قلتها بثقه، فأنا بعدما علمت أنك لا تحبينه ولا تريدين أن تتزوجي منه، لا يوجد ما يمنعني من اعتراض ذلك الزواج، حتى وإن كان خوفك سيجعلك ترتكبين الحماقة يا ديما، فأحب أن أخبرك، لقد ارتكبتيها بالفعل حين أعلمتيني بحقيقة مشاعرك تجاهه، فلن أقف بعد الآن وأراه وهو يأخذك، لن يتم هذا الزواج غير يوم مماتي، حتى إن غيرتي رأيك يا ديما، لن أسمح لهذا الزواج أن يحدث. رفعت بنظراتها لي، ودموعها متعلقة برموشها، مما أحزنني كثيرا.
سمعنا صوتًا، فخفضت ديما وجهها واعتدلت. التفت ونظرت، وجدت سامر. : اعتذر.. لكن الاجتماع.. : حسنا. نظر إلى ديما ثم نظر لي وذهب. كانت تمسح وجهها حتى لا يلاحظ أحد. أخبرتها أنه إن لم يكن بإمكانها الحضور فلا بأس، لكنها أخبرتني أنها بخير، فأومأت وذهبت. لم أعلم هل أشعر بالخوف أم الطمأنينة بجملة سليم بأنه لن يسمح بالزواج. لماذا حتى لا يسمح به؟
عدت للمنزل باكرا وتوجهت لغرفتي دون أن أنظر أو أتحدث لأحد كالبارحة. بدلت ملابسي وذهبت لفراشي. طرق الباب، وكانت أمي. سمحت لها. دخلت ورأتني وأنا سأنام. : ألن تأكلي؟ : لا أريد. قلتها وأنا لا أنظر لها. اقتربت أمي مني وجلست بجانبي. : ماذا بك يا ديما؟ أخبريني ما الأمر. أنا أمك. نظرت لها ثم أغمضت عيناي بحزن. قلت: لا شئ. : هل أنتما الاثنان تقولان لا شئ؟ ماذا حدث بينكما؟ نظرت لها قلت: الاثنان. : شهاب.. : ماذا به؟ هل جاء لهنا؟
: أخبرنا والده أنه حين سأله لم يخبره بشئ ويتفادى الأحاديث عن الموضوع. نظرت لها قلت بتردد: هل قال شئ بخصوص الزواج؟ كنت خائفة من مكالمته لي الأخيرة "سيتم الزواج كما مخطط له". كان قاسيا في مكالمته وباردا، وصوت انكساره وخذلانه بي يدوي. : لا، لم يقل شئ. نظرت لها، صمت. لم أتحدث. ثم أخبرتها أني أريد النوم. نظرت لي بقلة حيلة ثم ذهبت. في اليوم التالي، كنت ذاهبة لشركة. أوقفني إياد. نظرت له. : أبي يريدك. : يريدني؟ لماذا؟
: لا أعلم. إنه في مكتبه. : حسنا. نظرت له وذهبت. توقفت عند غرفة مكتب أبي وأطرقت الباب. فسمح لي بالدخول. دخلت وكان يعمل، لكن عندما رآني ترك ما في يده. : أخبرني إياد أنك تريدني. : اجلسي. أومأت له وجلست. وجلس أمامي. نظرت له ولا أعلم حتى الآن ما الأمر. : ماذا حدث بينكم؟ كان يقصدني أنا وشهاب. لم أعرف ما أقوله. : لم يحدث شئ. : كيف؟ وهذا التغير البادي عليكم ما سببه؟ ورفضك للزواج الآن؟ صمت ولم أرد.
اقترب أبي مني قال: هل فعل شهاب لكِ شئ؟ هل تشاجرتم أو قال لكِ شئ لا تريديه؟ خفضت رأسي بحزن ونفيت برأسي. : ما الأمر إذا؟ قالها بشكل من الغضب. نظرت له بخوف وتجمعت دموع في عيني. قلت: اعتذر يا أبي. : على ماذا تعتذري؟ : لا أريد الزواج.. أنا لم أكن أريد شهاب من البداية أو الزواج قط. اعتذر، أرجوك أعفني من الأمر. : لما وافقتي إذا؟ سالت دموع من عيني بصمت مما سببته لي ولشهاب. أنا السبب في كل هذا. : ديما، لما تبكين؟
: أخطأت حين وافقت بينما أنا لا أريد. أرجوك يا أبي أعفني من الزواج. : ألا تريدين أن تتزوجي؟ نظرت له ونفيت برأسي. قال: لكِ ذلك حبيبتي. أنا لا أغصبك على شئ ولن أحد يفعل ذلك. : حقا؟ : هل قلت شيئًا لكِ يومًا ولم أفعله؟ تأخرتِ في رفضك للأمر، لكن لم يفت الأوان بعد. بكيت وتعالى صوت جهشي وعانقته وتتساقط دموع من عيناي بغزارة. مسد بيده على شعره قال: لماذا تبكين الآن؟
لا أعلم يا أبي، لكن دموعي مختلطة بجميع أنواع المشاعر، السعادة من أجل ما سمعته منك، والحزن وتأنيب الضمير والغضب من نفسي. ذهبت لشركة، قابلت سامر. سألته هل سليم جاء أم ليس بعد. أخبرني أنه بمكتبه، فذهبت. أوقفني سامر. التفت ونظرت له. : معك البريد الخاص بسليم؟ : أجل. : أرسلي رسالة لطاقم بأن يجهزوا طائرته. تعجبت كثيرا. قلت: حاضر، لكن لماذا؟ نظر لي باستغراب قال: ألا تعلمين أن سليم سوف يسافر ويعود لعمله الذي بالخارج؟
نظرت له بشدة والصدمة تملأ تعبيرات وجهي. : هل سليم سيغادر؟ : أجل. علي الذهاب. أراكِ لاحقًا. نظرت له وهو يذهب وغير مصدقة ما سمعته. أحقا سليم سيسافر؟ كيف نسيت أمر عمله الذي بالخارج ويكون هناك، وهنا زيارته ليس إلا. سيذهب ويتركني.. لن أراه ثانيًا. متى سيعود؟ أنا لا أستطيع الابتعاد عنه. لماذا سيسافر الآن بينما أحتاجه معي؟ أنا أحتاجك دوما يا سليم. أنا لا أطمئن غير بوجودك. ستحرمني من هذا الاطمئنان.
ذهبت له. نظر لي من دخالتي وبتلك الطريقة. قلت قبل أن يتحدث: هل ستسافر حقا؟ : أجل. : لماذا؟ قلتها بحزن وصوت بجهش بالبكاء. نظر لي، وقف وابتعد من على مكتبه وسار تجاهي. : ماذا هناك؟ : لا تذهب. قلتها برجاء وحزن وعين ممتلئة بالدموع. فنظر لي بتوجس وقال: علي الذهاب لهم. : ليس ضروري، إنهم يستطيعون تولي الأمر. : هناك عقود يجب أن أوقع عليها. نظرت له. أكمل وقال: عمل كثير ينتظرني. سالت دمعة من عيني واخفضت وجهي بحزن.
قلت: لن أراك ثانيا. صمت ولم يرد علي. رفعت أنظاري إليه بشدة. قلت: لن تعود لهنا، أنت تطيل هناك لأن حياتك بالخارج. : سأعود فور انتهائي. : متى؟ ستتأخر كثيرا، فأعطني موعدا. : لا أعلم بتحديد يا ديما. كيف لا يعلم؟ هل مدته ستكبر لذلك الحد؟ : لن أغيب كثيرا.
نظرت له وأتمنى أن أطلب منه ألا يذهب. أتمنى لو بإمكاني جعلك تبقى معي ولا تفارقني. أتمنى لو لي علاقة بك تجعلني أحكم عليك بذلك. فلا تبتعد عني أرجوك. أنا خائفة من هذه الفكرة. لا أعلم المرة التي أني أشعر أنها ستطول بنسبة إلي وأشتاق لك كثيرا. وأتمنى أن أحدثك ولا أستطيع. فماذا سأفعل حين أود رؤيتك وسماع صوتك؟ أخبرني... لا ترحل يا سليم. لا تفعل ذلك. : خذني معك. خرجت هذه الجملة بعد عناء. وجدته ينظر لي.
: أنا مساعدتك، وهذا عملي أن أكون معك حتى بالخارج للعمل ذاته. : أعلم ذلك. : ماذا إذا؟ : والديك.. هل سيوافقون على أن تسافري معي؟ نظرت له وصمت. فما هذا الذي قلته.. هو محق. كيف أسافر معه وهل يسمح أبي بذلك؟ لكن هذا عملي على كل حال. : سأقنعهم. نظرت له. أردفت قائلا: أم أنك تمانع الأمر؟ ال.. قاطعني وقال: أردت أن تأتي معي يا ديما، لكن قلت أنك لن توافقي ووالدك لن يرضى بذلك. أمسكت بجملة واحدة قالها.. وهو أنه يريدني أن آتي معه.
قلت وأنا أنظر له: هل كنت تريد ذلك حقا؟ : اجلس. أسعدت كثيرا وتلاشى حزني وخوفي ومن فكرة ابتعاد سليم عني. سمعنا صوتًا. التفت ونظرت، وجدتها أريا وسامر. كنت بدأت في كرهها بسبب ما قالته لي المرة الفائتة وأنها تود إبعادي عن سليم. اعتدلت بحرج. فسأل سليم أريا عن مجيئها: رتبت أمور سفري والأوراق. نظرت لها بشدة ومن ما تقوله سليم. كيف فات هذا الأمر علي وأن أتوقع ذهاب أريا مع سليم؟ كيف نسيتها؟ التفت بغضب وذهبت.
أصبح لدي سبب كبير في أن أقنع والداي بأي شكل من الأشكال وأن أسافر معكم حتى لا أتركه لك يا أريا. لن أدعك تكوني معه وتحصلي على مرادك. : ماذا تقولين؟ تسافري؟ قالتها أمي بانفعال وصدمة وغضب. نظرت لها وإلى أبي الجالس بهدوء. : هل السفر الآن أصبح جيد لك؟ ولماذا كنتِ غاضبة من شهاب لأنه سيأخذك ويسافر؟ قلتِ أنكِ لا تريدين أن تبتعدي عنا، والآن تريدين أن تسافري؟ : الأمر مختلف. : فيما الاختلاف؟ أخبريني. اختلاف البلدان؟
: بل المدة... إنه لأيام وأعود وليس لسنين وبناء حياة كالذي كان يريدها شهاب. ثم إن هذا الموضوع قد قفل. : هل أنتِ مدركة ما تقولين؟ : أمي، لماذا أنتِ تكبرين الموضوع؟ هذا عملي. : عملك هنا بيننا وليس بالخارج. ألقت بأنظارها لأبي. أردفت قائلة: لماذا لا تتحدث؟ ألا تسمع ما تقوله؟ تنهد أبي ثم وقف. نظرنا له فقال: اذهبا للنوم. تعجبنا لهدوئه. قلت: أبي. : لا تناقشي في هذا الهراء يا ديما. ذهب.
فأوقفته وقلت: لكن يا أبي، هذا ليس هراء. أرجوك، إنه عمل. لن يطيل. أوعدك. : من سيكون معك؟ نظرت له بعدم فهم. فأكمل قال: هل معك أحد بتلك الغربة الذي ستذهبين إليها؟ سليم، أليس كذلك؟ لكنه لا يقترب لكِ بأية صلة. بل هو سبب لمنعي الصارم للأمر. : لماذا؟ قاطعني وقال: انتهى النقاش في هذا الموضوع. أقفليه لأنه لن يحدث. التفت وذهب. وكنت حزينة كثيرا. نظرت لأمي بغضب. قلت ودموع في عيني: أشكرك يا أمي، كلامك زاد الأمر تعقيدًا.
نظرت لي فذهبت وصعدت لغرفتي وأقفلت الباب. لن ينتهي الأمر. سأحاول معك يا أبي مرارا، فأنا لا أستطيع الابتعاد عن سليم أو جعله يبتعد عني ولن أراه. بينما تلك الشقراء معه ولن تفارقه. سأحترق من الفكرة فقط وأنا أتخيلها وهي تتقرب منه. لا بأس في المحاولة وأتمنى أن تجدي نفعا معك يا أبي.
كنت قد بدأت في إقناع أبي منذ اليوم. وترجيت أمي وأيه أن يساعدوني في ذلك وأن يلينوا عقله، وأن هذا السفر مهم لدي كثيرا. فأخبروني بقلة حيلة بعد إصراري عليهم أنهم سيحاولون. لكن أبي كان يغضب أكثر حين أتحدث معه أو يفتح الموضوع أحد منا ويخبرني أن الأمر منهي. فأحاول ثانيا فيتركني ولا يرد علي. كنت أشعر بالخيبة وأن الأمر بالفعل قد انتهى. فأحزن كثيرا وأرى سليم وكأني أودعه بنظرات الذي ألقيها عليه. لكني كنت أشوه عيناي أكثر منه.
كنت في مكتب سليم ومعي ملفات يطلع عليها وواقفة أنتظر حتى انتهى وأعادها لي. فأخذتها وذهبت. رن هاتفي. خرجت ونظرت، وتبدلت ملامحي إلى الخوف والقلق من كنية المتصل وهو شهاب. ماذا يريد؟ لم يتصل بي منذ آخر مكالمة الذي بكيت من بعدها. انتهت المكالمة. رن الهاتف ثانيا. ترددت، لكن في النهاية رديت عليه. : انزلي. كانت هذه المرة التي قالهها ببرود. قلت: لأين؟ : أسرعي. : هل أنت في الشركة؟ أقفل الهاتف ولم يرد علي. هل حقا هو بالأسفل؟
لماذا هو هنا؟ لماذا جاء ولما اتصل ويريدني أن أنزل؟ أشعر بالخوف والتردد في رؤيته. لم أره منذ آخر مرة ولا أعلم كيف ستكون المقابلة. ماذا تريد مني يا شهاب؟ فتح المصعد، خرجت وسرت للخارج. وجدت شهاب واقف بجانب سيارته وبانتظاري. نظر لي وكانت نظرته جافة باردة. لم أعهد نظرة كتلك من شهاب. اقتربت منه بخطوات بطيئة. وقفت وكان الصمت يحتل كلانا. أشعر بالربكة والتوتر. : هل أنتِ خائفة مني؟
قالها شهاب بسخرية. نظرت له وكأنه قد شعر بي. اقترب ووقف أمامي مباشرة. قال وهو ينظر إلي: هل أبدو مخيفا؟ : لا. : لماذا لا تنظرين إلي إذا؟ أتشعرين بالخجل؟ قالها بحزن ساخر. نظرت له فتجمعت دموع في عيني، لكن استطعت كبحها. : ماذا تريد يا شهاب؟ الزواج؟ صمت ولم يرد علي. رفعت نظراتي إليه قلت: إن قبلت ستسعد. : أجل. توترت وارتكبت. قلت: لكن حين رفضت كان هذا أفضل لك ولي حت.. قاطعني وقال بحدة: أفضل لكِ أنتِ. نظرت له ومن ما يقصده.
أكمل وقال بسخرية: ليس لي. سالت دمعة من عيني ونظرت بعيدا بحزن أتحاشى النظر له. : أنا لست غبي يا ديما لتخدعيني بكذبة غبية كهذه. أحببتك واعترف بجرح الذي سببته لي. : اعتذر. قلتها بصوت يجهش بالبكاء. : لماذا هو؟ أكمل قال: لماذا لم يكن أنا؟ لما تحبينه هو؟ نظرت له وتوترت ولا أعلم كيف أرد. أحب من.. : أنه متزوج الآن ولديه حياته، وأنتِ مساعدته لا أكثر. شعرت بالغضب. قلت: لا أفهم عن من تتحدث.
: ما زلتِ تدعين الحماقة وتحاولين خداعي وأنا كاشف كل شئ. منذ البداية يا ديما شعرت بمشاعرك تجاهه واهتمامك به وكنت أشتعل، لكن أكذب نفسي ولم أكن أريد أن أعاملك بشدة حتى لا تخافي مني وأكون في ذات الوقت أحزنك وأضيعك مني بمجرد ظن وشك ليس إلا. لكن ظني كان صحيحا وكنت أحمق مغفل. أحبك وأهتم لحزنك بينما أنتِ لا تقدرينني بشيء ولست فارقة معك. رفع يده فشعرت بالخوف. قال: حتى حين ضربتك بالمنية ذلك. اعتذر، سامحيني.
سالت دموع من عيني بكلام شهاب الذي بات مؤلما كثيرا. قلت بصوت ضعيف همس وبكاء في آن واحد: آسفة يا شهاب... آسفة كثيرا. ابتسم شهاب وسالت دمعة من عينه التي كان يحاول إخفاءها. : ليت أسفك كان حلا لي. يكفي، أرجوك أنت تجعلني أغير رأيي للموافقة. تنهد وأكمل: على كل حال. نظرت له. وجدته يخرج الخاتم من إصبعه. : جئت لأعطيك هذا. مد يده الممسكة بالخاتم لي. نظرت له. : سأتمم إجراءات انفصالنا.
لم أكن أصدق أن شهاب سيفعل ذلك حقا. كنت خائفة من بعد ما قاله لي وشعرت بأن هذا الأمر سيطول. أفاقني شهاب عندما مد يده. نظرت له ومدت يدي بتردد وأخذته وكنت أود أن أسأله هل أنت متأكد من ذلك.. هل حقا سننفصل؟ : على المرء أن يختار سعادته دوما... لكنني اخترت سعادتك أنتِ. : شهاب أنا ل.. : هل يمكنني أن أعانقك للمرة الأخيرة؟ نظرت له وإلى طلبه. تساقطت دموع من عيني. اقتربت منه بحزن وعانقته فبادلني العناق.
مر أيام واقترب موعد سفري الذي لم أشهد اقترابه. فلم تعلمني ديما حتى الآن هل ستأتي معي أم لا. أريدها أن تكون معي بشدة. فعندما سألتني أن كان بإمكانها أن ترافقني شعرت بسعادة، فهذا ما أريده. في يوم كانت تضع لي قهوتي. ولفت انتباهي بيدها وإصبعها الذي ليس به خاتمها. شعرت براحة.. راحة كبيرة تندفع إلى صدري. فكان هذا الخاتم يكبح أنفاسي برؤيته ويخنقني بشدة.
علمت أن شهاب وديما انفصلا، فزادت سعادتي أكثر. تذكرت حين رأيته ذلك اليوم أمام الشركة ويتحدث مع ديما وشاهدت عناقا حميما بينهم. أشعل ذلك المشهد براكين داخلي وكنت أثور بغضب كالمجنون. ولماذا تحتضنه؟ ظننت أنها عادت له، لكن كنت مخطئا. كان قد جاء لينهي ارتباطهم. تمالكت غضبي ذلك اليوم وألمي بدوائي كالعادة. لم أعلم كيف انفصل عنها بعدما قالت أنه غير موافق إلى أنه أراحني كثيرا، فلا يوجد قيد بديما الآن.
اتصلت بي أريا وأخبرتني أن أوراقها انتهت. كنت لا أريد أخذ أريا، لكن هذا لا يجب، فهي زوجتي. ليس علي أن أتركها وأذهب. وأكد لي جدي بذلك بعدما أخبرته أنها ستكون بينهم، فلا حاجة لأن تأتي معي. لكن لم أستطع تركها. كنت في اجتماع. بعدما انتهى خرجوا وبقيت قليلا أنظر للمشروع المعروض أمامي. نظرت لديما الذي كانت تشرد كثيرا في الأيام الأخيرة ومستغرب من ذلك. فعليها أن تسعد، فحدث ما تريده... ألستِ سعيدة بانفصالك يا ديما؟
: متى ستغادر؟ قالتها ديما بنبرة حزينة وهي لا تنظر لي. أكانت تفكر بذلك؟ : بعد أربعة أيام. : تعود سالما. : ألن تأتي معي؟ نظرت لي ثم خفضت رأسها. تنهدت قالت: إن كان بإمكاني لجئت. : والدك لم يوافق؟ : أجل... لا بأس، لكن... هل بإمكاني أن أحدثك وأنت هناك؟ نظرت لها فتوترت وشعرت بالحرج. ثم استأذنت وذهبت. : أعطني رقم والدك. توقفت ثم نظرت لي بتعجب. : سأتحدث معه. : حقا؟ قالتها ديما بلهفة،
لكن انطفأت فجأة وقالت: لست مرغما بذلك، وممكن أن يرفض وتحرج بسببى، لا أريد ذلك. لم أناقشها كثيرا. ومدت يدي بالهاتف بمعنى أن تدونه لي. وأخبرتها أن تخبره أني سأتصل به قبل أن أفعل ذلك حتى لا يتضايق. بدت ديما خائفة ومتوترة من الفكرة كثيرا، وكأنها تود أن أتراجع. لكنني لن أفعل. إن كان هناك احتمال واحد بالمئة أن تأتي معي، فلن أتراجع يا ديما.
اتصلت به وأخبرته أني أود لقائه. فسألني متى. أخبرته بأي وقت، وإن كان الآن فهذا أفضل. فأخبرني أنه في المنزل. كان ديما قد غادرت بالفعل. فذهبت ووصلت لمنزلها. ترجلت من السيارة وسرت وضغطت الجرس. فتح الباب وكان السيد يونس. سلم علي ودعاني للدخول. دخلت معه وجلسنا وكان في انتظار كلامي ومجرى النقاش. : أخبرتني ديما برفضك لسفرها. : هل جئت لتغير رأي؟ : لا، فكانت ديما قد نجحت بدلا مني في تغييره. نظر لي باستغراب وعدم فهم.
: تعمل ديما معي كمساعدة لي. أنا لا أتخلى عنها لأنها تحسن عملها بصورة جيدة. فالعمل هنا لن يفرق عن الخارج بشيء. هنا عمل وهناك عمل. : الفرق في المسافة والغربة. إن سافرت ستكون قد ذهبت مع رجل غريب عنها. أتدراك هذا الأمر وحجمه؟ وحدي صارم من قطعه. الفرق أن العمل هنا تكون ابنتي معي بجانبي. مجرد أن تذهب في الصباح لساعات وأعود أجدها. : أقدر خوفك عليها وأعلم سبب رفضك، لكنك تعلم طبيعة علاقة عملي مع ديما...
وأردت أن أخبرك أن الأمر لن يطول. : حياتك بالخارج وعملك بالأساس هناك، فكيف لن يطول؟ : اختلف الأمر. إن كانت المدة طويلة، فلما جئت وتحدثت معكن. نظر لي وصمت. فأكملت قلت: ستعود سريعا، لكنني بالفعل أحتاج ديما وتسافر من أجل عملها لا أكثر ولن تغيب كثيرا عنك. لك حق في الرفض. : أنك لا تعلم مقدار الأمر. ليس بمقدوري إبعادها عني وأن تكون بمكان وأنا بمكان آخر. ولا أعلم كيف هي ولا على حالها.
: لن أدعك وأقول أني أتفهم شعورك، لأنني لست أبًا. لكن قلق عليها، ليست وهي معي. نظر لي باستغراب. فكنت أقصد آخر جملة ونابعة من داخلي. فأخطأت سيد يونس بقلق على ديما. فهي ستكون معي أنا. هل تقلق عليها مني؟ تأكد أنني الشخص الأخير الذي يحب عليه أن تقلق على ديما منه. : أتمنى أن توافق. صمت قليلا ثم قال: أعلم أخلاقك وشخصيتك يا سليم وأعجب بها. فإن وافقت وأوصيتك على ديما ستفعل بوصيتي. نظرت له بعدم فهم وما سيقول.
اقترب نظر لي قال: ستكون ديما مسؤوليتك وهي هناك. عاملها كأختك. لم أنس ما فعلته لديما في البداية وحمايتك لها. فإن سافرت أتمنى أن تكون معها كذلك حتى تعودوا سالمين وينتهي عملكم. : لا تقلق عليها. هل هذا يعني أنك وافقت؟ تنهد وأومأ برأسه. فشكرته وأخبرته أن علي الذهاب. فسلم علي ورافقني حتى الباب وذهبت. كنت سعيد كثيرا والسرور يملأ قلبي من موافقة سيد يونس وأن تكون ديما معي. لا أصدق أنها سترافقني في سفري حقا.
في اليوم التالي ذهبت لشركة. قابلت سامر. أخبرني أن أيهم اتصل به وسأله عن موعد طائرتي. بدى لي من سامر بعد القلق، فهو كان يشعر بعدم إرادتي للسفر والابتعاد عن ديما. وعندما أخبرته أني أريد أخذها معي وهي على كل حال مساعدتي. أخبرني أنها لن توافق ووالديها كذلك. لكن حل الأمر وسأغادر بدون التفكير كيف سأتواصل معها وأراها والاشتياق لها الذي دوما لا يفارقني. فكيف إن ابتعدت عنها. ذهبت لمكتبي وكانت ديما موجودة. نظرت لي عندما رأتني.
ابتسمت. تعجبت. دخلت للمكتب وتبعتني. أخبرتها أن تحضر لي قهوة. فأومأت. جلست على المكتب. فتحت الإيميل الخاص بالشركة وفتحت الملفات الذي على مكتبي. جاءت ديما وضعت لي القهوة. شكرتها لكنها لم تذهب. نظرت لها. قلت: هل تريدين أن تقولي شيئا؟ : أجل. نظرت لي. أردفت قائلة: كيف وافق أبي؟ ماذا قلت له؟ فيما تحدثتما؟ كيف كانت مقابلتكم؟ قاطعتها. قلت: ما كل ذلك؟ ابتسمت. قالت: اعتذر. نظرت لها ولسعادتها الذي تكون سعادتي.
: لا أصدق أن أبي وافق. ابتسمت لها. قلت: لتصدقي. عدت لعملي. نظرت لي ثم ذهبت. في اليوم التالي في المساء عدت للمنزل. وجدت أريا. تعجبت. نظرت لي. اقتربت مني. سألتها عن سبب وجودها هنا. فقالت: هل ديما ستسافر معنا؟ نظرت لي. قلت: أجل. كيف عرفتي؟ : لا يهم. ذهبت وتركتها. فقد علمت لما جاءت. صعدت لغرفتي وفتحت الخزانة لأبدل ملابسي. دخلت أريا. نظرت لها. : كيف ستأتي يا سليم؟ : إنها مساعدتي. أنسيتِ؟ قلتها ببرود وأنا أنظر لها.
قالت: أعلم، لكن... : أخبرتك ألا تدخلي في عملي يا أريا. نظرت لي وصمتت. تنهدت وأخذت ملابسي ودلفت لدورة المياه لأبدل ملابسي بالداخل. كنت في الشركة وأنهي الأوراق الأخيرة حتى تحين عودتي. : أرى السفر لم تعد تشغل همه. نظرت للمتحدث. كان سامر. لم أعر له اهتمام. : هل للأمر علاقة بديما؟ قالها سامر بابتسامة. ثم أردف قائلا: أتعلم، أراها هي أيضا سعيدة. نظرت له ومن ما قاله. هل ديما حقا سعيدة؟ أسعادتها مثلي أم مجرد سعادة للسفر؟
: قبل أن تغادر، أريد أن أخبرك بشيء. : ماذا؟ : نويت أكمل نصف ديني. نظرت له بشدة. ابتسم قال: لا أريد أن أصدمك، لكن أخذت موعدا من والدها لغدا وستأتي معي بتأكيد. : من هي؟ : اروى. : صديقة ديما؟ : أجل. هيا، لأتركك قليلا. سعدت من أجل سامر كثيرا. فجاء الغد وكان يلح علي باتصالاته لأخرج له. انتهيت وخرجت. نظرت. كان يرتدي بدلة. قلت: هل قال لك أحد أني سأهرب؟ : لا، لكنني متعجل. : لتهدأ من روعك قليلا...
صمت واتسعت عيناي وضاقت ملامحي عندما رأيت ذلك الرجل. نظر لي. فنظرت لسامر بشدة وهل أحضره معي؟ اقترب مني سامر وأخذني بعيدا. : ما هذا؟ نظر لي قال: أنا من طلبت منه أن يحضر معي بذلك اليوم. : أنت؟ وجدي؟ : أخبرت جدي أن عمي سيطلب يد اروى من والدها. حاولت إقناعه. : ولماذا لم تخبرني حتى لا آتي معك؟ : هل تريد أن تتركني بيوم كهذا؟ : أنت من أردت ذلك يا سامر، لست أنا. ذهبت. فوقف سامر بوجهي وقال: إلى أين؟ هل ستذهب حقا؟
قلت ببرود: ابتعد. : أرجوك يا سليم تمهل، أنت أخي... اعتذر، لكن لا يمكنني أن أذهب بدونك. إن لم تأت معي لن أذهب. نظرت له وإلى ترجيه. لم أعلم ماذا أفعل. هل أتركه ولا أعيره اهتماما بسبب ما فعله أم أكمل الأمر وأذهب؟ لكنني سأخرب الأمر إن بقيت معه ورأيته. أنت تعلم كم أبغضه يا سامر. لما أحضرته وجمعتني به؟
وصلنا للمنزل ورحبوا بنا. دخلنا وجلسنا وأخذ تنازل في الأحاديث. وجمعت قبضتي بغضب واحمرت عيناي من تلقيبه لي بابنه. نظرت لسامر بضيق، فبدى متوترا وخائفا مني ومن أي فعل سأفعله. انتهت الجلسة بخير. لم أكن كذلك. خرجنا. ذهبت لسيارتي. : سليم. توقفت وأنا أفتح باب السيارة. نظرت لصوت وكان هو. : سعيد برؤيتك بخير.
قالها بابتسامة خفيفة. فزادني غضبا. لم أعر له اهتماما. دخلت لسيارتي وأدرت السيارة وقُدت سريعا. اتصل بي سامر وسألني أن كنت بخير. لم أشأ أن أغضب عليه الآن، فهو يبدو سعيدا. فأخبرته أني بخير وأقفلت الهاتف. في الصباح أخذت حماما وبدلت ملابسي. رن هاتفي. وكانت أريا تراني أن كنت نائم أم لا. أخبرتها أني استيقظت. أكملت وضبطت ملابسي. وما إن انتهيت نزلت. كان الفطور محضر. أخبرتهم أني سآكل في الطائرة.
خرجت. فتح لي الحارس السيارة فتوجهت نحو القيادة وذهبت. تبعوني. رن هاتفي. : أين أنت الآن؟ قالها سامر بتساؤل. قلت: في السيارة، ما الأمر؟ : لن أفتقدك. : هذا أفضل، لأن الغياب لن يطول هذه المرة. : لماذا؟ أحزنتني. ابتسمت وأقفلت الهاتف. ذهبت لمنزل جدي وسلمت علي. وأمي سألتني عن خطبة سامر. أخبرتها أنها كانت جيدة. كانت تبدو قلقة وكأنها ظنت أني سأخربها عليه. لكني استطعت تمالك نفسي. جاءت أريا ودعتهم وذهبنا.
كانت أريا تحدثني وتفكيري منشغل في ديما. وصلت لمنزلها. أخبرت أريا أن تنتظر وترجلت من السيارة. قرعت الجرس. وجدته فتح سريعا. نظرت ووجدتها ديما. : لما تأخرت؟ : ماذا؟ : اعتذر. نظرت لها ولعيونها. قلت: ألم تنامي؟ نظرت لي. قالت بابتسامة: شيئا من هذا. : لماذا؟ : لا أعلم. أظن أني سأنام في الطائرة.
ابتسمت عليها وأخبرتها أن نذهب. فأومأت وأحضرت حقيبتها. نظرت للحراس. فأومأ أحدهم واقترب منها وأخذ الحقيبة. نظرت إلى السيد يونس. نظرت له ديما واحتضنته. نظرت لها وهي بين ذراعيه. لا أعلم لماذا تضايقت وغضبت لأنها تحتضنه. إنه والدها. ماذا دهاني؟ كان يبدو على السيد يونس القلق وكأنه نادم على الموافقة ويريد الانسحاب من خوفه على ديما. وينظر لي. لم أفهم نظراته. إلى أني قلت: لا تقلق سيد يونس، سنعود سريعا.
قلتها لكى أطمئنه قليلا، والا أدع له مجال لأن يأخذها ويتراجع. : المهم أن تعودوا سالمين. نظرت له وأومأت برأسي بتفهم. ثم ذهبت. كنت أقود ولا أعلم لما أرى بملامح ديما الضيق بعدما كانت سعيدة ومبتهجة للغاية. وصلنا. نزلت من السيارة بعدما وصلنا. كانت الرياح مندفع بهذا الخلاء على الأرض المستوية. دخلنا إلى الطائرة وكان الطاقم بانتظاري. جلسنا. فرفعوا السلم وأقفلوا الباب. نظرت لديما الذي نظرت للباب بشدة فور أن أقفل.
: هل بإمكاني النزول؟ قالتها ديما بخوف. نظرت لي والتردد يملأها. : ما الأمر؟ : أظنها خائفة. بإمكانك التراجع يا ديما. نظرت لأريا ومن ما تقوله. : لا أعلم لماذا أحببت الطائرة فجأة. قالتها ديما بثقة. نظرت لأريا وأكملت: لقد ذهب خوفي بفضلك. ابتسمت وحاولت أن أخفي ابتسامتي من طريقتها. فشعرت بخوفها الذي لم يزل بعد وتحاول امتثال القوة. ولا أعلم لماذا؟ هل تريد مضايقة أريا؟ فهم في الفترة الأخيرة علاقتهم لم تكن جيدة.
أقلعت الطائرة. نظرت لديما أراقب حركات فعلها. وكانت تنظر لنافذة ببعض من الخوف. ثم وجدتها تبتسم ابتسامة خفيفة بعدما كانت خائفة. : يبدو المنظر جميل. سبحان الله. قالتها بصوت منخفض وتحدث نفسها. كانت تذكرني بصغيرتي. ثم قالت: تبدو السحب كغزل البنات. صدر مني ضحكة وحاولت كبحها وابتسمت عليها. نظرت لي. قالت: ماذا؟ ألا تراها هكذا أيضا؟ قلت بإبتسامة: بلى، هي كذلك. ابتسمت لي ثم اعتدلت في جلستها. كنت سعيد بكونها معي كثيرا.
: كم من الوقت حتى نصل؟ قالتها أريا بتساؤل. قلت: ثلاث ساعات. قربت يدها من يدي. أمسكتها. نظرت لها. ابتسمت لي ابتسامة خفيفة. قالت: حسنا. نظرت ليدي ثم نظرت لديما. وكانت تنظر لي بحنق شديد وملامح وجهها غاضبة. ثم ذهبت. نظرت لها وهي تذهب. ثم نظرت لأريا. أبعدت يدي وذهبت. سألتني لأين لكن لم أرد. سألت إحدى المضيفات عند ديما. وقبل أن ترد وجدت ديما. نظرت لها. كان وجهها مبتل وعيناها محمرتان. ذهبت فأوقفتها. قلت: أين ذهبتِ؟
: كنت أغسل وجهي. : أنتِ بخير؟ قلتها وأنا أجول بنظري لعيناها الذي لا تتطلع بي. : أجل. ذهبت وتركتني. نظرت لها ولا أعلم لم تتحدث هكذا وتلاشت ابتسامتها. ذهبت وعدت إلى مقعدي. نظرت لديما الذي كان تدير بوجهها لنافذة وعينيها المنطفأة بعدما كانت مبتهجة. ماذا حدث؟ تذكرت نظراتها لي ولأريا عندما أمسكت يدي. هل تضايقت من ذلك حقا؟ ما هذا الذي أقوله؟ ولما لتتضايق؟ أظنها تفكر بعائلتها أو الفترة القادمة وأنها ستكون مبتعدة عنهم.
مر الوقت وكنا قد وصلنا وهبطت الطائرة حتى توقفت وفتح الباب. دلفنا للخارج. نظرت. وجدت أيهم وطاقم الحراس الذي هنا. ابتسم فور رؤيتي. اقترب وسار تجاهي. صافحني وعانقني ثم ابتعد. قال: ظننت أنك لم تأتِ. : لماذا؟ : لا أعلم. هذا ما جاء بخاطري. : ماذا تفعل هنا؟ : ألا يبدو أني أنتظرك؟ صمت وأردف قائلا: لا أصدق أنك أحضرت مساعدتك معك. نظرت له. نظر لديما وسلم عليها. شعرت بالغضب. أمسكت يده. نظر لي. : لنذهب.
أومأ لي. تركت يده وذهبت. ركبت السيارة أنا وهو وديما وأريا بسيارة. كنت في السيارة. رن هاتفي. قمت بالرد. : هل وصلت؟ تعجبت. قلت: أجل. : لا تتوجه لمنزلك إذا. تعالى إلي. : لقد جئت للتو. : أعلم، لكن اشتقت لك. هيا، انتظرك. : حسنا. أخبرت السائق أن يغير مساره. نظر لي أيهم باستغراب وسألني لأين. فأخبرته.
مر وقت وكنت قد وصلت. نزلت من السيارة. ودعني أيهم وذهب. نظرت لديما. كانت تنظر حولها باستغراب وتساؤل والمنزل الذي جئنا له. تقدمنا وقمت بمكالمه. ففتح الباب. نظرت ووجدته عمار. ابتسم لي وسلم علي بحرارة. : أخبارك يا رجل؟ : بخير. وأنت؟ : حمد الله. نظرت له وكنت سأتحدث. فقاطعني صوتا من بعيد: شرف الغالي إلي أخيرا. نظرت لصوت. وكانت ريم. اقتربت مني وعانقتني. ابتسمت وبادلتها العناق. ثم ابتعدت. قالت: ما كل هذه الغيبة؟
: أتذكر أني لم أخبرك عن موعد عودتي. فكيف اتصلت بذلك التوقيت؟ : لدي من يخبرني بتفاصيلك. نظرت لها وصمت قليلا. ثم قلت: هل قال لك سامر؟ : أحسنت. كيف عرفت؟ ابتسمت إليها. فالقت بأنظارها لأريا وديما. ابتسمت ودعتهم للدخول. نظرت لي واقتربت من أذني. قالت بهمس: هل تزوجت اثنان؟ نظرت لها بشدة. أكملت: إنك لا يستهان بك. : اصمتي. : حسنا، لكنني أعرف أريا من تكون. : مساعدتي. : أجل، فهمت. ما اسمها؟ : ديما. : ديما!
نظرت لها. وكانت تنظر لي. لم أفهم نظراتها. ثم جاء عمار وقال: أما زلتم واقفون؟ ذهبت معه وجلسنا. وريم مع أريا وديما. مر وقت وكنت جالس مع عمار. ثم جاءت ريم وجلست بجانبي. نظرت لها. : لدي مكالمة. قالها عمار وذهب. نظرت ريم إلي قالت: أين ستبقى الفتاة؟ نظرت لها بعدم فهم. فقالت: ديما، مساعدتك الذي جاءت معك. : بالمنزل. اتسعت عيناها. قالت: سليم! أتريدها أن تكون بمنزل رجل غريب؟ نظرت لها بشدة.
قلت: عليها أن تكون معي. والدها أوصاني بها وهي مسؤوليتي الآن. : ولما لتتحمل ذلك من البداية؟ لديك مساعدين كثيرين. : ديما غير. : بماذا؟ قالتها وهي تنظر لي بتفحص. تجاهلت نظراتها وقلت: ماذا تريني يا ريم؟ أريا معي والمنزل به خدم وحراس. : أنا لا أقصد ذلك، لكن هل تظن بأن ديما ستوافق؟ صمت ولم أعلق على كلامها. : ما رأيك أن تبقوا هنا معنا؟ نظرت لها باستغراب. أكملت قالت: لن يكون هناك شيء إن بقيتم هنا والمنزل كبير.
: ما الذي تقوليه؟ : ماذا؟ تنهدت بضيق. وقفت قلت: علي الذهاب. : إلى أين يا سليم؟ لما نجلس معا بعد؟ : وقت آخر. : لا، ولقد أخبرت الخدم أن يأخذوا الحقائب من السيارة ويضعوها بالغرف. نظرت لها بشدة. قلت: هل طلبت منكِ شيئا؟ : لماذا تظن نفسك ضيف؟ لن يحدث شيء إن بقيت هنا أو في منزلك. : ريم محقة يا سليم. هذا منزلك.
نظرت لعمار الذي كان يحدثني ويبث فكرة البقاء إلي مع ديما وأنا أعارض. فلا أحب البقاء بمنزل غير منزلي ولن أستطيع النوم. إلا أني كنت أفكر بديما. وإن رفضت الأمر ماذا سأفعل وقتها. بعد إصرار كبير ولم أشأ أن أحرج عمار، فوافقت بقلة حيلة. سعدت ريم وأمسكت بيدي لتدلني على غرفتي. : خذ حماما وبدل ملابسك حتى ينتهي الغداء. قالتها من ثم ذهبت وأقفلت الباب. أخذت ثيابي ودلفت لدورة المياه لأبدل ملابسي بالداخل.
بعدما انتهيت وبدلت ملابسي. جاءت ريم لتخبرني عن الغداء. فقلت لها أني لست جائع. لكنها أمسكت بيدي لتأخذني. فاخبرتها أن تدعني وأنا سآتي. فابتسمت بانتصار وذهبت. تنهدت وخرجت. لكن وجدت ديما تدخل. نظرت لها. قالت: هل سنبقى هنا؟ نظرت لها. قلت: أجل. لماذا؟ : لا، سأحجز بفندق. : إنك مسؤوليتي يا ديما. يجب أن تكوني أمامي. هل يوجد مشكلة لديك هنا؟ نظرت لي وصمتت قليلا. ثم قالت: لا، لكنني غريبة عنكم يا سليم. ماذا سأفعل هنا؟
وماذا لي ببقائي؟ : لا تشعري بالغرابة ما دمتِ معي. رفعت بأنظارها إلي والتقت عيني بأعينها. ظللت أنظر إليها كالغريق. إلى أن انتشلني أحد من غرق. وسمعت صوتًا أفاقني. نظرت، ووجدتها ريم. : الغداء... ألن تأتوا؟ نحن بانتظاركم. قلت: حسنا. نظرت ديما إلي. نظرت لها بمعنى ألا تحرج. أنتِ معي يا ديما. أينما كنتِ ستكونين معي. فلا تظني أنك قادرة على أن تبتعدي عني، لأن هذا لن يحدث.
نزلنا وتقدمنا من المائدة. جلست وجلست ديما بجانبي. كان يبدو عليها الحرج. أتذكر عندما أحضرتها لمنزل جدي وكانت هكذا. لكني متأكد أنك ستعتادين، لأن ريم لم تكن هناك وقتها. وهي لن تتركك حتى وتكون صديقتك مثلما أريا صديقتها. لذلك لن تشعري بكونك غريبة. في الليل كنت جالس بغرفتي. سمعت صوت بكاء طفل صغير. علمت أنه ياسين. عدت لعملي. لكن الطفل لم يكن يصمت. كان صوته إزعاج كبير. أين ريم أو مربيته؟ لما يتركوه هكذا؟
يجب أن يكون أحد بجانبه. وضعت السماعات بأذني لأركز. لكن صوته اخترق السماعات. تنهدت. من ثم خلعتهم وذهبت.
خرجت من غرفتي لأراه أو أيقظ ريم له. لعله جائع. لكن الصوت أخذ ينخفض تدريجيا. لكن البكاء موجود، لكن يقل عن الصراخ قبل ذلك. تعجبت. سرت تجاه صوته وأصبحت على مقربة منه. نظرت للغرفة، كان الباب مفتوحا. نظرت وتفاجأت عندما وجدت ديما تحمله على ذراعيها وتحركه يمينا ويسارا وتبتسم له وتقرب وجهها منه وكأنها تداعبه. وسمعت صوت مختلط مع بكاء ياسين الذي بدأ في الهدوء. كان صوت أنوثي. غناء خفيف ناعم وشبيه بالهمس. إلى أنه كان رقيق ولطيف في آن واحد.
"سأنام. سأنام. انتظري يا أحلام." "حتى أغمض عيني وأغفو بسلام." "سأطير. سأطير. انتظري يا عصافير." "في سريري الصغير." "مهما سافرت المسافات ومهما طالت الساعات." "أبحث عنك فأجدك في عينيْ... حين أغلقها بسلام."
أثرت هذه الكلمات الهامسة وهزت كياني وكأنها تغني لي أنا. كانت ديما تغني له بخفة وتحركه وتبتسم له ابتسامة خفيفة. كانت جميلة.. جميلة وحنونة للغاية. إلى أن كونها طفلة. لكنها الآن تبدو كأم.. أجل تبدو كأم مسؤولة تعتني بطفلها ببرائتها الشبيه له. فيصغيان لبعضهم من تقاربهم. كنت أنظر لها بتوجس وكأني أطالع مشهدا لا أريده أن ينتهي. إلى أن شعرت بالغيرة الشديدة من ياسين وقرب صغيرتي منه.
سرت تجاهها بخطوات بطيئة وتقارب صوتها إلي. اقتربت منها. نظرت لي وقد انتبهت لوجودي. فزعت. : سليم. : ششش. أشرت على فمها أصمتها. فكان صوتها مرتفع ونسيت ياسين. فخشيت أن تفزعه معها. نظرت لي وإلى يدي. نظرت لها فأبعدتها وألقيت بنظرات على ياسين الذي تحمله بذراعيها الصغيران. : ماذ.. نظرت لديما لتخفض صوتها. فقالت بهمس: ماذا تفعل هنا؟ : أود طرح السؤال ذاته. نظرت لي بشدة. قالت: ليس تلك المرة. أنا من سألت أولا، فجاوبني.
ابتسمت عليها. قلت: سمعت صوته جئت لأراه. نظرت لي. قالت: منذ متى وأنت هنا؟ نظرت لها. شعرت وكأنها تسأل هذا السؤال لتعرف أن كنت رأيتها أم لا. : جاوبي على سؤالي أولا. نظرت لي ثم تنهدت. قالت: لنفس السبب الذي جئت من أجله. سمعت صوت بكائه وعندما جئت لم يكن أحد بجانبه. فحاولت تهدئته. : ونجحتي؟ قلتها وأنا أنظر لها. نظرت لي والتقت أعيننا. توترت. ثم نظرت لياسين. ابتسمت. قالت: يبدو كذلك. نظر لياسين الذي كان قد نام وعاد لسكونه.
: هل كان جائع؟ : لا أظن ذلك. : ألا يبكون جوعا؟ : بلى، وأوقات يحتاجون الأمان. إن كان جائعا لم يكن ليهدأ حتى يأكل. كان خائفا. نظرت لها. كنت أشعر وكأن ديما قد كبرت. كنت أراها صغيرة على أن تتزوج. لكن يبدو أنها متكافئة لذلك. لا أعلم كيف نعت بكاء طفل صغير بالإزعاج ولم أعطه سببا لبكائه وأنه خائف. وليس لي علم بمدى خوفهم. : ألن تضعيه؟ نظرت لي. قالت: أتأكد أنه غفى.
نظرت له وكان هادئ الملامح. تنهدت ديما. ثم مدت ذراعيها بخفة ورفق. وقربته من السرير. وضعته. وفور ملامسة الصغير لسريره وجدناه يعود للب كاء. اتسعت أعيننا. ولم تكن ديما قد أبعدت ذراعيها منه بعد. فعادت وحملته وتعود لتهدئته. نظرت لها وشعرت بالغيرة. هل يظن هذا الطفل أنه سيبقى بين ذراعيها وكأنه أعجبه الأمر ولا يريد الابتعاد عنها؟ : ألن تذهب للنوم؟ قالتها ديما بتساؤل. قلت: ماذا عنك؟ ألقت أنظارها على لياسين.
قالت: لا أستطيع تركه. : سأخبر ريم أو مربيته به. : لا داعي أن توقظهما. نظرت لها وياسين وهي تحمله وتحركه بذراعيها. قلت: أظن أننا لن ننام اليوم. نظرت لي بتعجب ومن صيغة الجمع. فهي أخبرتني أن أذهب. قلت بتوضيح: سأبقى معك حتى ينام. : أليس لديك عمل غدا؟ أم أنك لن تذهب؟ : نسيتِ أنكِ معي في ذات العمل. : يبدو أني نسيت بالفعل. اقتربت منها ونظرت لياسين. أشعر بالغيرة منك أيها الصغير. إلى أنك تبدو بريئا. لكن لما لا تبتعد عنها؟
أخبرتها أن تعطني إياه. نظرت لي وكأنها لم تتوقع مني شيئا كهذا. قربته مني وسرعان ما عاد صراخه ثانيا. فأعدته لها سريعا واحتضنته وتحاول أن تصمته. نظرت له بغضب. قلت: بربك ما هذا الولد؟ ابتسمت ديما. نظرت لها. كانت ابتسامتها كفيلة لأن تهدأني. هي تبتسم ويا ضياعي أنا. جميلة كعادتك وتسلبيني من تلك الحياة لتدفقي بأعمال قلبي. : هل تهتم بالأطفال؟ قالتها ديما بتساؤل.
فقلت: لا. بل كنت قديما أتضايق بسماع صوت بكاء ريم وأخبر أمي أن تجعلها تصمت بأي شكل. : أنك قاسي. : هل أبدو كذلك؟ نظرت لها. قالت: لا أعلم. نظرت لعيناها وكأني أقرأ ما فيهما من كلام كثير تريد قوله.
حاولت على قدر استطاعتي أن أساعدها في أن ينام. وجلسنا على الأريكة. فكانت قدامها المتهالكة. وظلت في محاولاتها إلى أن هذا الطفل لا يحل عنها. وكأنها أمه. هذه الفكرة وإني أرى ديما وهي تحمل طفلا على يدها وكونها أم تجعلني أبتسم. أنا غاضب من تعلقه بها. لكن أشكرك لأنه جعلني أشارك لحظة كهذه مع ديما. تشعرني بشعور غريب. وأنا جالس هكذا بجانبها. ونحاول بشت الطرق لأن يغط في النوم. كانت تخبرني أن أذهب لأنام. وأنها لن تجعله يبكي ليزعجني. لكنني لم أرد عليها. أتريدين سلب هذا المشهد مني يا ديما؟
ليت ما يريد قلبي يتحقق ويأتي يوم تكوني هكذا كالآن معي وطفل يزعجنا كهذا. لا أطيق وقتا يخلو من حديثك أو تكوني أنتِ الخلاء. لا أتحمل أن تكوني بعيدة عني وقلبي يناديكِ. أوهمتك بالصداقة وأحببتك سرا. ماذا فعلتِ بي ليتمنى قلبي بهذا الشكل وبات يعشق أمه. بكفي الصباح فتحت عيني من ضوء خافت من النافذة. نظرت. وجدت ريم واقفة أمامي وتنظر لي ومبتسمة. تعجبت. كان ظهري يؤلمني. اعتدلت. لكن قبل أن أتحرك نظرت وتفاجأت كثيرا ودق قلبي عندما رأيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!