيد أن حياتنا ربما كانت ستكون أفضل. الأكيد الآن أننا خسرنا جزء كبير من نفسنا، لم نعد كما كنا. ربما عندما نخرج للحياة مرة أخرى سنكون مختلفين تمامًا عن أنفسنا.

أرض الوطن لم تكن سوى سجن واسع، نتخبط فيه ببعضنا، نتشدق بالحرية لكنها حرية مزيفة وهمية لا يدرك حقيقتها سوى الناجين منها. الطائرة التي قادتنا كانت عبارة عن سجن، كل كرسي محاط بالحديد كأننا قادرين على الهروب في السماء! لم يكن هذا سوى كسر المزيد من نفسنا الأبية. الغريب أن عددنا كان قليل، هل هؤلاء الناجين فقط من القارب؟ كان الأمر مريب، الإجراءات مبهمة، دخولنا للطائرة في مكان فارغ. حتى الآن بعد وصولنا لمصر!

كانت صدمتي وقتها كبيرة، هل عدنا لمصر! هل تحركت بلدي للبحث عني! نظرت لعبد الرحمن بقلق وعدم فهم، بينما هو أسود وجهه وقد كانت معالم وجهه المحتقنة تصيبني بالجزع، ماذا سيحدث لنا! أثناء نزولنا من الطائرة، لم أتوقع أن أراها. صدمة رؤية شقيقتي في المطار هنا سلبت تفكيري! لكنها لم تكن في استقبالي، بل كانت ترتدي الزي الرسمي هنا. هل عملت شقيقتي في المطار!

شعرت بالتشوش، وحاولت قدر الإمكان الظهور لها أو التأخر في سيري، لكنهم سحبوني بعنف بعيدًا عن المكان في جو مليء بالغموض. لكن ما أراح بعضًا من انقباض قلبي، رأيتها تستلم الورق الخاص بالطائرة، والأكيد أن اسمي مكتوب من ضمن المسافرين على متنها. هل يعقل أن ترسم الأقدار بهذا الشكل؟

أن تكوني شقيقتي أمامي ولا تريني ولا أسمع حتى صوتها، وتستقبل هي الطائرة التي كنت محتجزًا عليها. لم أتمنى شيء بحياتي بمقدار أن تفتح نور شقيقتي ورق الطائرة لترى اسمي فقط، لتعلم أنني على قيد الحياة، لتطمئن قلبي والداي وزوجتي، لتريح بعضًا من عذابي. من قال أن زمن المعجزات انتهى! كل يوم في حياتنا معجزة تحدث، ربما لا نعلم عنها شيء، لكنها تحدث.

استلمت نور، شقيقة باهي، المتدربة في مطار القاهرة الدولي، الأوراق الخاصة بالطائرة التي وصلت منذ قليل من الكابتن الخاص بها، لكي تذهب بها لأحد المسؤولين ليوقع عليها. تحركت ببعض الحماس، لكن شابته الريبة وهي تبصر الطائرة فارغة، لا تعلم متى ترجل الركاب منها! لكن ما أثار ريبتها أكثر وجود هذا الحديد المحاط به المقاعد.

"أي دخلك هنا، خذ الورق وامشِ، الدخول ممنوع." قال أحد المسؤولين هذه الجملة يمنعها من الدخول للطائرة. لتومئ له وتتحرك. عبثت بالورق بيدها وهي تنظر له، لتتوقف قدمها بذهول بمجرد أن رأت اسمه. لا تصدق. شعرت أنها تتهيأ، لكن لا، هي ترى اسمه! هل هذه حقيقة! هو هنا! شقيقها هنا. حاولت حبس دموعها وهي تطلع الاسم الحبيب تتأكد من كل حرف. الأقدار تسوقنا لنفترق ثم نلتقي تحت نفس السماء ونفس المكان، لكن ربما بعد كل هذا لا نلتقي.

بعد كل المجهود التي تكبدته، والفيديوهات العديدة التي نشرتها تصرخ بها مطالبة أحد المسؤولين بالتحرك لإنقاذ هؤلاء البشر. لا تصدق أنه بعد كل هذا، سيكون ورق وصول شقيقها للبلاد بين يديها وبمحض هذه الصدفة. إن الله لطيف بنا.

أما عند باهي وعبد الرحمن. كانت ملامحهم الجامدة خير دليل على ما تكبدوه، وما هم واثقين منه أن وقوفهم على أرض وطنهم لا يعني نهاية طريق العذاب. ربما وجودهم في هذا المكان هو بداية طريق آخر من العذاب والحبس. وقد كان.

الحياة ليست لطيفة لترحب بك وتفتح ذراعيها لك لتتأكد أنك ستظل تشقى فيها، ولن تعلم متى نهاية هذا الشقاء. ربما غلطة ارتكبتها في ذروة غضبك تكون نقطة تحويل مسار حياتك، وتأكد أن كل القرارات التي اتخذتها وقت غضبك ستكون المسار لتحول حياتك لجحيم. فعند الغضب الشيطان هو من يتحكم بقراراتك، وبعد الغرق، يقول لك وداعًا، هذه غلطتك. فاحترس.

ابتسم باهي بعد أن أغلقت عليه أبواب الحبس بجواره عبد الرحمن. نظر الاثنان لبعض بكآبة تشوبها اليأس. "هي دي النهاية! " سأل باهي بهذه الجملة الميتة. ليرد عبد الرحمن: "ممكن تكون دي بداية لطريق أسود تاني." رد باهي وهو يجلس أرضًا: "أنا ما عدتش فاهم حاجة، إحنا إزاي جينا هنا، إزاي محدش حتى كلمنا." ابتسم عبد الرحمن ساخرًا: "عمرنا ما هنفهم لعب السياسة بين الدول، كل واحد بيعمل لمصلحته." "بس أنت اسمك كان متسجل أنك موجود، أنا لا."

جلس عبد الرحمن جانبه: "اللي متأكد منه يا باهي أنك رغم كل اللي حصلك ده ربنا نجاك من مصير كان هيبقى أصعب. أنت متعرفش بيعملوا إيه مع اللي زينا، دول لقوا صيدة كبيرة، جابوا شوية مننا قدام الكاميرات أنهم أنقذونا وأن دول اللي نجوا من الحادث، وأنهم بيعملوا كل جهدهم للسيطرة على الموضوع. في نفس الوقت أخدوا عدد أكبر يبيعوهم للمافيا يشتغلوا معاهم كبش فداء، أو يبعوهم لتجار الأعضاء. وشهم الأسود المختفي ورا الفيلم المزيف اللي عملوه مسيره يتعرف."

اتسعت عينا باهي بإدراك ليقول بخفوت: "يعني كانوا هيتاجروا فينا! أومأ عبد الرحمن له: "بالظبط. رغم كل اللي إحنا فيه واللي شوفناه هناك، لكن ربنا نجانا من مصير أسوأ بكتير. كنت قلقان عليك، وعلى نسيم ليعملوا كده." سأل باهي: "نسيم قريبتك!

أومأ عبد الرحمن بجمود: "رغم كل اللي حصل، وطرقنا اللي بتتقاطع غصب عنا، كان مصيرها مكتوب يكون معايا، تعاني زي، وأنا اللي هربت من كل ده. قدرها خلاها تهرب مني هي كمان، عشان في الآخر نلاقينا إحنا الاتنين هربانين على نفس المركب. كنت حاسس أنها مسؤولة مني، كنت خايف يعملوا فيها حاجة في الحبس." نظر له باهي يتساءل بصمت، وقد فهم

عبد الرحمن سؤاله ليقول: "ملامحها بتقول أن حصلها حاجة، بس جرح رجولتي مسمحليش أسألها حصلها إيه، كفاية اللي أنا فيه، مش قادر أشيل أكتر من كده."

أغمض باهي عينيه بتعب وهو يتخيل معاناة فتاة في هذا الأمر. إنه أشبه بالنحر البطيء، المؤلم. وجود فتيات ونساء كثيرات على القارب معهم. إنه رجل ولا يستحمل ما حدث، ماذا عن الفتيات، كم المهانة والذل، والأكيد التحرش والتجاوزات. دعا من قلبه أن لا يكون الأمر أكثر من هذا، فلا فتاة تهرب من بلدها بهذه الطريقة إلا لأسباب قوية، لا تستحمل أن تذبح أنوثتها أكثر دون حتى أن تستطيع الصراخ أو الاستغاثة بأحد. الأمر كخنجر ينغرز في القلب وكل دقيقة أحد يضغط عليه أكثر.

سأل باهي بصوت مبحوح: "تفتكر الحياة اللي خليتنا ناخد الطريق ده كانت مستهلة! نظر عبد الرحمن أمامه وهو يتذكر حياته قبل

أن يتخذ هذا الطريق المظلم: "مفيش حاجة مستهلة أنك تعرض حياتك للموت بالشكل ده. كنا مفكرين أن هنتعامل أحسن وأنهم بيخافوا على روح الإنسان، والتنديد بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان، وحقوق حقوق، بس أول ما يحصل مشكلة بجد يقولك سلام. هما تقريبًا مش بيحافظوا غير على الإنسان اللي بيحمل جنسيتهم بس، لكن أي إنسان تاني ملوش لازمة، مجرد دمية بيحركوك حسب مصالحهم. هيستفادوا منك ياخدوك، مش ملزمين يرموك." أومأ

له باهي ثم قال بسخرية: "حتى بعد كل اللي حصل ده، ما عدتش هينفع نعيش هنا. لو خرجنا من هنا هتعمل إيه مع قريبتك، هتتجوزها! نظر له عبد الرحمن بتفكير لم يخطر في باله هذا السؤال! ربما لأنه لم يخطر في باله أنهم سيعيدوهم مرة أخرى لمصر. لكنه توصل لإجابة يخشاها. أنه لن يستغني عنها، لن يتركها وحيدة تصارع وحوش العالم وحدها. لقد وضعها القدر في طريقه وأصبحت مسؤولة منه.

يهز رأسه: "الله أعلم، محدش عارف ربنا كتب لنا إيه، مصيرنا بيتغير بين الدقيقة والتانية." تنهد عبد الرحمن وبداخله العديد والعديد من علامات الاستفهام، لا يعلم لماذا رحلوهم هم فقط لمصر مرة أخرى مع العلم هناك ناجون آخرون كانوا معهم، وماذا سيحدث معهم الآن. ليهمس باهي بقنوط وهو ينظر للسقف حيث حدود حريته: "ده لو خرجنا من هنا!! ***

أما عن نسيم، قد جفت دموعها، أصابها الوهن، روحها مذبوحة. كل يوم مر عليها كان تغرق أكثر في الجحيم. لم يكن هينًا عليها ما مرت به. وبعد كل هذا تخرج من حبس لحبس أكثر ظلمة. أغمضت عينيها تبكي بانهيار. لتفتح عينيها على فتح باب الحبس ليقول العسكري بصوت خافت: "في مكالمة جايلك مخصوص، متوصي عليكي من ناس فوق أوي." اتسعت عيناها بعدم فهم وهي تأخذ الهاتف لتضعه على أذنها لتستمع لصوت تعرفه جيدًا. "ازيك يا نسيم."

همست بعدم تصديق: "عمو عرفات! وصلها الصوت القوي الواثق: "متقلقيش يا نسيم، قريب هتخرجي من هنا." أسرعت بسرعة تردف بلهفة: "وعبد الرحمن موجود هنا يا عمو محبوس." صمت عرفات قليلاً ثم قال بحشرجة: "محدش بينسى ابنه يا نسيم... قد يأتي الفرج قريب. *** تعمل بقنوط في أحد المحلات في إيطاليا، فقدت ملامحها بهجتها بعد أن فقد قلبها أمانه. تقدمت منها صاحبة المحل، امرأة كبيرة في السن مبتسمة ذات ملامح مشرقة ودودة.

"لا تعبسي حبيبتي، ابتسمي للحياة كي تبتسم لكِ." نظرت لها سيلا بقنوط: "لا شيء يجعلني أبتسم، أشعر كل يوم بضياع أكثر، جزء بداخلي مفقود، هناك شيء ناقص، الفراغ بداخلي كل يوم يزيد بعدم وجوده."

ما قالته حقيقة. منذ عدة أشهر وبعدما وصلت لهذه الأرض وحدها تشعر بالخواء، داخلها فارغ، قلبها متألم. تبحث عن شقيقها في كل وجه تراه، لكنها تعود خائبة الرجاء في نهاية اليوم إلى المنزل الصغير الذي تسكنه لتجلس على الأريكة وتنظر أمامها تتذكر حياتها مع شقيقها الراحل وتبكي. هذه كل أيامها على مدار الشهور الماضية. لكن هذا لا يمنع امتنانها لهذه السيدة التي عملت معها في محلها، فهي تعاملها بود، تبتسم كل يوم لها، تعطيها بدون مقابل، كأنها تخبرها مازال هناك خيرًا في الدنيا، استمري!

ربتت السيدة على كتفها بمحبة ثم سحبت مقعدًا لتجلس أمامها: "بل هناك أشياء كثيرة تبتسمي عليها. أعلم أن داخلك يتألم من أجل فقد شقيقك، تشعرين بالوحدة والفراغ. شعرت بكل هذا عندما مات زوجي، كنت أجلس هنا وأتذكر كل شيء يفعله، بكيت كثيرًا، لكن عندما مر وقت في البكاء والرثاء تدهورت صحتي. قال لي أحدهم

مرة جملة لازلت أتذكرها: من مات مات وانتهى. البكاء لن يعيده. يحق لكِ الحزن عليه، لكن ليس من حقك أن تجعلي الحياة تسلبك عمرك في الرثاء. لقد ترك لكِ زوجك ذكريات تتذكريها وتبتسمي. ترك لك أثره في كل شيء. وهذا حبيبتي ما أريدك أن تفعليه، أن تنظري لنفسك لمستقبلك. لقد نجاكي الرب من الموت، وتخطيتي كل العقبات لتصلي هنا سالمة. مازال أمامك فرصة لا تجعلي الحياة تسلبك عمرك في الحزن، ابتسمي للحياة وتحديها، ابتسمي للناس كلما تذكرتي شقيقك ابتسمي، سيكون سعيدًا بهذا عزيزتي."

مسحت سيلا دموعها التي فرت على وجنتيها ثم ابتسمت للعجوز أمامها بامتنان: "أشكرك سيدة ماري، لقد رزقني الله بكِ كي يعوضني مُر أيامي. بدونك لا أعلم كيف كنت سأتخطى الكثير من الأمور." ابتسمت لها السيدة الودودة بحب: "لا عليكِ صغيرتي، أنتِ كابنتي، فلم يرزقني الله بأي أبناء، لذلك اعتبرتك ابنتي. المحبة تقع في القلوب بدون حساب. وجهك الصبوح المريح كان ألطف ما رأيت." احمرت وجنتا سيلا بخجل وهي تميل لتحتضن العجوز بحب.

بعد قليل نهضت العجوز تسحبها من يدها وهي تتحدث ببشاشة وحماس: "هيا صغيرتي، باقي اليوم إجازة لكِ، اذهبي للتنزه وتمتعي بشروق الشمس. هناك أشياء لم تفقد بهجتها هنا. انظري للسماء والزهور واذهبي لرؤية نافورة الأمنيات. تناولي المعكرونة أو البيتزا. هيا اقبضي على السعادة بيدك ولا تتركيها. ابحثي هنا وهنا حتى تملئي الفراغ بداخلك. إيطاليا واسعة، ستجدين ما يعوض الجزء المفقود بداخلك."

نظرت لها سيلا بتردد: "كيف سأتركك وأرحل، لا يمكن ربما تحتاجين لشيء." ضحكت السيدة ماري بنزق: "ماذا سأحتاج يا صغيرة، أستطيع تدبر أمري. هيا هيا اذهبي وتمتعي ببعض الحياة." خرجت بخطوات مترددة تسير بين الناس بنظرات خائفة متوترة، لكن كلمات السيدة ماري مازال صداها يرن بعقلها. توقفت فجأة ونظرت للسماء كأنها تبحث بعينيها على وجه عبيدة الحبيب، لكنها لم تجد سوى العصافير التي تطير بحرية، والسحاب الأبيض. لتبتسم

وهي تأخذ بعض الأنفاس: "عبيدة... وحشتني وحشتني أوي، الأيام صعبة من غيرك، بس بحاول أكمل، بحاول ما أقفش زي ما أنت عودتني. أنت سعيد!! متخافش عليا هكون كويسة، ده أنا تربيتك. لو الطريق قفل في وشي هشوف طريق تاني، ولو المركب هتغرق هنط وأعوم لبر الأمان. ارتاح يا حبيبي مش هستسلم. الله يرحمك يا حبيبي الله يرحمك. في الجنة إن شاء الله، أشوفك في الجنة يا حبيب قلبي." تنهدت بعينين دامعتين لكنها ابتسمت،

تعمل بنصيحة السيدة ماري: "كلما تذكرتي شقيقك ابتسمي." تحركت بخطوات أكثر ثقة، يختفي منها التردد شيئًا فشيئًا. فتحت عينيها على الأشياء التي لم تفقد بهجتها، ربما انطفاء الألوان كان منها هي، لذلك حاولت أن تزيل غمامة الانطفاء وتنظر للجانب الممتلئ من الكوب. لقد منحها الله فرصة أخرى عليها أن تحمد الله على هذا، فهو مسبب الأسباب، وهي هنا في هذا المكان بالتأكيد لسبب ما.

نظرت للورود والأشجار، السماء. اشترت المخبوزات وجلست في أحد الحدائق تتناولها. وقفت أمام نافورة الأمنيات وابتسمت بسخرية. إنها خدعة أو تقليد لا تؤمن هي به، أن ترمي عملة في الماء وتتمنى أمنية! لما عليها أن تتمنى أمنية واحدة مقابل عملة، فهي تستطيع الدعاء بكل الأمنيات التي ترغبها وسيحقق الله لها ما فيه الخير. لذا وضعت العملة مرة أخرى بحقيبتها والتفتت لترحل. "لا تؤمنين بهذا العبث صحيح."

التفتت على هذه الجملة الإيطالية التي أصبحت تتقنها نوعًا ما من خلال الاختلاط بهم وبمساعدة السيدة ماري. شاهدت شابًا بملابس مهندمة ووجه وسيم لديه بعض الوشوم على كفه، لكن نظراته العميقة نحوها كان بها شيء من... لا تعلم لكنها أصابتها بالتوتر. لتقول بلا مبالاة: "نعم." سألها بفضول وهو يقترب منها: "إذا بماذا تؤمنين." رفعت سيلا عينيها له وردت دون تردد وثقة: "أؤمن بالله لا إله إلا هو."

ودون حديث آخر تركته ورحلت ليبتسم وهو ينظر في أثرها بفضول. ثم تحرك خلفها يجذبه المزيد من الفضول، فهو لا يرى كل يوم فتاة تمتنع عن رمي العملة في النافورة وتمني أمنية.

ربما نبدأ دروب جديدة من الحياة، أو تجذبنا الحياة نحو أبواب لا نعلم ما خلفها سوى بفتحها. نحن نتخطى العثرات لأننا مجبورون على المضي قدمًا في الحياة. ربما نسقط في بعضها وربما نستطيع النجاح والتجاوز، فالدنيا ليست كلها أسود وليست كلها أبيض، أحيانًا تكون مزيجًا بين الاثنين. بعض الاختيارات القاسية والمؤلمة قد تكون ابتلاء من الله، فقد كتبت الأقدار ورفعت الأقلام وجفت الصحف. ***

فتح عينيه بتعب، الرؤية مشوشة أمامه. وبعد عدة محاولات من استعادة وعيه، استطاع أن يرى ما أمامه. أين هو! ما هذا الألم في خصره! رفع رأسه يرى ما يحدث حوله. هو في المستشفى؟ أغمض عينيه يحاول تذكر ما حدث. وبعد فترة فتح عينيه يتذكر ما حدث في عراك الشوارع. اقتربت منه إحدى الممرضات تقول شيئًا لم يفهمه. ليتحدث هو بانجليزية ضعيفة: "ماذا حدث، أين أنا."

ردت عليه بالانجليزية ولم يفهم منها سوى أنه في المستشفى وقد تم إنقاذ حياته. لعن نفسه لهروبه من دروس اللغة الإنجليزية فهو الآن في ورطة! لكن اتسعت عيناه عند استماعه لكلمة الشرطة!! تركته بعدما لم تجد ردًا منه. فنظر حوله برعب. استقام من مكانه رغم الألم الشديد الذي عصف به. مسك خصره وهو يحاول القيام والتحرك من مكانه حتى يهرب قبل مجيء الشرطة. إن علموا أنه بلا هوية! لا يعلم العواقب لكن تواجده هنا خطر، خصوصًا بعدما حدث.

تحرك بخطوات حريصة يحاول ألا ينتبه عليه أحد. وبعد عناء خرج أخيرًا. نظر حوله بضياع، لا يستطيع تحديد وجهته. شعر بألم شديد في خصره لينظر لكفه الموضوع مكان الجرح ليجد بعض قطرات الدماء. حاول أخذ أنفاسه بهدوء حتى يهدأ من الألم، لكن ألم جسده مع ألم الطعنة كان فوق قدرته على الاحتمال. جلس جانبًا بعدما ابتعد عن المشفى بخطوات متعثرة.

أغمض عينيه بشدة من قوة الألم. فرت بعض الدموع من عينيه لا يصدق ما وصل إليه حاله، يجلس على الأرصفة مطعون ولا يستطيع حتى الصراخ أنه يتألم بل يكاد يموت من الألم. ماذا يفعل! لقد ظن أنه سيموت من الطعنة لا محالة، لكن من الواضح أنه بعد كل ما حدث مازال في عمره بقية؟

وضع يده على رأسه بقلة حيلة، ظل على جلسته وقد مرت الساعات دون أن يعلم عددها حتى استمع لصوت أذان يأتي من مكان قريب نسبيًا. انتفض من مكانه بعدم تصديق، نظر حوله يبحث عن مكان المسجد الذي يؤذن. تحرك بخطوات بطيئة يتتبع مصدر الصوت، حتى أخيرًا استطاع أن يصل. ارتجف جسده بقوة وهو ينظر لفخامة المسجد، الهيبة الطاغية عليه. صوت المؤذن الخاشع الذي أصاب جسده بانتفاضة غريبة.

تقدم بارتجاف للداخل بعد أن خلع حذاءه. وبمجرد أن خطت قدماه أرض المسجد الشريف حتى خر على عقبيه وهو يبكي بشدة. اقترب منه بعض من أهل المسجد يساعدونه وهم يسألونه على حاله وهو لا يفهم ما يقولون. ليقترب منه شيخ كبير في السن يسأله ما به. ليرد عمار بصوت مرتجف: "مش فاهم، مش فاهم." سأله الشيخ بدهشة بلغة عربية ركيكة: "هل تتحدث العربية." أومأ له عمار بأمل دب به بعدما وجد أخيرًا أحد يفهمه. ليسأله الشيخ بقلق: "ماذا حدث لك بني!

أجاب عمار وهو يغمض عينيه بتعب، وقد استكان جسده بعدما شعر بالأمان هنا: "المعاصي عملت فيا كده، عايزة أتوب." ثم أغمض عينيه وهو يبتسم براحة. ليقول الشيخ لمن حوله: "أدخلوه هذه الغرفة لنرى ما به، بسرعة، الشاب ينزف، لقد أرسله الله لنا كي يتطهر من معاصيه." لا تقنط من رحمة الله فإن الله غفور رحيم كريم. ***

الهجرة غير الشرعية هلاك، ليست الطريق السهل الذي سينقلك لعالم الأحلام الوردي. أولاً لا يوجد عالم وردي في هذه الحياة. لا تجعل نفسك محطة شبهات، لا تلقي بنفسك في طريق التهلكة، ستتجرع الذل والإهانة والعذاب جسديًا ونفسيًا.

فقد العديد والعديد من الشباب حياتهم في الهجرة غير الشرعية، تحللت جثثهم في البحار دون حتى تكريم جثمانه بالدفن، ومازال أهلهم عاجزين عن معرفة مصيرهم. ربما نجا البعض وكون حياة جيدة، لكن تأكد أن خلف كل ضوء ظلام. ومهما كان الظلم في أرضك، ستجد أضعافه في أرض ليست أنت واحدًا منها. الحقوق التي ينددون بها بفخر في بلادهم ما هي إلا وجهة تخفي بشاعتهم القاسية وتجبرهم تجاه كل غريب أو مناقض لأفكارهم الفاسدة.

ربما انتهت الرواية، لكن لم تنتهِ حياة كل من أبطالها بعد. كانت هذه الرواية تعرض صورة لما يحدث لكل مهاجر. ربما ما يحدث أكثر بشاعة مما كُتب، لكن تمت كتابة هذا العمل من أحداث واقعية لأشخاص حقيقيين ندعو الله أن يردهم لأهلهم سالمين. كُتبت لتمحو الضوء اللامع لطريق مظلم. ربما لم تسلط الضوء على ما يحدث في الجانب الآخر لأهالي المهاجرين، لكن لك أن تتخيل موقفهم وهم لا يعلمون أبناؤهم ماتوا أو على قيد الحياة. تخيل مدى العذاب الذي يحيوه كل يوم!

ندعو الله أن يرد كل مفقود لأهله، وأن يصبر أهل المتوفين ويلهمهم الصبر والسلوان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...