الصدمة والصمت ملآ المكان تمامًا. جميعهم لا يصدقون ما يحدث الآن. هي فعلًا أُصيبت. هي على الأرض، هي تنزف بغزارة. أما هو فقد سُحِب الدم من عروقه ولم يعد حوله هواء أبدًا. فهذه المرة ليست خدعة. الشرطة قامت باعتقال عز وأخذه. ريان ينظر حوله بضياع. اقترب منها واحتضنها. الشرطي: اهدأ سيدي، اتصلنا بالإسعاف. آدم بصراخ: رياااااااان! إن انتظرنا الإسعاف ستموت هنا. هيّا سيارتي بالخارج، هيااااا!
انتفض ريان كالذي صعق بكهرباء. رفعها عن الأرض وبدأ يركض بها نحو السيارة. كانت قد بدأت تفقد وعيها. ريان: آدم قد أنت، أنا لا أقدر. آدم: حاضر، هي بنا. جلس ريان بالمقعد الخلفي ومعه نارة التي وضعها برفق وبدأ يضغط على جرحها محاولًا إيقاف النزيف أو التخفيف منه. ريان: نارة، نارة افتحي عينيكِ أرجوكِ. نارة بصوت متقطع: لا تفلت يدي. ريان: أنا هنا، أنا هنا، ولكن ارجوكِ ابقي مستيقظة. نارة بضعف أكبر: رياااان... وفقدت وعيها.
ريان: نارة، نارة اسمعيني، نارة لا لا لا، ابقي مستيقظة. وصرخ: آدم بسررررعة! دعس آدم على البنزين أكثر حتى وصل أول مستشفى بطريقهم. نزل ريان وهو محتضن نارة. آدم: احتاج طبيب، طبيب! ريان: حالة اسعااااف أرجوكم، أين الطبيب؟ أرجوكم! اقترب منه مجموعة من الممرضين ومعهم سرير متحرك ووضعها برفق وأخذوها نحو غرفة الإسعاف. الطبيب: ما الأمر؟ ريان: أُصيبت بطلق ناري.
الطبيب: إنها تخسر الكثير من الدم، بلّغوا عن حاجتنا إلى وحدات من الدم، هيا. ريان بقلق: ستكون بخير صحيح؟ الطبيب: لا أستطيع الحكم الآن، أرجوك ابق بالخارج، أنت تعوقنا.
اقترب آدم وسحب ريان للخارج الذي جلس على الأرض وهو ينظر ليديه بفراغ شديد، فهما مغطتان بدمها. لا يصدق ولا يستوعب أبدًا أن هذا الدم حقًا منها. ينظر بفراغ كبير وهو لا يتوقف عن الدعاء. فكرة الخسارة مجددًا مروعة جدًا. إنها تتألم الآن بالداخل وهي خارجته لأجله هو. كان يفترض أن يحميها، ولكنها هي الآن بغرفة العمليات وهو من وافق على دخولها. حاول آدم التخفيف عنه قليلًا، ولكن ماذا يقول؟ وبماذا يسنده مجددًا؟
فهو الذي شاهد صديقه ترك المدينة كلها لمجرد أنها ليست فيها. لم يحضر ذلك العزاء المزيف لأنه لا يقدر على فكرة موتها حتى لو كانت تمثيلًا. فكيف يتحمل الآن وهو يراها فعلاً تصارع الموت؟
مرت ساعات طويلة وهي بغرفة العمليات، وهو قلبه يحترق. وكلما زاد وقت انتظاره زادت معاناته. خرج الطبيب من العمليات أخيرًا، وكان التعب واضحًا جدًا على وجهه. اقترب منه ريان ولسانه عاجز حتى عن السؤال. يخشى الإجابة ولا يستطيع منع نفسه من الاطمئنان عليها. آدم: حضرة الطبيب، كيف أصبحت حالتها الآن؟ الطبيب بتعب: مستقرة إلى الآن، ولكن... ريان مقاطعًا: ولكن ماذا؟
الطبيب بحزن: للأسف خسرنا الجنين. عندما وصلت كانت نازفة كثيرًا، الأمر الذي تسبب بموت الجنين. تعازيّ لكم. ريان بصدمة: أي جنين؟
الطبيب: السيدة كانت ببدايات حمل، وأظن حتى هي لا تعلم بأمر الحمل. وهو عادةً بالشهور الثلاثة الأولى يكون الحمل غير مستقر، ومع إصابتها تسبب بموت الجنين. أما بالنسبة للسيدة نارة، استقرت حالتها، ولكن القلب توقف معنا مرة بالعمليات لمدة 25 ثانية، لذلك يجب أن ننتظر أن تستيقظ حتى نعرف مدى تأثير ذلك عليها، ولكنها تعتبر مدة بسيطة ونادرًا ما تسبب ضررًا. أتمنى لها الشفاء العاجل، وتعازي مجددًا. ريان: ألا أستطيع رؤيتها؟
الطبيب: سأسمح لك برؤيتها، ولكن بالبداية يجب أن تغير ملابسك، وأيضًا لا يمكنك رؤيتها لوقت طويل، اتفقنا. ريان: حسنًا. الطبيب: عن إذنك. وضع آدم يده على كتف ريان: تعازي لك يا أخي، ولكن الحمد لله أنك لم تخسرها هي أيضًا. ريان: شكرًا لك. عليّ الذهاب للاغتسال. دخل للحمام كي يستحم. كان صعبًا عليه للغاية التخلص من آثار الدم. كيف سينقل لها خبر موت ابنهما الذي لم يولد من الأصل؟ كيف سيتحمل رؤيتها بهذه الحالة؟
وللمرة الثالثة بحياته يبكي، يبكي على الحالة التي هي بها وعلى الألم الذي شعرت به. يبكي على ابنه أو ابنته التي لم يره ولم يلعب معه مرة واحدة. حتى يبكي على نفسه وكم سيكون سعيدًا فقط لتفكيره بأنه يومًا سيرزق بأطفال منها، ولكن هذا الحلم تحول لكابوس حتى قبل أن يعيش جماله للحظات. بعد ساعة تقريبًا، انتهى وارتدى ملابس نظيفة وذهب لرؤيتها بعد أن تعقم ودخل لها العناية المركزة. وعندما ظن أنه وصل لقمة الألم، سخرة منه الحياة بوجود
قمة أعلى. مظهرها المنهك والكثير من الأجهزة حولها. وجهها الجميل الذي أصبح شاحبًا للغاية. مظهرها كان بمثابة خنجر زرع بقلبه. اقترب منها، احتضن يدها وبقي يتأملها بهدوء حتى بعد قليل من الوقت خرج صوته متقطعًا: إنناا اسسف، كان يجب أن أحميكما، ولكنني فشلت بذلك جدًا، سامحيني أرجوك...
بقي يردد عبارة السماح منها على الرغم من أنه شريكها بالألم، فخسارته تعادلها وربما أكثر منها. أتت الممرضة بعد فترة بسيطة: سيدي، أرجوك يكفي، هي بحاجة للراحة. ريان: متى ستستيقظ؟ الممرضة: لا أعلم بتحديد، هيا يجب أن تخرج. نظر لها نظرة أخيرة قبل أن يغادر وهمس: أنا هنا، ولكن سأكون بالخارج حتى لا أزعجك.
خرج ريان وطلب من آدم المغادرة وأنه من سيبقى معها الليلة. أصر آدم عليه بأن يبقى معه، ولكنّه رفض ذلك وأنه بحاجة للبقاء وحده. كانت ليلة طويلة جدًا عليه وصعبة للغاية. (في صباح اليوم التالي) ريان للطبيب بعد أن انتهى من الفحص: أهي بخير؟ الطبيب: أجل، هي كذلك. ريان: لماذا لم تستيقظ بعد؟ الطبيب: لا بأس بذلك، فعمليتها لم تكن سهلة. ريان: شكرًا لك حضرة الطبيب. الطبيب: العفو، أتمنى لها الشفاء العاجل.
جلس ريان بقربها يتأملها بهدوء. مر وقت طويل ولا يعلم كيف لم يشعر، ولكنّه أخذ غفوة صغيرة وهو يجلس بجانبها، فهو منذ يومين لم ينم أبدًا. بعد ساعة تقريبًا، بدأت نارة تفتح عيونها بتعب شديد والرؤية أمامها مازالت مشوشة للغاية. أغمضت عينها وفتحتها مرارًا كي تتضح الرؤية أمامها. ابتسمت.
عندما اتضحت الرؤية لها، كان هو أول ما رأت. وشعرت بأن الوضعية التي هو بها غير مريحة، فحاولت تعديلها، ولكنّه استيقظ على إثر حركتها. شعر بسعادة العالم كله عندما كانت قد استيقظت وتبتسم له. نارة بابتسامة: أنا آسفة إنني أزعجتك، ولكنني كنت أحاول جعل نومك أكثر راحة. ريان: لا بأس أبدًا، المهم أنكِ استيقظتِ. أأنتِ بخير؟ أهناك ما يؤلمكِ؟ نارة: كلا، أنا بخير. ريان: حسنًا، ولكن يجب أن أخبر الطبيب أنكِ استيقظتِ. انتظري.
جاء الطبيب واطمأن أنها بخير وأن توقف القلب بالعملية لم يؤثر عليها، وطمأنهما وخرج. ريان: لا أعلم، ولكنني شعرت أنني رأيتكِ تبتسمين وأنتِ فاقدة للوعي. نارة: بالحقيقة، كنت أحلم بشيء. ريان: ما هو؟ نارة بحيرة: لا أعلم تمامًا، ولكن كان موقف تعرضت له منذ أربع سنوات. ريان: ماذا كان؟
نارة: قبل أربع سنوات تعرضت لحادث سيارة. كنت أقود بسرعة كبيرة لدرجة فقدت السيطرة على السيارة تمامًا، وبدأت سيارتي بإخراج دخان سبب لي الدوار ولم أقدر على الخروج من السيارة مهما حاولت، وبدأت أفقد الوعي. ولكن عندها أخرجني أحدهم من السيارة، لا أعرف من كان أبدًا، فقد كانت الرؤية مشوشة بسبب الدخان. ولكن ما أعرفه أنه أنقذ حياتي حرفيًا، لأن حسب ما أخبروني أن السيارة بعدها انفجرت، ولولا أنني خرجت منها كان من الممكن أن أموت داخلها. الكل ظن أنني من خرجت من السيارة، ولكنني متأكدة أن هناك من أخرجني.
ريان: كانت الحادثة بالشتاء، كنتِ تقودين بجنون كبير. لم أعلم لماذا وقتها كنتِ هكذا تقودين، ولكنني تبعتكِ. فقدتكِ مرارًا، ولكن بالنهاية وجدتكِ عند أول تقاطع بعد المقابر. لماذا كنتِ هناك بذلك الوقت؟ نارة: كان أنت. ريان: أجل، كنت أراقبكِ منذ أسبوع عندها، ولم أكن أستوعب شيئًا من الفوضى والغموض الذي حولكِ أبدًا. كنت فقط أتبعكِ.
نارة: كان يوم عيد ميلاد. كنت أشعر بألم كبير لأنني تمنيت وجود والدي معي وقتها، ولذلك زرت قبرهما. وعندما خرجت كان الألم والشوق ورغبة بالانتقام تتملكانني بشكل كبير، لذلك لم أركز أبدًا وأنا أقود سيارتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!