عدت بظهري للخلف وأسندت رأسي. وضعت ذراعي على عيني. ديما، تلك الصغيرة التي قلبت حياتي برؤيتها.
كنت في التاسعة، أجلس على مقعد في حديقة، لا أتحدث مع أحد، ولا أضحك كبقية الأطفال الذين أمامي. وهم يمسكون يد آبائهم ويمرحون مع أصدقائهم، بينما أنا أنظر لهم ببغض شديد. أنظر لكل ولد قريب لعمرى أو في سنه وهو يلعب ويضحك، وأني لا أتمتع بكوني عديم الضحكات مثله. وتلك المشاعر التي يشعرون بها، لا أشعر بها مثلهم. أنعتهم بالحمقى لتلك السعادة، وأنظر لهم وكأنهم سفهاء وتافهين. "لماذا أنت جالس بمفردك؟
نظرت إلى الصوت، وجدت طفلة صغيرة. يبدو أنها الخامسة أو السادسة من عمرها. كانت جميلة، شعرها قصير بني، وعيناها البندقتان تتساقط عليها أشعة الشمس فتنيرها وتملأها براءة. كانت صغيرة القامة، وضعت يداها الصغيرتان على المقعد لتصعد، لكنها لم تستطع. حتى حاولت رفع قدميها للأعلى للوصول للمقعد، لكن لم يجدي نفعًا. كان شكلها مضحك. نظرت لي، ومدت يدها الصغيرة وطلبت مني أن أساعدها. لم أعيرها اهتمامًا، لكن وجدتها حزنت، مما أثر في نفسي رؤيتها حزينة. زفرت بضيق، ومددت لها يدي. فابتسمت لي، وكانت ابتسامتها جميلة جعلت الغضب والتضايق يذهب إلى سبيله. أسندت على يدي والأخرى على المقعد، وقفت، ورفعت قدماها وتشبثت حتى وصلت وجلست. كانت وكأنها تصعد إلى أحد قمم الجبال.
"لماذا لا تلعب كالبقية؟ قالتها الصغيرة ببراءة وتساؤل. "لأني لست مثلهم." "ماذا تقصد؟ اقتربت مني وأمسكت وجهي بكفيها الصغيرين الدافئين. نظرت لها. قامت بتفحص عيناي، ورفعت جفني بأصابعها الصغيرة، وتمسك خدي وتشدهم. ابتعدت عنها بضيق. "ماذا تفعلين؟ "إنك ولد." قالت بطفولة. "وماذا عساي أن أكون؟ "قلت إنك لست مثلهم، ظننتك كائنًا فضائيًا." نظرت لها بتعجب واستغراب. نظرت لي، وقالت: "إن كنت لست فضائي، إذن أنت... رجل آلي."
أكملت بابتسامة: "بل ولد آلي." نظرت لها وابتسمت. "هل تريد اللعب معي؟ "لا." قلتها بصرامة وحدة. على الرغم من صغر سني، إلى أني كنت خالي المشاعر. "لماذا؟ "لا أحب اللعب." "ولماذا لا تحب اللعب يا آلي؟ نظرت لها، ابتسمت لي، وضاقت عيناها الصغيرتان بابتسامتها. قالت: "سعيدة بمصادقة ولد آلي." "قلت بتعجب: ماذا؟ "أصبحت صديقي، ألا تريد أن تكون صديق لي؟ حزنت عندما رأيتها حزينة، فأسرعت وقلت: "لا، أريد ذلك." نظرت لي وقالت: "حقًا؟
أومأت برأسي. ابتسمت لي، أمسكت يدي ورفعتها. نظرت، قامت بضم أصابعي إلى قبضتي، وأخرجت إصبع الخنصر والابهام. ثم فعلت هي كذلك، وقامت بتقريب يدها من يدي، ولامس إصبعي الاثنان ذات أصبعيها. نظرت لها ولا أفهم ما تفعله. ابتسمت، قالت: "أنت صديق ديما الآن." ديما.. أهذا هو اسمها. "هلا لعبنا قليلاً قبل أن يأتي أبي وأمي وأذهب؟ "لماذا لا تلعبين معهم؟ "كنت ألعب، لكن توقفت برؤيتك." نظرت لي وابتسم. أكملت: "أحب غريب الأطوار أمثالك."
ابتسمت لها، ثم نزلت المقعد وأخبرتها أني سألعب معها. فسعدت، ونزلت هي الأخرى وذهبت معي. كنت ألعب مع الصغيرة، ولأول مرة ألعب مع أحد، بل أول مرة ألعب في حياتي، وأشعر أني ولد يستحق الضحك والسعادة والبهجة كبقية تلك الأطفال من حولي. تلك الصغيرة، لا أعلم من أين أرسلت لي. كنت ألعب معها وسعيد، ثم جاء والديها، ودعتني، وقبل ذهابها أخبرتني أن أنتظرها على ذلك المقعد في المرة المقبلة. ذهبت وما زالت رسمة الابتسامة التي رسمتها لي على وجهي موجودة.
"سليم." نظرت إلى الصوت، وجدته جدي وسامر. عدت إلى وجهي الجامخ، وقفت وذهبت معهم. كنت قد سعيت بعد ذلك اليوم أن أذهب إلى الحديقة، على الرغم أن أمي كانت هي من تجعلني أذهب لأكون كبقية الأطفال. لكن الآن هناك سبب لأذهب له، وهي ديما. تلك الصغيرة، أريد رؤيتها ثانيًا.
كانت سيارة جدي وسائقها يقلوني إلى الحديقة. أذهب وأجلس على المقعد الذي رأيتها فيه، لكنها لم تأتِ، فحزنت وعدت مع جدي وأنا لا أتحدث مع أحد وصامت. فقد تمنيت أن أجدها، لكن وضعت أملًا في المرة القادمة برؤيتها. وبالفعل ذهبت ثانيًا وجلست على ذات المقعد، أنظر إلى الأطفال وإلى آبائهم وأتضايق منهم. "الولد الآلي."
نظرت إلى الصوت، كانت ديما. سعدت كثيرًا برؤيتها، وكانت تبتسم لي. ذهبت وأخبرتها أني أريد اللعب، فسعدت وأيدتني بالفكرة سريعًا. وذهبنا ولعبنا، وكنت كطفل صغير. على الرغم أن جدي يقول لي أن نضجي في التفكير وشخصيتي يسبقان سني ويسعد كثيرًا بذلك. حتى أنه لم يكن يحب ذهابي للحديقة حتى لا أصبح كالأطفال وأن أبقى على حالي وجمودي، بينما لم يمانع أمي لأنها كانت تود جعلي أدرك سني ولا أسبقه فيضيع دون قضاء أية طفولة. لكن تلك الصغيرة هي
تعدني طفلًا وتجعلني أبتسم كالبقية. كنت لا أريدها أن تذهب وتظل معي، وكأنها دميتي الذي لا أريد أحد أن يأخذها مني. أود احتضانها والتشبث بها، وألا أحد يبعدها عني. لكن والديها كان يأتيان ويأخذوها، فتودعني قبلها وتحثني على المقابلة القادمة على نفس المقعد. فأسعد كثيرًا.
كنت أعود للمنزل وكنت سعيد، وأمي تسعد لسعادتي، وأنتظر اليوم الذي سوف أذهب له إلى الحديقة. وكان سامر يريد أن يعرف من هي صديقتي التي أحدثه عنها بتلك السعادة. فجاء معي في يوم ولعب هو مع الأطفال، بينما جلست أنا أنتظرها. وحين جاءت عادت بهجتي ولعبت معها. فجاء سامر وكان يريد مشاركتنا اللعب من أجلي. فكان أعز صديق لي ويريد اللعب معي وإسعادي. لكنني رفضت، فلا أريد أن يشاركني أحد اللعب مع صديقتي، ويرى ابتسامتها وضحكتها الطفولية الجميلة. أريد أنا من أنظر لها...
أنا فقط من يكون معها ويتأملها، وكأنها طفلتي أنا. لم يحزن سامر مني، بل سعد بأن لدي صديقة وليس هو فقط، وأن بإمكاني الخروج عن القوقعة الذي أوهم نفسي بها بأني لست كالبقية، ولا أريد أن أصبح ولد غبي كما يريد جدي. لكن مع الصغيرة كنت أصبح غبي كالبقية، بل أكثر. مر شهران وكنت أواظب على الذهاب للحديقة ورؤية ديما واللعب معها. كنت أشعر بأني مهوس بها، فلم تكن تغادر بالي ولو للحظة. أصبحت الصغيرة أقرب شخص لي.
صدر مني صوت ألم، فجرحت في يدي وظهر دم. لم تكن تؤلمني، لكن حين رأيت ديما كانت تنظر لي بخوف، بل وجدتها وكأنها ستغيب عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!