أمسكت ندي بيدها الموبايل لتقرأ الرسالة الجديدة ونظرت في الساعة وهي تقول: "ما شاء الله وكمان بتنام من 8." قاطعتها نفيين: "ندي مش حتصدقي في شركة اتصلت بي." ندي: "طب كويس، شركة إيه؟ نفيين: "هابي دريمز، عندي بكرة انترفيو على الساعة 11." ندي: "شركة هابي دريمز، أحلام سعيدة. طب يا رب يكون شغل كويس، بس ميكونش دريمز في دريمز وخلاص." نفيين: "بس أنا مستغربة إني مقدمتش في الشركة دي أصلاً، مش عارفة جابوا ورقي منين." ندي:
"يا بنتي ربنا اللي بيبعت الأرزاق، وإن شاء الله يكون شغل كويس." *** بينما حازم في غرفته شارداً كعادته، إلى الآن لم يحسم أمره مع جوليا، ولا يعرف أي طريق يسلك حتى لا يخسر سواء ابنته أو جوليا بالطبع. كان يفكر بكلام دادا محاسن، ولا يزال يفكر بفكرة وجود مربية للوجي، لكن كم يتمنى لو أنها كانت مثل ندي… أو ندي نفسها. قاطعته لوجي وهي تفتح الباب. التفت لها. حازم: "لوجي، إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده يا لوجي؟
كانت لوجي ترتدي أسدال الصلاة، ورغم أن مقاسه صغير إلا أنه كان كبيراً عليها وبدا فضفاضاً عليها. لوجي وهي تجر الأسدال: "إيه يا بابي، شكلي ماله؟ أنا لابسة كده عشان حاصلي معاك." حازم: "حنصلي؟ طب إحنا حنصلي إيه دلوقتي؟ لوجي: "حنصلي العشاء، هو انت مش حتصلي؟ حازم بإحراج: "لا طبعاً حاصلي، بس…" لوجي: "بس إيه؟ حازم: "بس انتي لسه صغيرة يا لوجي، لما تكبري شوية نبقى نصلي." لوجي: "هو انت مش حتصلي العشاء لحد ما أنا أكبر؟ حازم بضحك:
"لا حاصلي. أقولك يا نصلي ما أنا عارفك مش حاخلص منك. يا لوجي استنيني هنا عقبال ما أتوضأ." دخل حازم ليتوضأ في حمام غرفته، بينما كانت لوجي تفرد سجادتين للصلاة. خرج حازم ونظر لما فعلت لوجي. حازم: "انتي فردتيهم غلط على فكرة." عدلهم حازم ناحية القبلة، ووقف وهو يقول للوجي: حازم: "يلا بقي، اقفي جانبي علشان نصلي." لوجي: "لا مينفعش، أنا حاقف وراك عشان أنا بنت." حازم بضحك: "لوجي، في أي تعليمات تانية قبل ما نصلي؟ لوجي: "لا." ***
اتجهت ندي للتليفون لتتصل بمنزل لوجي. ردت محاسن فطلبت فريدة، لكن هذه المرة كانت محاسن تعرف الإجابة من فريدة كالعادة، فاستأذنتها وصعدت لحازم. محاسن: "آنسة ندي على التليفون، كانت عايزة تكلم فريدة هانم، بس انت عارف رد فريدة هانم. حضرتك تكلمها ولا…" قاطعها حازم: "لا، أنا حاكلمها." لوجي موجهة كلامها لحازم: "هي حتقولك على الرحلة يا بابي." حازم: "رحلة إيه؟ لوجي: "في رحلة مع الدار بتاع ميس ندي وأنا عايزة أطلع معاهم." ***
حازم: "السلام عليكم." ندي باستغراب: "وعليكم السلام. هي مدام فريدة مش موجودة؟ حازم: "لا مش موجودة. خير يا آنسة ندي؟ ندي: "هي لوجي قالت لحضرتك على الرحلة؟ حازم: "أيوة قالتلي، بس أنا مش عارف أنتم رايحين فين بالظبط." ندي: "دي رحلة الدار منظمها، حنروح جنينة الحيوانات ونزور دار أيتام، وفي الآخر حنروح الملاهي. حنتجمع الساعة 9 عند الدار وحنرجع على 8 بالليل إن شاء الله، يوم الخميس يعني بعد بكرة." حازم: "هو حضرتك حتكوني معاهم؟
ندي: "أيوة إن شاء الله." حازم: "طب خلاص، بس أهم حاجة تخلي بالك من لوجي." ندي: "يعني حضرتك موافق؟ حازم: "طبعاً موافق، ما دام حضرتك معاها أبقى موافق." أغلقت ندي الهاتف وقد اندهشت من رده، ولكنها قررت أن لا تفكر فيه. بينما أغلق حازم الهاتف وكأن فكرة لمعت في رأسه، حاول أن ينفضها، ولكن هذه المرة قرر أن يحاول. ***
أذان الفجر أعلن عن بدء يوم جديد، وربما بداية جديدة، خاصة في حياة نفيين. فذهابها إلى شركة رفعت الصاوي خطوة لم تكن تعرف أنها ستقلب حياتها رأساً على عقب. عند العاشرة كانت ندي ترتب نفسها للخروج لفيلا رفعت الصاوي، بينما ترتب نفيين نفسها للخروج إلى شركته التي إلى الآن لا تعرف كيف وصلت أوراقها إليها. بينما هم في انهمامهم، قاطع ندي صوت هاتفها مرة أخرى معلناً عن وصول رسالة جديدة.
(نمت بأفكر فيكي وصحيت مشتاق لعنيكي، بذمتك ينفع كده؟ أمسكت ندي هاتفها تقرأ الرسالة، وما إن انتهت حتى قالت: "هوايه ده بقي؟ هو حيبقى كل يوم ولا إيه؟ نفيين: "هو في حاجة ولا إيه؟ ندي: "لا أبداً، متشغليش بالك." انصرف كل في طريقه، بينما اتجه عصام لشركة. وقرر حازم الجلوس لتسليم ندي راتبها و… *** حازم: "فهمتي يا دادا حتعملي إيه؟ محاسن: "أيوة، بس انت ليه عايزني أعمل كده؟ حازم: "من غير أسئلة كتير يا دادا، نفذي طلبي وخلاص."
محاسن: "طب ولو ميس ندي اتضايقت؟ حازم: "ارجعي على مكتبي بالظرف وملكيش دعوة." *** بخطوات حاولت أن تبدو واثقة، اتجهت نفيين للشركة رفعت الصاوي. صعدت واتجهت حيث أشير إليها من الاستقبال، قابلتها أميمة. أميمة: "آنسة نفيين عماد عبد الدايم؟ نفيين بتوتر: "أيوة." أميمة: "اتفضلي، مستر عصام منتظر حضرتك."
تقدمت نفيين خطوات داخل مكتب عصام، وبمجرد أن دخلت استنشقت عطر الأمس. تذكرت الرجل نفسه، بينما عصام كان يتحدث في هاتفه وهو ينظر للنافذة. استدار وهو يشير بيده لها لتجلس، بينما لازال يتحدث في هاتفه. وما إن رأته نفيين حتى تسمرت في مكانها ولم تجلس. أنهى عصام مكالمته ونظر إليها. عصام: "مش حتقعدي؟ نفيين: "لا مش حاقعد." التفتت لتخرج من الباب، فقاطعها. عصام: "آنسة نفيين، حضرتك رايحة فين؟ مش في انترفيو؟ نفيين:
"لا، ما أنا تقريباً عارفة نتيجته." عصام: "المفروض إن نتيجته دي أنا اللي أحددها." نفيين: "ما أنا تقريباً حافظة الأسئلة وعارفة إن إجابتي حتخليك ترفضني." عصام: "طب مش تسمعي الأسئلة الأول، وبعدين لو المقابلة انتهت وحضرتك معجبكيش كلامي تقدري تتفضلي." تقدمت نفيين لتجلس. وبالطبع لم يحاول عصام أن يمد يده، يكفيه أن ندي قد أحرجته يوم عيد ميلاد لوجي. عصام وهو ينظر في أوراق نفيين: "حضرتك متخرجة من حوالي سنتين؟ نفيين: "أيوة."
عصام: "أنا شايف أوراق تخص دورات إنجليزي وشهادة تويفل ودبلومة، كل ده إمتى؟ نفيين: "دبلومة بعد التخرج على طول وعملتها في إدارة الأعمال، والكورسات وأنا بدرس في الكلية." عصام وهو لا يزال ينظر في الأوراق: "طب ممتاز. إحنا الوظيفة اللي عندنا هي سكرتيرة في مكتبي مع آنسة أميمة الموجودة بره. طبعاً حضرتك شوفتيها، وتقدري تستلمي الشغل من أول دلوقتي." نفيين: "دلوقتي على طول كده؟ عصام: "أمال عايزة إجازة شهر؟ نفيين:
"لا يا فندم، بس أنا في حاجة مهمة لازم أوضحها، يمكن حضرتك متقبلنيش بسببها." رفع عصام رأسه ونظر باهتمام: "اتفضل." نفيين وقد حاولت أن تبدو واثقة: "حضرتك أولاً، أنا مش حامد إيدي وأسلم على أي عميل. ثانياً، أنا ما أحبش أسمع أي تعليق على لبسي أو تصرفاتي لأني مش حغيرهم." ثم تنهدت وهي تتابع: "حضرتك ليك شغلك وأنا…" عصام وهو مبتسم: "إنتِ ليكي أخت اسمها ندي؟ نفيين: "وحضرتك عرفت منين؟ عصام:
"أصلك حمقاء زيها. وإمبارح لما شفتك افتكرتك هي، وبعدها توقعت إنها أختك." نفيين: "حضرتك مجاوبتنيش على فكرة." عصام: "دي شركة رفعت الصاوي على فكرة. بصي يا آنسة نفيين، أنا عايز أشرحلك كل حاجة بالظبط، ممكن تسمعيني وبعدها تقرري إذا قبلتي تشتغلي معانا ولا لأ." *** ندي: "ها يا لوجي، فهمتي كده؟ لوجي: "أيوة فهمت. كنت عايزة أقولك على حاجة." ندي: "قولي." لوجي: "مش أنا صليت مع بابي امبارح زي ما قولتيلي؟ ندي بابتسامة:
"طب برافو عليكي. وصليتي إيه بقيت؟ لوجي: "العشاء، 4 ركعات صح؟ ندي بابتسامة: "صح يا لوجي. حنتقابل بكرة إن شاء الله." لوجي: "إن شاء الله." ندي: "بوسة كبيرة بقي وحضن كبيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييير." *** اتجهت ندي خارج غرفة لوجي، كانت دادا محاسن تنتظرها بالأسفل. واستوقفتها قبل الخروج. محاسن: "سلام عليكم يا آنسة ندي." ندي: "وعليكم السلام." محاسن وقد بدت متلعثمة: "اتفضلي يا آنسة ندي."
نظرت ندي ليدها ثم قالت: "إيه ده؟ محاسن: "فريدة هانم طالبت مني أديكي مرتبك." ندي وقد بدا الاستياء على ملامحها: "نعم؟ مرتبى؟ محاسن: "ما حضرتك عارفة إنها…" قاطعتها ندي: "للدرجة دي قلة الذوق؟ هو أنا بتعامل مع البيت ده عشان المرتب؟ وحتي لو كان عشان كده يكون بالطريقة دي؟ محاسن: "كده بردوا يا آنسة ندي؟ ندي: "يا دادا ربنا اللي يعلم أنا بحبك وبأحترمك قد إيه، بس مينفعش كده أبداً. معنى اللي حصل ده إن ماليش أي احترام عندهم."
ثم زفرت بقوة وهمت لتخرج، ولكنها التفتت مرة أخرى لدادا محاسن. ندي: "بلغي مدام فريدة إني حاجي أدي لوجي بدون مقابل، ومرتبي تخرجه صدقة. أنا مش عايزاه." تركت ندي الفيلا. وبينما كان حازم يراقب خطواتها من نافذة مكتبه، التفت لدادا محاسن. محاسن: "أعتقد إنك سمعت اللي حصل." حازم وهو ينظر في ساعته: "هاتي الظرف."
عاد النظر في ساعته مرة أخرى، ثم انطلق مسرعاً نحو الخارج خلف ندي، مصطنعاً الضيق على وجهه. لحظات واستوقف ندي التي كانت تسير أمامه. وقف أمامها وكأنه يحاول التقاط أنفاسه، وزفر وهو يضع يده على صدره. حازم: "كنت خايف مالحقكيش." ندي وقد استغربت وجوده: "أستاذ حازم." حازم: "أنا آسف جداً على اللي حصل يا آنسة ندي، أرجوكي متكونيش زعلانة." ندي لم تجد أي رد، فقط صمتت. فأردف. حازم:
"أنا مش عايزك تزعلي من ماما، معلش هي ساعات بتتصرّف كده، بس أنا كل اللي عايزك تعرفيه إن اللي بتعمليه مع لوجي أكبر بكتير من كل فلوس الدنيا كلها، والمبلغ ده قصاد وقتك مش أكتر، وأنا بردوا واثق إن وقتك أغلى من كده. ممكن تقبلي مرتبك؟ ندي: "أيوة يا أستاذ حازم، بس الطريقة دي مش حتنفع بيني وبين فريدة هانم." حازم:
"طب يا آنسة ندي، أوعدك إني حتكلم معاها وأوعدك إني أحاول أصلح الأمور، لأني عارف إنك مش عايزة أي تعامل معايا… مع إني أليف والله." ابتسمت ندي رغماً عنها، ابتسامة أشعرت حازم أنه أخيراً حصل على ما أراد، وأن ندي صدقت ضيقه وخروجه المصطنع خلفها. حازم بإصرار: "حتاخدي مرتبك بقين." ندي وهي تمد يدها: "حاخده." حازم:
"وارجوكي يا آنسة ندي مهما حصل متمشيش من الفيلا زعلانة، وأوعدك إن محدش حيضايقك تاني، وإن حصل بلغيني أو بلغي دادا محاسن وهي تبلغني." التفت حازم ليرجع، بينما اتجهت ندي لتستكمل طريقها. قاطعها حازم مرة أخرى والتفت. حازم: "آنسة ندي." ندي: "أيوة." حازم: "هو أنا حأوصل لوجي بكرة الصبح للدار ولا حضرتك حتيجي تاخديه؟ ندي: "لا حضرتك إن شاء الله حتجيبها." حازم: "طب دلوقتي لو تحبي أوصلك أنا؟ كنت رايح الشركة." أومأت
ندي برأسها نافية وهي تقول: "شكراً." عاد حازم وهو يشعر إنه كان يجب أن يسعد بما حدث، لكن الصراع بين مصالحه وضميره طغى على ما حدث. بينما ندي كانت تحاول نفض ما شعرت به من اهتمام بات واضحاً، لكن في نفسها قالت: "ندي فوقي، انتي مش حمل تجربة فاشلة، كفاية الاتنين اللي عدوا. هو بيعمل معاكي كده عشان لوجي، وبعدين ده متجوز في فرنسا. وبعدين… يوووووووووووووه بقي." *** أميمة:
"ها يا آنسة نفيين، أنا كده شرحت لحضرتك كل حاجة. عندك أي أسئلة؟ نفيين: "لا بجد، ربنا يكرمك." أميمة بابتسامة: "وعموماً أي حاجة اسألييني على طول." خرجت أميمة من المكتب، بينما حازم كان في طريقه لمكتب عصام. كانت نفيين تحاول أن تفهم وتستجمع الأوراق التي بيدها، والتفتت بظهرها وهي واقفة لتلتقط شيئاً من آلة الطباعة. حازم وهو ينظر باستغراب: "إيه ده يا سالي؟ انتي أعلنتي إسلامك ولا إيه؟ التفتت نفيين باستغراب: "أفندم؟ حازم:
"مين حضرتك؟ نفيين: "حضرتك اللي داخل مكتبي، حضرتك مين؟ حازم بحدة: "أنا المهندس حازم رفعت الصاوي، وحضرتك؟ نفيين وهي تبتلع ريقها: "أنا نفيين عماد عبد الدايم، سكرتيرة الأستاذ عصام." حازم: "انتي أخت ندي؟ نفيين: "أيوة." حازم وقد لانت ملامحه: "طب ممكن أدخل لعصام؟ نفيين: "اتفضل." *** حازم: "لسه زعلان؟ عصام: "انت إيه اللي جابك؟ حازم: "شركة أبويا على فكرة." عصام: "طب امشِ أنا يعني؟ حازم:
"لا خلاص امشِ أنا، ولا ناوي تشربني قهوة؟ عصام وكأن شيئاً لم يكن: "أحلى قهوة." حازم: "عملت إيه إمبارح في شركة عابد؟ عصام: "تمام وخلصت معاه كل الأوراق اللي كان عايزها، وحتى أوراق نفيين أخدتها منه." حازم: "إيه حكاية نفيين دي؟ عصام: "لاااااااا، دي حكاية طويلة." حازم: "هي فعلاً أخت ندي؟ عصام: "أيوة يا سيدي، دي حتى شبهها أوي." حازم: "هي ندي اللي طلبت منك تشغلها؟ عصام:
"الحقيقة لأ، بس أنا فكرت إن نفيين ممكن تكون داخلة كويسة لندي." حازم: "داخلة كويسة إزاي يعني؟ عصام بجدية: "بص، أنا نويت أتجوز يا حازم." حازم: "طب ألف مبروك يا سيدي، ومين اللي أمها دعايا عليها دي؟ عصام: "ندي." حازم: "إيه؟ ندي؟ ندي مين؟ عصام: "ندي محفظة لوجي." حازم: "انت بتهزر صح؟ عصام: "الكلام ده مينفعش يكون فيه هزار. أنا عايز أتزوجها فعلاً." حازم بتوتر: "انت ليه مقولتش الكلام ده قبل كده؟ عصام:
"كنت عايز أسأل عليها الأول، وبعدين رحت عند بيتهم وسألت مرات البواب اللي في البيت اللي في وشهم عنها، وقالتلي كلام كويس أوي عليها. بس قلت أتوكل على الله وأقولك. وبعدها شفت أختها وجه موضوع الوظيفة، قلت ممكن الموقف ده يقرب بيني وبينها." حازم وقد امتلك وجهه كل تعابير الحزن: "طب انتي حبيتها إمتى؟ عصام:
"الحقيقة مش حأقدر أحدد مشاعري ناحيتها دلوقتي. أنا منكرش إني معجب بأخلاقها وتدينها، بس مقدرش أقول حبيتها. أنا كنت متعقد من الجواز من نوعية البنات اللي كنا شايفينهم، ومن بعد ما شفتها حسيت إن عقدتي يمكن تتفك على إيدها." حازم: "طب انت متعرفش حقيقة مشاعرها ناحيتك إيه؟ عصام: "أنا حأعتمد على الله وعليك في الموضوع ده. حتى ممكن نخلي دادا محاسن تفتحها، ها يا صاحبي، حتقف معايا؟ حازم بابتسامة باهتة: "حاضر يا صاحبي." ***
كانت ندي شاردة وهي لازالت تفكر باهتمام حازم، حتى قاطعتها نفيين. نفيين: "الجميل سرحان في إيه؟ ندي: "أبداً. عملتي إيه في الانترفيو؟ نفيين: "ح تسمعي صدمة عمرك يا ندي. عارفة الشركة طلعت بتاعة مين؟ ندي وقد بدت غير مهتمة: "مين؟ نفيين بعيون لامعة: "شركة رفعت الصاوي! انتفضت ندي ثم ردت: "إيه؟ بتقولي مين؟ نفيين: "اسكتي يا ندي، ده أنا موهومة مش مصدقة إني شفت حازم وعصام. دول إيه ده يا خراشي! ندي بضيق:
"نفيين، ما دام حتشتغلي معاهم، يبقى لازم تفتكري غض البصر." نفيين: "طبعاً يا بنتي، أنا بس انبهرت شوية كده في الأول. ولا عربيتهم يا ندي، شوفتيها؟ ندي: "لأ." نفيين: "عارفة الاتنين معاهم بي إم دبليو بتاعة حازم سودة، واااااااااااااااو. عصام بقى أحمر." ندي باندهاش: "عربية عصام حمرا؟ نفيين: "أيوة، انتي أول مرة تعرفي؟ ندي بشرود: "معقولة؟
أنهت نفيين حديثها عن كل ما رأت في شركة الصاوي، بينما حاولت ندي أن تنام حتى تستيقظ بنشاط لرحلتها، لكن سيل من الأسئلة بات يدور في رأسها. حتى همت لتنام، فقاطعها صوت رسالة جديدة. قامت بسرعة من سريرها واتجهت نحوها لتقرأها، فكانت: (رحلة سعيدة.) ***
حازم دخل غرفته وشعر أن الحزن امتلكه، ولا يعرف لماذا. صباحاً كان يود أن يتظاهر أمام ندي أنه يحبها حتى تقتنع بأمر الزواج منه، والنهاية ما هي إلا زيجة مصلحة حتى يستطيع أن يتزوج جوليا. لماذا كل هذا الضيق عندما علم بنية عصام؟ من سريره اتجه إلى الشرفة، ظل ينظر إلى السماء وهو لا يعرف هل ما بداخله هو حزن على خطة فشلت أم غيرة امتلكت قلبه على فتاة لا يعرف بالضبط متى أحبها. *** *************************
اقتطعهما من تظاهرهما بالنوم صوت أذان الفجر. كانت ندي تتظاهر أنها تستيقظ، بينما كانت طوال الليل لم تغمض جفونها. حاولت أن تنام، لكن هيهات. ظلت تفكر بكل ما حدث وتربط كل الأحداث ببعضها. بعد أن أنهت صلاة الفجر، جلست ومسكت بيدها ورقة وقلم وكتبت فيها: حازم، عصام، هشام، وكتبت كل موقف جمع بينها وبين كل واحد منهم على حدة. ثم ما حدث مع نفيين. لماذا حكى عصام لنفيين أنه يعرفها؟ هل لأنها ستحكي لي؟ هل هو صاحب السيارة الحمراء؟
هل هو من يرسل الرسائل؟ كانت توقعاتي هشام، لكن دخول عصام على الخط أربكني، وحازم… أوووووووووووف. أما حازم، فلم يتظاهر على أحد بقدر ما حاول التظاهر على نفسه، بل وقرر أنه سينفض تفكيره من هذا الأمر نهائياً. صوت أذان الفجر أتاه هذا اليوم ليسمعه، لاول مرة سمعه، وقال في نفسه: "يبدو أن هناك صلاة لابد أن تصلى." قام وصلى الفجر لأول مرة في حياته، ثم هم بارتداء ملابسه حتى يوصل لوجي للدار قبل ذهابه للشركة. ***
لوجي أيضاً لم تنم جيداً، لكن الفرق أنها كانت خائفة أن تفوتها الرحلة. كانت تقلق كل فترة لتنظر حولها وهي تقول: "لسه الصبح مجاش." حتى أتى الصباح، وبمجرد أن فتحت دادا محاسن الباب، هبت لوجي من السرير متجهة إلى الحمام وهي تقول: "يلا بقى يا دادا عشان زمان ميس ندي مستنياني." *** عند باب الشقة كانت ندي تتجه للنزول. استوقفها والدها. عماد: "بدري كده؟ انتي مش قولتي حتتجمعوا 9؟ ندي:
"لا ما أنا إشراف في الرحلة دي، فلازم أكون موجودة من بدري. وبعدين عقبال ما أوصل كمان يدوبك." عماد: "مالك يا ندي؟ في حاجة مضايقاكي يا بنتي؟ ندي: "لا أبداً مفيش." ثم تنهدت: "ممكن نتكلم لما أرجع." عماد: "أكيد. أنا حاستناكي عشان أعرف الورقة اللي دخلتي حرقتيها في المطبخ دي كان مكتوب فيها إيه." ندي: "أبداً، هي ورقة كانت تستاهل الحرق فحرقتها." اقترب عماد من ندي وفتح ذراعه لابنته وهو يقول:
"يا بنتي أنا عايزك تاخدي بالك من نفسك، ثم تنهد: ومن أختك كمان. مش عايز أشوفك مهمومة زي ما شوفتك من شوية كده. أي حاجة مضايقاكي تعالي واحكيلي، ماشي يا نادون؟ ندي بابتسامة عريضة: "ماشي يا أبو نادو." وانتظرت ندي كعادة كل يوم رسالة جديدة، لكن اليوم لم يأتيها أي شيء. جال بخاطرها أن الثلاثة يشتغلونها. صحيح أن الفكرة باتت معتادة وحدثت في كثير من الأفلام،
لكن التفسير الوحيد هو: إما أنهم يتنافسون أو يتراهنون عليها، أو يتصرفون بهذه الطريقة استهزاءاً بها حتى يجتمعون كل ليلة يضحكون على رد فعلها على تصرفاتهم. حتى أنها فكرت أنه ربما اشترك عصام وهشام معاً في تمثيل ما حدث حتى تصدقهم أكثر.
ندي قالت في نفسها: "لو اللي أنا بفكر فيه صح، يبقى إنهاردة حازم حيحاول ينفضلي عشان أنشغل بيه، وأكيد هشام حيحاول في أي مرة وأنا عند لوجي إنه يعتذر. وطبعاً الرسايل حتوقف يومين كده وبعدين ترجع… ماشي، لما أشوف." *** بينما كان في طريقه، قرر أن لا ينزل من أجل السلام على ندي. ربما أصبح وجوده بين عصام وندي أشبه بعازول أو كوبري من أجل أن يغير عصام أو… حازم في نفسه:
"أكيد طبعاً معجبة به من ساعة ما ضرب هشام، وممكن كمان يكونوا بيتكلموا مع بعض وهو مش عايز يقولي. وده بردوا ممكن يكون سبب معاملتها الناشفة معايا، لأنها حتبقى مرات صاحبي. بس أنا حاسس…" أوووووووووووف.
وصل بسيارته أمام الدار، وبمجرد أن لمح ندي قرر أن ينفذ ما نوى. نزلت لوجي باتجاه الدار وميس ندي التي كانت تقف أمام الدار تنتظر الأطفال وتتحدث مع إحدى العاملات في الدار. اقتربت لوجي من ندي، فنزلت ندي بركبتيها حتى تكون في مواجهة لوجي وهي تسلم عليها. عند تلك اللحظة، لم يستطع حازم الالتزام مكانه ولا حتى تنفيذ قراره. توجه إلى ناحيتهم. بينما ندي منشغلة بشنطة لوجي وأدواتها، ولوجي تحدثها ولم تنتبه الاثنان لاقترابه. لوجي لندي:
"بابا قالي بلاش أعمل شقاوة انهاردة عشان متزعليش مني." ندي وهي تنظر لشنطتها: "انهاردة كلنا حنعمل شقاوة يا لوجي، وأنا أول واحدة." قاطعها صوت حازم: "وانتي بتعرفي تتشاقي يا آنسة ندي؟ انفزعت ندي وهمت واقفة بانزعاج واحراج: "أستاذ حازم." حاولت كتم ابتسامة حاولت الخروج، ولكن في النهاية أبت أن تخرجها. حاولت أن تتذكر كل ما قالته لنفسها، ولكنها لم تتذكر.
لحظة صمت حاولت ندي أن تتلاشى النظر فيها وهي تنظر للوجي، بينما حازم لم يستطع. بينما كانت لوجي تشبك يدها بيد ندي من ناحية، ويد حازم من الناحية الأخرى، ثم رفعت نفسها وهي تتمرجح بين أيادي الاثنين، وكأن ندي أعطتها الإذن بالشقاوة فقررت أن تبدأها مبكراً. قطع حازم الصمت: "إزيك يا آنسة ندي؟ ندي: "الحمد لله." حازم: "أنا مكنتش ناوي أنزل أسلم عليكي، خفت أحرجك، بس كنت عايز أطلب رقمك قبل ما أمشي." ندي وقد احمرت وجنتيها:
"عايز رقمي ليه؟ حازم: "يعني لو حبيت أطمن عليكم." ندي: "في رقم الدار، حاطه عشان أولياء الأمور يتصلوا يطمنوا على ولادهم. ثانية واحدة."
حاولت ندي إخراج الرقم من حقيبتها، ولكن لوجي ما زالت ممسكة بيدها لتتمرجح. عند هذه اللحظة، كانت الحاجة أماني تشاهد المنظر الذي ضايقها أن تضع ندي نفسها فيه. كانت وجهاً لوجه مع حازم، بينما لوجي تتمرجح بين أيديهم وهو يتحدثون. تحاول ندي أن تتلاشى النظر، بينما نظرات حازم لها كانت واضحة. اقتربت الحاجة أماني وهي تنظر بحدة لندي. الحاجة أماني: "في حاجة يا ندي؟
نظرتها أوقفت لوجي وأربكت ندي وأربكت حازم. حاولت ندي الرد، فقاطعها حازم. حازم: "أنا كنت بطلب من آنسة ندي رقم الدار عشان لو حبيت أطمن على بنتي، بس بنتي شقية حبتين اتمرجحت في إيدينا. ثم نظر لندي: أنا آسف على اللي حصل." أومأت ندي برأسها دون رد، بينما ردت الحاجة أماني: "طب ادخلي انتي يا ندي وخدي لوجي، وأنا حأكتب لأستاذ حازم رقم التليفون." سحبت ندي لوجي لتدخل الدار، فسألتها لوجي. لوجي: "هي طنط دي حتيجي معانا الرحلة؟ ندي:
"أيوة طبعاً." لوجي: "هو إحنا كده حنعرف نتشاقى؟ ندي وهي تضحك: "اهو حنحاول." *** في شركة ال صاوي، كانت نفيين على مكتبها وهي تحاول أن تفهم الملفات والشغل الملقى أمامها. كان مكتب حازم ومكتب عصام متجاورين، والفاصل بينهم غرفة السكرتارية بها مكتب نفيين ومكتب أميمة. دخل حازم ناظراً إلى نفيين. حازم: "صباح الخير يا آنسة نفيين." نفيين وقفت لرد الصباح في مكانها: "صباح النور يا أستاذ حازم." حازم: "إيه الأخبار؟ الشغل عندنا كويس؟
نفيين: "اهو لسه انهاردة أول يوم." حازم: "انتي مش كنتي موجودة هنا امبارح؟ نفيين: "ده امبارح بس، وانهاردة." حازم: "عموماً لو احتجتي حاجة اسألي أميمة أو اسألييني، ومتقلقيش من حاجة." نفيين بخجل: "حاضر." حازم: "أومال أميمة فين؟ نفيين: "في الحسابات بتخلص أوراق وجاية." حازم: "طب خليها تجيلي مكتبي بأوراق شركة عابد أول ما توصل." نفيين: "حاضر."
حاولت نفيين إيقاف دقات قلبها السريعة جداً، لكنها لم تستطع. وضعت يدها على قلبها وهي تحاول التنفس، بينما شعرت بحرارة وجهها. قاطعتها أميمة وهي تزفر: "مستر عصام ده عليه حاجات." نفيين: "هو في حاجة؟ أميمة: "أبداً. الأوراق دي مستر عصام طلب مني أرجعها مع موظف الحسابات." نفيين: "أستاذ حازم، قصدي مستر حازم عايزك تديله أوراق شركة عابد." أميمة:
"طب يا نفيين، هي عندك على المكتب. ادخليها لمستر حازم عقبال ما أدخل الأوراق دي لمستر عصام، اوكي؟ نفيين: "حاضر." دخلت نفيين بأوراق شركة عابد لحازم. رفع رأسه نظراً لها. حازم: "آنسة نفيين، أومال فين أميمة؟ نفيين: "كان مستر عصام طالب منها أوراق يرجعها في الحسابات." حازم: "طب معاكي ورق الشركة؟ نفيين: "أيوة." حازم: "طب اقعدي." نظر إلى الأوراق ثم قال:
"بصي يا آنسة نفيين، شركتنا ماسكة توكيلات بعض الشركات الفرنسية والألمانية المسئولة عن توريد قطع غيار التربينات الغازية والبخارية في مصر. ثم ابتسم: فهمتي حاجة؟ نفيين بابتسامة: "أنا فهمت من مستر عصام إنها قطع غيار بتستوردها الشركة وبعدين توريدها للمصانع على حسب طلبات المصانع. أنا مش شاغلة دماغي هي وظيفتها إيه." حازم: "أحسن بردوا. المهم المرة دي عندنا طلبية كبيرة، عشان كده شركة عابد حتدخل معانا شراكة. تمام؟ نفيين:
"تمام." بينما انهمك حازم في أوراقه، قاطعهما عصام. دخل عصام بضيق: "صباح الخير." حازم: "صباح النور. خلاص يا نفيين، فهمتي؟ ارجعي ابعتي الفاكس ده للشركة دي وبلغيني برضه." نفيين وقد همت بالخروج: "حاضر." رمقه عصام بنظرة غيظ ثم نظر لحازم. عصام: "وصلت لوجي للرحلة؟ حازم بدهشة: "انت عرفت موضوع الرحلة منين؟ عصام بتلعثم: "عادي يعني، هو مش انت قولتلي؟ حازم وقد انتابه الشك: "لا أنا مقولتشلك." عصام مغيراً الموضوع:
"هي نفيين دي مش المفروض سكرتيرة مكتبي أنا؟ حازم: "إيه شغل الحضانة ده؟ هي مصاصة يا بني حتقولي دي بتاعتي؟ عصام: "حازم، أنا مش بهزر. نفيين من دلوقتي تعتبر مسؤولة مني، ومدام سكرتيرة مكتبي يبقى شغلها معايا." حازم وهو يزفر: "انت إيه حكايتك بالظبط؟ عصام: "أصل يا حازم… يا حازم أنا ندي وصتني على نفيين وطلبت مني أخلي بالي منها، وانت عارف بقى." حازم من مكانه متجهاً إلى عصام وجلس أمامه، وبدت عصبته واضحة. ثم قال: "انت بتكلم ندي؟
عصام: "لا." حازم: "أومال وصتك إزاي على أختها وعرفت منين إنها طالعة رحلة مع لوجي؟ عصام وقد تصبب عرقاً: "لا ما… ما هي متعتبرش مكالمة أي." حازم وقد شعر بكسر خاطره: "خلاص يا عصام، أوعدك إني لا حأضايق ندي ولا نفيين. اتفضل بقى على مكتبك." حاول عصام أن يرد فلم يجد إجابة، قام وانصرف من مكتبه. وفي طريق عودته، رمق نفيين بنظرة مملوءة بالغيظ مرة أخرى، وفتح مكتبه وأغلقه بقوة. انزعجت منها نفيين، فنظرت لأميمة. نفيين:
"هو مستر عصام ماله؟ أميمة: "خدي على كده." *** في حديقة الحيوان، رحلة ندي ولوجي كانت بين الضحكات والمرح والتصوير الذي تولت مهمته ندي. الشيء الوحيد الذي عكر صفو الرحلة نظرة العتاب تلك التي تنظرها حاجة أماني لندي كلما تلاقت أنظارهم، فحاولت تلاشي النظر إليها. أما لوجي، فكانت تضحك وكأنها اليوم فقط عرفت معنى الضحك ومعنى اللعب ومعنى أن تكون لوجي بنت الست سنوات، لا فريدة ولا نيرة، في صورة طفلة.
انتهت زيارة حديقة الحيوان، توجه الجميع إلى دار الأيتام، ومنها إلى الملاهي. *** اتصلت فريدة بنيرة التي كانت عند الكوافير. فريدة: "إزيك يا نيرة؟ نيرة: "إزيك يا أنطي." فريدة: "نايمة كالعادة؟ نيرة: "لا يا أنطي، أنا عند الكوافير." فريدة: "طب اسمعي، أنا عايزك تيجي انتي وهشام انهاردة عشان نتعشى مع بعض. أكلم هشام ولا حتكلميه انتي؟ نيرة: "أنا حاكلمه وحأطلع من الكوافير عليكي، وكده كده أشرف مسافر." فريدة:
"خلاص، وأنا حاكلم حازم وعصام دلوقتي." *** انتهت زيارة دار الأيتام. كانت لوجي طوال الرحلة ممسكة بيد ندي، وما مر من اليوم كوم، وما سيمر كوم آخر. في الملاهي، بدا الجميع أطفالاً، حتى الحاجة أماني والتي جذبوها المحفظات، وبيهم ندي لركوب إحدى الألعاب. هبط على كل عربات اللعبة إما منتقبة أو مختمرة. نظر إليهم الرجل الذي يدير اللعبة: "نسير على بركة الله يا أخوات."
لم تفوت لوجي شيئاً تقريباً، ركبت كل الألعاب ولم تستمتع في كل أيام حياتها مثلما استمتعت ذلك اليوم. ولكن أسوأ ما في الرحلة هو أوان الرحيل. *** اتصل حازم بفريدة وقد قرر أن يتأخر في عمله، تلك الحجة التي وضعها حتى لا يقابل ندي مرة أخرى. حازم: "أيوة يا ماما، ابعتي إبراهيم يجيب لوجي من الدار." فريدة وقد لمعت عيناها: "يعني انت مش حتروح تجيبها؟ حازم: "لا، عندي شغل، بس حاجي على العشاء." فريدة: "طب اوكي."
أغلقت فريدة الهاتف والتفتت لهشام الذي وصل لتوه هو ونيرة. فريدة بخبث: "مش عارفة إبراهيم روح ولا لسه." نيرة: "ليه؟ فريدة: "يروح يجيب لوجي." هشام ببرود: "هي لوجي مش هنا؟ فريدة: "لا دي في رحلة مع اللي اسمها ندي." نيرة: "هي ندي لسه بتيجي؟ فريدة: "هو انتي حاسة بنفسك؟ أخذت تنظر فريدة لهشام، كانت تتوقع منه أن يهم مسرعاً من أجل الذهاب لندي، لكنه تصنع البرود واللامبالاة. فريدة لهشام: "تروح تجيب لوجي." هشام:
"أنا مبحبش أحتك باللي اسمها ندي دي، بس لو مصممة خلاص." وقف هشام ويبدي الضيق: "اكتبلي العنوان، بس أخذه وخرج والابتسامة تملأ وجهه." ***
وصلوا أخيراً للدار. كان يوماً ممتعاً ولكنه أيضاً شاقاً. كانوا جميعهم يجلسون يتبادلون التعليقات على بعضهم البعض ويتذكرون المواقف التي مرت باليوم موقف موقف. من كثرة تعلق لوجي بندي طوال اليوم، ظن أغلبهم أنها ابنتها. استأذنت ندي لتصلي العشاء، بينما دخل هشام وهو يلقي السلام وشعر أنه فزع من كم المحجبات والمنتقبات الموجود أمامه. لأول مرة يقول في نفسه: "هو في ناس كده؟ و في بنات كده؟ الحاجة أماني: "مين حضرتك؟ هشام:
"أنا خال لوجي." الحاجة أماني: "يلا يا لوجي." لوجي: "انكل هشام، أومال بابي فين؟ هشام: "بابي عنده شغل." أخذ هشام يبحث بعينه عن ندي، لكنه لم يجدها. تحرج بالطبع أن يسأل، لكن الحاجة أماني فهمت نظراته جيداً. خرج، بينما ذهب إلى سيارته، جلس فيها ولم يتحرك. لوجي: "إحنا مستنيين حد؟ هشام: "أيوة، ميس ندي." لوجي: "هي ميس ندي حتروح معانا؟ هشام: "حنشوف يا لوجي."
دقائق وخرجت ندي بعد ما صلت وتوجهت للخروج. سلمت على الجميع، بينما عيون الحاجة أماني تراقبها وهي تخرج من الدار. وما هي إلا دقائق وخرجت خلفها. بمجرد خروجها، انتفض هشام من سيارته وترجل نحوها. استوقفها صوته: "سلام عليكم يا ميس ندي." ندي وقد زفرت: "وعليكم السلام." هشام: "أنا مش حأعطلك، أنا بس عايز أعتذرلك عن اللي حصل، وبجد يا ميس ندي آسف. آسف، آسف، آسف، آسف."
قالها وهو يعد على أصابعه، محاولاً التقاط ابتسامة من وجهها، لكنها أومأت برأسها وهمت لتنصرف، فقاطعها مرة أخرى. هشام: "انتي حتمشي كده على طول؟ مفيش صافية لبن وحليب يا قشطة وكده، تبقي لسه زعلانة؟ زفرت ندي ولم تلتفت. هشام: "ده انتي قلبك أسود أوي يا ميس ندي. طب على الأقل قوللي سامحتك." ندي بضيق: "اتفضل يا أستاذ هشام، وحصل خير." هشام: "طب ينفع أوصلك؟ على الأقل أتأكد إن سامحتيني."
نظرت ندي للسيارة، كانت تتوقع لونها الأحمر، ولكنها وجدتها زرقاء. سكتت ثم سألت: "عربيتك دي؟ هشام: "لا، شاحتها من واحد صاحبي." ندي: "طب بعد إذنك بقى، عديني عشان عايزة أمشي." هشام: "خلاص يا ندي، هو الواحد ميهزرش معاكي أبداً؟ أيوة عربيتي يا ستي، ها حتركبي بقى؟ ندي: "بس أنا مش على سكة حضرتك." هشام: "مش مهم، حتى لو انتي مش على سكتي، حتبقي على سكتي." فهمت ندي الجملة جيداً، وبات عليها أن ترحل، ولكنها أجابت:
"لا يا أستاذ هشام، مهما عملت ومهما حاولت، عمري ما حأبقى على سكتك." وفي تلك اللحظة هتفت الحاجة أماني: "ندي." التفتت ندي وتوجهت إليها، بينما رحل هشام بلوجي وقد ملأه الضيق من ردها. *** الحاجة أماني بعصبية: "ممكن أعرف إيه اللي أنا شوفته منك انهاردة ده الصبح ودلوقتي يا ندي؟ مين دول؟ ندي بمنتهى الإحراج: "بابا لوجي وخالها." الحاجة أماني: "والله؟
وأولياء الأمور لما يشوفوا محفظت أولادهم واقفة قدام الدار بتكلم رجالة، حيقولوا بابا لوجي وخالها؟ ندي وقد انهمرت دموعها: "إيه الكلام ده بس يا حاجة؟ أنا مش بتاعت الكلام ده." الحاجة أماني: "وأنا متأكدة يا ندي، بس الناس يا بنتي ليهم ظاهر. وبعدين الشابين دول نظراتهم ليكي مطمنانيش. يا ندي، يا بخت مين بكاني وبكى الناس عليا، ولا ضحكني وضحك الناس عليا. وانتي قدوة وحافظة كتاب الله. يرضيكي الناس تقول: هما دول المحفظات؟
وهما دول اللي بيحفظوا القرآن؟ يا ندي، أنا خوفي عليكي هو اللي خلاني أجي وراكي وأكلمك، وخلي بالك من نفسك يا بنتي." لم ترد ندي، اكتفت بدموعها بديلاً عنها. كانت تحاول كتمها، ولكنها لم تستطع، لكنها ربما كانت بحاجة لأن تسمع تلك الكلمات من أحد. *** التفوا جميعاً حول مائدة الطعام. جلست فريدة على رأس السفرة، وحازم جوارها من اليمين، بينما نيرة من الشمال. جلست لوجي بجوار أمها، بينما عصام جاور حازم، ثم هشام.
لم يبدِ أي من الجالسين اهتمامه بسؤال لوجي عن يومها، بما فيهم حازم. رغم أنه كان يتوق لسماع أي شيء عنها، لكنه صمت. كانت الكلمات محبوسة على لسان لوجي، تريد أن تخرجها، لكن لم يسألها أحد. حتى نظر لها عصام. عصام: "مش حتحكيلنا بقى عملتي إيه في الرحلة؟
وما إن سمعت لوجي السؤال، حتى استرسلت في الإجابة وكأنها كانت تنتظره، وبدأت تحكي تفاصيل رحلتها. وما إن بدأ حديثها عن ندي، حتى التفت الثلاثي الرجالي لها وكأن على رؤوسهم الطير. ظلوا يسمعونها بانصات، غير عابئين لما أمامهم من طعام، حتى قاطعتهم نيرة. نيرة: "الأكل برد." فريدة لنيرة: "كلي انتي، أصلهم شبعوا خلاص." كانت فريدة أيضاً تسمع، ولكنها كانت تحاول كتم غيظها. كانت تنظر لعصام وحازم بضيق كبير، ومن إن لاخر تنظر
لهشام وهي تقول في نفسها: "يا ريتك تعرف تعمل حاجة فعلاً وتمشي اللي اسمها ندي." *** كانت في طريقها إلى المنزل، تحاول أن تكبت دموعاتها. عزاءها الوحيد أنها ستجلس لتحكي لأبيها عن عناء يوم طويل، ربما تجد عنده المشورة والنصح، ربما يكفيها أن يجفف دموعها، ربما… قاطعها صوت الهاتف. كانت نفيين. ندي: "سلام عليكم." أتاها صوت نفيين باكياً: "أيوة يا ندي، إحنا مش في البيت." ندي: "انتوا فين؟ نفيين:
"إحنا في المستشفى. بابا تعب تاني يا ندي. إحنا في مستشفى الهلال. تعاليلينا على هنا." لم تعد ندي ترى طريقها من كثرة الدموع. وصلت للمستشفى وهي لا تعلم كيف وصلت. نظرت لنفيين وأمها وعمتها وعمها وزوج عمتها. كانوا جميعهم يقفون أمام باب العناية المركزة. كان الجميع يتمتم بالدعاء، وأحياناً القرآن. مضى الليل ثقيلاً، وكان الطبيب قد قال: "سيمهله 24 ساعة تحت الملاحظة."
بدا القلق والتوتر سيد الموقف. وبعد لحظات، سمع أذان الفجر ليعلن عن ميلاد يوم جديد. اتجه طارق ونبيل إلى المسجد للصلاة، بينما دخلت ممرضة لعماد لتراه قبل الطبيب. وجدته قد اعتدل على ناحية القبلة ويتمتم بالصلاة. ابتسمت وخرجت لأهله. الممرضة: "أظاهر حيفوق، أنا لاقيته بيصلي الفجر."
ابتسموا وقد فكروا أن يتوجهوا للصلاة هم أيضاً حتى يأتي الطبيب. وما هي إلا لحظات، أنهوا جميعاً صلاتهم. توجه الطبيب إلى داخل غرفة عماد، وما هي إلا دقائق وخرج حزيناً وهو ينظر لعائلته: "البقاء لله يا جماعة."
انتفضوا جميعاً غير مصدقين ما حدث. لم تستطع ندي أو نفيين أو أمها تحمل الصدمة. ما هي إلا لحظة وأعلن عن فراق عماد للحياة. لحظة من بعدها ستأتي مرارة اليتم لندي ونفيين. لحظة ومن بعدها ستذوق شريفة عذاب الترمل. أنهى عماد حياته بصلاة فجر يوم جديد، يوم من بعده ستتغير حياة شريفة وندي ونفيين رأساً على عقب. لكن التغيير مهما كان في حياتنا لن يكون أصعب أبداً ممن ترك فراشه الدافئ لينام وحيداً داخل قبره. حقاً، أسوأ ما في الرحلة هو أوان الرحيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!