ضحك بوهن وهو ينظر أمامه بتشوش. الهجرة غير الشرعية ليست مجرد مركب ستركبها وتنتقل لبلاد أخرى في ساعات، وبعدها تبدأ حياتك الوردية بشكل سليم. عليك أن تعلم أنها السم في العسل. تم اغراؤك بالعسل، وبعدها تفاجأ بالسم المدسوس بعد أول طبقة انقشعت من العسل. عليك أن تعلم أنك بمجرد أن تستقل أول سيارة في هذا الطريق، أنك مجرد دمية. عليك خلع رداء الكرامة وارتداء رداء الذل والمهانة. أعلم أنك لن تنجو بكل الأحوال.
معنى أنك نجوت بحياتك من الغرق، أنك نجوت حقاً. بل أنت ستخسر نفسك، ستخسر احترامك، ستخسر كرامتك، نفسيتك، صحتك... الحياة في كل الأحوال ليست وردية. "باهي هيا معنا." *** جلس عمار على أحد الأرصفة في شوارع إيطاليا بعد أن تم ترحيلهم إليها. لا يعلم معلومات كثيرة عن ما حدث، لكن ما يعلمه أنه سمع كلمة "محكمة دولية" كثيراً. ثم بعدها علم أن إيطاليا طالبت بترحيل الناجين إليها.
أربع أشهر بين مفاوضات ومحاكم واتهامات لا يعلم عنها شيئاً. وفي النهاية من طالب بهم دولة غريبة ليست دولتهم، كأن وطنهم انتهز الفرصة كي يلقي بهم بعيداً. وبعد أن وصل إيطاليا وقضى شهراً في مركز تأهيل، علم أنهم ينون ترحيله لبلده، لكنه استطاع الفرار. ليس بعد كل هذا يعيدوه بكل بساطة لبلاده ليتلقى الجزاء بالحبس!!! لكن الآن ماذا؟ يجلس على الأرصفة كمتشرد لا يجد ما يسد به جوعه.
انطفئت الحياة المبهجة التي سحبته، وظهر سراب حلمه يلوح له بسخرية من وضعه. حتى الفتاة السورية التي استطاعت أن تبقى بحق اللجوء باعتبارها لاجئة وتثبت أوراقها شرعياً كما سمع، اختفت. ماذا الآن عمار؟ نظر حوله بحيرة، ثم نظر للأموال القليلة بين يديه التي جمعها كمتسول بين الطرقات والأزقة. استقام من مكانه يتنهد بقنوط. "هل هذه البلد المبهرة التي كانت ستضيع حياته من أجل أن يأتيها، ما لها تبدو كسجن كبير؟!
نظرات الاحتقار تصيبه بين جنبات قلبه، فيشعر بالمهانة. حاول أن يعدل من هندامه، ثيابه المبعثرة، وتحرك مرة أخرى يبحث عن أي عمل. للسخرية، هو حتى لا يعرف لغتهم وليس ضليعاً في الإنجليزية. هو متسول لا يفهم ما يقولونه، نهايته يعيش بين الأزقة والطرقات. وبين جولته توقفت أقدامه على استماع صوت مكتوم. ليتقدم بحرص للزقاق المعتم. اتسعت أعينه وهو يرى مجموعة من المراهقين يثبتون رجلاً عجوزاً لسرقة ما بحوزته.
"أنتم بتعملوا أي الله يخربيتكم، سيبوا الراجل." صرخ بها وهو يركض بتحفز، ليلتفت له أحد المراهقين بأعين متسعة. "أنت مصري؟! نظر له عمار بتوجس، ثم أومأ له وهو يقول: "سيبوا الراجل حرام عليكم، الراجل هيموت." دفعه الشاب المصري بصرامة. "أبعد يا عم، ملكش دعوة، روح شوف أكل عيشك." اتسعت أعينه بذهول وهو يرى شحوب وجه الرجل المسن، ليقول بمروءة غريبة عليه: "أبعدوا يا عم، الراجل بيموت، أبعدوا." ألتفت له الشاب يقول بمهادنة.
"اسكت يا عم أنت هتفضحنا، أخرس وأحنا هنراضيك، من السبوبة دي." اتسعت أعين عمار بوجل وارتجف جسده بتشنج، لكن آخر ذرات إنسانيته لم تسمح له ليهجم عليهم محاولاً تخليص الرجل من بين يديهم. وفي ذروة العراك شعر بألم حاد بخصره، ليضع يده على خصره بألم وقد غلبت الشجاعة الكثرة. نظر ليده بتشوش ليجدها مغطاة بالدم. اتسعت أعينه بخوف، لكنهم لم يسمحوا له بتلقي الصدمة، حيث أبرحوه ضرباً.
تأوه عمار بألم وهو يحاول الاعتدال، لكن الألم المنتشر بكل أنحاء جسده لم يسمح له، خصوصاً الألم بخصره. وضع يده على خصره مكان طعنه أحدهم بمدية، ليشعر بكم الدم المندفع مكان الطعنة. أغمض أعينه وفتحهم مرة أخرى ليجد جسد العجوز ملقى بجانبه بعدما سرقوه. لا يعلم ما أصابه. رفع وجهه للسماء البعيدة وهو يبتسم بتشوش. الرؤية تذهب من أعينه، لكنه رأى الطيور المحلقة بعيداً بحرية، أو هكذا رأى. ثم وجه والده المبتسم. هل هذه النهاية؟
سيموت في زقاق عفن بين صناديق القمامة!!! آخر ما استمع إليه كان بعض الصرخات لم يترجم عقله معناها، لكنه ميز بها البحة الأنثوية. قبل أن يشعر ببرودة تصيب جسده ورجفة غريبة تجتاحه. "أنهم يحتاجون لمساعدة النجده." *** من ارتكب خطأ عليه بتحمل نتائجه. تفرقت عنه لشهور في احتجاز غريب، تلقت مختلف أنواع الإهانة، ذاقت الذل والعنف الجسدي والنفسي، أجبروها على أعمال شاقة. تحرشات جنسية، كانت معاملتهم لا تمت للإنسانية.
وبمجرد أن سحبوها للخارج بعنف، ووجدته أمامها، تشبثت به منهارة، غير قادرة على ترك يده، تخشى أن يختفي مرة أخرى، وتعود لجحيمها. ما حدث لهم كان كالجحيم شياطينه من بني البشر. صرخت نسيم بمجرد أن رأته أمامها مع الحرس، هو الآخر وكأنه حبل النجاة الخاص بها. "عبد الرحمن متسبنيش عشان خاطري متخلهمش ياخدوني تاني، عبد الرحمن." لم يقل هو عنها شيئاً، لكن أخفى انهياره في ملامح رسمت من صخر.
كان أيضاً ينازع نفسه كي يمنحها الأمان ولو بكلمة، لكنه غير قادر على الحديث، غير قادر على التفوه بما يطمئنها به. لكن قلبه يعتصر ألماً من تخيل ما حدث لها. إذا كان هو كشاب وتلقى ما جعل أعصابه تتلف، فما بالها هي كفتاة!! ما حدث في الداخل مازال مرارته يتجرعه في حلقه. لم يكن يوماً أو اثنين، بل الأمر امتد لشهور. كأنهم قاصدين أن يكسروا كبرياءهم، يذيقوهم من الويلات أقساها. ملامحه تصلبت بقناع حديدي، كأن أحدهم انتزع مشاعره.
لم يتصور ولا بأسوأ كوابيسه أن يحدث له ما حدث. شاب بمكانته ورُقيه، صعب عليه أن يتعامل من الذل والإهانة التي تلقاها في هذا الحجز. أعينه انطفأت منها وهج الحياة، لم يعد يشعر بمن حوله. ردفت ببكاء منها وهي تقف أمامه تتشبث بذراعه بيدها المكبّلة هي الأخرى. "عبد الرحمن رد عليا، رد متسبنيش." نقل أعينه الجامدة لها، ثم أومأ دون أن يتفوه بكلمة. كان مكبل كالمجرمين.
يمشي في الممر بثبات يحسد عليه، يمسكه أحد الحراس ويسحبه لطريق لم يعد يهتم ما هو. خرج أمامه باهي، أبصره يتم سحبه من أحد الغرف وهو الآخر مكبل اليد، منزوع العزيمة، فاقد معالم الحياة. ابتسم عبد الرحمن بأعين دامعة يتذكر حياته سابقاً كأنها طيف بعيد، صعب العودة لها بل مستحيل. لكن على الإنسان أن يتحمل خطأه وأنه ولد في هذا العالم الجاحد. رفع باهي رأسه ينظر لأشعة الشمس التي انحرم منها لأشهر، لا يعرف عددها.
أغمض أعينه يتمتع بدفئها، أنها نعمة كبيرة لا يعرف قيمتها سوى من حُرم منها. الهواء، الشمس، السماء، أصوات الطيور، السحاب، الحرية، كلها نعم علينا أن نحمد الله عليها كل يوم وكل دقيقة. أنها نعم لا تقدر بثمن. ركب السيارة الكبيرة، كانت كلها مغطاة بالأسود. نظر أمامه دون تعبير ليجد أمامه كل من عبد الرحمن وهذه الفتاة وعدد قليل لم يهتم بالتعرف عليهم.
تبادل النظرات مع عبد الرحمن بصمت، كل منهم يفهم نظرات الآخر، كانت نظرات تدل على قهر الرجال..؟ كان الصمت سيد المكان لعدة ساعات حتى توقفت السيارة في مكان لم يتحققوا من مهيته. وبعد ترجلهم من السيارة اكتشفوا وجودهم في مطار!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!