الفصل 22 | من 33 فصل

رواية كارمن الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ملك ابراهيم

المشاهدات
24
كلمة
4,853
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

ابتسمت كارمن بسعادة وهي تستمع إلى حديث عمتها وتحدثت بشغف: –بجد رشيد مطلقنيش؟! استغربت وداد من رد فعلها الذي يؤكد أنها حقًا ساذجة. صمتت كارمن قليلاً ثم استرسل لها عقلها ما سيفعله بها رشيد بعد خروجها من المستشفى. بالطبع سيعاقبها على كل ما فعلته به في الماضي. ارتجف جسدها بخوف وهي تنظر إلى وداد. تحدثت إليها وداد بتحذير:

–اسمعيني كويس يا بنت صادق. أنا عملت اللي عليّ وساعدتك، وإنتي اللي معرفتيش تهربي. يعني اتفاقنا زي ما هو، ومش عايزة أبويا أو جوزك حد فيهم يعرف إنك اتنازلتي عن أرضك ليا. أومأت كارمن برأسها بالإيجاب. –أنا قلت لحضرتك قبل كده، أنا مش عايزة أرض ولا فلوس. والأرض دي أقل تعويض ممكن تاخديه من بابا على ظلمه ليكي وحياتك اللي ضاعت بسببه. حدقت بها وداد بصدمة. لا تصدق أن هذه الفتاة تحمل بداخلها كل هذه الطيبة والسلام النفسي. أضافت

كارمن وهي تنظر إليها بحزن: –أنا بس عايزة أكون عارفة إن مش حضرتك لوحدك اللي اتعذبتي بسبب رفض بابا ليكي واختياره الجواز من ماما. بابا هو كمان اتعذب بسبب اختياره وعمره ما كان سعيد مع ماما أبدًا. حدقت بها وداد بذهول. صمتت كارمن لحظات قليلة ثم أضافت: –وأنا كمان اتعذبت بسبب اختيار بابا. صدقيني لو كان بإيدي أختار الست اللي تكون أمي، كنت اخترتك إنتي.

لمعت عينا وداد بالدموع وهي تستمع إلى حديث كارمن الصادق والذي خرج من قلبها واخترق قلب وداد. أدمعت عينا كارمن وهي تضيف بحزن: –لما شفت الفرق بينك وبين ماما، كنت حقيقي حزينة. أنا كنت مقدرة إن حضرتك موجوعة من بابا، بس في نفس الوقت عايزة تساعدي بنتك ومش عايزة تشوفيها حزينة، والمهم إنك مش عايزة تخربي بيتها وبتحاولي تنقذي علاقتها بجوزها بأي طريقة. بكت بحزن وأضافت: –ماما بقى عملت عكس كل اللي حضرتك بتعمليه عشان بنتك!

بكت وداد من أجلها واقتربت منها وعانقتها بقوة وأردفت بثقة: –وجعتي قلبي عليكي يا بنت صادق. لأول مرة تشعر كارمن بحنان الأم وعطفها. اكتشفت بعد عناق وداد لها أن والدتها لم تعانقها بحياتها منذ طفولتها. بكت في حضن وداد وهي تربت على ظهرها بحنان وتتحدث إليها بثقة: –من اللحظة دي أنا أمك ومش هفرق بينك وبين أزهار بنتي لحد ما أموت. لم تستطع كارمن الحديث وهي تبكي في حضنها. ابتعدت عنها وداد قليلاً وتحدثت إليها بقوة:

–متعيطيش يا كارمن، بنتي متعيطش أبدًا طول ما أنا عايشة. نظرت إليها كارمن وأردفت ببكاء: –أنا تعبت قوي من كل حاجة بتحصلي. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أعيش مرتاحة مع الإنسان اللي أنا بحبه. صدقيني أنا مش عايزة أرض ولا فلوس ولا قصر أعيش فيه. أنا بس عايزة أعيش من غير ما حد يأذيني! تحدثت إليها وداد بقوة: –الناس مش بيأذوا غير الضعيف. لازم تكوني قوية عشان محدش يقدر يأذيكي. نظرت إليها كارمن بانتباه: –أكون قوية إزاي؟

يعني أعمل زي ماما وأفكر في نفسي وبس؟! أجابت وداد باعتراض: –القوة مش إنك تفكري في نفسك يا بنتي. القوة إنك تقدري تحمي نفسك وتحمي اللي بتحبيهم. نظرت إليها كارمن بعدم فهم. تنهدت وداد بحزن من أجلها وتحدثت مرة أخرى: –قبل أي حاجة، أنا عايزة أقولك إني هقطع ورقة التنازل عن الأرض اللي إنتي مضيتي عليها وهفضل على طول جنبك وعمري ما هسيبك أبدًا. ابتسمت كارمن وهي تستمع إلى حديثها وأردفت:

–صدقيني أنا مش عايزة الأرض. كفاية إني أحس إن عندي أم بتحبني بجد وبتخاف عليا ويهمها إني أكون سعيدة في حياتي. أجابت وداد بثقة: –أنا هكون أمك اللي بتتمنيها وبرضه هرجعلك أرضك. ابتسمت كارمن وارتمت بداخل حضنها. ابتسمت وداد وعانقتها بحنان قائلة: –قومي يلا غيري هدوم المستشفى دي، البسي الهدوم اللي جبتهالك عشان ترجعي معانا الدوار في بيت جدك. ابتعدت كارمن عن حضنها قليلاً وتحدثت بخوف: –هرجع في البيت عندكم تاني! أجابت وداد بثقة:

–لازم جوزك يعرف إن ليكي أهل وعيلة وبيت ترجعي له لو زعلك في يوم، وكمان لما ياخدك من بيت جدك يبقى عارف إن في وراكِ رجالة ومش لوحدك في الدنيا. ابتسمت كارمن بسعادة. أصبحت الآن تعرف قيمة وجود عائلة تقف بظهرها وتدعمها دون مقابل. أومأت برأسها وهي تأخذ من عمتها الثياب لكي تبدل ثياب المشفى وترتدي ثيابها. خرجت وداد من الغرفة وتركتها تبدل ثيابها براحة وأغلقت الباب عليها واقتربت من والدها ورشيد:

–كارمن بتغير هدومها. زهقت من المستشفى هنا وأنا قلت لها ترجع معانا على بيت جدها لحد ما تخف. وقف رشيد وتحدث: –بس أنا لازم آخدها ونرجع القاهرة عشان نشوف دكتور متخصص في الحالة اللي بتحصلها دي! تحدثت وداد: –وماله. شوف لها دكتور زي ما أنت عايز، هي برضه مراتك. بس إحنا كمان أهلها ومن حقنا نطمن على بنتنا قبل ما ترجع معاك. استغرب الحاج عبد الرازق من حديث ابنته وداد وخوفها المفاجئ على كارمن. نظرت وداد إلى والدها وأضافت:

–ولا إنت رأيك إيه يا أبويا؟ هينفع بنتنا تطلع من المستشفى مع جوزها كده من غير ما نطمن عليها وترجع ترتاح في بيت جدها؟! ابتسم الحاج عبد الرازق لابنته ووقف من مكانه وأجاب: –لا طبعًا مينفعش. ورشيد راجل ويفهم في الأصول. نظر إليهما رشيد بحيرة. تحدث إليه الحاج عبد الرازق بابتسامة: –ولا إنت مش عايز تشرفنا في بيت أهل مراتك يا رشيد؟ تحدث رشيد:

–لا أبدًا، ده شيء يشرفني طبعًا. أنا بس قلقان على كارمن وكنت عايز أعرضها على دكتور في القاهرة في أسرع وقت. تحدثت وداد: –كارمن زي الفل الحمد لله. ولو عايز دكتور يطمنك عليها ضروري نشوف دكتور من هنا. لم يجد رشيد مخرجًا وتحدث بهدوء: –تمام. بس أكيد مش هينفع نقعد هنا وقت طويل. يعني كفاية يوم أو اتنين بالكتير عشان شغلي في القاهرة. ابتسمت له وداد وتحدثت وهي تعود إلى غرفة كارمن:

–هروح أشوف كارمن خلصت ولا إيه عشان نرجع الدوار وأنا هعمل لكم أحلى غدا بإيدي. ابتسم رشيد وربت الحاج عبد الرازق على ظهره بدعم. دَلفت وداد إلى غرفة كارمن وجدتها انتهت من ارتداء ثيابها وتصفيف شعرها. ابتسمت وداد واقتربت منها تتحدث بحنان: –ربنا يحفظك يا بنتي من عيون الناس يا رب. التفتت لها كارمن وهي تبتسم. تحدثت وداد مرة أخرى بمزاح: –يلا يا ست البنات عشان ترجعي معانا على بيت جدك. وجوزك جاي معانا. ارتجف جسد كارمن بتوتر:

–رشيد! أردفت وداد بثقة: –مش عايزة أخاف طول ما أنا عايشة، وإن شاء الله أي مشكلة حصلت بينك وبين جوزك هتتحل. أومأت كارمن برأسها وهي تبتسم لعمتها وقلبها يخفق بقوة وجسدها يرتجف قليلاً خوفًا من مواجهة رشيد. أخذتها عمتها من يديها وخرجت بها من الغرفة. كان رشيد يقف أمام الغرفة مع الحاج عبد الرازق. تأملها بنظرات عاشقة وهي تخرج من الغرفة وتقترب منه بجوار عمتها. كانت تخفض بصرها أرضًا خوفًا من مواجهته. ابتسم

إليها جدها وتحدث إليها: –حمدلله على السلامة يا بنتي. أجابت كارمن بصوت منخفض: –شكراً. تحدثت وداد إلى رشيد وهو يقف يتأمل كارمن بصمت: –مراتك مكانتش مصدقة إنك وافقت تقعدوا معانا يومين في بيت جدها. قلت لها جوزك بيحبك وعمره ما يحرمك من أهلك. أومأ رشيد برأسه وهو ما زال ينظر إلى كارمن بصمت. تحرك الحاج عبد الرازق وتحدث: –هات مراتك يا رشيد وخلينا نرجع الدوار.

أومأ رشيد برأسه. تحركت وداد خلف والدها وتركت كارمن تقف أمام زوجها. ارتجف جسد كارمن بخوف بعد ذهاب عمتها من جانبها ومع اقتراب رشيد منها وهو يقف أمامها ويتأملها باهتمام قائلاً: –إنتي كويسة دلوقتي؟ أومأت برأسها وهي تخفض وجهها أرضًا. أمسك بيديها وتحدث بهدوء: –خلينا نمشي عشان جدك مستنينا. ارتجف جسدها مع لمسة يديه إلى يديها. شعر بارتجاف يديها وبرودة يديها بين يديه. ضغط على يديها بإحكام وسار بها دون أن يضيف أي حديث بينهما.

كانت تسير بجواره وقلبها يخفق بقوة. أخذها إلى سيارة الحاج عبد الرازق وساعدها على الصعود داخل السيارة بجوار عمتها وتقدم هو إلى الأمام بجوار الحاج عبد الرازق. *** بداخل الدوار. وقفت أزهار تساعد العاملات في المنزل في تجهيز الطعام بعد أن تحدثت إليها والدتها عبر الهاتف وأخبرتها أن تهتم بتجهيز وجبة الغداء حتى تأتي والدتها. دلف فراج إلى الدوار ولاحظ أن هناك حركة غريبة بين العاملات بالمنزل وعلى رأسهم زوجته. اقترب من زوجته

أزهار وتحدث إليها بدهشة: –إيه اللي بيحصل هنا يا أزهار؟ أجابت أزهار بمكر: –بنجهز الغدا عشان كارمن وجوزها جاين في الطريق مع جدي وأمي. حدق بها فراج بصدمة: –وهما جاين هنا يعملوا إيه؟ أجابت أزهار: –معرفش. أمي كلمتني وقالت لي نجهز الغدا عشان جوز كارمن جاي معاها ولازم تتشرف قدامه بأهلها! عقد فراج ما بين حاجبيه وزفر بغضب. نظرت إليه أزهار وأضافت بحزن: –إنت لسه زعلان عشان متجوزتش كارمن يا فراج؟ رمقه فراج بغضب وأردف بعصبية:

–ملكيش صالح وروحي شوفي إنتي بتعملي إيه يا أزهار. تركها وخرج من الدوار. وقفت أزهار تتابع ذهابه بحزن وقلة حيلة. بعد دقائق قليلة استمعت إلى صوت سيارة جدها خارج المنزل. وقفت في استقبالهم كما أخبرتها والدتها. ترجل رشيد من السيارة مع الحاج عبد الرازق وأخذ يد كارمن إلى الداخل. استقبلتهم أزهار وأخبرتهم أن الطعام جاهز ورحبت بهم وداد إلى مائدة الطعام الكبيرة الممتلئة بأشهى المأكولات.

جلسوا جميعًا على المائدة يتناولون الطعام بدون أزهار وفراج. تناولت كارمن الطعام دون شهية بسبب خوفها وتوترها من رشيد. بعد انتهائهم من تناول الطعام تحدث الحاج عبد الرازق إلى رشيد بهدوء: –خد مراتك واطلعوا ارتاحوا شوية. إنت منمتش من ليلة امبارح يا بني واكيد محتاج ترتاح. أومأ رشيد برأسه وشكره على استضافته له بمنزله. وقفت وداد لكي تأخذهما إلى الغرفة وتطمئن على كارمن. استغربت أزهار من معاملة والدتها الطيبة مع كارمن.

دَلفت كارمن إلى داخل الغرفة التي تقيم بها بمنزل جدها ودلف رشيد خلفها بعد أن شكر عمتها وداد وذهبت وتركتها بمفردها. أغلق رشيد الباب من الداخل والتفت ينظر إلى كارمن بصمت. الآن أصبح معها بمفردها. جلست كارمن فوق الفراش بخوف وتوتر من مواجهته. لا تفهم شيئًا حتى الآن ولا تعلم كيف علم رشيد بمكانها ولا تصدق أنها ما زالت زوجته وتتساءل بداخلها أين زوجته وابنه الذي أخبرها عنهما من قبل.

وقف رشيد يتطلع إليها وهو يلتقط أنفاسه براحة بعد الاطمئنان عليها ثم تحدث إليها: –هو إيه اللي خلاكي تهربي من هنا؟ أجابته بتوتر وهي تخفض وجهها: –هربت عشان كانوا عايزيني أتجوز فراج على مراته. ابتسم ساخرًا وتحدث إليها بغضب: –يعني مشكلتك إنهم كانوا عايزين يجوزوكِ فراج على مراته! يعني مكنش هيبقى عندك مشكلة لو مكانش فراج متجوز! عقدت ما بين حاجبيها وأجابت بدهشة: –لا طبعًا. أنا مشكلتي إني مستحيل أتجوز حد بعدك!

تسلل إلى قلبه شعور بالسعادة بعد ما قالته الآن بقوة وإصرار، لكنه حافظ على هدوئه ورسم البرود على ملامحه قائلاً: –عموماً إنتي لازم تعرفي إن مكنش هينفع تتجوزي حد بعدي لأن إنتي أصلاً لسه مراتي! ابتسمت بسعادة غير مبالية بأي شيء حدث بينهما وتحدثت بحماسها المعتاد: –إنت حقيقي مطلقتنيش بجد؟! لم يستطع رسم الجمود على ملامحه أكثر وأومأ لها برأسه بالإيجاب مؤكدًا حديثه بعد رؤيته لسعادتها الواضحة.

صوت الطرق على باب الغرفة أوقف حديثهما معًا. اتجه إلى الباب وفتحه. كانت إحدى العاملات بالمنزل قد أتت إليه بثوب لكي يبدل ثيابه قبل النوم. أخذ منها الثياب وشكرها بهدوء وأغلق الباب بعد ذهابها. عاد إلى داخل الغرفة. تابعته كارمن بعينيها وهي تبتسم بسعادة ولا تصدق حتى الآن أنها ما زالت زوجته.

وقف رشيد وهو ينظر إلى الثوب الذي جاءت به السيدة. كان جلبابًا صعيديًا مريحًا. بحث عن المراحض المرفق بالغرفة ودلف المرحاض لكي يبدل ثيابه بداخله.

جلست كارمن فوق الفراش تفكر بسعادة وحماس كيف لم يطلقها رشيد. تذكرت حديث جده وتأكيده أن رشيد طلقها ولم يريد رؤيتها مجددًا. بهتت ملامحها بحزن وشعرت بالخوف بعد أن تذكرت حديث جد رشيد وتهديده لها أن رشيد يريد قتلها. بلعت ريقها بخوف ونظرت إلى المرحاض وهو بداخله. وقعت في صراع داخلي بين عقلها وقلبها؛ قلبها يؤكد أن رشيد حبيبها لم يؤذيها مهما فعلت به، وعقلها يؤكد أن من حقه فعل أي شيء بها حتى يثأر منها بعد خيانتها له.

خروجه من المرحاض أخرجها من شرودها. تأملته بنظرات عاشقة وهو يرتدي الجلباب الصعيدي الذي يليق به كثيرًا. نظر إليها وتفهم نظراتها إليه. تلك النظرات بعينيها ما زالت تؤكد له أن هناك شيء لم يعرفه أجبرها على خيانته، لكنه لم يستطع التحدث معها الآن. ليس هذا المكان المناسب ولا الوقت المناسب للحديث.

اتجه إلى الأريكة الموضوعة بداخل الغرفة وتمدد عليها بصمت، متجاهلاً نظراتها الفضولية إليه. بهتت ملامحها بحزن وهو يبتعد عنها ويذهب للنوم بعيدًا. خفضت وجهها بحزن بعد تأكيده لها الآن بعدم تغير شيء. ما زالت المسافات بينهما ولا يريد الاقتراب منها. أخفت وجهها بالغطاء لكي تستطيع البكاء أسفل الغطاء بصمت دون أن يشعر بها.

أغمض عينيه وهو يتمدد فوق الأريكة ويستند برأسه فوق ساعديه. كان يستمع إلى صوت بكائها الخافت لكنه يفكر ماذا عليه أن يفعل الآن بعد ما حدث. لا يمكنه تركها للعيش مع والدتها مرة أخرى. عليه أخذها للعيش معه بالمنزل حتى يستطيع أخذ القرار الصحيح في علاقته معها. الكثير من الأفكار تتزاحم برأسه. تخبط في مشاعره لا يستطيع إيقافه. تنهد بتعب وهو يفكر في القادم. *** سطعت الشمس بنورها لتضيء السماء الصافية بلونها الأزرق.

بداخل غرفة كارمن. استيقظ رشيد على صوتها وهي تهمهم بكلمات غير واضحة. فتح عينيه وجلس فوق الأريكة ونظر إلى الفراش بدهشة. وقف وتقدم منها وهو ينظر إليها بقلق. كانت نائمة ومغمضة العينين وحبات العرق متناثرة فوق وجهها الشاحب وتهمهم بكلمات كثيرة غير واضحة. استطاع السماع إلى اسمه بين كلماتها الغيرة واضحة. وضع يديه فوق جبينها وشعر بارتفاع حرارتها قليلاً. نطق اسمها بقلق. استجابة لندائه وفتحت عيناها ونظرت

إليه بضعف وتحدثت بدون وعي: –أنا بحبك أوي يا رشيد. متسبنيش تاني. أنا آسفة. حدق بها بصدمة ثم عانقها بقوة وهمس إليها بتأكيد: –أنا مستحيل أسيبك يا كارمن. أغمضت عيناها بداخل حضنه مرة أخرى. عانقها بقوة أكثر وهمس إليها: –أنا مستحيل أسيبك أو أبعد عنك. إنتي روحي. عانقته هي الأخرى وهمست إليه وهي تغمض عيناها: –أنا بحبك أوي يا رشيد. إنت وحشتني أوي.

همسها إليه باشتياق جعله يضمها إليه أكثر ثم ابتعد عنها قليلاً يتأملها بعشق ثم قبلها بقوة وهو يضمها إليه. فتحت عيناها بصدمة وهو يقبلها وانتفض جسدها بين يديه. ابتعد عنها سريعًا لا يصدق ما يفعله. وضعت يديها فوق شفتيها بصدمة وتحدثت بصوت متقطع: –هو إيه اللي حصل؟! التقط أنفاسه وهو يبتعد عنها أكثر ويحاول السيطرة على مشاعره تجاهها، ثم أجاب بهدوء مصطنع: –مفيش حاجة. إنتي شكلك كنتي بتحلمي وأنا كنت بحاول أصحيكي.

ثم تركها وأخذ ثيابه الذي بدله بالأمس واتجه إلى المرحاض لكي يرتديه مرة أخرى. ارتجف جسدها بقوة وهي تتابع ابتعاده عنها وتضع يديها فوق شفتيها بصدمة. دقائق قليلة وخرج من المرحاض وهو يرتدي ثيابه. استمع لصوت طرقات على باب الغرفة. ذهب وفتح الباب، كانت واحدة من السيدات تعمل بالدوار، تحدثت إليه واخبرته باحترام: –سيدي الحاج عايزكم تنزلوا تحت تفطروا. أومأ رشيد برأسه بالإيجاب قائلاً:

–تمام إحنا نازلين. بس لو سمحتي ممكن تجيبيلنا مسكن وأي خافض للحرارة. أومأت بالإيجاب وذهبت لكي تجلب له ما طلبه منها. عاد إلى داخل الغرفة وأغلق الباب ونظر إليها وتحدث بهدوء: –فين شنطتك؟ أشارت إليه برأسها وهي تشعر بالتعب وتحدثت بصوت منخفض: –عايزها ليه؟ وجد حقيبتها بجانب خزانة الملابس، أخذها لكي يضع ثيابها بداخلها وهو يجيب عليها: –بجهزها عشان هترجعي معايا. تحدثت بدهشة: –هرجع معاك فين؟!

رمقها بنظرة غاضبة ولم يجيب عليها. استمع لصوت طرق على الباب مرة أخرى، ذهب وفتح الباب وأخذ من السيدة الدواء الذي طلبه منها وشكرها باحترام وأغلق الباب بهدوء. اقترب من كارمن وحمل بيديه كوبًا من الماء وتحدث إليها: –إشربي الدوا ده عشان تخفي وتبقي أحسن. نظرت إلى الدواء بيديه وتحدثت بحزن: –وإنت عايزني أخف وأبقى أحسن ليه! مش إنت أصلاً كنت عايز تموتني؟! زفر بغضب وأجاب عليها بغيظ: –ما أنا هموتك زي ما أنا عايز. بس مش دلوقتي.

حملقت به بصدمة. أعطاها الدواء والماء دون أن يتحدث مرة أخرى. تناولت الدواء وهي ترتجف من الخوف وتفكر ماذا يريد أن يفعل بها؟ تركها تائهة بداخل أفكارها وذهب ليضع ثيابها بداخل الحقيبة وتحدث إليها بهدوء: –قومي اجهزي عشان هنمشي دلوقتي. وقفت وهي تنظر إليه بخوف. اقترب منها وأعطاها ثيابًا لها اختاره من ثيابها وهو يضعها داخل الحقيبة ثم تحدث إليها: –ادخلي الحمام اجهزي وأنا هستناكي هنا.

أومأت برأسها بخوف وأخذت الثياب واتجهت إلى المرحاض. تنهد بتعب بعد دخولها المرحاض ثم أغلق الحقيبة ووضعها أمامه لكي يحملها ويذهبون معًا من هنا. دقائق قليلة وخرجت من المرحاض وهي تخفض وجهها أرضًا بخوف. تأملها بصمت ثم اقترب منها وهو لم يستطع إبعاد عينيه عنها لكنه حاول التماسك أمامها ورسم الجدية والبرود فوق ملامحه: –جاهزة؟

أجابت على سؤاله بإيماءة بسيطة. أمسك يديها وحمل الحقيبة باليد الأخرى وأخذها وخرجا من الغرفة بصمت. ترجلت الدرج وهي تستند على يديه، تشعر بدوار خفيف لكنها تحاول التماسك أمامه. اقتربوا من مائدة الطعام والجميع يجلسون عليها. الحاج عبد الرازق وابنته وداد وحفيده فراج وحفيدته أزهار. رمقهما فراج بنظرات مشتعلة بالغيرة والغضب وهو يتطلع إلى يد رشيد المتشابكة مع يد كارمن. تحدث رشيد بهدوء وهو يقف أمامهم: –صباح الخير.

رد عليه الحاج عبد الرازق: –صباح النور يا بني. تعالوا يلا خلينا ناكل لقمة مع بعض. أومأ رشيد برأسه قائلاً: –حاضر. بس بستأذن حضرتك إننا هنرجع القاهرة بعد الفطار على طول لأن عندي شغل هناك. تحدثت وداد: –ماتخلوكم معانا كام يوم كمان على ما كارمن تخف ونطمن عليها. تحدث رشيد: –متقلقيش حضرتك على كارمن وإن شاء الله قريب جدًا هنرجع هنا في زيارة أطول من كده. إنتوا أهل كارمن وأنا أقدر أبعدها عن أهلها. نظرت إليه كارمن بدهشة.

تحدث الحاج عبد الرازق: –على راحتك يا بني. بس بعد الفطار أنا عايز أتكلم معاك إنت ومراتك في موضوع مهم. أومأ رشيد برأسه بالإيجاب قائلاً: –إحنا تحت أمر حضرتك. ***** بعد انتهائهم من تناول الطعام. تجمعوا بداخل القاعة. الحاج عبد الرازق، وفراج، ووداد، وكارمن، ورشيد. جلس الحاج عبد الرازق فوق مقعده وتحدث إلى رشيد:

–دلوقتي يا بني إنت لازم تعرف إن مراتك لها ورث عندنا في الأرض بتاعنا، وأكيد إنت عارف إن الأرض عندنا مبتخرجش برا العيلة. أومأ رشيد برأسه قائلاً: –اعذرني حضرتك أنا المفروض مليش علاقة بموضوع ورث مراتي ده نهائي. هي مسؤولة مني وكل طلباتها وأي فلوس تحتاجها مسؤوليتي. لكن ورثها وأرضها ده شيء بينكم وبينها وأنا عارف مراتي ومتأكد إن هي ميهمهاش أرض قد ما يهمها إن يكون لها عيلة زيكم يحبوها ويخافوا عليها. نظرت كارمن إلى جدها وأضافت

على حديث رشيد بهدوء: –وأنا مش محتاجة أرض. عمتي وداد هي أحق مني بالأرض دي. هي اللي اتظلمت ودفعت عمرها مقابل الأرض. نظرت إليها وداد وأدمعت عيناها متأثرة بحديث كارمن أمام الجميع. نظر الحاج عبد الرازق إلى ابنته وداد وشعر بالذنب تجاهها ثم عاد ببصره إلى كارمن وتحدث: –بس ده حقك يا بنتي. تحدثت كارمن: –أنا مش عايزة أي حاجة غير إنكم تحبوني ويبقى ليا عيلة وأهل يسألوا عليا لو غبت عنهم. صدقوني ده أغلى من كنوز الدنيا.

ابتسمت وداد وهي تنظر إلى كارمن بحنان. ابتسم الحاج عبد الرازق قائلاً لها: –واخدة طيبة قلب أبوكي يا بنت صادق. بس حقك لازم تاخديه بما يرضي الله. لما أمك جت طلبت مني حقك أنا رفضت عشان كنت عارف إن أمك هتاخد منك الفلوس وتبهدلك معاها. إنما دلوقتي إنتي في حماية راجل وحق الأرض هتاخديه وأنا مطمن عليكي. نظرت كارمن إلى رشيد ثم عادت ببصرها إلى جدها. لا تعلم ماذا تقول. صمتت قليلاً ثم أردفت:

–طب ممكن بلاش آخد حقي في الأرض ويفضل هنا معاكم. أنا خايفة آخد حقي في الأرض وبكده تبقى انتهت العلاقة بينا. تحدث فراج بعد صمت طويل منذ بدء الحديث بينهم جميعًا: –مش الفلوس والأرض بس اللي بتربطنا بيكي يا بنت عمي. اللي بيربطنا دم واسم عيلة بيجمعنا كلنا. نظر رشيد إلى فراج ثم نظر إلى الحاج عبد الرازق قائلاً: –الأفضل لو حضرتك تحتفظ لكارمن بحقها في الأرض بمعرفتك لأن كارمن مش هتقدر تحافظ على حقها.

نظرت إليه كارمن بغيظ. تجاهل نظراتها وتحدث إلى الحاج عبد الرازق: –اسمحلنا نتحرك دلوقتي عشان نلحق القطر. تحدثت وداد بحزن. وقف رشيد وتحدث باعتذار: –إن شاء الله هنيجي نزوركم في أقرب وقت. وقفت كارمن بخوف. اقتربت منها وداد وعانقتها بقوة وهمست لها بحنان: –متخافيش من أي حاجة وفي أي وقت كلميني وهتلاقيني عندك. أومأت كارمن برأسها وهي بداخل حضن عمتها. على الجانب الآخر وقف رشيد أمام الحاج عبد الرازق وتحدث إليه الحاج عبد الرازق:

–مش هوصيك على بنتنا يا رشيد. إنت هتاخدها دلوقتي أمانة من دارنا ولو في يوم حسيت إنك مش هتقدر تحافظ عليها يبقى ترجعها هنا في بيتها معززة ومكرمة. أومأ رشيد برأسه قائلاً: –متقلقش حضرتك. كارمن مراتي وفي عيني. ثم صمت قليلاً وأضاف بداخله: –بس ده ميمنعش إني لازم أربيها من الأول وجديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...