ما إن شعرت بألم شديد أثر صوت الزجاج قوى ارتطم برأسي، التفت ووجدته أمامي. نظرت له بشدة وإلى يده وجدت فيها زجاجة متكسرة. وضعت يدي على رأسي. نظر لي بخوف وترك الزجاجة من يده وعاد للوراء. أبعدت يدي ببطء ونظرت فيها، وجدت يدي مليئة بالدماء.
اقتربت ديما مني وفزعت عندما رأت يدي. نظرت لي وبكت. أعلم أنها تخاف من الدماء. شعرت بارتخاء قدمي وألم رأسي. وقعت. أسندتني ديما وهي تبكي. وضعت ذراعي على كتفيها وأوقفتني وفتحت السيارة وأجلستني. ثم ركبت هي. اقتربت مني. نظرت لها وإلى قربها، فكانت قريبة بشدة. وجدتها تربط الحزام. قالت ببكاء: "آسفة، أنا السبب.. ليتك لم تأتِ."
لم أكن قادراً على الحديث، فأشعر بأن دمائي تصفى. فتحت عيني بضعف وصعوبة. قادت ديما السيارة وهي تبكي وتنظر لي بخوف. كل دقيقتين، كانت عيناي تقفل بدون إرادتي وأشعر بالإعياء. "أفيق، لا تغمض عينك، ابقى مستيقظ، أرجوك." كنت أسمع كلماتها وأفتح عيني قليلاً. أرى طيفاً لها. لم تكن رؤيتي واضحة، فأقفلت عيني. شعرت بيد تلامس وجهي. كانت يد ناعمة ترتعش خوفاً: "أرجوك يا سليم... أرجوك لا تغب، ابق يقظاً."
سمعت كلماتها الراجية المرتجفة. فتحت عيني قليلاً ورفعت يدي ببطء شديد وصعوبة. قربت يدي من يدها التي تضعها على وجهي. أمسكتها. نظرت لي وبكت. "أعتذر، أعتذر على كل شيء، تحمل ارجوك." نظرت لها ثم ارتخت يدي التي تمسك بيد ديما وأقفلت عيني باستسلام. فتحت عيني ببطء. شعرت بدفء في يدي وكانت يدان تمسكان بها وأنفاس متصادمة بي. "حمد الله على سلامتك."
نظرت، كانت أمي المتحدثة. كنت في غرفة بمشفى. لم يكن هناك غير أمي. لا أعلم ماذا جاء بي لهنا حتى تذكرت ما حدث. "ديما، أين هي؟ "أعطوها مخدر لتنام، فكانت في حالة غير طبيعية." "هل هي بخير؟ "أجل." فتح الباب ودخل جدي ثم رجل آخر وهو المحامي السيد يونس، والد ديما. نظر لي. "أشكرك سيد سليم." تعجبت على ماذا يشكرني. قالت أمي: "أخبرتنا ديما بما حدث وما فعلته." قلت: "لم أفعل شيئاً." قال جدي: "لترتاح، سيأتي الطبيب الآن."
دخل الطبيب وتفحصني. سألني إن كنت أشعر بأي شيء غريب بي أو أي اضطرابات من الضربة التي تعرضت لها في رأسي. لكن أجبتُه بلا، فغادر وتبعه والد ديما. نظر جدي لي ثم ذهب هو الآخر. أخبرتني أمي أن أرتاح قليلاً وكنت بالفعل أريد الراحة، فأشعر بثقل في رأسي وألم. غادرت أمي وبقيت في الغرفة وممرضة جالسة في ركن بعيد.
مر اليوم واستيقظت من نومتي. كانت أمي أحضرت لي طعاماً. سألتها عن ديما. أخبرتني أن والدها أخذها وذهبوا. تضايقت بذهابها، لكن لا شأن لي. فقد انتهى الأمر الذي كان يجمعني بها وهو ديني، وقد رددته لها. وبدام والدها أخذها، ستكون بأمان معه، فلن يستطيع أحد أن يأخذها من بين عائلتها. أما نحن، فكنا غرباء، وهي أظنها ستكون سعيدة وهي معهم. أستطيع النوم بدون أن أشعر بضيق على رقبتي واختناق بأن هناك حق علي سداده، حتى وإن لم أكن أدين لكِ يا ديما. لمَ سمحت لأحد بأن يمسك بسوء.
كانت أمي تعتني بي على الرغم من أني لا أحب الاعتناء الزائد، فأنا بخير، ليس بالأمر الخطير. لكن رأيت خوفها وقلقها علي. مر أيام بقائي في المشفى وعدت لمنزلي، على الرغم من إصرار أمي ورجائها بأن أقيم معهم وكذلك جدي، لكنني رفضت. كان سبب بقائي هو ديما، لأنني أحضرتها، فلا يجب أن أذهب وأتركها وهي لا تعلم أي منكم. لكن الآن يجب أن أعود لمنزلي. أخبرتها أني سوف آتي لرؤيتها، وكانت هي لا تصدقني، ومعها حق. فأنا سأغادر من البلد لعملي الذي بالخارج، فتراكم علي الكثير وهم بانتظاري. أخبرني جدي أن لا أغادر وأنتظر حتى يعاقب ذلك الرجل وهو زوج ديما.
عدت لمنزلي برفقة أبي وأمي، الذي كانت تبكي وتبتسم، ولا أعلم سبب بكائها، هل هي سعيدة أم حزينة على حالتي وصمتي. فمنذ أن كنا في المشفى وأنا لا أتحدث. بعدما أخبرتهم وأنا أبكي وخائفة ومرتعبة من الدماء التي كانت علي من سليم بسببها. على الرغم من خوفي الشديد من الدماء، إلى أني لم أكن مشغولة التفكير غير سليم الذي تحمل الضرر، كنت خائفة عليه وليس من الدماء.
علم أبي جميع ما حدث معي وخيانة مالك لي قبل يوم زفافي وما رأيته. علموا ما مررت به. تعلمون، بدأت الأمر عادي لأبي. صدمت عندما قال إن سبب رفضه لمالك أنه رآه ذات يوم في مقهى مع امرأة. لم تكن إذاً المرة الأولى التي يخونني فيها مالك. غضبت على أبي، فهو من تسبب لي بذلك. أجل، هو، إن كان أخبرني وأعلمني بحقيقته لابتعدت عنه على الفور. لماذا لم يعلمني؟ لماذا يا أبي تركتني لغبائي وحماقتي؟
فكان يظهر لي حبه من كل الجهات. لم أتوقع أن يكون حب خادع. أكان اختباراً لي لأني اخترته؟ فجعلتني أتعاقب. إنه لعقاب كبير علي لا أستحمله.
عندما أخذني أبي وأمي من المشفى، سألتهم عن سليم. وكانت أول جملة قلتها بعد صمتي المهيب. أخبروني أنه بخير. ذهبت، نظرت له من الغرفة عبر الزجاج قبل أن أغادر. وجدته نائماً وكان يلتف حول رأسه قماش طبي وشعره ينزل عليه. حزنت عليه. ذهبت، كنت أود أن أشكرها وأعتذر منه على ما حدث له من ورائي، فلا أظن أني سأراه مجدداً.
ركض أخواي إلي واحتضنوني بشدة وكأنهم غير مصدقين أنها أنا. لم أكن أبدي أية تعبير. كنت أرى أني في دوامة الزمن. وما حدث لي كان من وراء اختياراتي. لكنه عقاب مؤلم. أوقات عقابنا يكون مؤلم وأشد ألماً من خطأ الاختيار.
جاءت سيدة "نجيدة" وهي مربيتي منذ وأنا صغيرة. احتضنتني هي الأخرى. فقال والدي أن يدعوني أرتاح. وأحسنت يا أبي. أنا بالفعل أريد الراحة الأبدية. خذني بعيداً عن هذه الأضواء يا أبي، أريد الجلوس في غرفتي والنوم وحدي. لا أريد أحداً أن يراني. وينظر إلي بعين الشفقة وإلى صمتي وحالتي تلك. أريد أنا من يراني فقط. وحتى لو كنتم عائلتي وحزينون علي، لا تحزنوا، فأنا أستحق ذلك.
دخلت الغرفة. أجلساتني أمي على السرير وقامت برفع الغطاء من على وجهي وجلست بجانبي واحتضنتني. فكم كنت مشتاقة لدفئك وحنانك يا أمي. اشتقت لكِ كثيراً. رأيتِ ما حدث لي من بعدك. لقد دمرني ذلك الحقير. أغمضت عيني بضيق وحزن. سالت الدموع من عيني. أمنع أن أتذكر ذلك اليوم وما حدث لي. لا أريد أن أرجع لحالتي الجنونية وأصرخ كما حدث في المشفى عندما سردت لهم عن إنقاذ سليم وسألوني عما حدث قبل أن يأتي. فتحولت وظللت أصرخ وأمركم بإبعاده
عني. وقتها رأيت بنظراتكم جميعاً الريبة والقلق علي. لكن كنت قلقة على سليم. ورغم خوفي الشديد مما حدث معي، سليم من تعرض للضرر. فقام مالك ضربه بقوة بزجاجة الذي بيده. وعندما رأيته من خلفه صرخت لينتبه سليم. لكن سرعان ما كسرت الزجاجة على رأسه. وصدمت عندما رأيت يد سليم وهي مليئة بالدماء.
تذكرت عندما كنت أقود السيارة وأبكي وخائفة عليه بشدة. وكان متعباً وعروقه البارزة وعيونه المحمرتان ولا يقدر على فتحهم. وعندما قربت يدي من وجهه ليفيق ولا يغفو في النوم، لذا سيزيد خوفي ورعبي عليه. ففتح عينه وأمسك يدي ونظر لي. وعندما نظرت له وتلاقت أعيننا، شعرت بكم الألم الذي يشعر به بسببى. ومن ثم ترك يدي وأغشِي عليه. كنت غير قادرة على تملك أعصابي عندما وجدت جسده ارتخى فجأة، فأصبت بحالة ذعر وخوف وقدت بسرعة وأنا أرجوه بأن يفتح عينه ويفيق، لكنه كان في نوم عميق.
بقيت أمي بجانبي جالسة بجانبي وأنا نائمة أو شبه نائمة. أحاول النوم لكن كنت أتذكرهم. وعندما كنت على وشك تمزيق شرايين يدي. لو أن سليم لم يمسكني ويأخذ قطعة الزجاج من يدي. وعندما صرخت كالمجانين عندما كان سيلمسني. فكنت أراه مالك الوغد الحقير. وعندما تحدث معي وكان يخبرني أنه سليم وأنه هنا وبدأت بالإفاقة من حالتي الجنونية، لم أجد غيري وأنا أنقض عليه وأحتضنه وجسدي يرتجف. كنت خائفة من مالك الذي كان واقفاً في الغرفة. لم أشعر بنفسي. كنت كشخص آخر يريد أن يخرج من تلك الغرفة وذلك المنزل وبعيداً عن ذلك الرجل. كنت أريد الأمان. كم خجلت عن ما فعلت واحتضاني له. واستغفرت ربي كثيراً عندما أدركت ذاتي وما فعلته في ذات اليوم.
كيف يراني سليم الآن بعدما رأى حالة الجنون وصراخي الذي أصابني؟
لا أظن أن هناك داعٍ لمعرفة نظرته لي، فقد انتهى الأمر ولم يعد هناك سليم ثانياً. فبعد مرور أيام وكانت أمي أخبرتني أن أبي سدد تكاليف المشفى الذي دفعها سليم لي. وذهب لرفع قضية على مالك بالطلاق. لكن سليم تنازل عن قضيته ضده بمقابل طلاقك. وبالفعل قام مالك أخيراً بعتقي وطلقني. فكان أبي لا يريد أن يعلم أحد أن هذا الحقير زوجي. فما فعله سليم أسعده. لقد فعل سليم وعده الثاني "سأجعله يطلقك". وددت لو أن أشكرها بشدة لكن لم أستطع. وبعد أيام علمت أنه غادر البلد لعمله الذي بالخارج، فبالتالي لا مجال لشكرها أو مقابلتها ثانياً.
كانت عائلتي يعتنون بي. أمي وأبي وأيه وإياد. أختي تكبرني بعامين وأخي يصغرني بثلاث. كانوا يتحدثون معي لكن أفضل الصمت. أفضل البقاء لوحدي وكأنني أصبحت غريبة عنهم في جلستهم معي ورؤيتهم. كانتا هنا وأوري يأتون إلي. فظن عائلتي أن بوجودهم سأخرج من ذلك الصمت. لكنني أيضاً كنت صامتة ولم أتحدث. كنت أريد بعض الوقت لأخرج مما أنا عليه وليست بأشخاص وأقربهم إلي. فعائلتي أقرب إلي حتى من صديقاي. وكم تمنيت بقائي هكذا بجانبهم. لكن لم أتخيل أن أكون هكذا كالجسد الأصم بينهم. وسيدة نجيدة تأتي هي وأمي بالطعام. وكنت آكل شيئاً خفيفاً. وكنت أرى حزن أمي علي. أردت أن أطمئنها وأني بخير. لكن فضلت الصمت وعدت لوضعية النوم والنظر لأركان الغرفة.
مرت أربعة شهور. وكنت قد بدأت قليلاً بالخروج من الغرفة لأجلس على مائدة الطعام والأكل معهم ومشاركتهم الطعام وتلك الجلسة. لكن لم أكن أتحدث. إن سألني أبي شيئاً أرد عليه وأصمت. ثم أعود لغرفتي وأجلس فيها ثانياً ولا أغادر المنزل. وسألني أبي عن عملي وهو يقصد المكتب. أخبرته أن يقفله. فلا أريد أن أعود للمحاماة ثانياً. حاول عائلتي أن يغيروا رأيي في ذلك الأمر وأن أخرج لأغير أجوائي وأعود لعملي. لكنني رفضت.
مر أيام وكنت قد بدأت الرجوع لحياتي شيئاً فشيئاً. فبدأت أجلس مع عائلتي وليس على المائدة فقط وأتبادل معهم الحديث ونجلس قليلاً في الحديقة. وكانوا سعيدين بعودتي لهم. وشقيقاي وأبي الذي لم يقل حبه ولو بقليل كما ظننت. بل يسعى بسعادتي وجعلني مرتاحة بينهم. وكم أنا بالفعل مرتاحة هكذا وأنا مع عائلتي، شقيقاي، أمي، أبي. كنا جالسين في الحديقة. وكنت أجلس بعيداً عنهم قليلاً أمام المسبح. جاء إياد وجلس بجانبي. "لماذا تجلسين هكذا؟
"لا شيء." "أتنظرين في انعكاس صورتك؟ "يعجبني لون السماء." "هل السماء في المسبح؟ نظرت له. أمسكت وجهه ورفعته للأعلى ينظر إلى السماء. ثم أنزلت وجهه للنظر إلى المسبح. "أفهمت." ضحك. "لا تقولي هل ستسقط السماء فوق رؤسنا." "بربك هل أنت غبي هكذا دائماً؟ أقصد أن لون السماء مطابق على ماء المسبح فيعطيه لون السماء." قال إياد بمزاح: "لماذا تقسي علي؟ ابتسمت. قلت وأنا أضع يدي على رأسه وأعبث بشعيراته: "من أنا لأقسو على أخي الصغير؟
"لم أعد صغيراً، أصبحت في الجامعة ورجلاً." نظرت له. قلت: "ماذا؟ هل تواعد فتاة؟ ابتسم. "كيف عرفتي؟ ضحكت. قلت وأنا أعبث بشعره: "شقي." "ديما، إياد، تعالوا." كان المتحدث أمي. نظرنا لها ووقفنا واقتربنا منهم. كانوا يبتسمون. "ما الأمر؟ "لدينا ضيوف غداً وترتيبات." نظرنا لهم بعدم فهم. نظرت لأيه والذي كانت تبتسم. "ضيوف ماذا؟ قالت أمي: "نسيتم سريعاً."
لم أفهم شيئاً. ثم تذكرت أن أثناء حديث أيه لتخرجني من صمتي وتسعدني قليلاً، أنها مخطوبة منذ ثلاث أشهر قبل أن أعود. وغداً موعد قرانها. "حقاً؟ نظرت إلى أيه. ابتسمت. قلت: "مبارك لكِ." ابتسمت أيه. "أشكرك، عقبالك يا ديما." نظرت لها واختفت ابتسامتي. نظرت أمي إلى أيه وكذلك أيه نظرت إلي. ابتسمت لها ابتسامة خفيفة حتى لا أفسد فرحتها. التفت وذهبت. قالت عقبالك؟ أي هذا؟
هل تظن أني سأرمي نفسي لذاك الجحيم ثانياً وأربطني برجل لن أثق به العمر بأكمله؟ سأنظر له نظرة الخائن. وإن كان يفرش لي الأرض ورداً، سأراه في نظري بغيضاً. لذلك أقفلت هذا الأمر. حتى بعدما تخلصت مما حدث لن أعيد الكرة. الإنسان لا يخطئ مرتين. وإن فعلها يكون أحمق وسيعيد الندم ويثبت في قلبه حتى الموت. لا أجاهد بإسعاد نفسي مع عائلتي وأصدقائي. فقط لا غير. لا أحتاج أحد آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!