تحميل رواية «كأس من الألم» PDF
بقلم وتين قطامين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لااااااا ،صرخة بها فزع، صدرها يعلو ويهبط بسرعة شديدة وكأن الهواء قد نفذ من حولها. ما كان سوى كابوس اعتيادي من الكوابيس التي لا تفارق مخيلتها منذ سنين، منذ ذلك اليوم الذي رأت فيه أسوأ مشهد بحياتها كلها. وضعت يدها على قلبها وحاولت أن تهدئ من روعها قليلاً، وبعد عدة دقائق نجحت بذلك. فُتِحَ باب الغرفة بسرعة ودخل منه هذان المشاغبان الصغيران. "هاااي استيقظي استيقظي." وقفا على السرير. ابتسمت بسعادة على طفولتهما، ابتسامة لا تبتسمها إلا معهما. قالت بجدية مصطنعة: "توقفااا، أنتما الاثنان معاقبان." نظرا إليه...
رواية كأس من الألم الفصل الأول 1 - بقلم وتين قطامين
لااااااا ،صرخة بها فزع، صدرها يعلو ويهبط بسرعة شديدة وكأن الهواء قد نفذ من حولها.
ما كان سوى كابوس اعتيادي من الكوابيس التي لا تفارق مخيلتها منذ سنين، منذ ذلك اليوم الذي رأت فيه أسوأ مشهد بحياتها كلها.
وضعت يدها على قلبها وحاولت أن تهدئ من روعها قليلاً، وبعد عدة دقائق نجحت بذلك.
فُتِحَ باب الغرفة بسرعة ودخل منه هذان المشاغبان الصغيران.
"هاااي استيقظي استيقظي."
وقفا على السرير.
ابتسمت بسعادة على طفولتهما، ابتسامة لا تبتسمها إلا معهما.
قالت بجدية مصطنعة: "توقفااا، أنتما الاثنان معاقبان."
نظرا إليها ببراءة ثم ضحكوا ثلاثتهم بسعادة.
ثم احتضنتهما.
وقالت: "صباح الخير."
ردا عليها: "صباح النور."
دخلت مدبرة المنزل وقالت: "صباح الخير سيدتي، اعتذر لدخولهما وإزعاجك ولكن غافلاني وذهبا لغرفتك."
نارة: "لا بأس بذلك."
رحمة: "سيدتي، السيد جاد بالأسفل ويريد مقابلتك."
نارة: "أخبريه أن ينتظرني."
رحمة: "حسنا سيدتي. هيا يا صغيراي لكي أجهزكما للمدرسة."
يوسف وميرال: "كلاااا، دادا تفعل ذلك."
نارة بابتسامة: "حسنا أنا سأفعل، هيا بسرعة لا عليك يا رحمة، أنا سأحضرهما."
رحمة: "حسنا سيدتي."
***
نارة يوسف: ستة وعشرون عامًا، فتاة جميلة جدًا ذات قامة متوسطة وجسد رشيق، شعر أسود حالك و عيون واسعة كثيفة الرموش لونها بني غامق وبشرتها ناصعة البياض.
بعد وفاة والديها ورثت شركات تقدر بالملايين وتولت إدارتها وطورتها بشكل كبير يُقدر بعشرة أضعاف ما كانت عليه عندما استلمتها.
ذات شخصية قوية جدًا وذكية. بعد وفاة والديها لم تكن الشركات مسؤوليتها الوحيدة، حيث عندما توفيا تولت أيضًا مسؤولية أخويها الصغيران يوسف وميرال اللذان يحملان اسم أمها وأبيها.
يوسف وميرال توأمان: ملامحهما جميلة كأختهما، إلا أنهما أقل شبهًا بوالدتهم منها، فهي تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن أمها بعيونها ولون بشرتها وشعرها. أما يوسف وميرال فيشبهان أبيهما أكثر، فعيونهما خضراء وبشرتهما شقراء وكذلك شعرهما.
انتهت نارة من إعداد شقيقيها الصغيرين وأرسلتهما مع السائق إلى المدرسة، ثم أعدت نفسها وذهبت إلى غرفة المكتب حيث ينتظرها جاد.
جاد: "صباح الخير."
نارة: "صباح الخير. أنجزت ما أوكلتك به؟"
جاد: "نعم، كل ما طلبته أنجزته، إنه بهذا الملف."
نارة: "أعطني."
جاد: "سيدتي، أنت واثقة من رغبتك بذلك؟"
نارة: "جاد، أنت تعلم بأنني لن أتراجع، أليس كذلك؟ إذاً لما تتعب نفسك؟"
جاد باستسلام - فهو يعمل معها منذ سنين ويعلم كم هي عنيدة وأنها بالفعل لن تتراجع مهما كان الأمر خطيرًا -: "أعلم ذلك، ولكنني أحاول لأنني لا أريدك أن تتأذين."
نارة ابتسمت بألم: "لا تخف، بعد فترة من الألم يصبح مطاقًا، وبعد فترة أطول ينعدم شعورك به لأنك ببساطة تعتاده، فلا تقلق."
جاد بشيءٍ من الحزن: "ربما معك حق، ولكن يجب أن تعلمي أن ما أنت مقبلة عليه ليس مؤلمًا فحسب، بل أيضًا خطير."
نارة ببرود: "أعلم. هيا أعطني الملف."
جاد: "تفضلي."
فتحت الملف وشعرت بخنجر يخترق قلبها عند رؤيتها لصورة والديها.
يااااه كم اشتاقت لهما!
وقبل أن تفقد السيطرة، أغلقت الملف بسرعة.
نارة بثبات: "شكرًا لك يا جاد، سأعلمك إن احتجت لشيءٍ آخر."
جاد: "حسنا، وأنا بخدمتك، عن إذنك."
نارة: "أشكرك."
نهضت خلفه وطلبت من رحمة مرافقته للباب، ثم أغلقت باب مكتبها بالمفتاح وعادت لتستغرق بذلك الملف، الملف الذي تسبب بتغيّر حياتها بهذا الشكل، الذي يحتوي على تفاصيل تلك الليلة الباردة التي تسببت بكل ذلك الألم في قلبها، التي قلبت حياتها 360 درجة.
ودون أن تشعر، نزلت دمعة من عينيها على تلك الذكريات التي هاجمتها.
(قبل خمسة عشر عامًا)
نارة باندفاعها المعتاد: "أمي أمي، لقد عدت، أنا جائعة جدًا، أريد أن آكل، انظري يا أمي لقد حصلت على علامة كاملة بالامتحان."
أمها: "أهلًا صغيرتي الجميلة، اهدئي اهدئي قليلاً وخذي نفسًا."
نارة بسعادة بالغة: "لقد أحرزت العلامة التي تمنيتها، وأنا أريد أن آكل."
أمها ضحكت بسعادة على طبعها الذي لا يتغير: "أحسنتِ عزيزتي، وفقك الله دائمًا، أنا فخورة بك. هيا اذهبي وبدّلي ملابسك ريثما أُعدّ لكِ شيئًا لتأكليه."
نارة ببراءة ووضعت يدها على رأسها وكأنها جندي يلقي التحية: "أمرك سيدي، أعني سيدتي، أقصد أمي، ههههه."
وصعدت لغرفتها ركضًا.
أمها وهي تنظر لها حتى اختفت عن عينها: "أدام الله عليك سعادتكِ يا صغيرتي."
رواية كأس من الألم الفصل الثاني 2 - بقلم وتين قطامين
استيقظت من تخيلاتها على صوت هاتفها الذي يرن. انتبهت إلى وجهها المبلل بدموعها على تلك الذكريات. كم كانت سعيدة وقتها.
مسحت وجهها وتنحت لترد على الهاتف. كانت ندى سكرتيرتها الخاصة.
"سيدتي، أريد إعلامكِ أن الوفد الأجنبي على وصول. هم بالمطار حالياً وبعثت السائق لأحضارهم كما طلبتِ. سوف يتوجهون إلى فندق الشركة كما أخبرتنا تماماً وسيكونون هناك في تمام الساعة الواحدة والنصف."
"حسناً."
"أتأمرين بشيء آخر؟"
"أجل، أريد أن تجهزي لي ملفات الصفقة، وأيضاً إياكِ أن تكون بها أخطاء كالمرة السابقة. وأخبريهم بتجهيز الطائرة، سأسافر غداً مساءً إلى إسبانيا، لذلك على الصفقة أن تتم اليوم. أخبري الفندق بتجهيز عشاء عمل."
"حسناً سيدتي."
أغلقت الملف ووضعته بدرج مكتبها، وأغلقت بالمفتاح. ثم قامت بمسح وجهها جيداً وتأكدت بأنه لا يوجد أي أثر أنها كانت تبكي قبل قليل. خرجت من المكتب وركبت سيارتها وقادتها بسرعة كبيرة نحو الفندق التابع لشركتها.
وصلت إلى الفندق واستقبلها مدير الفندق، وأخبرها بأنه أنجز كل ما طلبته من التحضيرات. سألها: "هل أتيتِ لاستقبال الوفد؟"
أنزلت نظارتها الشمسية ونظرت به باستهجان، فهي نارة يوسف لا تستقبل أياً كان.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال: "اعتذر."
أكملت سيرها وتوجهت نحو غرفة الاجتماعات وطلبت بعض الملفات من المحاسبة وبدأت بتدقيقها. بعد مرور خمس عشرة دقيقة، طلبت استدعاء مدير الفندق.
دخل بتوتر وقال: "طلبتني سيدتي."
نارة ألقت الملف الذي المدير، وقد بدأ يتعرق. أمسك الملف بيدٍ مرتجفة وبدأ يقرأ حتى انتبه للخطأ الموجود بالحسابات.
"أنااا... أنااا..."
"أناااااا ماذا؟"
"أقسم بأنني دققته، ولكن لا أعلم كيف غفلت عن هذا التفصيل."
"تعلمين بأنني لا أحب التقصير بالعمل، أليس كذلك؟"
"أنا آسف سيدتي، أرجوكِ سامحيني. أعدكِ بأن لا يتكرر مثل هذا الأمر."
"24 ساعة. إن لم تعرفي أين ذهب هذا المال وما هو سبب هذا الخطأ، لا تريني وجهك هنا مجدداً، لأنكِ عندها ستكونين مطرودة."
"أرجوكِ لا تفعلي. حسناً، سأعرف مصدر الخطأ، لكن أريد وقتاً أطول."
"24 ساعة."
"الم أقل لكم مسكين..."
"نارة يا ابنتي، تعلمي شيئاً في هذه الحياة، مهما كان حصولكِ على حقكِ صعباً، عليكِ المحاربة لأجله. وستواجهين الكثير، ولكن إياكِ والاستسلام. لا تقبلي بالخطأ مهما كان السبب. ولا تؤمني أبداً بالعبارة التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة، فهي ليست كذلك. عندما تكونين على حق دائماً، ستكونين الأقوى. ولكن عندما تخطئين، ستكونين الأضعف. ولكي تخرجي من هذا الضعف، لا تخشي الاعتراف بأخطائكِ. وتذكري أنني دائماً إلى جانبكِ، وأنني أحبكِ بشدة. أعتذر يا ابنتي، تمنيت البقاء معكِ أكثر وأعلمكِ وأسير معكِ خطوة بخطوة، ولكن لا أستطيع. سأكون ملاصقاً لاسمكِ دائماً وبجوار قلبكِ، أعدكِ. أحبكِ يا ابنتي. سامحيني على ما تركت لكِ من مسؤوليات ثقيلة وفوضى عارمة، ولكنكِ تستطيعين تحملها، أنا أعلم ذلك."
كانت هذه كلمات والدها الأخيرة لها. لم تبكِ هذه المرة، بل شعرت بنارٍ داخلها. نارة أقسمت على عدم إطفائها يوماً.
اصطحبت أخويها من المدرسة وذهبت معهما بنزهة صغيرة. هذا طبعها دائماً عندما تنوي السفر، كما كان والدها يفعل عندما كانت صغيرة. عادوا إلى المنزل قرابة الساعة السادسة، وأعدت نفسها للاجتماع. ودعت شقيقيها وتوجهت نحو الفندق.
دخلت وجلست على طاولة العشاء حيث يجلس الوفد. وجاد أيضاً. جلست وبدأ النقاش بالصفقة وأنهوا العمل.
قال جاك مغازلاً لنارة: "سيدة نارة، أنا لا أصدق أن السيدات العربيات يستطعن أن يكنّ على هذا القدر من الجمال والنجاح بالعمل في الوقت ذاته."
نارة ببرود: "لا بأس، لا تصدق. لست مجبراً على أي حال."
ضحك جاك، ولكنه سرعان ما أخفى ابتسامته تلك. شعر جاك بإحراجٍ شديد من ردها البارد هذا، وحاول الرد ولكنه لم يجد رداً مناسباً.
قال جاد ليخفف من شحنة الإحراج: "أنوقع العقد يا سادة؟"
جاك: "قبل أن نفعل، إنها أغنيتي المفضلة. آنسة نارة، أتسمحين لي بالرقص معكِ؟"
نارة: "أنا لا أحب هذه الأغنية. أعتذر منكِ، كما أنني أفضل توقيع العقد حالياً."
قالت روز: "لا مشكلة، لنوقع العقد."
بعد توقيع العقد، استأذنت نارة لدخول الحمام. عندما خرجت من الحمام، وجدت جاك يقف عند الباب.
قالت بنفسها: "إن فعلت ما أفكر فيه، أقسم بأنني سأجعلك تندم طيلة حياتك."
اقترب جاك: "بالمناسبة، أنا لم أُرفَض أبداً في حياتي، بل ونادراً ما أعرض شيئاً على أحد. فأنا تأتيني العروض جاهزة، أنا أقبلها أو أرفضها حسب مزاجي."
نارة ببرود مميت: "لكل شيءٍ بالحياة مرة أولى، لا تقلق، ستعتاد مع الوقت."
جاك اقترب أكثر وحاصرها بالحائط: "ومن قال أنني أرغب بالاعتياد؟ فأنا آخذ ما أريد وقت ما أريد."
"ابتعد."
"وإن لم أفعل، ماذا ستصرخين؟"
ضحكت نارة بسخرية. وخلال ثوانٍ، كانت قد أمسكت يده ولفتها حول ظهره وشدتها بعنف، كادت تكسرها.
صرخ جاك من الألم وقالت بهمس: "أنا لا أصرخ يا أحمق، وأنا حذرتك بالابتعاد، ولكن أنت لم تسمعني. وأنا في حياتي لا أحب أن يخالف أحد أوامري."
وشدت على يده أكثر بعد أن تثبته، وبدأ يتأوه من الألم.
"أفهمت؟"
جاك -بألم، فقد ثبتته ولا يستطيع الحركة-: "أجل، أجل، اتركيني."
قامت نارة بدفعه، فسقط على وجهه. وقد اجتمع من بمطعم الفندق على صوت صراخ جاك.
جاءت روز وخلفها جاد، الذي يعلم ما حصل حتى دون أن يرى.
روز: "جاك؟ ماذا حصل؟ أأنت بخير؟"
جاك بتلعثم: "أجل، أجل، فقد تعثرت خطواتي ووقعت."
روز: "ما بها يدك؟"
جاك: "لقد سقطت عليها."
لمستها روز، فصرخ جاك من الألم.
نارة ببرود: "سلامتك سيد جاك. وأظن أن ذراعك قد انخلعت وتحتاج إلى الطبيب."
ثم تحركت للخروج من المطعم دون أن تنظر وراءها مرة أخرى.
جاد: "بالسلامة سيد جاك. اصعد إلى غرفتك وسأرسل طبيباً إليك. عمتم مساءً."
رواية كأس من الألم الفصل الثالث 3 - بقلم وتين قطامين
جاد بعد أن لحق بنارة التي كانت تهم بالصعود إلى سيارتها:
نارة.
التفتت إليه ورفعت حاجبها:
نارة؟
جاد بضحكة:
انتهى العمل سيدتي وخلعتِ يد الرجل أيضًا، أيمكنني التحدث إلى صديقتي؟
ابتسمت نارة:
أوه أجل، انتهى العمل.
جاد:
لم تستطيعي مقاومة عادتك، كل وفدٍ يجب أن يخرج بإصابة.
نارة:
يستحقون ذلك، ما بكم يا معشر آدم؟
وغيرت صوتها بسخرية:
أوه، أغنيتي المفضلة، أترقصين معي؟
ضحك جاد حتى أدمعت عيناه، فهو يعلم كم تستفزها مثل هذه الجمل.
وتابع بسخرية:
لا أستطيع أن أصدق أن السيدات العربيات جميلات وناجحات.
نارة ضحكت بعد أن استفزتها هذه الجملة:
ولا أنا أصدق أساسًا.
جاد:
حسنًا، دعينا نتمشى قليلًا.
نارة:
أريد الاعتذ..
جاد مقاطعًا إياها:
هيا بنا.
سارا نحو الشاطئ وبدأ يتمشيان.
جاد:
نارة.
نارة:
نعم.
جاد:
أريد أن أسافر معك غدًا.
نارة:
لا.
جاد:
نارة، أرجوك.
نارة:
كلا يا جاد.
جاد:
لماذا؟
نارة:
لا أريد أن أدخل أحدًا بهذا الأمر.
جاد:
ولكن..
نارة:
أرجوك يا جاد، احترم رغبتي، أنت فعلت الكثير لي بالفعل، كما أنني سأسافر لفترة ولا أستطيع الوثوق بأحد غيرك ليهتم بالشركة والمنزل بغيابي.
جاد:
نارة، أنتِ أنقذتي حياتي وحياة عائلتي وساعدتني كثيرًا، أرجوك اسمحي لي بمساعدتك.
نارة:
جاد، قلت لك أن تنسى ذلك الأمر ولا تبقى مصرًا على أن ذلك دينٌ يجب سداده لي، وأيضًا أنت تساعدني بالفعل بتولي أمور الشركة بغيابي واهتمامك بأخَواي، وهذا يكفيني وزيادة.
جاد:
إنني أستسلم، لا أصدق ما أنتِ عنيدة إلى كل هذا الحد؟ فزتِ يا نارة، لن أرافقك، ولكن لا تحلمي حتى بأن أبقى خارجًا وأنتِ تصارعين كل هذا، فهمتِ؟ سأساعدك شئتِ أم أبيتِ.
نارة:
جاااد! كلا! أنت لن تتدخل.
جاد:
بلا.
نارة:
قلت كلا.
جاد:
تصبحين على خير.
نارة:
جاد، لا تغضب أرجوك.
جاد:
كيف لا أغضب وأنتِ على وشك قتل نفسك؟ لماذا تفعلين ذلك؟ لماذا؟ دعيني أساعدك، دعنا ننجز هذا الأمر معًا كما نفعل دائمًا، لما لا تفهمين؟ هناك أمور بالحياة لا نستطيع مجابهتها وحدنا، استوعبي ذلك.
وهنا فقدت نارة أعصابها وقالت بغضب:
لن أستوعب، لن أستوعب شيئًا، لا أريد رأيك. والداي يُقتلان أمامي، رأيت أخواي يتيمان أمامي، رأيت أموال أبي وعمله وتعب سنينه يُسلب، رأيت أمي وهي تتحسر على أخواي وتبكي وتوصيني بهما.
وبدأت دموعها تنزل وتستمر بصراخ:
وهي تقول: وذلك كي يحمياني، ضحا بنفسيهما وأنقذاني أنا. لا أريد أن يموت أحد آخر بسببي، لا! لا أريد، ألا تفهم أنت؟ كل ليلة، كل ليلة أسمع صراخ أمي، أرى أبي ملقى على الأرض يسبح بدمه، كل ليلة. عشر سنوات... عشر سنوات من العذاب لم أشتكِ لأحد، درست وعملت وأصبحت أُمًّا وأبًّا لطفلين وأنا بالكاد قد بلغت السادسة عشر من عمري. أنت تفهم يا جاد؟ لن أسمح لأحد بالتدخل أبدًا وسأسترجع حق والداي، أقسم بذلك. لن يموت أحد بسببي مجددًا، سأحاسبهم جميعًا على ما فعلوه. سلبوني كل شيء، سعادتي.. وأماني.. وأحلامي.. وكل شيء. دمروا حياتي وعائلتي، وأنت تريد مني التراجع؟ تريد أن تتدخل كي أقتل وأنجو أنا وأعود لذات العذاب؟ مجددًا كلا، لن يحصل.
وصرخت بصوت أعلى:
لن يحصل أبدًا يا جاد!
جاد وقد شعر بندم شديد على فتح جرحها بهذا الشكل، وكان هذا الجرح قد التأم يومًا:
نارة، أنا أعتذر، لم أقصد أن أجرحك، ولكنني خائف أيضًا من خسارتك، كخوفك أنتِ أيضًا من موت أحد الذين حولك.
اقترب منها جاد ووضع يديه فوق كتفيها وتابع بنبرة حنونة:
سامحي نفسك يا نارة، أنتِ لم تذنبي، هما والدان وكان من المستحيل أن يفضلا حياتهما على حياتك وحياة أخوتك.
نارة وقد مسحت دموعها بسرعة، فهذه أول مرة منذ وفاة والديها تبكي أمام أحد، وقالت بصوت مبحوح من الصراخ والبكاء:
جاد، يكفي، أرجوك لا تفتح هذا الموضوع مجددًا.
وأبعدت يديه عنها ورحلت بسرعة إلى سيارتها وقادتها بجنون وسرعة كبيرة.
ويمكنك سماع صوت صرير العجلات على الشارع وكأنها تصرخ من الألم، والسرعة رغم ارتفاعها لم تخفِ صوتها.. صوت الألم الذي يخترق قلبها في كل يوم وكل ثانية. الألم الذي لم تشارك به أحد يومًا، أو بصورة أدق، الألم الذي لم تسمح لأحد برؤيته. لطالما ظهرت للجميع بمظهر القوة والجبروت، كبريائها الذي لم تجرحه يومًا، لم تشكوه لأحد. حتى جاد لم تخبره بما حصل لأهلها، ولكنه اكتشف الأمر صدفة وأراد مساعدتها ليرد لها دين مساعدتها له. فهي في يومٍ أنقذت عائلته. فعائلة جاد كانت فقيرة جدًا ومرضت أمه، وكانا زميلان بالجامعة واضطر لترك الدراسة من أجل العمل كي يساعد بتكاليف علاج أمه. وعندما علمت نارة بالأمر ساعدته وعالجت والدته بأفضل المستشفيات، ولكي لا تجرحه وتساعده حقًا قدمت له عملًا بشركتها، ومنذ ذلك الوقت وهو صديقها المقرب أو الوحيد. ولكن ذلك لا يعني رؤيته للألم الذي بداخلها. فهي دائمًا تشارك الجميع آلامهم وأفراحهم وتشاركهم فرحها، وإن كان الأمر يتعلق بحزنها فهي تستأثر به لنفسها.
وبعد وقت من القيادة الجنونية وصلت على مكان لم تدخله منذ سنين، وصلت إلى المقبرة حيث شاهدت قبر والديها ميرال التاجي ويوسف اليوسفي. جلست بجانب القبرين رغم عدم زيارتها للقبرين من قبل، إلا أنها لم تهملهما وتوصي دائمًا العامل عليهما، ولكنها لم تمتلك القوة يومًا للمجيء.
نارة بنبرة الألم والغصة:
طلبت مني مسامحتك على كل ما تركته لي من مسؤولية وفوضى وأنك لم تكن بجانبي لتعلمني كيف أجابه هذا كله، وأنا سامحتك على ذلك منذ زمن، ولكن ماذا عن كل هذا الألم الذي في قلبي؟ آاااااه، قلبي يحترق كل يوم، كل ثانية أنظر فيها على يوسف وميرال وأرى ملامحك بوجهيهما، عيناك الجميلتان وشعرك الذهبي. ما زلت أنتظر الساعة السادسة حتى تعود من العمل وتحضر لي معك الحلوى، على الرغم من أن عمري أصبح ستة عشر عامًا إلا أنك حافظت على هذه العادة وكأنك تقول لي دائمًا: أنت ابنتي الصغيرة التي لا أريدها أن تكبر أبدًا. ولكن انظر، ابنتك كبرت كثيرًا يا أبي. حققت كل ما حلمت به يومًا، لطالما كنت الأولى بدراستي كما أردت وأصبحت سيدة أعمال ناجحة مثلك، ولكنك لست موجودًا لترى ذلك.
واجهشت ببكاء مرير، بكاء أخرج كل ما حمله الماضي من الألم. وسمعت صوته في رأسها وهو يردد كلماته الأخيرة وهو يقول لها: أحبكِ بشدة يا ابنتي. وبقيت تردد: وأنا أحبك، وأنا أحبك أيضًا.
رفعت رأسها بعد وقت من البكاء المرير وقالت:
أمي، أتعلمين لماذا لا أقص شعري أبدًا على الرغم من حبي للشعر القصير (سابقًا) لأن شعركِ كان طويلًا جدًا وجميلًا؟ انظري، لقد أصبح شعري مثل شعرك وأصبحت أعتمد على نفسي في تسريحه. هيا لن أتعبك مجددًا بذلك، كنت أعرف كيف أفعل ذلك منذ زمن، ولكن كنت أحب لمساتك على شعري بحنان. عودي، سأسرحه بمفردي، أعدك، ولكن عودي، عودي وادعي لي كما كان طبعك دائمًا. منذ أن توقفتِ عن الدعاء لي أضعت سعادتي بهذا العالم. أقسم أنني أديت أمانتك بأخَواي، أنا أعاملهما كما كنتما تعاملاني تمامًا وأغني لهما أغنيتكما قبل النوم. تعالي وانظري، ميرال تريد أن تكبر لتصبح طبيبة مثلك ويوسف كما أردتِ رجلاً، رغم صغر سنه يريد أن يساعدني ويخفف عني عبأ العمل، ولكن ليته يعلم أن العمل لا يرهقني، إنما أهلكني غيابكما. لم أدعهما ينسياكما، فقد ملأت غرفتهما بصوركما وأرجاء المنزل أيضًا. كل ليلة أحدثهما عنكما رغم ما يسببه هذا لي من الألم، فتلك الذكريات تحرق قلبي قبل أن أبوح بها. أحبكما كثيرًا، لماذا تركتماني وحدي؟ ما تركه في نفسي غيابكما من الألم قد أتعبني. عودا، أرجوكما. ياااا الله، ارحمني، ارحمني من هذا العذاب. أقسم بأنني أرى الموت ألف مرة باليوم وأخشى تمنيه لكي لا أصنع في يوسف وميرال نارًا أخرى. آاااااه، إنني أموت يا أمي، أرجوك عودي واحضنيني، أرجوك.
وبقيت على هذا الحال وبكاؤها يزداد وهي محتضنة القبرين وكأنها تحتضنهما وتتمتم بذكرياتها السعيدة معهما حتى غلبها التعب ونامت وهي على هذا الحال.
بدأت الشمس تداعب عينيها المتورمتين بشقاوة حتى أيقظتها. استيقظت نارة بتعب وصداع شديدان. وضعت يديها بين خصلاتها تمسك رأسها لعل ألمها يهدأ، ولكن دون جدوى. أخذت حقيبتها تخرج دواء يهدئ الجحيم الذي في رأسها حتى أخرجت علبة مهدئ قوية وأخذت منها قرصان دون ماء.
ونظرت للقبر:
لا تقلقي أمي، لا أكثر من هذه الأدوية غالبًا، ولكنني اعتدت أخذها هكذا دون ماء. أعتذر لرؤيتك هنا.
وجلست بجوار القبرين تراقب شروق الشمس وبدأت تردد:
لطالما أخبرتيني أن كل يوم تشرق به الشمس ونراقب شروقها، ذلك كفيلٌ بإعادة الأمل لقلوبنا العليلة، ولكن شمس قلبي لا تشرق يا أمي. ما بها؟ أهي تعاقبني لأنني لم أنقذكما؟ أو لأنني لم آخذ حقكما إلى الآن؟ ولكن لا تقلقا، سوف أفعله قريبًا جدًا، أقسم لكما ذلك. الشيطان الذي حرمني منكما، أعدكما بأنني سأجعله يتمنى الموت ولكن لن يجده. أعدكما بأنني سأجعله يدفع الثمن. دماؤه القذرة لن تكون ثمنًا لدمائكما، لذلك لن يموت، لا تقلقا. ابنتكما ليست بقاتلة، وكما أنه من المهين أن تكون دماء ذلك القذر بدلًا عن دمائكما.
وذرفت دمعتها الأخيرة التي مسحتها بعنف عن وجهها الذي شحب من كثرة البكاء.
اقتربت من القبران وودعتهما بعبارة واحدة:
وأنا أحبكما بشدة.
وأقسمت داخلها أنها لن تسمح لدمائهما أن تذهب هدرًا.
أقسم بأن الذي كان السبب سيدفع الثمن غاليًا.
أقسمت بأنها لن تبكي مجددًا أمام أحد أو حتى بينها وبين نفسها، لأنه حان الوقت لكي يبكي فيه من تسبب بكل تلك الآلام لقلبها وعائلتها.
هي الآن عبارة عن اسم على مسمى، فهي كالنار المتأججة، ستحرق كل من يقربها. ولكن حتى النار تحرق نفسها بالبداية قبل أن تحرق أحد، ولكنها لا تبالي بذلك، فهي لا ترى سوى هدفها أمامها.
ركبت سيارتها.
(في مكان آخر)
ماذا تعني بأنه باع كل الأسهم؟
هذا ما حصل يا سيدي، أرجوك اهدأ.
كلا، كلا، لن يحصل. أنت لا تعلم ماذا فعلت من أجل هذه الشركة والأسهم. قبل ذلك دمرتهم جميعًا وسأدمر كل من يحاول أخذها مني.
رواية كأس من الألم الفصل الرابع 4 - بقلم وتين قطامين
القت نظرة على هاتفها الذي يحتوي على مئة مكالمة فائتة من جاد ومئة وخمس وعشرون رسالة منه.
أرجعت شعرها للخلف بتعب ثم أرادت الاتصال به ولكنها تراجعت وأغلقت الهاتف ورمته على المقعد الذي بجوارها.
قادت سيارتها إلى المنزل وانطلقت نحو المنزل.
وقبل أن تنزل من السيارة وضعت القليل من مساحيق التجميل كي تداري تورم وجهها.
فهي لا تريد إحزان شقيقيها كما أنها تكره رؤية أحد يشفق عليها.
لذلك أقسمت على عدم إظهار ألمها لأحد طيلة عمرها.
فهي لا تزال تذكر تلك الهمسات المشفقة عليها يوم عزاء والديها.
وكانت تخترق قلبها قبل أذنيها حتى جن جنونها على الجملة الأخيرة:
"ماذا فعل هذان الاثنان بحياتهما حتى يعاقبان هكذا ويتركا فتاة بعمر الورد مثلها؟ إني أشفق عليها."
نهضت من مكانها بجنون فهي كانت فقط ساكنة، لا تبكي ولا تتكلم وتفعل شيئًا سوى النظر بنقطتها الوهمية.
وكانت هذه الجملة صعقة كهربائية أيقظتها من عالم اللاشيء الذي كانت به.
وصرخت بجنون:
"اخرجوا جميعًا من هنا، أنا لا أحتاج أحدًا ليشفق علي. والداي لم يفعلا شيئًا، ذنبهما أنهما كانا يحباني كثيرًا لدرجة أن يضحيا بحياتهما كي ينقذاني. اخرجوا، لا أريد أحدًا."
وبقيت تصرخ حتى خرج الجميع وبقيت تبكي بحرقة.
خرجت من ذاكرتها وفتحت باب سيارتها وترجلت منها بثبات مخيف.
صعدت إلى غرفة شقيقيها وفتحت الباب بهدوء فالوقت لا يزال باكرًا وهما لا يزالان نائمين.
دخلت وتأملتهما لبعض الوقت ثم أغلقت الباب بهدوء وذهبت لغرفتها وأعدت حقيبتها.
ودخلت على الحمام الملحق بغرفتها وأخذت حمامًا بالماء البارد.
فلطالما أحبت ذلك على الرغم من توبيخ أمها الدائم لها على ذلك.
استمر تدفق الماء عليها أكثر من ساعة ثم خرجت من الحمام وبدأت بإعداد نفسها.
سمعت طرقات بسيطة على الباب:
"ادخل."
كانت رحمة (رحمة تعمل مدبرة لمنزلها منذ سنين حتى قبل ولادتها):
"أين كنتِ سيدتي طوال الليل؟"
نظرت لها نارة بهدوء:
"كنت عنده."
رحمة:
"لماذا تصرين على حرق قلبك بهذه الطريقة يا...؟"
بترت كلمتها وقالت:
"سيدتي؟"
نارة وهي تعلم ماذا كانت تريد القول:
"لا تقلقي يا رحمة، أنا بخير وكنت بحاجة لتلك الزيارة."
رحمة:
"أدعو الله لكِ دائمًا لكي يعيد السعادة لحياتك، ولكن أنتِ أيضًا يا سيدتي افتحي قلبك للحياة قليلًا."
نارة وقد جمدتها كلمة "أدعو لكِ" فقالت بشيء من السرحان:
"رحمة، أتعلمين لماذا منعتكِ من مناداتي بابنتي رغم اعتيادي على ذلك طيلة حياتي؟"
رحمة:
"أعلم، ولا لوم عليكِ صدقيني، سواء ناديتكِ بذلك أو لم أفعله، فأنتِ بالنسبة لي تبقين كذلك."
نارة:
"رحمة، أعتذر منكِ، ولكن من بعد أمي وأبي لا أرى أن بإمكاني أن أمنح هذا الشعور لأحد سواه. لم أعترض على تكلمك بهذه الطريقة مع أخواي، ولكن أنا لا أستطيع."
رحمة:
"لا عليكِ، أقدر شعوركِ وأردت الاطمئنان عليكِ فحسب."
وأرادت الخروج.
نارة:
"رحمة."
ورضت على حضنها وحضنتها بهدوء.
بقيت رحمة تمسح على شعرها وتهمس بالدعاء لها وبقيت هكذا لمدة تجاوزت الدقائق، فهي بحاجة لهذا الحضن ورحمة لم تبخل عليها به.
بعد مدة خرجت نارة من حضنها وهي تقول:
"أريد أن آخذ أخواي في نزهة اليوم، هلا حضرتهما."
رحمة:
"أمرك."
دخل يوسف وميرال على الغرفة بحماس بعد أن حضرتهما رحمة.
وكانت نارة قد انتهت من تحضير نفسها وأخذتهما وذهبوا إلى الحديقة وتناولوا الفطور معًا وخرجوا نحو الشاطئ وأمضوا يومًا جميلًا بالفعل.
وبعد غروب الشمس عادوا إلى المنزل.
كم كانت سعيدة برفقتهما وبرؤيتها لطفولتها من خلالهما.
دخلت نارة بسيارتها إلى الكراج وكان جاد ينتظرها بالحديقة الخاصة بالمنزل.
رواية كأس من الألم الفصل الخامس 5 - بقلم وتين قطامين
انزلت شقيقيها وطلبت منهما الدخول للمنزل.
وذهبت للتحدث مع جاد.
اقترب منها جاد بخطوات واسعة، وقبل أن يلمسها حتى تراجعت للخلف.
فهم أنها لا ترد الاقتراب منه أكثر، فتوقف وقال:
"أنا آسف يا نارة، أرجوك سامحيني. لم أقصد الضغط عليك أبداً، أقسم بذلك. أين كنت ليلة البارحة؟ كدت أجن وأنا أبحث عنك."
"مازلت صامتة تماماً. أرجوك لا تفعلي هذا بي وتتجاهليني."
"لست غاضبة يا جاد، ولست أتجاهلك. أقدر خوفك علي واهتمامك بي، ولكن رجاءً لا تحاول مرة أخرى الضغط علي هكذا."
"وإلا خلعتي لي كتفي."
ضحكت. "أجل، وإلا فعلت بك هذا وأكثر."
"أتعلين أن جاك بالفعل كان كتفه مخلوعاً، وأيضاً لديه عظام قد تصدعت."
نارة بعدم اهتمام: "يستحق ذلك."
جاد: "ستسافرين؟"
نارة وقد تبدلت ملامحها للبرود: "نعم."
"أتمنى لك التوفيق."
"جاد، لا داع لأن أوصيك. يوسف وميرال أمانة عندك لحين عودتي."
"لا تقلقي، هما بأمانتي إلى حين عودتك. اسمحي فقط لي بإيصالك إلى المطار."
"حسناً، سوف أصعد لأودع يوسف وميرال وأحضر حقيبتي."
"أنتظرك بالسيارة إذا."
صعدت إلى الأعلى وودعتهم. كم تكره هذا الجزء دائماً، ولكن لا تستطيع المغادرة دون وداعهما.
أوصتهما بالاهتمام بنفسهما وأن يطيعا رحمة.
وأوصت رحمة أيضاً عليهما كثيراً.
نزلت إلى جاد، وأخذ الحقيبة منها.
أوصت الحرس بعدم دخول أي أحد إلى المنزل بغيابها، وأن لا تخرج سيارة يوسف وميرال وحدهما، وأن ترافقهما سيارة الحراسة دائماً.
طوال الطريق وهي صامتة تنظر من النافذة.
وهو كذلك ينظر لها تارة، وإلى الطريق تارة أخرى.
يجبر نفسه على التركيز، ولكن عبثاً، فهي تحتل تفكيره بعمق شديد.
عندما وصلا إلى المطار.
"أرجوك، أرجوك فكري بهذا مرة أخرى، تستطيعين الاستمرار بمخططك من هنا. لا تذهبي، أرجوك."
"لا تتعب نفسك يا جاد، سأكون بخير. لا تقلق، لقد حان الوقت. أراك على خير."
وهنا جاد حضنها وتشبت بها، وكأنه طفل يتشبث بأمه يخاف مفارقتها.
"اعتني بنفسك أرجوك، عودي لنا بعد أن تنهي ما بدأتي به. نارة أرجوك، فلتكن حياتك هي أولويتك. إن لم يكن من أجلك، فمن أجل يوسف وميرال، ومن أجلي أنا أيضاً."
نارة متجمدة بمكانها. فهي لطالما شعرت بمشاعر جاد نحوها، ولكنها تقاومها دائماً. لا تريد أن يضعفها شيء أو يبعدها عن هدفها.
ولكنها لم تتوقع يوماً أن مشاعره تجاهها بهذه القوة. لذلك لم تقاومها هذه المرة، وسمحت له بالتعبير عما بداخله من خوف وألم مفارقتها وذهابها نحو المجهول.
بعد القليل من الوقت، أخرجت نفسها من حضنه وقالت بهدوء:
"لا تقلق، سأعود لكم مجدداً. فأنا لا أتخلى عنكم أبداً. إلى اللقاء."
وأخذت حقيبتها وذهبت إلى مدرج الطائرة الخاصة، وانطلقت حيث بداية الحكاية (إسبانيا).
رواية كأس من الألم الفصل السادس 6 - بقلم وتين قطامين
وصلت طائرتها بعد عدد قليل من الساعات حاولت خلالها النوم ولكن عبثاً، تفكيرها المستمر منعها من ذلك. لا تريد أن يتعلق بها أحد، لطالما فضلت الوحدة كي لا يتعلق بها، فلا يوجد صديقات لها ولا أصدقاء ولا أحد بحياتها سوى علاقاتها بالعمل. لكن جاد اقتحم هذه الوحدة بطريقة ما. لا تعلم لماذا سمحت له بذلك. هل لأنها أرادت دفن الألم؟ أم لأنها سئمت من العيش بمفردها؟ أو ربما لأنها رأت في عينيه بريق الألم عند وفاة أمه، وهو ذات البريق الذي كان في عينيها عند وفاة والديها؟ فساعدته لأنها لم ترد أن يتألم أحد مثلها مجدداً. هي لا تريد رؤية ناره آخر بأي أحد ولا بأي شكل، لأنها ترى أنها ولدت فقط لتتجرع كأس من الألم. حاولت حماية جميع من حولها من لمس ذلك الكأس، بالاخص يوسف وميرال. على الرغم من أنهما يتيمان، ولكنها نجحت حرفياً بابعاد هذا الشعور عنهما تماماً وأصبحا ورأيا فيها الأم والأب بذات الوقت. رغم القسوة والجبروت الذي يظهر عليها بالعمل، فهي حنونة بشكل كبير. فحتى ذلك المدير المقصر، رغم فشله بما أوكلته به، إلا أنها لم تطرده وحتى لم تخصم من راتبه بدل الخطأ الذي حصل، ليس تهاوناً منها بالعمل، فهي نجحت سابقاً بتحديد من قام بالاختلاس وغير بالحسابات. ولكن عطفا منها على حاله، فهي تعلم بأنه المعيل الوحيد لعائلته. هذه نارة، يوسف بقوة يوسف وصرامته، وحنان وعطف ميرال جمعت الاثنين بداخلها فأصبحت شخصا قمة بالتناقض، جعلت الجميع ينظر لها كعلامة استفهام كبيرة. وصلت لنقطة واحدة بتفكيرها بأنها يجب أن تبعد جاد قبل أن تكبر مشاعره ناحيتها أكثر، فهي لا تفكر بدخول أي ارتباط مع أحد وتريد البقاء بعيدة عن الجميع برأيها الخاص أن ذلك أفضل لهم. ولكن بالحقيقة التي هي تنكرها، هي خائفة من أن تحب أحدهم وتتعلق به ويرحل. هي تخشى أن يتعلق أحد بها بشدة فيضحي بحياته من أجلها. تعلم أنها أضعف من أي تجربة، فهي كذبت عندما قالت "بعد فترة أطول تصبح لا تشعر بالألم". لو كان كذلك، أليست عشر سنوات كافية لتنسى ألمها وتمضي قدماً بحياتها؟ على كل حال، تعلم ما عليها فعله. نزلت من الطائرة بثقة عالية وثبات، فهي الآن على وشك خوض الحرب التي استعدت لها طوال عشر سنوات. حان الوقت لتعيد حقها وحق والديها.
السائق: تفضلي سيدتي من هنا.
وصلت نارة للفندق الذي أقامت به مع والديها بزيارتها السابقة إلى إسبانيا قبل أن يستقروا بها، وأصرت على طلب الجناح نفسه 203 المطل على البحر، فل طالما عشقت أمها هذا المنظر، فكان والدها يحرص دائماً على استئجار الغرف المطلة على البحر، حتى أن قصرهم القديم أيضاً كانت غرفة والديها تطل على البحر. وصلت للغرفة ووقفت أمام بابها لثوان.
قال عامل الفندق: هل هناك مشكلة سيدتي؟
نارة: كلا.
دخلت الجناح بهدوء وهي تمعن النظر في كل زاوية منه. على الرغم من تغير ديكور الفندق، إلا أنها محتفظة بكل زاوية بهذا الجناح، فقد كانوا يأتون إلى هنا كل عطلة وكانت تحب ذلك جداً، وكانت تصر على زيارة قصر الحمراء في كل مرة بعد أن قرأت قصيدة نزار قباني "في مدخل الحمراء". وبدأت ذاكرتها تسترجع كل تلك الأيام الجميلة وابتسمت لها ولم تبكِ هذا المرة. بعد ساعة من تأمل الجناح، دخلت إلى الحمام وأخذت حماماً سريعاً وبدلت ملابسها وخرجت وتوجهت إلى بهو الفندق كي تقابل ماريانا. (ماريانا هي مساعدة نارة بإسبانيا، فقد افتتحت فرعاً جديداً لشركتها بإسبانيا وعينت ماريانا لمتابعة العمل هنا بغيابها).
رواية كأس من الألم الفصل السابع 7 - بقلم وتين قطامين
اهلا بك سيدة نارة اتمنى ان رحلتك لم تكن متعبة
- اهلا بك ماريانا اشكرك لقد كانت رحلة جيدة
اذا ماريانا كل شيء جاهز صحيح
- نعم سيدة نارة لقد تم كل شي كما خططنا له و يمكنك الذهاب للعمل من الغد ان اردت
- ابتسمت نارة بثقة : رائعة يا ماريانا رائعة للغاية
- اشكرك سيدتي
- اذا هيا اخبريني بالتفاصيل
- حسنا سيدتي
- عز الدين اوكر مدير شركات اوكر وله شريك يدعى ادم وهما على خلاف دائم لأن عز الدين لديه بعض الاعمال غير القانونية -او لنقل الكثير منها- ولكن معارفه القوية دائما تنقذه ويخرج من كل تهمة بنفس السبب دائما وهو نقص بالادلة التي تدينه والسيد ادم يرفض هذا لذلك باع اسهمه لنا لكي يتخلص من شراكة عزالدين
- اعمال غير قانونية مثل ماذا
- تجارة اسلحة مخدرات و الابشع تجارة بالبنات بعد ان يستخدمهن في نقل شحنات من المخدرات
- قالت بحقد وغل : قتل
- نعم سيدتي توجد قضيتان باسمه بهذا الموضوع
- اثنتين
- نعم احدهما يوسف اليوسفي و زوجته ميرال التاجي قبل عشر سنوات ولكنها اغلقت لنقص الادلة
- وقالت بالم : وقيل فيها ان يوسف اليوسفي قتل زوجته ميرال التاجي ثم قتل اولاده و اخفى جثثهم و انتحر بعدها
- نعم سيدتي هذا ما قيل و الشخص الوحيد الذي رفض هذا الادعاء هو محامي يدعى خالد ولكنه هاجر من اسبانيا قبل سنوات ولم يسمع عنه احد شيئا بعدها
- لا توجد عنه اي معلومات
- لا شيء سيدتي حتى كان له عائلة باسبانيا ولكن لم يعد هناك اثر لاي منهم
- قلت قضيتان
- نعم سيدتي هذه كانت الاولى و الثانية اكثر غرابة
- غريبة من اي ناحية
- ان المغدور به هذة المرة هو ياسر عزالدين اوكر وهذه حصلت قبل عامين
- ماذا ابنه
- اجل انه ابن عز الدين ويقال انهما اختلافا على المال ولكن من يقتل ابنه لاجل المال
- ضحكت نارة بسخرية : عز الدين يفعل يا ماريانا
- تعلمين ما الذي اثار استغرابي اكثر بهذه القضية
- أهناك المزيد
- اجل طبعا, قبل فترة من وفاة ياسر صرح بان الامور في عالمه لا تبدو كما هي عليه دائما وختمها بأن الكل مذنب ولكن بطريقة بريئة وان الجاني هو الشيطان الذي زين تلك الاعمال بالوهم ولكن حتى مع ذلك يبقى مذنبا
- ماذا يقصد بان الكل مذنب بطريقة بريئة
- هذا التصريح جاء بعد خلاف نشأ بينه و بين والده عندما حول عز الدين اموال و اسهم ابنه الى حسابه الخاص فلذلك حل البعض بانه كان يقصد والده وكان اكبر الادلة الموجهة لعز الدين حيث وجد ابنه مرميا بالمسبح بعد ان طعن عدة مرات ولكن هذا التصريح ربما لم يكن الاكبر و انما الوحيد
لذلك كالعادة اخرج لنقص الادلة التي تدينه
- من يدعمه الى هذا الحد يا ماريانا من قادر على اخراجه من جريمتي قتل هكذا و ايضا من كل تهم تجارة الاسلحة و المخدرات
- يوجد ثلاثة اشخاص فقط قادرين على ذلك
- من هم
- جوزيف رئيس المافيا الاسبانية , تود اوسكر اكبر تجار الاسلحة , ايفا اوكر حفيدته وهي عضوة بالمجلس البرلماني الاسباني يقال ثلاثتهم و يقال احدهم ويقال بان هناك احد خلف الكواليس غيرهم
- منذ متى تربطه علاقة بكل واحد فيهم
- يصعب التحديد ولكن ربما اكثر من اثني عشرة سنة
- كيف تعمل ايفا معه وهو متهم بقتل والدها
- ايفا ليست ابنة ياسر
- ابنة من اذا
ابنة ابنته رون ولكنها توفت وهي تلد ايفا لذلك قام عز الدين بتربيتها ولكنه اخفاها عن الاضواء حتى بلغت 30 من عمرها
- لماذا
- لا اعلم ولكنه صرح بانه لم يكن يرغب بفتح جرح خسارة ابنته كما انها كانت رغبة ايفا
- لم افهم شيء كيف اصبح ادم شريكا لعز الدين بهكذا نسبة عالية من الاسهم
- لست انت وحدك من لا يفهم بل الجميع لا يوجد اي معلومات و لا حتى اشاعات عن ذلك
- ماريانا متأكدة انه تم نقل الاسهم بشكل كامل وانه ما من اي لبس قانوني
- مئة بالمئة سيدتي
- واخرجت ملفا من حقيبتها- انظري هذا توقيع السيد ادم وهذه هي الاوراق التي تثبت ملكيتك وهذا توقيع المحامين الذين جعلتهم يوقعون على هذا التنازل أطمئني كل شي قانوني تماما
- جيد ماريانا اريد معلومات مفصلة عن عز الدين وعن الصفقات التي قام بها خلال اخر عشر سنوات وعن ادم ذاك وكيف اصبح شريك عز الدين وعن كل القضايا التي وجهت لعز الدين ومن حقق فيها وكل شي حصل بحياته منذ عشر سنوات بالتفصيل
- امهليني اسبوعين و ستكون كل تلك المعلومات لديك
- ماذا ماريانا اسبوعان كثير
- لا تعلمين كم عانيت لاحضر هذا المعلومات سيدتي فهو يحفظ معلوماته بشكل غريب وآمن جدا حتى ان بعض المقالات التي نشرت عنه سابقا لم اعد اجدها
- قالت بينها و بين نفسها : ذلك اللعين الحقير ثم قالت حسنا ماريانا لا بأس خذي وقتك ولكن اطلعيني بكل ما تتوصلين اليه اولا باول
- امرك سيدتي والان اسمحي لي
- تفضلي
بقيت تحدق بنقطة وهمية تفكر بكل ما سمعته وكيف لفق ذلك اللعين الحقيقة هكذا وكيف استطاعت تخليص نفسها و اخوتها سابقا منه
رواية كأس من الألم الفصل الثامن 8 - بقلم وتين قطامين
قبل عشر سنوات
بعد مقتل والديها، أخذت نارة أخويها ورحمة وتوجهوا نحو المطار ليسافروا. إلا أنه تم منعهم لأن عز الدين أشاع خبر موتهم، لذلك جمدت جوازات سفرهم.
المحامي خالد: نارة يا ابنتي، عليك ترك إسبانيا حالاً. عز الدين أشاع خبر موتك وخبر موت أخوتك، لذلك سيحاول قتلكم بكل الطرق.
نارة: وحق والداي.
المحامي خالد: أنا سأتابع القضية وأعلمك بكل شيء، أعدك. ولكنه ليس من الآمن لك الظهور للعلن الآن.
نارة: لا أهتم إن عشت أو مت، أريد حق والداي. ذلك الحقير استولى على شركات أبي.
المحامي خالد: نعم فعل، ولكنه لم يستولي على الشركات التي باسم أمك، فهو لا يعلم عنها.
نارة: أمي لديها شركات؟
المحامي خالد: أجل، كتبها والدك باسمها سابقاً وهي موجودة بدبي. اذهبي إلى هناك وابدأي حياة جديدة مع شقيقيك. إن لم تفكري بحياتك أو موتك، فهذا شيء يعنيك، ولكن لا تكوني أنانية. أنقذي أخواكي وأخرجيهما من هنا، ثم افعلي ما يحلو لكِ.
نارة: حسناً، سأسافر وأعيش بدبي، ولكن عدني بأنك لن تدع حق والداي.
المحامي خالد: أعدك يا ابنتي، أبوك صديق عزيز علي ولن أترك حقه أبداً، لكن حياتكم وسلامتكم هي الأولوية الآن.
نارة: كيف سنسافر؟ فجوازات سفرنا وهوياتنا أيضاً وكل شيء جمد لأننا بنظر الجميع أموات.
المحامي خالد: نعم. إذاً أصبح الآن الوقت المناسب لتبني هوية جديدة. فأنتِ من اليوم لمار فارس المقدادي، وكذلك أخوتك، سأغير أسماءهم.
نارة: لن أغير اسم والدي ولا اسمي.
المحامي خالد: نارة.
نارة: صرخت به: قلت كلا، سيبقى اسمي نارة يوسف، غيري كنيتي إن أردت، ولكن لن تغيري اسم أبي أو اسمي. وأخواي سأسميهما يوسف وميرال، ولا تجعل كنيتهما مشابهة لكنيتي أبداً، ولكن حافظ على اسم أبي وأمي.
المحامي خالد: لماذا لا تريدين أن يحملا نفس كنيتك؟
نارة: لأنني سأعود لأنتقم من عز الدين، ولا أريد تعريضهما للخطر.
المحامي خالد: نارة، اتركي هذا الأمر عنك.
نارة: قالت وعيناها تدمع: أترك تضحيتهم تذهب عبثاً، أو أدع دمهما يذهب هدراً، لا، لن أفعل. أقسم بحبي لهما أني لن أدع حقهما حتى آخر نفس بحياتي. لن أفعل أبداً. وهذا سيكون انتقامي وحدي ولن يشاركني به أحد، ولا حتى أخواي.
المحامي خالد: حسناً يا ابنتي، سأفعل ما تريدين، ولكن هناك مشكلة.
نارة: ما هي؟
المحامي خالد: عمرك.
نارة: كيف ما به عمري؟
المحامي خالد: لن أستطيع نقل شركات أمك لاسمك حتى تبلغي الـ 18 سنة، لأن ذلك غير قانوني.
نارة: لا بأس، امنحي توكيلاً بها إلى رحمة.
المحامي خالد: أنتِ واثقة من ذلك؟
نارة: طبعاً، تقبلين بذلك رحمة، أليس كذلك؟
رحمة: دمعت عينا رحمة: لا أستطيع سيدتي، هذا أمر كبير.
نارة: أرجوك يا رحمة، وإلا سوف يستولي عليها عز الدين أيضاً. أرجوك.
المحامي خالد: نعم رحمة، إن لم تفعلي فهذا وارد جداً.
رحمة: حسناً سيدتي، أقبل بأخذ توكيل بها، ولكن أنا لا أستطيع إدارتها.
نارة: لا تقلقي، أنا أهتم بأمر العمل.
المحامي خالد: يا ابنتي، أنت تحملين نفسك فوق طاقتك.
نارة: أنا أعرف أين هي حدود طاقتي، لا تقلق.
المحامي خالد: حسناً، ستسافرون الليلة.
نارة: حسناً.
(عودة)
رواية كأس من الألم الفصل التاسع 9 - بقلم وتين قطامين
وضعت يدها على قلادتها، وهي بالأصل لأمها، وتحتوي على صورتين: الأولى لها ولأخوتها، والثانية لوالديها. هي لا تخلعها أبدًا، ودائمًا تخفيها بملابسها ولا تظهرها أبدًا.
"يبدو أنك مستغرقة حد الثمالة."
نظرت إلى الشاب الذي يجلس مقابلها. استغربته جدًا، فكيف عرف أنها عربية وتحدث معها كذلك، ومتى جلس على طاولتها. ولكن سرعان ما تحولت نظرات الاستغراب إلى نظرات حادة: "من أنت؟ وكيف تسمح لنفسك بالجلوس هنا؟"
قال ببرود: "وجدتك تجلسين وحدك وقلت أن آنس وحدتك. ألست لطيفًا؟"
قالت ببرود: "لست وحدي."
نظر حوله وهو يدعي الفزع: "أتجلسين مع الأشباح؟"
ابتسمت بسخرية: "بل مع الجن."
"جميل، ارتحت. ظننت أنك تجالسين الأشباح، فأنا أخافهم، ولكن لا بأس بالجن."
"ماذا تريد؟"
"أخبرتك، جئت آنس وحدتك."
عدلت جلستها واتكأت بيديها على الطاولة واقتربت منه وقالت: "أأبدو غبية لك؟ شاب يخرج من العدم بعد ذهاب صديقتي؟ ويعرف أني عربية ويتكلم العربية مثلي، وتقول لي تأنس وحدتي؟ أحب الناس المباشرة، لذلك تكلم، ماذا تريد؟"
ابتسم على ذكائها واتكأ مثلها وقال: "أحسنت يا فتاة، أنتِ فعلاً كما يقال عنك ذكية وحادة الملاحظة. أي لم تكن إشاعة."
عادت بظهرها على الكرسي ببرود: "تكلم، ماذا تريد مني؟"
"لدي الإجابات التي تبحثين عنها وأعرضها عليك."
"ما المقابل؟"
"الآن، أنا حقًا أقسم بذكائك، المقابل بسيط، نصف ما تملكين."
ضحكت نارة: "لدي عرض أجمل لك."
"ما هو؟"
"هو التالي: إن كنت فعلاً تملك إجابات لأسئلتي، فأنا على استعداد أن أعطيك شركات أوكر كلها، فهي لا تعني لي، ولدي ما يكفيني."
"بالفعل، هذا عرض أجمل، ولكن الآن تسببتِ بسؤال برأسي."
"لماذا أرغب بتدمير شركات أوكر وأنا لا أهتم بها ولا أريد توسيع أعمالي على حسابها؟ أليس كذلك؟"
"إذاً أنت لم تكوني تمزحين عندما قلتِ أنك لست بمفردك. أجل، هذا هو السؤال."
"ليس من شأنك."
"ما أريده هو المال، وأنتِ ما تريدينه، أيًا كان، ستأخذينه، وهكذا نكون اتفقنا."
"كلا."
"لماذا؟"
"لأنك لم تركز بكلامي، قلت لك بوضوح إن كنت تملك إجابات لأسئلتي يا... آدم."
"كيف عرفتني؟"
"ألست أنت من بعتني أسهم الشركة؟"
"أجل، ولكن لم نتقابل يومًا، وكل الأعمال تمت بين ماريانا ومدير أعمالي، حتى هي لم ترني قبلاً."
"أجل، هو كذلك حقًا، ولكن ألم تسأل نفسك يومًا خلال عشر سنوات من تواجدي بعالم الأعمال لماذا لم أخسر حتى صفقة واحدة؟ بالطبع لم تسأل، لأنك لو سألت ما كنت الآن متجمدًا أمامي. وسأجيبك الآن." ثم اقتربت من جديد وقالت بصوت منخفض: "لأنني لا أدخل أي صفقة حتى أعرف شركائي جيدًا، حتى قبل منافسيني. لذلك، سيد آدم، التفاوض معي ممنوع."
"ماذا تريدين أن تعرفي؟"
ابتسمت بانتصار: "كل ما تعرف."
"نتقابل غدًا هنا بنفس الوقت."
"أبلغ سلامي واخبره أنه حقًا بارع بالاختباء."
قالت جملتها التي نزلت على آدم كدلو ماء بارد جمدته هذه المرة بالفعل، وأوقفته بمنتصف الطريق بعد أن نهض عن الطاولة. ثم وضعت الحساب على الطاولة وأخذت حقيبتها ومرت بهدوء من جوار آدم المتجمد مكانه وكأنها لم تفعل شيئًا.
آدم على الهاتف: "إنها تعرف بوجودك."
رواية كأس من الألم الفصل العاشر 10 - بقلم وتين قطامين
اخيرا اتى اليوم المنتظر، اليوم الذي سوف تظهر فيه امام عز الدين. اليوم وقد سارت اولى خطواتها باتجاه انتقامها، اعدت نفسها هذا المرة بعناية شديدة، او لنقل بطريقة خاصة. فقد رفعت شعرها وثبته بمشبك شعر فضي مرصع بالماس لطالما احبته امها، ووضعت القليل من مساحيق التجميل.
كما اظهرت سلسلتها للمرة الاولى، وارتدت فستانا رمادي مكشوف الاكتاف منسدل اكمامه على يديها، مزين برسومات ورود زهرية هادئ. وارتدت حذائها العالي الابيض وحقيبتها البيضاء، فاصبحت اطلالتها جاهزة وتشبه امها لحد كبير، فلطالما احبت امها الالوان الرمادية ولكن الهادئ منها.
توجهت نحو سيارتها وهي تتصل بماريانا:
"اجل ماريانا، وافيني بشركات اوكر."
"حاضر سيدتي، اليوم اجماع مجلس الادارة وسيتم تقديمك على انك الشريك الجديد."
"اعلم ماريانا، وافيني هناك وكل شئ يسير حسب الخطة صحيح؟"
"طبعا سيدتي."
"رائع."
وصلت الى شركات اوكر على الوقت وترجلت من سيارتها بثقة وقوة واضحة بملامحها. وتقابلت هي وماريانا عند باب الشركة ودخلتا. لم تسمح لذكرياتها باضعافها، بل جعلتها مصدر لقوتها. دخلتا على غرفة الاجتماعات.
"نارة: امل انه لم يفتني شي."
التفت لها الجميع، منهم المستغرب ومنهم المبهور بالحسناء التي اقتحمت المكان. اما عز الدين، والذي ثبتت نارة عيونها عليه، تلك العيون التي هي طبق الاصل عن عيناي امها. نهض من مقعده وقال بصدمة:
"ميرال."
"نارة: نعم سيد عز."
وتعمدت اختصار اسمه كما كان يفعل والدها. ثم اردفت بعد ثواني:
"انا نارة يوسف."
وهنا زادت صدمته اكثر وهو يتمتم:
"مستحيل، كلا."
ثم سحبت الكرسي الذي يتصدر الطاولة وقالت بهدوء:
"انا نارة يوسف المقدادي، الشريكة الجديدة بشركات اوكر بعد شرائي لاسهم السيد ادم. اهلا بكم يا سادة."
ثم التفتت لعز الدين:
"عفوا سيد عز الدين، ما الامر؟ تبدو وكانك رايت شبحا. هلا تفضلت بالجلوس رجاءا."
ثم جلس على الكرسي المجاور لها وهو شارد الذهن، ولم ينتبه حتى لنارة التي اخذت مكانه.
"اومن (احد اعضاء مجلس الادارة): اهلا سيدة نارة، تشرفنا بك."
"نارة: الشرف لي."
وتوالت عليها عبارات الترحيب من اعضاء المجلس، وكانت ترد عليها برسمية وثقة كعادتها بالعمل.
ثم قالت انيتا (احد اعضاء مجلس الادارة):
"اذا بما ان العدد قد اكتمل، لنبدا اجتماعنا يا سادة. نحن هنا اليوم لكي نلتقي بالشريكة الجديدة بشركات اوكر، وقد تم هذا الامر الان. لنقاش البند التالي وهو هل سيكون هناك تغير على رئاسة مجلس الادارة."
"وهنا استفاق عز الدين: و لما سيكون هناك تغير؟"
"رد اومن: لان الانسة نارة تملك اسهم مساوية لقيمة اسهمك، وانتما الان اعلى من يملك اسهم بالشركة. ولذلك لها الحق بالترشح لرئاسة المجلس، طبعا بعد تصويت اعضاء المجلس."
"رد عز الدين بغضب: كيف تملك اسهما مساوية لاسهمي؟ وهي قامت بشراء اسهم ادم، وادم اسهمه اقل من اسهمي بنسبة 10%."
"ردت نارة بهدوء: كما تعلم سيد عز، اووه لا تمانع مناداتي لك بعز، أليس كذلك؟ فإن شركتكم بكل سنة تعرض ما نسبته بين (5-3%) في السوق المحلي لدعم اصحاب رؤوس اموال الاعمال الصغيرة. ولكن هذه السنة قمت بعرض 10% لتعويض خسارتكم بالصفقة الاخيرة مع الشركة الوهمية التي عرفت ب(بارا). وانا قمت بشراء هذه الاسهم كلها بالاضافة لاسهم ادم، وبالتالي تتساوى اسهمي واسهمك الان."
"عز بذهول: كيف عرفتي بامر الخسارة؟"
"نارة: لا شيء يخفى بعالم الاعمال سيد عز."
"اومن: انت انقذتي الشركة وقتها من مشكلة عصيبة سيدة نارة."
"ابتسمت نارة وقال لنفسها: اجل فعلت كي ادمرها بيدي لاحقا."
ثم قالت بصوت مسموع:
"لا باس سيد اومن، لقد اتيت اليوم وارغب باستلام عملي في الحال. واعدكم باني ساعمل على تقدم هذه الشركة وتعويض تلك الخسارة. ولكن اولا، من بعد اذنكم، لننتهي من بند اختيار رئيس المجلس لانني ارغب بالتحدث اليكم لاحقا."
"انيتا: حسنا انسة نارة، يا سادة لدينا مرشحان لرئاسة المجلس بسبب تساوي الاسهم بينهم. ولذلك لناخذ رايكم بمن هو الرئيس المناسب لمجلسنا."
وبدأ تصويت اعضاء اللجنة، وكان الفارق صوتا واحدا لصالح نارة. وبذلك اصبحت رئيسة المجلس. وعز الدين ينظر بفراغ للاشيء، فها هو يخسر اول معركة امامها واصبحت رئيسة المجلس بشركته الخاصة.
"نارة: اشكر لكم ثقتكم يا سادة. سيد عز، ارغب بطلب خدماتك في مساعدتي بالادارة، فكما تعلم انت صاحب خبرة كبيرة. ان سمحتم لي يا سادة، ارغب بتعينه نائب عني."
"اومن: ذلك مناسب برأي انسة نارة."
"نارة: اذا دعونا نتحدث الان عن العمل. ماريانا اذا سمحتي."
قامت ماريانا بتشغيل عرض حاسوبي على الشاشة.
"اشكرك ماريانا. يا سادة انظروا معي الى الشاشة. هنا نرى جميع افرع شركتنا بالعالم ونلاحظ تركزها باوروبا بشكل كبير، وهذا برأيي الخاص خطا فادح."
"انيتا: ما الخطأ بذلك؟"
"نارة: سؤال جميل. الخطأ ببساطة هو محدودية انتشار شركتنا، فبالتالي تبقى محدوده وعرضة للمطامع مثل ما حصل سابقا مع شركة بارا. والحل هو التوجه للعالمية في نطاق سوق اوسع يسمح لنا هذا بانتاج اصناف اوسع وتصديرها، وبتالي مضاعفة ارباحنا."
"اومن: انا معك بذلك سيدة نارة، ولكن وضع الشركة الحالي لا يسمح بذلك. كيف سنقوم بالامر؟"
"نارة: الشيء الوحيد الثابت بعالم الاعمال هو المخاطرة. ان نجحت مخاطرتنا يعني تضاعف ارباح الشركة خمسة اضعاف."
"عز الدين: وان خسرنا؟"
"نارة: رغم صعوبة حصول الامر، الا انه سوف نخسر معه ما نسبته 25% من شركتنا. بالمناسبة، هنك فرق بين خسارة اسهم وخسارة شركات. وهنا بهذه الحالة الخسارة تعني خسارة ربع املاكه من اراض وشركات وقصور واموال بالبنوك."
"عز الدين: اذا امر مرفوض."
"نارة: توقعت ردك. ولكن سيد عز، الثبات بنفس المكان بحد ذاته خسارة. اعني من لا يتقدم يتدهور، وهذا حال الشركة حاليا. هذا اقتراحي يا سادة: التغيير بتوسيع السوق والتدرج باصناف ما نقدم من منتجات لتناسب معظم الاسواق العالمية."
"عز الدين: ولكن يجب ان تحددي الاسواق التي تستهدفينها؟"
"نارة: هذا يقودنا للحديث عن الشريحة الاخرى في عرضنا وهي الاسواق. ستكون اسواق غرب اسيا وشمال افريقيا، في اسواق تضم دول متوسطة التنمية."
"عز الدين: انت تعارضين كلامك، تطمحين للعالمية وتستهدفين اسواق دول متوسطة."
"نارة: سيد عز، السبب واضح باختياري لهذه الاسواق. اولا للحد من المخاطر، وثانيا لإستهدف الاسواق العظمى كخطوة اولى لانها تكون بحالة من الاكتفاء. ولكن عندما ينتشر اسم شركتنا اولا وتصبح معتادة على التصدير خارج اوروبا وبأصناف متدرجة من الجودة، اقدم منتجاتي على الاسواق العظمى وعندها ستكون على القدر الكافي من الجودة الاعلامية والتقنية لتنافس بالاسواق العالمية."
"انيتا: وااو انسة نارة، هذا لا يصدق. مشروعك حقا رهيب وطريقة تفكيرك حقا تجارية. انا ادعم مشروعك بقوة، فهو فرصة عظيمة للتقدم والتطور. واوافقك الراي، من لا يتقدم يتدهور، ولا ضرر من المخاطرة طالما ان نسبة الخسارة مقبولة."
"اومن: وانا اوافقها الراي تماما، وانا ادعم مشروعك انسة نارة."
"نارة: اشكركما. سيد عز، مارأيك؟"
"عز الدين: طالما ان هذا رايكم، فانا معكم. ولكن اطالبك بتوقيع تعهد تتحملين فيه الخسائر التي تترتب على مشروعك. أتوافقين؟"
"نارة: اوافق طبعا. ولكن لدي شروطي."
"عز الدين: وما هي هذه الشروط؟"
"نارة: ان كان يجب علي تحمل الخسائر، فاذا انا ايضا اتحمل الارباح."
"عز الدين: ماذا تقصدين؟"
"نارة: اعني اخذ الحصة الاكبر من الارباح. لنقل بنسبة 70%."
"عز الدين: مستحيل، لا تحلمي بذلك حتى."
"نارة: سيد عز، توقف عن التصرف بطفولة. لا تنسى اني اصبحت رئيسة المجلس ولي الحق باتخاذ مثل هذه القرارات. كما انني اقدم لشركتهم عرضا هو ربح بنسبة مئة بالمئة، لانه ان خسر المشروع انا اتحمله وحدي، وان ربح انا اعطي للشركة 30% من الارباح، عدا عن دخول تلك الاسواق والتوسع بالعمل."
"اومن: انا اوفقك. ولكن ألا ترين ان نسبة ربحك كبيرة قليلا."
"نارة: حسنا سيد اومن، اعتبره عربون شراكتنا الجديدة. سآخذ النصف فقط."
"اومن: اشكرك انسة نارة. انا اصوت بالموافقة على مشروعك."
"انيتا: واما انا ايضا. وماذا عنكم يا سادة؟ ألدى احد اعتراض؟"
لم يعترض احد. تم تبني مشروع نارة بعد ان وقعت على وثيقة تعهدها بالخسارة.