الفصل 28 | من 55 فصل

رواية كأس من الألم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم وتين قطامين

المشاهدات
22
كلمة
1,626
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

(قبل ثماني وثمانين سنة) ميرال كانت تتحدث على الهاتف مع يوسف وهي تقود سيارتها، فقد كانت عائدة من مناوبة ليلية. وكانت تلك الفترة أول أيام خطوبتهما، وكان بريق الحب واضحاً بعيني كل منهما، بريق لم يقل أو ينطفئ أبداً بعد سنين من الزواج، بل ربما ازداد أيضاً. فجأة، ظهرت امرأة أمام سيارة ميرال تستوقفها، ولكنها لم تستطع إيقاف السيارة بالوقت المناسب، فاصطدمت بها. اندفعت ميرال للأمام واصطدم رأسها بالمقود. سمع يوسف

صوت المكابح وأصيب بالفزع: "ميرال حبيبتي، ميراااال، أجيبيني، أأنتِ بخير؟

فقدت ميرال وعيها لبعض الوقت. أخذ يوسف مفاتيح سيارته وخرج يبحث عنها بجنون. بعد فترة قصيرة، استيقظت ميرال. لم تكن إصابتها كبيرة جداً، ولكنها كانت تشعر بدوار وألم شديد برأسها، وكان جبينها ينزف. خرجت من السيارة وركضت نحو المرأة التي اتضح أنها حامل وتعاني من نزيف كبير برأسها. غطى الدم وجهها بالكامل، فلم يظهر لها أي ملامح من كثرة الدماء. تأكدت ميرال من وجود نبض لدى المرأة، ولحسن الحظ أنها ما زالت حية، ولكن نبضها ضعيف. اتصلت ميرال بالإسعاف، ولكن لم يكن هناك وقت لانتظارهم. فسحبتها برفق ووضعتها بالمقعد الخلفي لسيارتها بحذر شديد، وانطلقت بها نحو المستشفى الذي تعمل فيه.

كانت كوادر المشفى بانتظارها عند باب الطوارئ بعد أن أبلغتهم بقدومها، واستقبلوا منها المريضة سريعاً ونقلوها إلى الداخل. ميرال لم تكن متوازنة تماماً، فتلك الضربة والتوتر الكبير جراء الحادثة أتعباها بشكل كبير. انتبهت لها إحدى الممرضات وأصرت عليها أن ترتاح وتأتي معها لمعالجة جرحها والاطمئنان عليها. وتحت إصرارها، أخذت ميرال وضمدت جرحها. جرحها كان سطحياً، لذلك لم يكن هناك ما يدعو للقلق.

ارتاحت ميرال لدقائق قليلة، ثم نهضت لتراقب المريضة. ميرال: "دكتور سليم، ما وضع المرأة التي أتت معي؟ سليم: "الحمد لله على سلامتك دكتورة. بالنسبة للمريضة، أخشى أن وضعها حرج." ميرال بألم: "ماذا بها تحديداً؟ سليم: "الضربة أدت لنزيف كبير لديها في الدماغ، والذي زاد الأمر سوءاً هو أنها حامل، واضطررنا أن نولدها ولادة مبكرة." ميرال: "وكيف هو حال الطفل؟ سليم: "الطفل بخير، ولكنه يجب أن يبقى بالحاضنة عدة أيام."

ميرال: "أين أمه حالياً؟ سليم: "في العناية، يجهزونها لادخالها لغرفة العمليات للسيطرة على نزيف الدماغ. وقد خسرت دماً كثيراً، فصيلة دمها B -. لا نجد فصيلة مماثلة، ولكن نعطيها حالياً O -. ولكنها تخسر الكثير من الدماء، ولا أظن أن ما لدينا يكفي." ميرال: "أنا فصيلة دمي مماثلة، أتبرع لها." سليم: "ممتاز، تعرفين الإجراءات، قومي بها بشكل سريع قبل دخولها العمليات. وأنا أبلغت بنك الدم بتأمين احتياجاتنا وسيتكفلون بالأمر."

ميرال: "حسناً، ولكنني أريد رؤيتها أولاً من بعد إذنك." سليم: "بالطبع، ولكن أسرعي قبل دخولها للعمليات." ذهبت ميرال لرؤية المريضة وهي تشعر بالذنب والألم الكبير على حالها وتلوم نفسها. كانت المفاجأة عندما رأت ميرال المريضة بعد أن نظفوا الدماء عن وجهها. صرخت بصوت عالٍ: "لاااااااا، ميرااااا!

انهارت ميرال حرفياً، فالتي أمامها هي أختها الوحيدة. سابقاً كانت تشعر بالألم، ولكن الآن تشعر بأن قلبها قد أُخرج من مكانه. أختها الوحيدة بين الحياة والموت، وهي أيضاً من أسعفها وأحضرها إلى هنا ولم تتعرف عليها. والذي يقتلها الآن أنها هي من تسببت لها بالحادث. استغرب الجميع ردة فعلها، وكان ذلك يوافق وصول يوسف، الذي جمدته صوت صراخها وبكائها. تقدم منها ببطء وكأنه خائف من شيء. يوسف بهمس وضعف: "ميرال."

ميرال لم تسمعه من الأصل، فهي كانت خارج هذا العالم. لا تصدق ماذا يحدث. اقترب منها يوسف وهو لا يزال يردد اسمها، وما إن لمسها حتى انتفضت برعب وانتبهت أن هذا هو يوسف. أجهشت ببكاء مرير حقاً. يوسف يكاد قلبه يقف: "ماذا يحدث بحق السماء؟ ميرال، ما الأمر؟ أرجوكِ، اهدئي." ينظر حوله ويصرخ بغضب بمن حوله: "ماذا يحصل؟ فليُرد عليّ أحدكم، ما بها؟

أتى سليم على أثر هذه الفوضى. استغرب أن المريضة لم تدخل بعد لغرفة العمليات. اقترب من الممرضة سارة وأنّبها: "ماذا يحدث هنا ولما المريضة لم تدخل بعد؟ أجيبيني." سارة: "دكتور، أتت قبل قليل الدكتورة ميرال إلى هنا لرؤيتها، ويبدو أنها تعرف المريضة قبلاً." نظر سليم إلى حالة ميرال: "سارة، أرسلي المريضة للعمليات سريعاً لأن وضعها حرج. وأبلغي الدكتورة يارة بأن تسبقني إلى هناك بسرعة." سارة: "حاضر."

سليم: "سيد يوسف، أرجوك تفضلا معي، وأنا سأشرح لك كل شيء." تبعه يوسف وهو يسند ميرال التي تبكي بصمت دون أن تتفوه بكلمة واحدة. كانت مثل من سُحبت روحه منه. شحب وجهها كثيراً وأصبحت غير منتبهة لما يحدث حولها. وصلا لمكتب سليم. يوسف: "ماذا يحصل؟ أرجوك، ما بها ميرال؟ سليم: "لا تقلق سيد يوسف، يبدو أنها تعاني من صدمة. سأطلب إعطائها مهدئاً كي ترتاح." يوسف: "حسناً، ولكن كيف وصلت لهذا الحال؟

سليم: "لست واثقاً بعد. انتهاء مناوبتها، كانت عائدة للمنزل، ولكن بعد قليل من الوقت اتصلت على الطوارئ وأبلغتهم بأن حصل معها حادث، وأنه صدمت امرأة حامل وأنها بخير وستأتي بالمريضة قريباً، وطلبت أن يكون الفريق جاهزاً لاستقبالها بالمريضة."

"وبالفعل استعددنا لاستقبالها. حالة المريضة حرجة، وقد ولدت طفلها قبل قليل، وكان وجهها مليئاً بالدم عند قدومها. والآن هي بحاجة لدخول العمليات، لكن ميرال أصرت على رؤيتها قبلاً، ويبدو أنها تعرفت على المريضة، لذلك صدمت بها ولم تكن تقدر سابقاً بسبب تلطخ وجهها." "أتتعرفها؟ قالت إن اسمها ميرا؟ يوسف: "كلا، أنا لا أعرفها. لكن أرجوك اهتم بعلاجها، وأنا أتكفل بكل شيء. هل ميرال ستكون بخير؟

سليم: "أجل، ستنام قليلاً الآن. ولا تقلق على المريضة. عن إذنك الآن، تفضل." رافق يوسف ميرال التي أُخذت إلى غرفتها ولم يفارقها. بعد مرور ست ساعات، بدأت ميرال باستعادة وعيها. انتبه لها يوسف وبقي ينظر لها بلهفة كبيرة، وسرعان ما عادت للبُكاء. احتضنها يوسف وحاول تهدئتها كي لا تعود لحالتها السابقة، ونجح بذلك قليلاً. ميرال وهي تبكي: "يوسف، أنا من تسببت لها بالحادث. هي هكذا بسببي أنا."

يوسف: "اهدئي يا ميرال، سيكون كل شيء بخير. من هذه يا ميرال؟ ميرال وقد زاد بكاؤها: "أختي الوحيدة يا يوسف. أنا من فعلت بها هذا." استغرب يوسف، فهو لم يرها قبلاً: "كيف ذلك يا ميرال؟ اعتقدت بأنك لا تملكين أي إخوة؟

ميرال: "ميرا أكبر مني. عندما كنت أدرس، تعرفت على أحدهم وأحبته كثيراً، ولكن أبي رفض زواجهما. ولكن هي بقيت مصرة على ذلك، وعندها أبي قطع علاقته بها. أنا لم أعلم بذلك، ولم أعلم حتى من هو زوجها. وعندما عدت، أخبرني أبي بما حصل. بحثت عنها كثيراً، ولكنني لم أجدها، وكانت قد غيرت رقم هاتفها وكل شيء. حاولت مراراً الوصول لها، ولكنني لم أنجح." يوسف: "لا تقلقي، ستكون بخير. لكن أرجوك اهدئي." ميرال: "خذني لها أرجوك."

يوسف: "حسناً، سأفعل. ولكن أنتِ، أرجوك ابقي هادئة، لا أريد أن تسوء حالتك." ميرال: "حسناً، هيا أرجوك." أخذ يوسف ميرال لباب غرفة العمليات. شعرت ميرال برعب وقالت: "يوسف، لما لم تخرج بعد؟ يوسف: "لا أعلم يا ميرال، ولكن أظن هذا مؤشراً جيداً، لأنه لو حصل لها شيء، لما كانت عمليتها الآن مستمرة. تمسكي بالأمل يا ميرال." ميرال: "أتمنى أن يكون ما تقول صحيح." وبقيت تدعو سراً أن تكون بخير.

بعد ساعة، خرج سليم من غرفة العمليات. لم تجرؤ ميرال على سؤاله، وكأنها تخشى الإجابة. شعر يوسف بترددها، فامسك بيدها يشجعها. فهم سليم أنها خائفة. ابتسم سليم بهدوء وقال: "لا تقلقي، لقد سيطرنا على النزيف. هي بخير الآن." ميرال شعرت وكأن الحياة عادت لها مجدداً، وانبعث النشاط بكل خلية بجسدها، طاقة لا تعلم من أين أتتها. ميرال بعدم تصديق من شدة الفرحة: "أأنت تتكلم بجدية؟ صحيح، هي بخير؟

ضحك سليم: "دكتورة ميرال، تعلمين بأن المزاح بأمر كهذا شيئاً غير مسموح به. صدقيني، هي بخير، ويمكنك الاطلاع على تقاريرها أيضاً." ميرال: "شكراً لك. لا أعلم كيف أشكرك، أنت أعدت لي الحياة من جديد." سليم: "لا شكر على واجب، هذا عملي. بسلامة، عن إذنكما." احتضنت ميرال يوسف بسعادة: "إنها بخير، أنا لم أقتلها." يوسف: "الحمد لله على سلامتها يا حبيبتي."

خرجت ميرا من العمليات للعناية المركزة، واطمأنت ميرال عليها. ثم تذكرت شيئاً كان قد فارق تفكيرها. توجهت مع يوسف إلى قسم العناية بالأطفال حديثي الولادة، حيث يوجد ابن أختها الصغير. ميرال: "أنا آسفة يا صغيري، لم أقصد ذلك صدقني، ولكن أمك الآن بخير وستعود لنا، وعندها ستعطيك اسماً جميلاً مثلك تماماً."

بعد ساعات، بدأت ميرا تستعيد وعيها، وكانت ميرال عندها. انتبهت لها، تقدمت منها بخطوات مرتجفة، فهي ترى أختها أخيراً بعد عدة سنوات. ميرال بارتجاف: "ميررااا." أدمعت عينا ميرا عند رؤيتها لميرال، وكانت سعيدة جداً برؤيتها. تقدمت منها ميرال واحتضنتها وبكت كثيراً وبقيت تعتذر لها. رفعت ميرا وجه ميرال الباكي ومسحت دموعها برفق: "لا بأس يا غاليتي، أنا بخير." ميرال: "الحمد لله على ذلك." عادت ميرا للبُكاء: "ابني، أين ابني يا ميرال؟

ميرال سريعاً: "اهدئي، إنه بخير، أقسم لك. ثوان قليلة وسأحضره لك." طلبت ميرال من الممرضة إحضار الطفل. عادت الفرحة لوجه ميرا، فقد احتضنت طفلها وقبلته مراراً. ميرال: "ماذا ستسمينه؟ ميرا بحب: "ريان." ميرال اقتربت وقبلت الطفل: "ألم أقل لك إنها ستعطيك اسماً جميلاً مثلك تماماً؟ أهلاً بك بيننا يا ريان." بعد وقت، أخبرت الممرضة ميرا بضرورة إعادة ريان للحاضنة الآن، فأخذته. وأسدلت ميرا ترتاح قليلاً.

ميرال: "أعلم أن الوقت غير مناسب، ولكن أين والد ريان؟ انفعلت ميرا قليلاً: "ميرال، أرجوك، أرجوك أبعدي ريان عن هنا. إن علم ذلك الشيطان بولادته، سيأخذه مني مجدداً." وبكت ميرا بالألم. ميرال: "من سيفعل ذلك؟ زوجك؟

ميرا: "كلا، بل والد زوجي. لقد أخذ ابنتي منذ عامين وأوهمنا بأنها ماتت. وأنا اكتشفت أنها ما زالت على قيد الحياة، ولكنه عرف بذلك وأراد قتلي كي لا أخبر زوجي. وعندها هربت ورأيت سيارتك، أردت إيقافك لنهرب منه، ولكن حصل ذلك الحادث." ميرال: "لماذا يفعل شيئاً كهذا؟ ميرا: "القصة طويلة يا ميرال، ولكنني أوصيك بريان. أرجوك احميه، أبعديه من هنا، لا تتركيه يعلم بأمر ولادة ريان. أنا أتوسل إليك."

وبدأت حالتها تسوء شيئاً فشيئاً، وضغط دمها يرتفع بشكل كبير. استدعت ميرال سليم سريعاً. أنقذوها، ولكنها دخلت بغيبوبة ولا يستطيعون معرفة متى تستفيق منها. شعرت ميرال بألم لا يوصف على حال أختها، خائفة، وفقدت ابنتها قبل ذلك، والأسوأ أن حياتها وحياة ابنها بخطر. عند هذه النقطة، استفاقت ميرال من حزنها وأدركت أن الوقت ليس مناسباً لكي تضعف. اتصلت بيوسف وطلبت حضوره فوراً. ذهب لها يوسف وأخبرته ميرال بكل ما حصل معها.

يوسف: "والآن، ماذا تنوين أن تفعلي؟ ميرال: "أحتاج لمساعدتك. أريد نقل كل من ميرا وريان من هنا." وقالت بالألم: "وأريد أن تعد لهما شهادة وفاة بأنهما كانا حالة متأخرة." يوسف: "حسناً يا ميرال، سأفعل. ولكن ماذا عن والد زوجها؟ ألم تعرفي عنه شيئاً؟ ميرال: "كلا يا يوسف، لم تخبرني أي معلومات عنه. لذلك أريد عمل شهادات الوفاة حتى لا يحاول إيذاءها من جديد." (باااااك)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...