جاد بعد أن لحق بنارة التي كانت تهم بالصعود إلى سيارتها: نارة. التفتت إليه ورفعت حاجبها: نارة؟ جاد بضحكة: انتهى العمل سيدتي وخلعتِ يد الرجل أيضًا، أيمكنني التحدث إلى صديقتي؟ ابتسمت نارة: أوه أجل، انتهى العمل. جاد: لم تستطيعي مقاومة عادتك، كل وفدٍ يجب أن يخرج بإصابة. نارة: يستحقون ذلك، ما بكم يا معشر آدم؟ وغيرت صوتها بسخرية: أوه، أغنيتي المفضلة، أترقصين معي؟ ضحك جاد حتى أدمعت عيناه، فهو يعلم كم تستفزها مثل هذه الجمل.
وتابع بسخرية: لا أستطيع أن أصدق أن السيدات العربيات جميلات وناجحات. نارة ضحكت بعد أن استفزتها هذه الجملة: ولا أنا أصدق أساسًا. جاد: حسنًا، دعينا نتمشى قليلًا. نارة: أريد الاعتذ.. جاد مقاطعًا إياها: هيا بنا. سارا نحو الشاطئ وبدأ يتمشيان. جاد: نارة. نارة: نعم. جاد: أريد أن أسافر معك غدًا. نارة: لا. جاد: نارة، أرجوك. نارة: كلا يا جاد. جاد: لماذا؟ نارة: لا أريد أن أدخل أحدًا بهذا الأمر. جاد: ولكن.. نارة:
أرجوك يا جاد، احترم رغبتي، أنت فعلت الكثير لي بالفعل، كما أنني سأسافر لفترة ولا أستطيع الوثوق بأحد غيرك ليهتم بالشركة والمنزل بغيابي. جاد: نارة، أنتِ أنقذتي حياتي وحياة عائلتي وساعدتني كثيرًا، أرجوك اسمحي لي بمساعدتك. نارة: جاد، قلت لك أن تنسى ذلك الأمر ولا تبقى مصرًا على أن ذلك دينٌ يجب سداده لي، وأيضًا أنت تساعدني بالفعل بتولي أمور الشركة بغيابي واهتمامك بأخَواي، وهذا يكفيني وزيادة. جاد:
إنني أستسلم، لا أصدق ما أنتِ عنيدة إلى كل هذا الحد؟ فزتِ يا نارة، لن أرافقك، ولكن لا تحلمي حتى بأن أبقى خارجًا وأنتِ تصارعين كل هذا، فهمتِ؟ سأساعدك شئتِ أم أبيتِ. نارة: جاااد! كلا! أنت لن تتدخل. جاد: بلا. نارة: قلت كلا. جاد: تصبحين على خير. نارة: جاد، لا تغضب أرجوك. جاد: كيف لا أغضب وأنتِ على وشك قتل نفسك؟ لماذا تفعلين ذلك؟ لماذا؟ دعيني أساعدك، دعنا ننجز هذا الأمر معًا كما نفعل دائمًا، لما لا تفهمين؟
هناك أمور بالحياة لا نستطيع مجابهتها وحدنا، استوعبي ذلك. وهنا فقدت نارة أعصابها وقالت بغضب: لن أستوعب، لن أستوعب شيئًا، لا أريد رأيك. والداي يُقتلان أمامي، رأيت أخواي يتيمان أمامي، رأيت أموال أبي وعمله وتعب سنينه يُسلب، رأيت أمي وهي تتحسر على أخواي وتبكي وتوصيني بهما. وبدأت دموعها تنزل وتستمر بصراخ: وهي تقول: وذلك كي يحمياني، ضحا بنفسيهما وأنقذاني أنا. لا أريد أن يموت أحد آخر بسببي، لا! لا أريد، ألا تفهم أنت؟
كل ليلة، كل ليلة أسمع صراخ أمي، أرى أبي ملقى على الأرض يسبح بدمه، كل ليلة. عشر سنوات... عشر سنوات من العذاب لم أشتكِ لأحد، درست وعملت وأصبحت أُمًّا وأبًّا لطفلين وأنا بالكاد قد بلغت السادسة عشر من عمري. أنت تفهم يا جاد؟
لن أسمح لأحد بالتدخل أبدًا وسأسترجع حق والداي، أقسم بذلك. لن يموت أحد بسببي مجددًا، سأحاسبهم جميعًا على ما فعلوه. سلبوني كل شيء، سعادتي.. وأماني.. وأحلامي.. وكل شيء. دمروا حياتي وعائلتي، وأنت تريد مني التراجع؟ تريد أن تتدخل كي أقتل وأنجو أنا وأعود لذات العذاب؟ مجددًا كلا، لن يحصل. وصرخت بصوت أعلى: لن يحصل أبدًا يا جاد! جاد وقد شعر بندم شديد على فتح جرحها بهذا الشكل، وكان هذا الجرح قد التأم يومًا:
نارة، أنا أعتذر، لم أقصد أن أجرحك، ولكنني خائف أيضًا من خسارتك، كخوفك أنتِ أيضًا من موت أحد الذين حولك. اقترب منها جاد ووضع يديه فوق كتفيها وتابع بنبرة حنونة: سامحي نفسك يا نارة، أنتِ لم تذنبي، هما والدان وكان من المستحيل أن يفضلا حياتهما على حياتك وحياة أخوتك. نارة وقد مسحت دموعها بسرعة، فهذه أول مرة منذ وفاة والديها تبكي أمام أحد، وقالت بصوت مبحوح من الصراخ والبكاء: جاد، يكفي، أرجوك لا تفتح هذا الموضوع مجددًا.
وأبعدت يديه عنها ورحلت بسرعة إلى سيارتها وقادتها بجنون وسرعة كبيرة.
ويمكنك سماع صوت صرير العجلات على الشارع وكأنها تصرخ من الألم، والسرعة رغم ارتفاعها لم تخفِ صوتها.. صوت الألم الذي يخترق قلبها في كل يوم وكل ثانية. الألم الذي لم تشارك به أحد يومًا، أو بصورة أدق، الألم الذي لم تسمح لأحد برؤيته. لطالما ظهرت للجميع بمظهر القوة والجبروت، كبريائها الذي لم تجرحه يومًا، لم تشكوه لأحد. حتى جاد لم تخبره بما حصل لأهلها، ولكنه اكتشف الأمر صدفة وأراد مساعدتها ليرد لها دين مساعدتها له. فهي في
يومٍ أنقذت عائلته. فعائلة جاد كانت فقيرة جدًا ومرضت أمه، وكانا زميلان بالجامعة واضطر لترك الدراسة من أجل العمل كي يساعد بتكاليف علاج أمه. وعندما علمت نارة بالأمر ساعدته وعالجت والدته بأفضل المستشفيات، ولكي لا تجرحه وتساعده حقًا قدمت له عملًا بشركتها، ومنذ ذلك الوقت وهو صديقها المقرب أو الوحيد. ولكن ذلك لا يعني رؤيته للألم الذي بداخلها. فهي دائمًا تشارك الجميع آلامهم وأفراحهم وتشاركهم فرحها، وإن كان الأمر يتعلق بحزنها
فهي تستأثر به لنفسها.
وبعد وقت من القيادة الجنونية وصلت على مكان لم تدخله منذ سنين، وصلت إلى المقبرة حيث شاهدت قبر والديها ميرال التاجي ويوسف اليوسفي. جلست بجانب القبرين رغم عدم زيارتها للقبرين من قبل، إلا أنها لم تهملهما وتوصي دائمًا العامل عليهما، ولكنها لم تمتلك القوة يومًا للمجيء. نارة بنبرة الألم والغصة:
طلبت مني مسامحتك على كل ما تركته لي من مسؤولية وفوضى وأنك لم تكن بجانبي لتعلمني كيف أجابه هذا كله، وأنا سامحتك على ذلك منذ زمن، ولكن ماذا عن كل هذا الألم الذي في قلبي؟
آاااااه، قلبي يحترق كل يوم، كل ثانية أنظر فيها على يوسف وميرال وأرى ملامحك بوجهيهما، عيناك الجميلتان وشعرك الذهبي. ما زلت أنتظر الساعة السادسة حتى تعود من العمل وتحضر لي معك الحلوى، على الرغم من أن عمري أصبح ستة عشر عامًا إلا أنك حافظت على هذه العادة وكأنك تقول لي دائمًا: أنت ابنتي الصغيرة التي لا أريدها أن تكبر أبدًا. ولكن انظر، ابنتك كبرت كثيرًا يا أبي. حققت كل ما حلمت به يومًا، لطالما كنت الأولى بدراستي كما أردت وأصبحت سيدة أعمال ناجحة مثلك، ولكنك لست موجودًا لترى ذلك.
واجهشت ببكاء مرير، بكاء أخرج كل ما حمله الماضي من الألم. وسمعت صوته في رأسها وهو يردد كلماته الأخيرة وهو يقول لها: أحبكِ بشدة يا ابنتي. وبقيت تردد: وأنا أحبك، وأنا أحبك أيضًا. رفعت رأسها بعد وقت من البكاء المرير وقالت: أمي، أتعلمين لماذا لا أقص شعري أبدًا على الرغم من حبي للشعر القصير (سابقًا) لأن شعركِ كان طويلًا جدًا وجميلًا؟
انظري، لقد أصبح شعري مثل شعرك وأصبحت أعتمد على نفسي في تسريحه. هيا لن أتعبك مجددًا بذلك، كنت أعرف كيف أفعل ذلك منذ زمن، ولكن كنت أحب لمساتك على شعري بحنان. عودي، سأسرحه بمفردي، أعدك، ولكن عودي، عودي وادعي لي كما كان طبعك دائمًا. منذ أن توقفتِ عن الدعاء لي أضعت سعادتي بهذا العالم. أقسم أنني أديت أمانتك بأخَواي، أنا أعاملهما كما كنتما تعاملاني تمامًا وأغني لهما أغنيتكما قبل النوم. تعالي وانظري، ميرال تريد أن تكبر لتصبح
طبيبة مثلك ويوسف كما أردتِ رجلاً، رغم صغر سنه يريد أن يساعدني ويخفف عني عبأ العمل، ولكن ليته يعلم أن العمل لا يرهقني، إنما أهلكني غيابكما. لم أدعهما ينسياكما، فقد ملأت غرفتهما بصوركما وأرجاء المنزل أيضًا. كل ليلة أحدثهما عنكما رغم ما يسببه هذا لي من الألم، فتلك الذكريات تحرق قلبي قبل أن أبوح بها. أحبكما كثيرًا، لماذا تركتماني وحدي؟
ما تركه في نفسي غيابكما من الألم قد أتعبني. عودا، أرجوكما. ياااا الله، ارحمني، ارحمني من هذا العذاب. أقسم بأنني أرى الموت ألف مرة باليوم وأخشى تمنيه لكي لا أصنع في يوسف وميرال نارًا أخرى. آاااااه، إنني أموت يا أمي، أرجوك عودي واحضنيني، أرجوك. وبقيت على هذا الحال وبكاؤها يزداد وهي محتضنة القبرين وكأنها تحتضنهما وتتمتم بذكرياتها السعيدة معهما حتى غلبها التعب ونامت وهي على هذا الحال.
بدأت الشمس تداعب عينيها المتورمتين بشقاوة حتى أيقظتها. استيقظت نارة بتعب وصداع شديدان. وضعت يديها بين خصلاتها تمسك رأسها لعل ألمها يهدأ، ولكن دون جدوى. أخذت حقيبتها تخرج دواء يهدئ الجحيم الذي في رأسها حتى أخرجت علبة مهدئ قوية وأخذت منها قرصان دون ماء. ونظرت للقبر: لا تقلقي أمي، لا أكثر من هذه الأدوية غالبًا، ولكنني اعتدت أخذها هكذا دون ماء. أعتذر لرؤيتك هنا. وجلست بجوار القبرين تراقب شروق الشمس وبدأت تردد:
لطالما أخبرتيني أن كل يوم تشرق به الشمس ونراقب شروقها، ذلك كفيلٌ بإعادة الأمل لقلوبنا العليلة، ولكن شمس قلبي لا تشرق يا أمي. ما بها؟ أهي تعاقبني لأنني لم أنقذكما؟ أو لأنني لم آخذ حقكما إلى الآن؟
ولكن لا تقلقا، سوف أفعله قريبًا جدًا، أقسم لكما ذلك. الشيطان الذي حرمني منكما، أعدكما بأنني سأجعله يتمنى الموت ولكن لن يجده. أعدكما بأنني سأجعله يدفع الثمن. دماؤه القذرة لن تكون ثمنًا لدمائكما، لذلك لن يموت، لا تقلقا. ابنتكما ليست بقاتلة، وكما أنه من المهين أن تكون دماء ذلك القذر بدلًا عن دمائكما. وذرفت دمعتها الأخيرة التي مسحتها بعنف عن وجهها الذي شحب من كثرة البكاء. اقتربت من القبران وودعتهما بعبارة واحدة:
وأنا أحبكما بشدة. وأقسمت داخلها أنها لن تسمح لدمائهما أن تذهب هدرًا. أقسم بأن الذي كان السبب سيدفع الثمن غاليًا. أقسمت بأنها لن تبكي مجددًا أمام أحد أو حتى بينها وبين نفسها، لأنه حان الوقت لكي يبكي فيه من تسبب بكل تلك الآلام لقلبها وعائلتها. هي الآن عبارة عن اسم على مسمى، فهي كالنار المتأججة، ستحرق كل من يقربها. ولكن حتى النار تحرق نفسها بالبداية قبل أن تحرق أحد، ولكنها لا تبالي بذلك، فهي لا ترى سوى هدفها أمامها.
ركبت سيارتها. (في مكان آخر) ماذا تعني بأنه باع كل الأسهم؟ هذا ما حصل يا سيدي، أرجوك اهدأ. كلا، كلا، لن يحصل. أنت لا تعلم ماذا فعلت من أجل هذه الشركة والأسهم. قبل ذلك دمرتهم جميعًا وسأدمر كل من يحاول أخذها مني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!