أخذ ريان مفاتيحه وهاتفه وقال وهو يهم بالرحيل: إذا افعلي ما تريدين يا نارة، أنا انسحب. وذهب، وهي بقيت تحدق به حتى اختفى من أمامها. اعتادت دائماً على البقاء وحدها، وبالأصل لم ترد دخول أحد، والآن هو ينسحب ويتركها، أليس هذا ما أرادت؟ ولكن لما هي غير سعيدة؟ لما تشعر بالفراغ الكبير؟ وكأنه خذلها بتركه لها بالطريق وحدها. زجرت نفسها وأعادت تلك الطبقة الجليدية على وجهها وملامحها، فهي لا تريد أن تضعف أبداً.
ريان كان يشعر بخنق شديد منها ومن عنادها الكبير، وأيضاً من نفسه على تخليه عنها هكذا، ولكن ماذا يفعل؟ فحتى اليوم لم تقبل بقدومه معها لمواجهة عز، وأيضاً أخفت أنه من ساعدها بالخروج من هناك، هو يريد حمايتها فحسب، ولكن ألم يحاول بما فيه الكفاية؟ لما هو قلق عليها الآن ويشعر بالندم على ما فعل؟ ضرب مقود السيارة ضربات متكررة بغضب، وبدأ يصرخ حتى أدمت يداه، ودعست قدمه على البنزين أكثر، واستمر الغضب يعصف برأسه أكثر.
ريان ونارة، كلاهما يمتلك وجعه الخاص الذي يرغب بشدة التخلص منه وإطفاء لهبه، ولكن لا يريدان البوح فيه أبداً، فتلك العنيدة المتمردة كما وصفها، هي لم تعتد يوماً تلقي الأوامر من أحد، فلذلك تجد صعوبة كبيرة حقاً بتنفيذ ما يطلبه هكذا وحسب. وتلك العنيدة لم يكن يوجد شخص بحياتها يسألها: ما بك؟ أو ما الذي يؤلمك؟
فكأنها فقدت قدرتها على التكلم، هي بمثابة طفل أخرس أغلق الباب على يده ولكنه لم يستطع الصراخ، تظن أنها إن تكلمت وعبرت عن ألمها تخسر جزء من كبريائها، وهي يصعب عليها التنازل.
أما هو، فغامض جداً، كل شيء حوله يخنقه بشدة، شعور أنه ربما لا يكون موجود بالوقت المناسب يسبب له الرعب، فهو تأخر مرة واحدة بحياته ودفع الثمن غالياً، لا يريد إعادة نفس التجربة، ما زال أسير تلك اللحظة التي تأخر فيها، يخشى الشعور بها مجدداً، ولكنه ما زال يعاني منها بالفعل، هو لم يتخطاها من الأصل، إحساسه بالذنب يقتله، شعوره أن الأمر قد يحدث مجدداً يجعله عاجزاً، خائفاً كطفل يبحث عن أمه هنا وهناك ويتخبط بالجميع، يريد فقط الاحتماء بها.
قلت سابقاً أن هذان الاثنان غريبان، جمعهما الكره في حين أن الجميع يجمعهم الحب، والحقيقة أن الاثنان جمعهما السجن نفسه ولكن بتهم مختلفة. الألم والعذاب ذاته ولكن بمنظور كل منهما، فهي عنيدة ذات كبرياء يمنعها حتى من عيش ألمها كأي أحد، وهو يجرحه رفضها، يرعبه فكرة موتها، يخnقه شعوره بالذنب، ألهمت تلك المشاعر قلب كل منهما، فهل يمكن للمريض أن يصبح طبيباً لغيره يوماً؟
نارة كانت حالتها لا تختلف كثيراً عن ريان، فهي غاضبة، ترغب معاتبته على تخليه هكذا، ولكنها لن تفعل، أرادت منعه من الرحيل، ولكن الكلام لم يخرج معها، جرأتها المعهودة خذلتها أيضاً.
جمعت أشياءها وذهبت لسيارتها وقادتها بجنون، لا تعلم أين سيأخذها هذا الطريق أبداً. بقيت تقود سيارتها بدون هدف حتى وصلت على قمة جرف عالي. نزلت من سيارتها ووقفت عند ذلك الجرف تستنشق الهواء لعلها تهدأ قليلاً، ولكنها لم تنتبه لتلك الصخور، كانت ملساء وأنها ترتدي حذاء عالي، تعثرت خطواتها وسقطت من الجرف، ولكنها أمسكت بغصن شجرة هناك وحاولت الصعود قدر استطاعتها، ولكنها لم تقدر وبدأت تحس بالآم بيديها وأنهما تنزلقان، ولكنها بقيت تتشبث وتحاول.
فكلما أرادت الاستسلام والرضا بالموت، يبعث عقلها صوراً برأسها، صورة لأخويها وأنها وعدتهم بإحضار هدية جميلة لهما عند عودتها، وذكريات جميلة جمعتها بوالديها ولحظة موتهما، وأنها أقسمت على أخذ حقهما. وهنا صرخت تطلب النجدة، ووجدت يداً قوية تمد لها، أجل، كان هو ريان. نظرت له بعدم تصديق، أنه هو بالفعل. وما أيقظها هو صوته وهو يقول: أعطني يدك. ردت بضعف: لا أقدر أن أفلت يدي ساقع. رد عليها بقوة: لن يحصل، أعدك بأنني سأمسك بك.
بقيت مترددة قليلاً، ولكنه صرخ بها: ثقي بي، هيا! عندها أغمضت عينيها وجمعت شجاعتها وأفلتت يدها ومدتها له، وهو بالفعل أمسكها وضغط عليها بقوة ورفعها، وأخذها وابتعدا عن حافة الجرف. ذهلته الشيء الذي بعده، فقد رمت نفسها بحضنه وكأنها تحتمي من شيء ما، وشدد على احتضانها وبدأ يهمس لها كي يجعلها تهدأ: لا تقلقي، انتهى، أنت بخير الآن، أنا هنا. جمدته الجملة الثانية: لا تذهب مجدداً.
جمدته، بل كانت بمثابة صاعقة كهربائية أصابته، لم يدري ما يفعل سوى أنه وجد نفسه تلقائياً يمسح على شعرها بهدوء ويقول: لن أفعل، أعدك بذلك، لن أفعل أبداً، فقط اهدأي، أنا آسف. وبقيا هكذا مدة طويلة لم يشعر بها أحدهم أو يعلمها، حتى خرجت بهدوء من حضنه وقال: أنا آسف. ردت نارة: لا تعتذر، أرجوك، أنا... أنا أشكرك على إنقاذي. ريان: لا داعي للشكر، هذا واجبي، المهم أنك بخير. وضع يده على قلبه:
كاد قلبي يتوقف من القلق عندما عدت ولم أجدك بالكافيه، ألا تعرفين البقاء بمكان واحد؟ شعرت نارة بفرحة غريبة وقالت: كنت قلقاً علي؟ ريان وهو يضع أصابعه بشعره:
أجل، اعتذر لنرفزتي عليك وغضبي، أنت لا تفهمين، ولكن في يوم يا نارة كان من الواجب علي حماية أحدهم وأنا تأخرت عليه، خسرته للأبد وأنا لم أستطع مسامحة نفسي على ذلك أبداً، أخشى من تكرار ذلك معك، لذلك ربما ضغطت عليك زيادة، أنا أعتذر منك، أنا لم أقصد ذلك حقاً، ولكن أرجو أن تتفهمي موقفي. نارة بهدوء: أنا موافقة يا ريان، غداً نوقع عقد الزواج. نظر لها ريان: أأنت واثقة؟ ضحكت نارة بعذوبة وقالت: أتعلم أنني أغير كلام أقوله؟
ضحك ريان وقال: أبداً. وركبا السيارة سوياً، على الرغم من وجود سيارتها، ولكن لا تعلم لماذا فعلت ذلك، استغرب ريان أيضاً ولكنه لم يعلق على الأمر، وهذه المرة كان الأمر مختلفاً، فهي لم تكن تنظر من النافذة بالألم ولا يطبق الصمت حزناً، واخترق صمتهما ضحكة ريان، استغربتها نارة وسألته: لما تضحك؟ زاد ضحكه وقال: لو كنت أعلم أن الأمر كان يحتاج أن أنقذك من الجرف لكي توافقي، لكنت اختصرت الموضوع على نفسي ورميتك أنا بيدي.
ضحكت نارة بغيض: تعلم، لقد غيرت رأيي، لا أريد. اتسعت عيناه بدهشة ثم حدق بمكر وقلد صوتها: أتعلم أنني أغير كلام أقوله؟ ضحكت نارة وهو تاه بتلك الضحكة الجميلة حقاً، وقالت: أشفق عليك إن كان فعلاً صوتي هكذا. ريان: لي الجنة على تحملك، لا تقلقي. نارة بتفكير: صحيح، كيف وجدتني؟ ريان:
شعرت بالذنب لأني تركتك هكذا، لذلك قررت العودة، ولكنني لم أجدك بالكافيه الذي كنا فيه، وسألت عنك، وقال لي أحدهم أنك ذهبتي من الطريق الغربي، لذلك سرت خلفك بسرعة حتى رأيت سيارتك واقفة عند ذلك الجرف، نزلت أبحث عنك، ولكن لم أجدك إلا عندما طلبتي المساعدة. نارة: أعتذر منك. شعر ريان من خلال صوتها بأنها تتألم فعلاً، كما أنه يعلم أن الاعتذار شيء بعيد عنها، لذلك أراد تحويل مجرى الحديث: عفواً، انزلي من السيارة. نظرت به باستغراب:
ماذا تقول؟ ريان: أظن أن هناك خطأ ما، أنا أبحث عن فتاة عنيدة، متمردة، لئيمة أحياناً، أما أنت فتاة لطيفة ومهذبة، لذلك أظن أنه هناك خطأ بالتأكيد، أنت لست هي، ولكنني لا أمانع أبداً استبدالها بك. نارة ضربته على كتفه وقالت: أنصحك بالالتزام بالصمت. ريان يدعي الألم ويضع يده على كتفه: حسناً، الآن تأكدت من عدم وجود خطأ.
ابتسمت نارة ولكنها دارتها سريعاً، ولكن هو لاحظها وأوصلها للفندق وودعا بعضهما، في طريقه عادته رأى نفسه يبتسم بشكل كبير وهذا ليس طبعه، ولكنه بالفعل سعيد، وضع يده على قلبه ووجده ينبض بسرعة كبيرة، وهي لم تكن تختلف كثيراً عنه، فقد كانت تشعر بقلبها يسابقها وينبض بشكل كبير، وتنظر ليدها التي أمسكها ورفعها منها بسعادة وابتسامة غريبة على وجهها، ونامت بسعادة كبيرة حتى دون أن تغير ملابسها، نامت براحة وطمأنينة كبيرة لم تشعر بها منذ زمن، ولأول مرة منذ سنوات لم تراودها الكوابيس.
ونجح ذلك الشعور الصغير بالتسرب لقلبيهما، ولكن هل سيكبر يا ترى أم سينتهي ويموت؟ هل سيترك القدر لهما السعادة بسهولة هكذا أم أن له رأي آخر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!