ما هذا الذي تضعوه على وجهي؟ قالتها بغضب وبكاء، ثم قامت بانتزاعه. نظر لها الطبيب بصدمة ومنعها بحده، فقامت بفك الأنبوب ورمته أرضًا. طلبت مرآة، نظرت لها بشدة، وأخبروها أنها ليست بها شيء. نظرت إليّ بحنق وأنزلَت قدميها من على السرير بحركة سريعة. صرخت بألم، اقتربت منها أمنعها: اهدئي. أبعدتني بغضب ووقفت، استندت على الحائط وتركت قدمها اليمنى في الهواء. ديما، اجلسي أرجوكي. قالت بغضب وصراخ: ابتعد.
ذهبت وهي تخطو على قدم واحدة وتتألم. نظرت للطبيب فأومأ لي وقام بتحضير حقنة مخدر. اقتربت من ديما، وجدتها تنظر للزجاج الغرفة ويعكس صورتها. وقفت وصمتت بعدما كانت في ثورة غضب. نظرت لنفسها وسالت دموع من عينيها. رفعت يدها ببطء وقربت أناملها من وجهها. وعندما لامسته، تألمت وبدا على ملامحها التألم. فصدر صوت بكاء نابع منها بحرقة. اقتربت منها فصرخت بي وهي تبعد بوجهها الناحية الأخرى: ابتعد. نظرت لها بشدة وحزن: ديما.
قلت ابتعد، لا تنظر لي. قالتها ببكاء، ثم أردفت بصوت ضعيف: أبدو قبيحة. اقتربت فصرخت تمنعني وترجع للوراء. فصرخت بألم حين لمست قدمها الأرض ووقعت على الأرض. أسرعت إليها وجثوت على ركبتي لإسعافها، فبكت بحزن شديد وتتوسل إلي أن أبتعد، لكنني لم أنصع لها. إلى أن قلبي كان يدوي ببكائها وأذناي تدوي بصراخها المنبعث بحرقة. دخلت ريم وأريا، أظنهم سمعوا صوتها. أرجوك لا تنظر لي، تشوهت، أصبحت مشوهة. صدمت من ما قلته، أي تشوه هذا.
ما الذي تهذين به، أنتِ لست كذلك. قالت بغضب وصراخ: لا تنظر لي بعين الشفقة، لا أحتاجها. ديما، أرجوكي، أي شفقة هذه. بكت ولم ترد علي. ما مقدار ألمك يا ديما... لا أستطيع تخيله. ليتني أستطيع أن أواسيك وأخفف قليلاً عليك. ما زلتِ كما أنتِ. نظرت لي وكانت عيناها تشي بحزن متضخم، كسرة نفس بها، ثم مالت علي وبكت. نظرت لها، لم أستطع التحمل، فقمت بمعانقتها بحزن وأخذتها بين أضلعي أخفيها من داخلي.
فتبادلتني العناق واحتضنتني بقوة ودفنت بوجهها في صدري وتبكي. ذلك العناق تمنيته كثيرًا... لم أتخيل أن حين أعانقك سيكون لاحتواء بكائك وانهيارك وحزنك هذا. قالت ببكاء: أبدو قبيحة. قلت بهدوء: جميلة كعادتك. لا تكذب، قل الحقيقة، أن وجهي شوه. لم يصبه شيء، كما هو. كنت أشعر بدموعها الدافئة على وجهي الذي أغرق بقميصي. كانت تشتد عليها وكأنها تريد اختراق أضلعي وتغرز بأظافرها بي. مددت ذراعي برفق حتى لا تتألم، حملتها وأعدتها للسرير.
كان الطبيب قد غير رأيه بأن يخدرها، فهي هدأت قليلاً ويجب أن تعرف بالعملية ليحضروها، فلا يريد أن يخدرها ثانياً. ديما.. ستقام لك عملية. نظرت لي بشدة وخوف، نفيت برأسي. قالت: لا. لكن... قلت: لا.. أنا بخير، انظري. قالتها بحزن خفي وأنزلَت قدماها لتقف. صرخت بألم وكانت ستقع لو أنني لم أمسكها. أنا بخير، إنها إصابة صغيرة، ابتعد، أستطيع الوقوف. حزنت عليها كثيراً وألمتني، فهل أخبرها أنه كسر. ديما.
ابتعدت عني فالتوت قدماها ووقعت ثانياً. أسرعت إليها، بكت وعادت بي نشيجها. لم أعد أحتمل، كفاكي أرجوكي. لا أستطيع. قالتها بيأس وخيبة وتخفض وجهها وتساقط دموعها، ثم ألقت بأنظارها وضاقت ملامحها. نظرت لها وعلى ما تنظر، كانت أريا الواقفة بعيداً بركن الغرفة بجانب الباب. اخرجي من هنا. قالتها ديما بصراخ وغضب. اقتربت منها لآهدئها، فصرخت بي. قالت: وأنت الآخر ابتعد عني، خذها واخرجا أنتما الاثنان. تعجبت،
نظرت لها وقلت: ديما اهدئي أرجوكي. كانت غاضبة بشدة، نظرت لأريا الذي كان واقفاً وتتطلع بها. قلت: اخرجي يا أريا. لم تتحرك، فصحت بها غضباً. نظرت لي بخوف، فاخذتها ريم وخرجوا. عدت لديما الذي عادت لبكائها وهي تنظر لقدميها. اقتربت منها بهدوء وأحاول أن أهدئها. سليم. نعم. رفعت بأنظارها إلي وقالت: إنها هي. قالتها بنشيج وحزن، ثم أكملت ببكاء: كانت تقصد ذلك، إنها السبب في حالتي تلك. نظرت لها بشدة وقلت: من.
لم ترد علي وبكت، بينما أنا احمرت عيناي غضباً. خرجت من الغرفة مندفعاً بغضب، فحيح. اقتربت من أريا الذي نظرت لي فور خروجي. أمسكتها من ذراعها بشدة ودفعتها بقوة لتصدم ظهرها بالحائط. وقف عمار وأريا من هالة الغضب الذي تحتلني. قالت أريا بألم: سليم. أمسكتها بغضب وقلت: ماذا فعلتي. نظرت لي ومن نبرتي قالت: ماذا قالت لك. ضغطت عليها بقوة: ماذا فعلتي بديما، تحدثي، كيف أوصلتيها لذلك. قلتها بغضب وصوت مرتفع.
قالت بخوف: لم أفعل شيئاً، أخبرتك كان حادث، وقعت من الدرج بالخطأ وكان معها قهوة، هي من سكبت على وجهها وهي تقع، لم تكن أنا. اقتربت مني ريم وعمار يخبراني أن أحلها من يدي، بينما أنا عيناي تشتعل غضباً وأشعر أني سأقبض روحها بيدي. قلت: ماذا تقصدين بالخطأ. كنت.. كنت أخبرها ألا يجب أن تدخل عليك وأنت نائم وأن تعطني سترتك لأعطيها لها، لم.. لم تستمع لي فدخلنا في جدال.. قاطعتها بغضب، دفعتها بالحائط أقوى فتألمت. اقترب منها ولوّيت
ذراعها بيدي: تقولين جدال.. ما حدث بها يسبب جدال من أجل سترة. قال عمار: سليم اتركها. قلت: أنا من أعطيتها لها وأنا من أخبرتها أن تأتي لي.. ما شأنك إن كنت نائماً أم لا.. لماذا تمنعينها. نظرت لي، أضفت بفحيح: سببتي لها بحرق في وجهها وكسر في قدمها وتقولين حادث. لم أقصد حدوث ذلك، حاولت أن أمسكها لكن يدها فلتت ووقعت، صدقني حاولت. ضغطت على يدها بشر فتألمت وحاولت الإفلات مني بألم بادٍ
على ملامح وجهها: سليم أقسم لك لم أقصد، لا أعلم بماذا أخبرتك. قلت بغضب وصوت مرتفع: ديما تلك التي بالداخل، أسمعتي. صمتت ولم تتحرك لتخلص نفسها مني. ونظرت لي بخوف، فأكملت: إنها ديما.. الذي لا أتحمل أن يصيبها خدش.. ولا أرحم من يمسها بسوء وأقتل من يقترب منها، وإن كنتِ أنتِ يا أريا، سأقتلك، أسمعتي. دفعتها بغضب وضيق وذهبت تاركاً إياها في ذهولها وخوفها مني.
دخلت الغرفة وجدت ديما تبكي وتمنعهم من أن يقتربوا ووضع القماش على وجهها. نظرت لي وصمتت وهدأت قليلاً وأدارت بوجهها للناحية الأخرى تخبئه مني. اقتربت منها بحزن وأجد دموعها تسيل على وجنتها بصمت. ماذا تشعرين حبيبتي.. سامحيني، إنها المرة الأولى، لا أقدر مدى شعورك، أتألم وأدرك أن ألمك أكبر بكثير. أخبرهم أن يخرجوا من هنا. نظرت لها ثم نظرت للممرضتين وفعلت كما طلبت، فأومأوا لي بتردد وخرجوا. قلت: لقد ذهبوا، هلا نظرتي لي.
ماذا تريد. لما تختبئين مني، ليس بكِ شيء. نظرت لي وبكت، وضعت يدها براحة كفيها على وجهها واخفضته. قالت: اذهب يا سليم.. اذهب. اقتربت منها وجلست بجانبها، قربت يدي وضعتها على يدها وأبعدتها من وجهها. نظرت لي: ديما، أعتذر. قلتها بأسى وخجل وحزن. أكملت وقلت: أنا من سببت لك بهذا، سامحيني.. ستخضعين لعملية بعد قليل وستكونين بخير إنشاء الله، أوعدك. لا تتركيني، أنا أخاف من العمليات، أرتاعب منهم، لا تدعني وحدي.
نظرت لها ولنبرتها الحزينة الخائفة وارتجافها في الكلام، أمسكت يدها فوجدتها تطبق عليها بخوف. أترين يدي تلك. نظرت لي، فأردفت قائلاً: سأجعلها بيدك دوماً ولن أتركها، أنا معك يا ديما. كنت أريد أن أطمئنها إلى أنني أنا من أحتاج ذلك الاطمئنان. دخل الطبيب وأخبرني أنه موعد العملية. اقتربت الممرضة منها لتحقنها، نظرت لديما، كانت تنظر لي بخوف وتردد، ثم ظهر على ملامحها الألم حين أدخلت الممرضة الإبرة في ذراعها.
نظرت لي فأقفلت عيناها تدريجياً: لا تبتعد أرجوك. قالتها بترجٍ وتلهث. اقتربت منها وأضجعتها على السرير برفق. أخبرني الطبيب ألا أقلق، لكن كيف.. بحالتها تلك كيف لا أقلق عليها، سلمها يارب. كنت أنتظر عند غرفة العمليات وعمار يحاول تهدئتي قليلاً، حتى فتح الباب. نظرت، كانت ديما مستلقية على سرير متحرك. اقتربت منها بقلق، نظرت للطبيب، اتجهت له، فاخبرني أنها ستفيق بعد قليل وأن العملية تمت بحمد الله.
زفرت ريم بارتياح، بينما أنا ذهبت لصغيرتي أطمئن عليها. دخلت إليها، كان وجهها شاحباً ومتعباً. اقتربت وجلست على كرسي بجانبها وأتذكر نظراتها لي "لا تبتعد أرجوك". كانت آخر جملة قالتها لي بترجٍ. أشعر وكأنني أريد أن أقتل نفسي وأقطع أنفاسي وقلبي هذا الذي ينبض من أجلك، لأنني سبب فيما حدث لك يا ديما. أنا مهمل وغير جدير بك، يؤلمني قلبي ويصرخ بي غضباً من أجلك. مرت أربع ساعات وأشرقت الشمس على هذا اليوم النعيم.
فتحت ديما عيناها أخيراً، انتظرت النظر لتلك العيون الذي لا أقدر على مفارقتها لدقيقة. سليم. قالتها لي، اقتربت منها سريعاً. قلت: أنا معك. نظرت لي ثم نظرت لقدمها، خشيت أن تحزن. قلت: اطمئني، الطبيب قال إنها ستتحسن قريباً وتعود كما كانت. لا تخدعني، الكسر يترك أثراً. قالتها بحزن، وجدت دمعة تفر من عينيها. جاء الطبيب وتفحصها، كانت صامتة مما أحزنني رؤيتها هكذا. مر وقت وكانت ديما قد عادت لنومها أثر المخدر الذي لا يزال بها.
اتصل بي عمار وسألني عنها، فقلت الحمد لله وأغلقت ولم أطل كثيراً. بعد ساعتين جاءت ريم أخبرتني أن أعود للمنزل لأستريح، لكنني مانعت، فخشيت أن تفيق ديما وتخاف أني لست بجانبها. لكنها أصرت، كان يبدو علي الإرهاق والتعب، فوافقت لأنام ساعتين على الأقل وأخذ دوائي، فأشعر بعياء وأني لست بطبيعتي وحالة جيدة. عدت للمنزل، دخلت لغرفتي بدلت ملابسي وجلست على السرير بتعب. سليم. كان ذلك صوت أريا، مما أشعل بداخلي نوبة غضب، لكنني تمالكت.
قلت ببرود: اذهبي. سليم، آسفة، أعلم خطئي، لكن لم أقصد، أقسم لك كان مجرد حادث. تعلم أني لا أفعل ذلك، أنا لا أؤذي أحد. الم تسمعي ما قلته، اذهبي من وجهي. قلتها بغضب وصوت مرتفع. نظرت لي بخوف ثم ذهبت. تنهدت وأقفلت عيناي للنوم. غفوت قليلاً فسمعت رنين هاتفي الكثير أيقظني من نومي. كانت ريم، رددت عليها، أخبرتني أن ديما استيقظت وتسأل عني وتلح بطلب رؤيتك. وكنت أسمع صوت ضجيج. أغلقت وذهبت سريعاً لها.
وصلت المشفى وغرفة ديما، كنت أسمع صراخها من هنا. دخلت لها، كانت غاضبة وتبعدهم عنها. نظرت لي وصمتت، كانت حالتها مزرية. سرت تجاهها وقلت: ديما، أنتِ بخير. فتبلدت ملامحها لضيق. قالت: لست كذلك. ماذا بك، أتشعرين بشيء. لما تركتني وذهبت، لماذا كذبت علي وتركت يدي. ريم معك. لكني لا أريد أحد غيرك. ماذا أفعل يا ديما، أريد النوم كثيراً، أشعر بتعب وإرهاق، أود ساعتين راحة وأعود لك ثانياً. تنهدت وأخبرتهم أن بإمكاني البقاء بجانبها.
تدردووا قليلاً، لكن قالوا أن لا يوجد مانع. بينما ريم سألتني: ألن تذهب. لا. نظرت لديما الذي كانت غاضبة مني. أمسكت يدها، نظرت لي: اعتذر، لن أتركك ثانياً. شعرت بأن غضبها يزول تدريجياً، فأخبرت ريم أن تعود ما دمت أنا هنا. ترددت، فأصررت عليها أن حين أحتاجها سأحدثها، فأومأت لي وذهبت. أضجعت ديما في نومتها وممسكة بيدي بشدة وأظافرها تغرز بجلدي، وكأنها تطمئن وتتأكد أني لن أهرب منها. كنت أغفو على نفسي وأشعر بانتهاك في جسدي.
نظرت لديما، كانت نائمة، أبعدت يدي من يدها وحررتها. ذهبت ونمت على الأريكة بجوارها. نظرت لها وهي نائمة، تمنيت أن أرى هدوء ملامحها الذي هذا القماش يخفيها. أحزن عندما أراها وأخشى ألا تعود بالفعل كما كانت، فلن أسامح نفسي. وضعت ذراعي على عيني واستسلمت بتعبي وإرهاقي للنوم. في المساء فتحت عيني أثناء تقلبى، فوقعت عيناي على ديما التي كانت جالسة تنظر لي. ارتبكت ونظرت أمامها. قالت: لماذا نمت هنا.
تنهدت واعتدلت في جلستي: ألم تريديني ألا أذهب، هل تضايقتِ من نومي هنا. نظرت لي، أسرعت وقالت بتبرير: لا، ليس كذلك، خشيت ألا تكون نومتك مريحة لك. لم أكن مرتاح القلب إلى أن رؤيتك فور استيقاظي ردت لي روحي. لم أتخيل يوماً أن أستيقظ وتكوني أول من تراه عيني. أود أن أحرر وجهك من هذا القماش الملتف حوله ليكتمل قمري.
انظري كيف أنتِ الآن بسببى.. عن أي نوم تتحدثين، أنك لا تغيبين عن تفكيري، تلحقين بي دوماً في أحلامي الذي ألجأ لها هرباً منك، تطاردينني وتزعمينني على عدم الفرار منك.. إنني بريء من حبك. هل ألمك ظهرك. نظرت لها وكانت تحدثني، نفيت برأسي وكنت سعيداً باهتمامها بي. الأريكة مريحة، ليست سيئة لتؤلم عظامي، لكنني سعيد بسؤالك عني الذي أزاح بعضاً من هالة الحزن لدي. ذهبت، أوقفتني ديما وطلبت مني البقاء.
أخبرتها أني سأذهب لأخبر الطبيب عنها، فنفيت ومنعتني وقالت إن بإمكاني استخدام الزر لإحضارهم. تنهدت وعدت في جلستي وجاء الطبيب وفحصها وأخبرني بأنها ستخضع لعلاج طبيعي وتمارين ويلزم الاهتمام بحركاتها حتى لا يحدث التواء فيعود بنا للوراء. بدا على ديما الحزن من كلامه، فشكرت الطبيب، فأومأ لي بتفهم وذهب. بعد قليل جاءت ريم، قالت لديما بتساؤل: كيف حالك الآن.
لم ترد عليها، نظرت لي باستغراب، فأردت أن أخبرها ألا تأخذ على ما تفعله، لكنها تفهمت الأمر وأخذت كرسياً وجلست بجانبها. اتصل بي أيهم، خرجت لأرد عليه. لماذا لا ترد، اتصلت بك كثيراً من البارحة. لم أسمع. ألن تأتي للشركة. لا. نظرت لديما من الغرفة، فأردفت قائلاً: اهتم أنت بالأمور هناك. هل ثمة شيء ما. لا. حسناً، أراك لاحقاً في الصباح.
أخبرتني ريم أن أعود، نظرت لديما الذي كانت نائمة ولا أعلم إن كان بإمكاني تركها أم لا، لكن ريم أثرت على الذهاب وأن خطأ مكوثي هنا والنوم بجانبها كاليوم. كنت لا أفهم كلامها إلى أني تضايقت من ما تعنيه وفي ذات الوقت بات كلامها صحيح، فأظن أنهم وافقوا على نومي بجانبها ظناً بأني زوجها. عدت للمنزل بعدما أكدت لي ريم أنها ستعتني بديما. كان بالي مشغولاً عليها كثيراً وأن تفيق لا تجدني بجانبها فتغضب علي.
كنت أتساءل عن أريا وأن أراها، لكني غاضب منها بشدة حتى الآن، فمنعت عن رؤيتها أفضل وذهبت. نمت في هذه المرة ليس كثيراً، لكنني لم أتلق اتصالاً يفيقني. ذهبت للمشفى متوجهاً لغرفة ديما، وجدتها تجلس وتنزل قدميها على الأرض وتسند بيديها على الفراش وكأنها تريد الوقوف. وقفت فصدر منها صوت اختناق وتألم، اقتربت سريعاً وأسندتها. نظرت لي: ماذا تفعلين. أريد أن أعيدهما. نظرت لها ولنبرة انكسارها.
قلت: لم يحن الوقت على هذا، ما زال باكراً على هذا، لا تختفي، ستعودين كما كنتِ. نظرت، قالت بأمل: كما كنت؟ أومأت برأسي، أجلسها، رفعت قدميها والأخرى، مدت ذراعيها لتحملها، فساعدتها وضعتها على السرير. هل أكلتي. نظرت لي وعقدت حاجبيها. قالت: لا. تعجبت، قلت: ولماذا. تسمي هذا طعاماً، إنه يذكرني بالعملية و.. صمتت ولم تكمل. نظرت لها، علمت أنها تقصد أيام المشفى والعملية، زراعة الكبد.
قالت بضيق: طعام المشفى يغضبني، أنا لا أحبها من الأساس. ابتسمت عليها، اقتربت منها. قلت: ماذا تريدين أن تأكلي. نظرت لي بشدة وذهب ضيقها. قالت: لماذا. أخبريني. دجاج. قالتها بابتسامة، ثم أضافت: دجاج مقلي.. ستحضره لي. أشعر بأن السعرات خطأ عليك. تنسحب إذا. لا أستطيع أن أترك صديقتي جائعة كثيراً وتشتهي شيئاً ولا أحضره لها.
ابتسمت لي بسعادة كبيرة، رأيتها بلمعة عينيها، أنتِ لمعتي دوماً يا ديما، عندما تبهجين ينير قلبي ويتراقص بنبضه الذي ينبضه لك. أحضرت لها ما طلبت، عارضت ريم، لكني لم أستمع لأحد وأعطيتها لصغيرتي وأخبرتها أن تأكل وتكف عن التدلل. ابتسمت لي وكانت سعيدة. كانت ريم تنظر لي بشدة ونظرات غريبة لم أفهمها ولم أعيرها اهتمام. بعد يومين بدأت ديما بتدريباتها، كنت معها وكانت تتكئ بيديها على ممرضتين وتحاول الوقوف والسير ولو بخطوة واحدة.
كنت أرى صعوبة كبيرة وضغط، كان وجهها يتصبب عرقاً. كنت أود منعها، لكن الطبيب حثني ألا أفعل ذلك. ورغم قدرتها الضعيفة هي تحاول وهذا سيجعل الأمر سريعاً، فلا تقلل طاقتها بقلق عليها وإضعافها. نظرت لديما وبدأ قلبي حزيناً. قلت: لكن هذا ضغط عليها. صمت ولم يرد. سمعت صوتاً وجدت ديما جلست على السرير وتأخذ أنفاسها. اقتربت منها دون استماع لأحد: هذا يكفي. لا. قالتها ديما بامتثال للقوة. اقتربت منها: أحسنتِ صنعاً، كانت بدايتك خيراً.
قلتها بلهجة حانية لطيفة. نظرت لي، قالت بعدم تصديق: حقاً. أومأت برأسي. نظرت للطبيب بمعنى أن يكفي اليوم، فاشار لي على الجدول الذي بيده بمعنى غداً نكمل، فالأيام ما زالت كثيرة وأنني هكذا أبطئها وأؤخر علاجها. لم أهتم، فكانت رؤية ضعفها تقتلني. رن هاتفي، نظرت وتفاجأت كثيراً بكنية المتصل. نظرت لديما بشدة، لاحظت نظراتي لها وأن هاتفي يرن ولا أريد. هل هناك شيء. سيد يونس يتصل. أبي. رديت عليه: مرحبا ياسليم. أهلاً سيد يونس.
هل ديما معك. ديما! قلتها وأنا أنظر لها. فرد: ألستم بشركة؟ لم أعرف ما أقوله، قلت: هل هناك شيء. اتصل بها لا ترد على هاتفها فقلقت. شعرت بالحزن والضيق الشديد. فلم أرد عليه. مددت ديما يدها بمعنى الهاتف، نظرت لها لثواني، فأعطيته لها وخرجت. كيف نسيته.. ماذا سأقول له، هل أخبره أنني لم أتحمل مسؤوليتها ووصيته بها. كيف نسيت أن المدة ستنتهي وعلينا العودة.. كيف سيرونها وهي هكذا، يلزم لها علاج عند العودة..
ألمتني معدتي، جلست وأمسكت برأسي بكفي بضيق. كل ما أعرفه أن ديما لا يجب أن تعود الآن أبداً، وستبقى حتى تكمل علاجها وتستطيع السير وتعود كما كانت.. إنشاء الله. أدعو الله أن يعجل شفائها، ليس خوفاً من والدها بل خوفاً عليها. أنا أتحمل رؤيتها هكذا رغماً عني. تنهدت وذهبت لها. دخلت، نظرت، اعتطتني الهاتف، قالت: أين ذهبت. كنت بالخارج قليلاً. هل هناك شيء. نظرت لها، كنت أود أن أسألها فيما حدث لها، لكن صمت، فلا يجب أن أسألها ذلك.
أخبرته أننا سنطيل قليلاً عن موعد رحيلنا. نظرت لها بشدة وكأنها فعلت ما كنت أريده. قلت: غضب عليك؟ صمتت قليلاً ثم قالت: أجل، لكن كان علي قول هذا، فلا أستطيع العودة هكذا. أومأت بتفهم. كانت ديما قد حلت الأمر بطريقتها، على الرغم أني أرى حزناً في عينيها ولا أعلم النقاش الذي دخلا به وهل غضب عليها بشدة.
لا أعلم إلا أني أشكرها، فلا أستطيع أن أعدها لعائلتها بالفعل وهي هكذا، ليس خشية، فمقدار خوف والدك لن يأتي بقدر خوفي عليك يا ديما. لا أحد يعلم كم أنا قلق عليك وبشأن القادم. كنت أواظب على أن أكون مع ديما كثيراً وأقضي وقتاً أكثر معها حتى لا تشعر بالوحدة، برغم أن ريم تكون معها أثناء غيابي القصير إلا أنها ليست قريبة منها. كانت ديما تخضع لعلاج طبيعي وتتمرن بإرادة عالية وتحمل نفسها الكثير.
كنت أرى كم تعاني وتضغط أكثر لتسريع عودة قدميها لها، وكان قلبي يؤلمني من رؤية قدر ضعفها وعندما تأخذ أنفاسها بصعوبة والألم البادي على وجهها، إلا أنها لا تستسلم وكل تمرين يزيد إرهاقاً واشتداداً عن الآخر.
كان الوضع بدأ يقلقني، حتى الطبيب المختص الذي يتابعها كان يرى ما تفعله، بعدما كان معجباً ويريدها أن تكون عند تلك النقطة، بات هو أيضاً قلقاً وخائفاً لتسرعها وأخبرني أن أخبرها أن كل شيء بوقت وألا تحمل على نفسها وعلى قدميها كثيراً حتى لا تعود مئة خطوة للوراء وأنها ستسمع لي إن هدأت من روعها قليلاً وفهمتها ذلك. شعرت بالخوف مما قاله لي وحاولت أن أخبرها، لكنها لم تصغِ إلي.
في يوم كنت وصلت المشفى متوجهاً لغرفتها، فتحت الباب، نظرت، كانت ديما تتمرن وريم والممرضة بجانبها ويساعدها. كانت تتكئ على عكازها وتحاول أن تسير وتخطو على قدماها. كنت أرى ضعفها وانتهاكها، حتى اختل توازن ديما ووقعت. اقتربا ريم والممرضة ليساندها، فصرخت بهم: ابتعدا، أعلم كيف أساعد نفسي. ابتعدوا عنها خوفاً. مدت ذراعها وأمسكت بيدها العكاز لتقف، لكنها وقعت ثانياً.
اخفضت رأسها بحزن وقامت بدفع العكاز بغضب بعيداً عنها، فوصل تحت قدمي. نظروا لي وقد انتبهوا لوجودي. اقتربت منها بأسى لأساعدها، فابتعدتني بغضب. ابتعد. نظرت لها، أضافت بكبرياء: أستطيع أن أقف. ديما. لا، أعلم أني سأفعلها، لا تقترب. توقفي. قلتها بتنهيدة، لكنها أسندت يداها على أي شيء بجانبها لتقف، لكنها لم تكمل حتى وقعت مجدداً وعادت لمكانها. لا أستطيع. قالتها بصوت ضعيف. اقتربت منها، قلت: يكفي يا ديما، أرجوكي. رفعت أنظارها لي،
قالت: يكفي! قالتها بسخرية، ثم أكملت: تقول لي يكفي، هل أنا عبء عليك لهذا الحد. نظرت لها بشدة ومن ما تقوله، كيف.. كيف تقولين ذلك، كيف ترين نفسك عبئاً وأنتم حياتي بأكملها، ما الذي تهذين به. أنا من احترق هنا ليس أنت، أنا من فقدت قدمي ولا أعلم متى سيظهر وجهي وأراه وإن كان عاد لي أم لا، وترك ندبة ومشوهة. أنا أتحمل كل ذلك وأمثل القوة وأنا على وشك الانهيار.
بكل مساعدة أحصل عليها منكم شيء داخلي يعذبني ويريني كيف أصبحت شخصاً يحتاج للمساعدة. أريد أن أعيد قدمي حتى يتوقف ذلك التعذيب. برغم ضعفي وألمي إلى أن أحمل نفسي طاقة ليس لدي. أنت لا تشعر لذلك تقول يكفي.. لا أحد ولن يشعر بي لأنك لست بالموقف ذاته ولا أتمنى أن تكون فيه. أثرت كلماتها باهتزاز قلبي حزناً، بل أنا أتمنى لو كنت أنا مكانك وليس أنتِ. لا أحد يشعر بحرق الدمعة غير صاحبها.
أنا لا أشعر بك يا ديما.. بل أنا أتعذب بك يومياً. جمعت قبضتي بضيق من شدة حزني، اقتربت منها لتقف، لكنها أبعدتني بضيق. قالت: أنا لست عاجزة، لا أحتاج مساعدتكم. نظرت لها وكيف تقول على نفسها. أسندت ثانياً الوقوف ولم أتحمل وانتظر لتقع ثانياً، فحملتها، فصرخت بي غضباً، لكنني لم أستمع لها. وجدتها صمتت ولم تعد غاضبة، تحاول إبعادي، مالت علي وخبأت وجهها وتشبت بي وبكت. أنا عاجزة بالفعل. قالتها بصوت ضعيف متقطع من بين كلماتها.
كان بكاؤها ودموعها الذي أشعر بها تهز كياني وتضعفني. كان قلبي يتمزق من رؤيتها هكذا. يكفي يا ديما، أرجوك توقفي، أنا لا أستطيع تحمل رؤيتك كذلك، لترأفي علي ولو قليلاً. سرت تجاه السرير وضعتها عليه برفق، لم تكن قد تركتني وما زالت في بكائها وكأنها لا تريد أن أبتعد عنها. نظرت لريم الذي كانت تتطلع بي، وجدتني أجلس بجانبها وأهدئها.
لم أكن لأتركها وأبعدها عني، أريد أن أمسح دموعك بكلتا يدي وأزيح معها حزنك وأحمله عنك صغيرتي، سامحيني لقلة حيلتي على مساعدتك في شيء. أنا ضعيف إن كان الأمر يتعلق بك... فعودي إلي سريعاً. هدأت ديما قليلاً وخففت يداها وغفت علي، أبعدتها عني وأضجعتها ورفعت الغطاء عليها. نظرت لها وأتأملها، فكانت قد نامت لكثرة بكائها الذي لا تزال دموعها عالقة برموشها. تنهدت وذهبت. خرجت، نظرت لريم، كانت تثقبني بنظراتها، لم أهتم وذهبت.
من ذلك اليوم وامتنعت ديما عن التمرين وقد أحبطت ويأست كثيراً، وانطفأت طاقتها وإرادتها ولم تعد تسعى للوقوف من جديد وكأنها استسلمت أو نفذت طاقتها وأصيبت بالخيبة. كنت حزيناً وأنا أطالعها من وقت لآخر وهي صامتة. إلى أن في يوم طلبت الرحيل من المشفى، لكن ريم مانعت وحاولت إخبارها أنها يجب أن تبقى لمدة أكثر من هذه حتى تشفى على الأقل ولو بشيء قليل. لا، أريد الرحيل.
نظرت ريم لي باستغراب وإلى صمتي وهدوئي وأني يجب أن أخبرها أن تبقى. سليم أرجوك أخرجني من هنا، صدقني لم أعد أحتمل البقاء أكثر من ذلك. قالتها لي بترجٍ وطلب، فقلت بهدوء: كما تريدين. نظرت لي ريم بشدة وقالت: سليم. لم أهتم، فأنا لا أهتم بأحد غير صغيرتي وراحتها. أخبرت المشفى أن يكتب لخروجها، مانعوا، لكني أخبرتهم أني سأعتني بها وألزم لها جميع الاهتمامات ولن أقصر في شيء عنها هنا، فوافقوا.
لم تريد ديما العودة لمنزل ريم ثانياً وأكدت علي بذلك وأنها عندما تخرج لن تعود لهناك. كنت أعلم أنها لا تريد الذهاب لهناك بسبب تلك الحادثة ولم أشأ أيضاً أن أجعلها تتذكر صراخها عندما تعود. قلت: كما تشائين، لن نذهب لهناك. قالت ريم: لكن يا سليم، أين سوف.. لا بأس يا ريم. نظرت لديما وكيف تضعفني وتجعلني ألبي طلبها كأوامر، لم أهتم أن يتضايق ريم وخرجت، ما دامت ديما سعيدة أنا لا أريد أكثر من ذلك. هل أخبرتني أين ستذهبان. لمنزلي.
كيف. بقينا كثيراً عندك يا ريم ويكفي فقد طالت المدة بسبب ما حدث لديما وعلى أن أعود للمنزل. لكن هذا لا يجب.. نظرت لها فصمتت ولم تكمل كلامها. أشعر بالغضب حين تقول لي أن ديما لا يجب أن تكون معي وقريبة مني بذلك الشكل، إلى أني لم أهتم. اعتذر، لم أقصد، هل أريا ستأتي معك. بطبع. حسناً، أما زلت لا تتحدث معها. لم أرد عليها، فأردفت قائلاً: سامحها يا سليم، تعلم أن أريا مستحيل أن تفعل ذلك بديما عمداً، إنها لا تؤذي أحد.
لا أقول أنها أخطأت، لكنها أعطيها عذراً لخطئها الذي تعتبره أنت لعب، لكنها كانت تغار بشدة من ديما وتقربك منها، كانت تشعر بكل شيء وتزداد غيرتها، فسامحها. تعلم كم هي تحبك وأن غضبك هذا يؤثر عليها، فأنا بدأت أقلق عليها، تبدو حزينة ولا تتحدث مع أحد. نظرت لها بقلق وكيف أهملت أريا وأمرها. هل هي بها شيء، لكن طبيبها أخبرني أنها بخير، فلا يوجد داعي للقلق. لكنه أيضاً لم يؤكد شفائها.. فأريا مريضة سرطان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!