عز الدين يسير بالمكتب بغضب ذهاباً وإياباً، يكاد يجن من هذه التي أصبحت رئيسة المجلس وتأخذ نصف الأرباح أيضاً، هذه نسبة هو نفسه لا يأخذها. ونعتته بالتصرف الطفولي بحضور المجلس كله، وهو لم يرد حتى عليها. فمن هنا لا يخافه ويجرؤ على ذلك، وقال بصراخ على الهاتف: "جوزيف يا أحمق، من هذه الفتاة؟ جوزيف ببرود: "أي فتاة بالتحديد؟ -تقول إنها نارة يوسف المقدادي." -تقول إنها؟ أي أنك لست واثقاً؟ -لا أصدق، نعم فهي تشبهها بشكل جنوني."
-تشبه من؟ -ميرال التاجي يا أحمق." -هنا انتفض جوزيف: أنت واثق؟ ألم نقتلهم الخمسة؟ -اخرس، لا تتحدث بهذا على الهاتف. تعال على مكتبي بسرعة." -أنا قادم، دقائق وأكون قد وصلت." في طريقه للشركة تلاقت عيون جوزيف بعيون نارة وهي خارجة من الشركة، قال بطريقة مقرفة: "ربما عودة الفاتنة ليست بشيء سيئ." وأكمل طريقه نحو مكتب عز الدين. -ها قد أتيت، أخبرني الآن ماذا هناك؟ -أخبرك بماذا؟
أن فتاة ظهرت من العدم، نسخة طبق الأصل من ميرال وكأنها توأمها، أصبحت شريكة لي وتملك نفس ما أملك من أسهم، وفوق ذلك كله أصبحت رئيس المجلس وتفضلت علي بمنصب نائب الرئيس. أم أنها ستأخذ نصف أرباح المشروع الجديد؟ أم أنها نعتتني بالطفل داخل المجلس؟ -أوووه، اهدأ كي نفهم." -قلت إن اسمها نارة يوسف المقدادي، وتلك ابنة ذلك الأحمق تدعى نارة يوسف اليوسفي، هذا أولاً." -ربما غيرت اسمها."
-ذكي حقاً، وأبقت اسمها كما هو واسم أبيها، وتظهر أمام قاتل والديها هكذا ببساطة، وهي قد رأته بعينيها يقتلهما." -ربما أتت لكي تنتقم." -تنتقم بأن تطور شركتك؟ فهي سوف تتحمل وحدها الخسارة إن حصلت. ما بك عز؟ أفقدت صوابك أم أنك قد خرفت؟ ثم من أين أحضرت المال كي تشاركك؟ فأنت استوليت على كل أموال أبيها. أتذكر؟ لنفترض أنها هي، كيف عاشت دون مأوى أو مال أو أي شيء؟ -وضع عز الدين
يداه على رأسه بتعب وقال: ربما معك حق، ولكن وجودها يزعجني هنا، لا يمكنني التصديق بكمية التشابه بينهما." -لا تقلق، سأتصرف." *** ( عند نارة وماريانا ) ماريانا: "سيدتي." نارة: "نعم ماريانا." -لا أفهم ما تحاولين بلوغه؟ -أليس هدفي واضحاً؟ -أعلم هدفك، ولكن أنت تتصرفين عكسه. لما قبلتي توقيع ذلك التعهد الآن؟ حتى لو خسرنا الصفقة هم لن يتأثروا بشيء." -ومن قال لك أنني أريد أن أخسرهم؟ -لا أفهم."
-عزيزتي ماريانا، فكري أبعد من ذلك. إن فعلت لا أكون سوى تسببت بخسارة 25% فقط من أملاكه، وأنا أريد أن أجعله متسولاً. لذلك كان لابد من إنجاح هذا المشروع كي أكسب ثقة أعضاء مجلس الإدارة. نعم، نحن أثرنا على قرارهم اليوم، ولكن ذلك لن يكون دائماً إن لم نكسب ثقتهم." -أي أنك تريدين كسب ثقتهم وإبعاد عز الدين ثم طرده شيئاً فشيئاً."
-اقتربتِ، ولكن ليس بالضبط. فأنا أريد كسب ثقتهم والتوغل بالشركة حتى أستطيع الوصول لما يدين عز الدين بكل جرائمه، أريد فضحه أمام الجميع وتدمير عالمه القذر كله فوق رأسه. سأسلبه كل شيء، المكانة، النفوذ، المال، حتى شعوره بالأمن." -لقد فهمت، ولكن ما لا أفهمه سبب عدائك له." -ستفهمين، ولكن بالوقت المناسب. ثقي بي، يستحق ذلك، أقسم لك."
-أعلم ذلك. القذر كي يبني مركزه التجاري قام بهدم عمارة سكنية احتوت على مئة عائلة فقيرة تشردت بسببه، على الرغم من دفعهم للإيجار على الوقت. لو كان السيد يوسف حياً لما حصل هذا أبداً. ثم ظهرت أنت وأويت الجميع وأعطيتهم فرصاً للعمل لكي يضمنوا حياة كريمة لأنفسهم ولعائلاتهم." "ومن بينهم عائلتي أيضاً، لذلك أنا معك حتى النهاية." -لقد فعلت الكثير بالفعل، ولكنك سوف تتوقفين عند هذا الحد. هذه حربي أنا، وأنا أصر خوضها وحدي."
-سيدتي، إن لم تدعيني أساعدك، فأنا سأحارب وحدي. وعندها حتماً سأقع، ولكن عندها أكون أطفأت ناري قليلاً. أرجوك اسمحي لي بالاستمرار إلى جانبك." -ماريانا، لا أريد أن تتأذي، وقد فعلتِ الكثير حقاً ويكفي استمرارك بجمع المعلومات بهذه المرحلة." -لا تقلقي، اقتربت من معرفة الكثير." -آمل ذلك." -اسمحي لي، لدي بعض العمل بالشركة، ولكن اليوم شعرت وكأنه يعرفك منذ زمن. أعني بالتأكيد سيقوم بجمع معلومات عنك. ألا تخافين أن يصل لشيء؟
-ابتسمت نارة بثقة وهي تذكر آخر ما فعلته عندما كانت بدبي: لقد قامت بنقل جميع أملاكها باسم أخويها بالتساوي وأوكلت جاد بها لحين بلوغهما السن القانوني، وأظهرت الأمر وكأنه إرث لهما، ومحت أي سجل أو أي بيانات تثبت يوماً أنها كانت بدبي. لا تقلقي، لن يصل لشيء." "سيعرف فقط أني نارة يوسف المقدادي، فتاة تعمل بمجال الأعمال منذ ثلاث سنوات من خلال شركة أسستها بقرض من البنك، وأنها حديثاً قامت بسداده. وهذا كل ما سيصل له."
-أنت حقاً رائعة." -أشكرك."
رحلت ماريانا وشربت نارة عصيرها وأرادت الصعود بعدها لغرفتها، ولكن وهي بمنتصف الطريق شعرت بدوار وغثيان شديدين حتى أغمي عليها بالطريق. والتقطها أحدهم، أخذها لمكان ما. فهي لم تكن بكامل وعيها حتى تدرك أين يتم أخذها. بعد مرور وقت لا تعلم مدته، استيقظت على سرير بغرفة غريبة. التفتت حولها ولكن الصورة مازالت مشوشة. الصداع ينهش رأسها. حاولت أن تأخذ المهدئ من حقيبتها ولكنها لم تجد حقيبتها. حاولت التماسك وأمسكت برأسها وجلست على
حافة السرير بصعوبة. وشيئاً فشيئاً بدأ الدوار والصداع يهدآن، لكنها مازالت مرهقة وقد تقيأت بشدة. فُتح باب الغرفة أخيراً وكان رجلاً لا تعرفه بيده علبة ماء. قام بغسل وجهها بها وأشربها القليل، ثم بدأ بسندها كي تقف. وهي كانت مستسلمة تماماً، فهي لا تمتلك الطاقة لفعل شيء. وأخرجها من الغرفة، وعندما خرجت كان هناك الكثير من الرجال المسلحين وأشكالهم مرعبة، لكن ليس بالنسبة لها.
قال أحدهم -يبدو أنه رئيسهم -: "لقد نجوت هذه المرة يا صغيرة." نارة تنظر به شزراً، ولو كانت النظرات تقتل لبات صريعاً. رغم تعبها إلا أن عينيها تشتعلان بنار. قال مهدداً إياها: "احني نظرك يا فتاة، ولا تنظري بي هكذا مجدداً." إلا أنها لم تتحرك. أراد الاقتراب وإجبارها على حني نظرها، وما إن رفع يده ليصفعها حتى وجد يداً صلبة تقبض على يده، كانت يد ذلك الرجل الذي يقوم بسندها، وقال بصوت مليء بالتوعد: "لا تجرؤ على لمسها وهي معي."
تراجع وسحب يده: "خذها من هنا." نارة كانت قد بدأت باستعادة طاقتها، حتى انتبهت على عدم وجود سلسلتها برقبتها. وهنا تنشطت كل خلية بعقلها وجسدها، فهذه السلسلة تحديداً كانت لا تفارق رقبة أمها، كما أنها أعطتها لها يوم وفاتها عندما أوصتها بالعناية بشقيقيها. نارة بصوت عال: "أين سلسلتي؟ ذلك الرجل البغيض رد باستفزاز لها: "أنت لا تملكين شيئاً."
عندها جن جنونها أكثر، فحتى مشبك شعرها غير موجود. وكان هناك أحد الرجال يقف بجوارها، قامت بضربه بشدة في أعلى معدته، وهذه ضربة تشل الخصم مؤقتاً. وأخذت سلاحه ووجهته نحو الرئيس: "هي جملة واحدة، أريد أغراضي يا حقير."
وهنا رفع الجميع سلاحه ووجهه عليها، ولكن لم ترمش لها عين وأبقت يداها مثبتتين على السلاح الذي توجهه عليه، حتى صدر صوت رصاصة بالمكان. لم تكن صوت رصاصة نارة، إنما ذلك الرجل قد أطلق النار على أحد رجال العصابة بعد أن حاول غدر نارة من الخلف. وقال بهدوء: "ليس من الرجولة أن تهاجم من الخلف، فكيف وأنت تهاجم امرأة؟ نارة نظرت للمشهد، رغم ما أثاره في نفسها، إلا أنها تحاملت على نفسها وبقيت ثابتة قدر الإمكان، وقالت بنبرة تخلو
من أي معنى يمكن تفسيره: "أريد سلسلتي ومشابك شعري وباقي أغراضي، وإلا ستكون حياتك الثمن." ما من رد. وعندها نارة سحبت سلاحها تستعد للإطلاق عليه، إلا أن صوتاً صغيراً اخترق المكان، وكانت طفلة تبلغ العاشرة
من عمرها تبكي بصوت عال: "أرجوك لا تقتل أبي، أرجوك. سأعيد لك سلسلتك وأغراضك، إنهم معي، ها هم. ولكن لا تقتل أبي، أرجوك، أرجوك." نزلت لمستوى الطفلة، أخذت سلسلتها ومشابك شعرها وحقيبتها، ونظرت به بحقد شديد، فهي لا تصدق بأن أحد قام بنزع سلسلتها من رقبتها، فهي لم تخلعها أبداً منذ ذلك اليوم. وقالت بصوت غامض: "هذه الفتاة دية حياتك اللعينة." وأطلقت النار. وجاءت صرخة منه: "لااااااا."
ولكن نارة لم تقتل الفتاة، بل قامت بإطلاقها بالهواء، ونظرت له بسخرية وخرجت من بين جميع أولئك المسلحين، لا أحد يمنعها، وهي تسير وكأنها لا ترى أحداً من الأصل. فتبعها ذلك الرجل بصمت. وعندما خرجت من ذلك المكان، رمت السلاح من يدها واتجهت نحو سيارتها، فيبدو أنهم أحضروها بها. وقبل أن تصعد وجدت يداً تمسكها، كان ذلك الرجل. نظرت به وكأنها لم تكن قد رأته مسبقاً، أو أنه هو من حماها قبل قليل.
قال: "أنا من سأقود، أنت اصعدي بالجهة الأخرى." نارة وقد سحبت يدها بعنف: "عفواً، من تظن نفسك؟ ابتعد عني." -علينا التحدث حالاً." -اصعد." -أنا سأقود، أنت مرهقة." -كلا، أنا بخير وأستطيع القيام بذلك." أراد الاعتراض، لكنها ركبت السيارة ولم تعطيه مجالاً لكلمة أخرى، وأدارت المحرك، ولكنها لم تتحرك. مسح على وجهه بغضب وركب من الجهة الأخرى، وهي التي قادت السيارة (قلت لكم بأنها عنيدة، فهي بالفعل متعبة ولكنها لا تتنازل بسهولة)
لاحظت بأن هناك سيارات تتبعها منذ خروجها. قالت بهدوء: "رجالُك هم الذين خلفنا؟ قال: "كلا." قالت: "ضع حزام الأمان." ودعست على البنزين بشكل كبير، ثم رفعت (الهاند بريك)
مسببة انبعاث الكثير من الدخان وغبار الطريق، وقامت بإنزاله مجدداً وأدارت المقود وانطلقت، ثم دخلت إلى زقاق طريق وأطفأت المحرك وانتظرت قليلاً حتى خرجت سيارتان، ولكنهم لم يروهم واتجهوا بطريق مختلف. وعندها أعادت تشغيل المحرك وانطلقت باتجاه غير الذي سلكوه وغير الذي كانت تسير به. حتى وصلت لحافة. أوقفت السيارة ونزلت، وكانت هذه الحافة تطل على المدينة بأكملها. وقد اتشح المكان بلون أحمر بسبب غروب الشمس. وقفت نارة أمام السيارة وفتحت غطاء السيارة كي تسمح للمحرك بأن يبرد بعد جولتها الجنونية تلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!