الفصل 21 | من 23 فصل

رواية قبل فوات الأوان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الطنوبي

المشاهدات
18
كلمة
9,765
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

صباح يوم جديد يطل برأسه على حازم وندي، ولكن بنكهة خاصة جداً، إنها بولاق الدكرور. عند السابعة صباحاً، بدت الأجواء صاخبة على عكس ما اعتاد عليه ابن الصاوي. صوت المذياع على المقهى البلدي المجاور، إنه البرنامج العام، وكعادة كل صباح منذ 60 عاماً، لا تزال أم كلثوم تنشد كل صباح: "يا صباح الخير يالي معانا يالي معانا الكروان غنى وصحنا وصحنا والطير أهي سارحة في سمانا يا صباح الخير يالي معانا يالي معانا"

ليأتي صوت من يعمل في المقهى عالياً ليسمعه حازم: "صب القهوة: عندك واحد شاي على مية بيضا سكر برة" وصوت إحدى الجارات تنادي على البقال: "يا عم خميس بـ 2 جنيه جبنة بيضا وجبنة فينوليرد عم خميس وهو يضع الطلبات بالسبت: أيون يا أم حنان الجبنة والفينو" يضحك حازم وهو يشعر وكأنه واقفاً في منتصف الشارع، لا نائماً داخل المنزل. وتستفزه الأجواء، فيجد نفسه خارجاً إلى الشرفة ليشاهد عن قرب ويسمع. عندها شعر بمن ينادي عليه: "بس بس بس"

ليرفع حازم رأسه لامرأة كانت تقف في إحدى الشرفات، ثم ينظر إلى نفسه لتقاطعه المرأة: "أيوه يا ابني" حازم مستغرباً: "أيوه" المرأة: "هي الست محاسن موجودة" حازم ولا يزال مستغرباً: "أيوه" المرأة: "طب ابقى سلم لي عليها، قولها أم حنان سألت عليك" يضحك حازم وهو يرد: "حاضر" لتقاطعه ندي من خلفه وقد غارت من تصرفه: "هندي بغيرة: بتكلم مين يا سي حازم" حازم وهو يرفع رأسه مشيراً إلى المرأة: "بكلم أم حنان" رفعت ندي رأسها لتنظر للمرأة:

"سلام عليكم" أم حنان: "وعليكم السلام يا حبيبتي، منورين" ندي للمرأة: "شكراً" ثم لحازم ببعض الضيق: "طب يلا جوه بقي قبل ما حنان تطلع" حازم وهو يحاول استفزازها: "طب ده أنا واقف عشان حنان" ندي وهي تضع يدها على خصرها: "بقي كده، بقي انت واقف عشان حنان، طب أنا بقى أوريك الحنان كله دلوقتي" اقتربت من إحدى الوسائد لتقذفه بها، فوضع كلتا يديه ليدفع الوسادة عنه وهو يهتف مازحاً: "خلاص حرمت والله حرمت" ندي وقد علت الابتسامة وجهها:

"ها عايز حنان تاني ولا كفاية كده" اقترب منها وأمسك بكلتا يديها وهو ينظر لها: "أنا خلاص مبقتش عايز غير ندي وبس، هي كفاية عليا، هي عندي بكل ستات الدنيا بما فيهم حنان" لتقاطعه ندي مازحة: "وأم حنان" حازم مازحاً: "لا يا حنان يا أم حنان مينفعش الاثنين، ولا أقولك انتي في عيني حنان وأم حنان وأبو حنان" لتعلو ضحكاتهم رغم ما كانوا فيه، ثم تسود لحظة صمت ينظر فيها كلاهما للآخر. عادا ليجلسا متجاورين على السرير. لتقطع ندي الصمت:

"ندي: حتسافر المنصورة النهاردة" تنهد حازم ثم رد: "أيوه وربنا يستر ميكونش في مفاجآت تاني، أنا مستكفي مفاجآت" ندي وهي تمسك بيده: "تحب أجي معاك" حازم: "لا أنا عايزك تروحي الشركة انتي ونفيين" ندي باستغراب: "الشركة" حازم: "أيوه، تقريبا مفيش حد يروح، حتى أميمة أنا مشيتها" ندي: "مشيتها ليه" حازم بضيق:

"في ورق مهم ضاع من الخزنة، هي طبعاً نكرت إنها تكون خدته بس أنا مجمل تصرفاتها كده بقيت شاكك فيها وحسيت إن الأحسن أمشيها، وعموماً نفيين فاهمة الشغل كويس وأنا في ورقة في درج مكتبي سايبها فيها المطلوب في الشغل النهاردة وبكرة" ندي بضيق: "انت ناوي تبات في المنصورة" حازم: "أنا لسه مش عارف إيه اللي حيحصل، وعموماً حنبقى على اتصال مع بعض، ماشيين" ندي: "ماشين" ليقطعهم صوت طرقات الباب: "محاسن: أنتم صاحيين بدري كده" ندي:

"أصل حازم رايح المنصورة" محاسن: "طب يا ابني أنا حضرت الفطار يلا قوموا كلوا" حازم مازحاً: "أم حنان سألتك عليك" محاسن: "طب والله فيها الخير ابقى أشوف عايزة إيه" حازم ليستفز ندي: "قولي لي يا دادا هي حنان حلوة" محاسن باستغراب: "وبتسأل ليه" حازم وهو ينظر لندي: "مش نتعرف على جيران" محاسن: "عموما هي أكبر من لوجي بسنتين" لتتعالى ضحكات ندي وهي تنظر لحازم ثم للوچي: "إيه رأيك يا لوچي تلعبي مع حنان" لوچي:

"ماشي أنا موافقة، بس إحنا حنفضل هنا كتير" ندي: "إنتي مضايقة" لوچي: "لا بس إحنا هنا ليها" ليتوقف سؤالها حازم ولم يعرف بما يرد، ولكن ندي تولت الإجابة: "عارفة يا لوچي إحنا أصلاً دخلنا مسابقة" لوچي: "مسابقة إيه" ندي:

"مسابقة معموله للناس يروحوا يعيشوا في بيت غير بيتهم، ويبقى عندهم مثلا مشكلة أو مثلا تحصل لهم حاجة تضايقهم، الناس اللي يفضلوا مبسوطين ومهما حصل يقولوا الحمد لله ويفضلوا فرحانين يكسبوا، ها حنبقى فرحانين ونقول الحمد لله على طول عشان نكسب" لوچي بفرحة: "خلاص ماشي أنا حأفضل فرحانة على طول وعلى طول حأقول الحمد لله عشان أكسب" محاسن: "وأنا كمان حأقول الحمد لله وأفضل فرحانة عشان أكسب" ليقطعهم حازم الذي كان ينظر لندي بكل الحب:

"لا أنا أكتر واحد حأقول الحمد لله عشان أنا أكتر واحد عايز أكسب" ندي للجميع: "خلاص خلاص إن شاء الله كلنا حنكسب" *** بينما كان هذا هو الحال في بيت محاسن، كان عكس الحال في المنزل الذي هجروه أصحابه. فيلا رفعت الصاوي.

استيقظت فريدة من نومها بضيق بالغ، وتحركت في غرفتها من أجل التأنق حتى تشعر نفسها أنها غير عابئة بما حدث، لكن الحقيقة أن كبرياءها فقط هو من منعها من اعترافها أمام نفسها بتمزق قلبها للمرة الثانية. الأولى فكانت منذ أكثر من 27 عاماً. توجهت إلى الشرفة لتنظر إلى السماء، تنهدت وبشدة لتتذكر الماضي وتسأل نفسها وتلوم حالها: "لماذا يا فريدة، لماذا يا رفعت؟ لماذا ارتضيت لنفسك هذا وماذا جنيت غير الخسارة؟

لا يزال كبرياؤها يمنعها من البكاء، لكن دموع عينها كانت أقوى من كبريائها، فنزلت رغماً عنها لتدفعها دفعاً للبكاء، فبكت. وما هي إلا لحظة واستسلمت فريدة لضعفها، ذاك الضعف الذي حاولت مراراً وتكراراً أن تخفيه داخلها، ولكن نفسها اليوم أبت لتصرخ فيها: "كفاكي كبرياء واعترفي، أنت اليوم أم تعيسة وزوجة حزينة"

لا تعرف من أين جاءت الدموع. بكت، ثم بكت، ثم بكت. ثم شعرت أن صوت رفعت عاد، أو ربما هي نفسها عادت إلى فريدة التي كانت تحبها وتعرفها وتعرف قناعاتها. إلى ذاك اليوم الذي استسلم فيه رفعت لوسواسه وأتاها مفكراً في خطته. فتح باب الشقة ودخل وقد تأخر كعادة كل يوم. لتخرج فريدة من غرفة حازم وتتوجه إليه. فريدة بضيق: "إنت كل يوم حتتأخر كده يا رفعت، طبعاً اتغديت بره مش كده" رفعت بضيق:

"إنتي فاكراني بلعب يا فريدة، ده شغل، ولا عايزاني أقعد جنبك وأسيب شغلي" فريدة: "لا يا رفعت أنا بس عايزة أحس بوجودك، إنت مبقتش زي الأول، كل ما أكلمك عصبي وتشخط، حتى حازم لا بقيت تلعبه وتقعد معاه، ممكن أعرف بقى في إيه، إنت إيه اللي في دماغك بالضبط يا رفعت؟ من يوم ما توفيق بيه صاحب الشركة مات وانت مش على بعضك وعلى طول سرحان، في إيه بس، فاهمني" رفعت بتوتر: "يعني لو فهمتك حتفهمني" فريدة بقلق: "أفهم إيه" رفعت:

"أنا ناوي أتجوز أحلام" ضربت فريدة يدها على صدرها: "إنت بتقول إيه، إنت أكيد اتجننت يا رفعت" رفعت وهو يمسكها من كلتا ذراعيها: "أبقى مجنون لو ضيعت من إيدي فرصة زي دي يا فريدة، أحلام دي ست سذاجة وعلى نياتها، وأي حاجة بقولها لها بتصدقها، لو وثقت فيا شوية كمان وحست إن ناوي أجوزها ممكن تعمل لي توكيل عام، وبـ توكيل ده ممكن أنقل كل ثروتها باسمي" فريدة وهي غير مصدقة ما تسمع: "وأنا وحازم ابنك" رفعت مهدئاً:

"إنتي حبيبتي ومراتي يا فريدة، وبعدين ممكن لو عرفت آخد المصنع قبل ما أتوزها أخلع من الموضوع كله، أنا اللي بأفكر فيه الفلوس، يا عبيطة الفلوس دي تنقلنا نقلة تانية خالص ومستوى تاني، ويمكن نسيب المنصورة ونعيش في القاهرة، يبقى عندنا فيلا وعربية وأغير نشاط الشركة، ها يا فريدة قولتي إيه" فريدة بخوف: "ما بلاش يا رفعت، أنا خايفة" رفعت: "متخافيش، مفيش حاجة حتحصل، صدقني يا فريدة مفيش حاجة حتحصل"

أغمضت عيناها حتى لا تتذكر، ولا تريد التذكر. "كفي، كفي، كفي" طوال السنوات الماضية لم تعوضها الأموال المسروقة ما سرقته أحلام منها. نعم، ما سرقته أحلام منها كان أكبر بكثير مما سرقته فريدة من أحلام. فأحلام سرقت من فريدة حبها لزوجها وحب زوجها لها. سرقت منها شعورها بالأمان، وسرقت منها احترامها لنفسها ورضاها عن ذاتها.

أبعد كل هذه السنوات تكافئ أحلام بعودة المال ويكون جزاء فريدة نظرة الخزي أمام الجميع. لا، والف لا. لن ترد المال، ليس لحبها فيه، ولكن كي لا تتنعم به أحلام، ولا مانع عندها أن تلقي بالمال في البحر، ولكن لا يعود لبنت السنهوري التي سرقت زوجها، ولا ابنة أخيها التي سرقت ابنها. *** حمل حقيبته واتجه لينهي حسابه بيده. نظرت له الممرضة وهو يخرج. الممرضة: "هو مفيش حد مستنيك" هشام بوجه واجم: "لا مفيش" الممرضة:

"طب متنساش المرتين اللي المفروض تيجي تغير فيهم على جرحك" هشام بضيق: "حاضر" توجه بضيق إلى المصعد. لحظات ووقف أمامه، فتح بابه ليقف أمام المرآة فيه وجه لوجه، لينظر إلى هشام وربما إلى حياته. نظر وأمعن النظر وهو يتفرس ملامح وجهه كأنه يرى وجهه لأول مرة. كالعادة وحيد، لم ينتظره أحد ولن ينتظره أحد.

زفر بشدة وهو يفكر فيما ينوي فعله، انتقامه من حازم. اليوم سيعود إلى منزله، وكل ما سيفعله أنه سيجمع أي صور لديه لمنّة ويقوم بفبركتها لتجمع حازم ومنّة. إذا كانت أسرة منّة تريد أن تعرف من الندل الذي تسبب في انتحارها، إذاً هو حازم. حازم الصاوي. ولن يفكر أن يفعل شيئاً بيده، فقط عدة صور تصل لأسرتها في رسالة تكفي بالغرض، وعندها ربما يخسر حازم حياته، وإن لم يخسر حياته، فبتأكيد سيخسر ندي إذا علمت أن زوجها تسبب في وفاة فتاة بعد الإيقاع بها وابتزازها.

فتح باب المصعد ليخرج. حينها استوقفه شيء. استوقفه خروج أب من المستشفى برفقة أبنائه. ذاك المشهد (حب الناس) ، عندما ترى أناساً حولك يحبونك ويقدرونك ولا ينتظرون منك شيئاً. عندما ترى الحب حول غيرك وقد حرمت منه. حينها علم هشام أنه حرم منه لأنه ربما لا يستحقه. ولكن لماذا حصل عليه حازم؟ هو أيضاً لا يستحقه. لا يجب أبداً أن يحصل على ما لا يستحق. زفر مرة أخرى بضيق، واستوقف سيارة أجرة إلى منزله. ***

في غرفتها وقد أغلقت عليها الباب وجلست أرضاً، لتفترش الأرض بالصور القديمة وتنظر لها ثم تبكي. صور جمعتها بعصام، وصور زفافها هي وحازم، وصور جمعتها بأشرف. وأخيراً أخوها، أو أول من نهش فيها هشام. أربعة رجال كانوا في حياتها. والأربعة أذاقوها ما يكفي. غير أنها لا تزال تحب عصام. ولما لا تحبه؟ وهو أول حب في حياتها، بل و ***

أول زوج في حياتها. حتى وإن أراد أن ينكر هذه الأيام أو ينسها، سيبقى أول رجل في حياتها. تلك الزيجة التي فشلت قبل أن تبدأ، لأن حازم كان له دوره حتى يفوز بها. وبعد زواجه منها، بات يلهث ورائها أشرف حتى أوقعها في شباك اللعبة القذرة المعتادة، إلى بيته بأي حجة، ثم عصير بمخدر، ثم اعتداء عليها، ثم تصوير وابتزاز.

تلك اللعبة القذرة المعتادة في تاريخهم، والتي لم تسلم امرأة عرفوها الأربعة منها. لتدمع عينها أكثر وهي تنظر إلى صورة تلك الطفلة الصغيرة، إلى ابنتها لوجي. كم كانت تتمنى لو أنها كانت أماً بصدق لها، ولكنها لم تكن. كم كانت تتمنى لو أنها أعطتها الحنان بدلاً من أن تتركها لندي لتربيها. فات أوان الندم. فاليوم هي لم تعد نيرة، باتت تنتقم من أشرف بخيانته. ولكنها ابتدأت تنتقم من نفسها. ***

بينما كان هذا حال نيرة، كان أشرف الذي أعلمها أنه سافر، يقيم هذه الأيام في شقة المعادي. تلك الشقة المشؤومة التي كانت فقط شقة من أجل الزنا. إنها شقة اللعبة القذرة. لم يفكر أشرف بامرأة إلا وطالعها إحساس يفرحه ويعوضه شيئاً من إحساسه بالنقص، إحساسه أنه عاقر ولن ينجب. واليوم بات الدور على الآنسة نفيين. بأي ثمن ستأتي؟ بأي ثمن ستقع فريسة اللعبة؟ عصير بمخدر، ثم اعتداء، ثم تصوير وابتزاز. زفر بشدة وهو يقول في نفسه: "متى، متى؟

متى أطولها وتكون بين يدي؟ متى، متى؟ ليحاول مرة أخرى الاتصال بأميمة، ولكن لا مجيب. زفر وقد كثرت محاولاته ولكن بلا جدوى. إذاً سيذهب إلى شركة الصاوي من أجل أن يعرف ما الذي حدث. *** وأخيراً تقابلا الأختان، بعد ما اتصلت ندي بنفيين من أجل الذهاب سوياً إلى الشركة، وبالتأكيد بعد معاتبة شريفة لندي. ولكن لا تزال ندي على موقفها، لن تتخلى عن زوجها التائب مهما كلفها الثمن. ندي وهي تدخل من بوابة الشركة: "هي دي بقى الشركة" نفيين:

"أيوه يا ستي، أول مرة تيجي مش كده" ندي بضيق: "ودي حتبقى بتاعة عمتو؟ تفتكري عمو طارق اللي حيمسكها" نفيين: "أفتكر إن الوضع حيفضل زي ما هو، لا عمو طارق يعرف يدير الشركة ولا مدحت ولا عمو نبيل" ندي: "معتقدش حازم حيوافق، هو قالي إنه ناوي يدور على شغل بره" نفيين: "أنا عاذراه في اللي بيعمله، بس أنا بالنسبة لي مؤيدة موقفك جداً في وقفتك جنبه، وبجد الله ينور عليكي، هو ده الكلام يا نادول" لتشرد ندي قليلاً ثم تعود لتسأل:

"ندي: نفيين فيه سؤال نفسي أسأله لك بخصوص عصام" نفيين بتلعثم وهو يفتحون باب المصعد ليصعدوا: "ماله عصام" ندي: "فيه حد بعت لك حاجة تخصه" نفيين باضطراب: "حاجة زي إيه" ندي وهي تفتح باب المصعد ليخرجوا: "زي ميموري عليها فيديو مثلا" لتتوقف الكلمات نفيين وتلجمها في مكانها: "وإنتي عرفتي حاجة زي دي منين" ندي وهي تمشي أمام أختها ليتحركا باتجاه مكتب حازم: "أنا عرفت لأن اللي وصلك الميموري دي وصلها لحازم"

تقدما باتجاه مكتب حازم وفتحا ودخلا. الاختان لتجلس ندي على مقعد حازم، ثم نفيين بأحد المقاعد المقابلة. ندي: "مالك سكتي ليه؟ إنتي كنتي متوقعة إن الفيديو وصلك لوحدك" نفيين بانزعاج: "أيوه أنا توقعت كده، رغم إن حازم سألني بس برضه، قلت مش ممكن حد يبعت لحازم حاجة زي دي، ومين أصلاً اللي بعت" ندي: "مش مهم على فكرة مين اللي بعت، وأنا مش شايفة إن السؤال ده له أهمية، فيه سؤال أهم يا نفيين" نفيين: "إيه يا ندي" ندي:

"ليه الحاجة دي اتبعتت ودلوقتي؟ واضح إن الفيديو متصور من زمان، يعني اللي عنده الفيديو كان ممكن يديه لحازم من وقتها، إنما دلوقتي ليه؟ وفي حاجة كمان" نفيين: "إيه" ندي: "تفتكري لو عصام فعلاً بيخون حازم حيصور نفسه مع مرات صاحبه وهو في الوضع ده؟ أكيد حد عمل كده في عصام، واللي عمل كده احتفظ بالفيديو عشان يفضل ماسكه على عصام، إنما ليه بقى؟ ده اللي أنا قادرة أفهمه. إلا لو كان أشرف هو اللي عمل كده عشان يلوي دراعها" نفيين:

"أنا دماغي سخنت يا ندي، أنا حاسة إني قاعدة مع المفتش كرومبو" ندي مبتسمة: "أصلي بصراحة حاسة إن الموضوع فيه، وحاسة كمان إن عصام مظلوم، لو كان عايز يخون حازم كان عنده فرص كتير، وغير كده طول عمر حازم مستأمنه على ماله وعمره ما عمل حاجة" نفيين: "أنا لما واجهته قالي... لتقطعها ندي وهي تقف في مكانها منزعجة: "وجهتيه" ندي: "نفيين أنا مكنتش أتوقع إنك تتكلمي معاه في حاجة زي كده، يعني عصام عارف إنك عارفة" نفيين:

"أيوه هو قالي إن ساعتها كان سكران ومش حاسس بنفسه، ومكنش يتوقع إنه يعمل كده" زفرت ندي وقررت أن تنظر إلى ما كتبه حازم فيما يخص الشركة، وبالتأكيد سيبقى هناك لغز، ولكن ستكشفه الأيام. ندي وهي تبحث في الأوراق: "فيه أوراق تخص مصنع اسمه DGT، الأوراق بتاعته مش موجودة قدامي" نفيين: "طب أنا حأشوفها على مكتبي عصام" توجهت لتخرج ثم التفتت لندي: "لو كده حيبقى فيه أوراق تخص المصنع ده لازم عصام يمضيها بحكم إنه المدير التنفيذي" ندي:

"طب خلاص كلميه وقولي له يجي يمضيها" نفيين بتردد: "لا طبعاً إنتي بتقولي إيه" ندي: "خلاص اطلبيه لي وأنا أكلمه" تعالت ضربات قلب نفيين وهي متوجه إلى مكتب عصام. فتحت الباب ونظرت إلى المقعد الفارغ ووقفت أمام المكتب وقالت في همس لنفسها: "وحشني أوي" زفرت بشدة وسحبت الأوراق وخرجت إلى مكتب حازم حيث ندي. نفيين: "الأوراق أهه وفعلاً ناقصة إمضية عصام" ندي بإصرار: "طب كلميه يا بنتي" نفيين وهي تخرج رقمه: "لو عايزاه يجي كلميه إنتي"

ندي: "طب اتصلي" *** بينما كانت نفيين وندي يحاولان الاتصال، كان عصام يقف شارداً في شرفة منزل والدته. كان سينفجر عقله من التفكير بنفس الأسئلة. لماذا أرسل أشرف الآن الفيديو؟ وهل يريد أن يؤذي نفيين بشيء؟ وهي عليه أن يسافر ويهرب أم يظل حتى يدافع عنها؟ لحظات وقاطعه من شروده صوت هاتفه. اتجه ليرد ليظهر رقم الشركة أمامه. عصام باستغراب: "الو، أيوه سلام عليكم" ندي بتردد: "وعليكم السلام يا أستاذ عصام، أنا ندي" عصام بانزعاج:

"أيوه يا ندي خير، في حاجة" ندي وهي تحاول جمع كلماتها: "اممم أيوه خير إن شاء الله، أصل فيه أوراق في الشركة كانت واقفة على إمضيتك وكان لازم تيجي تمضيها النهاردة" عصام بتردد: "طب ما هي إمضت حازم ممكن تنوب عني" ندي: "ما هو حازم مش موجود، مسافر ويمكن ميرجعش قبل بكرة، وبعدين الأوراق كمان فيها شيك" عصام متذكراً: "أيوه أوراق المصنع، أنا أسف جداً دي فعلاً كانت لازم تتمضي وأنا نسيته" ندي: "طب خلاص يا ريت تيجي ضروري، ممكن"

عصام بتردد وخوف: "طيب أنا حاجي على طول" أغلق الهاتف وهو لا يعرف كيف سيواجه، ولكن على الأقل عليه أن يذهب. *** بينما كانت ندي ونفيين في الشركة، وعصام وأشرف، كل منهم بطريقه إليها، كان حازم يصعد السلالم باتجاه مكتب المحامي نشأت نجيب. تقدم خطوات باتجاه مكتب السكرتيرة ليستعلم عن وجود المحامي. لحظات دخلت السكرتيرة وخرجت لحازم: "اتفضل هو مستنيك"

ليتقدم خطوات يضرب فيها قلبه بكل قوة من شدة الخوف والقلق. هل هناك مفاجآت أخرى أم ما عرف كان كافياً. حازم وهو يمد يده للمحامي مصافحاً: "سلام عليكم" نشأت: "وعليكم السلام، أنا منتظرك من الصبح" حازم: "معلش أصلي أول مرة آجي المنصورة، عقبال ما سألت على العنوان وعرفت أوصل" نشأت: "ولا يهمك، طبعاً حضرتك ناوي تفتح الوصية مش كده" حازم بتردد وقلق: "أيوه" نشأت وهو يفتح خزنة في مكتبه ويخرج منها بعض الأوراق:

"دي النسخة الأصلية محطوطة في ظرف، غير اللي والدتك أخدتها من شوقي. شوقي صور بعض أوراقها وأداها لمامتك بس هي قطعتها من غير حتى ما تقرا" زفر حازم وقد تعالت ضربات قلبه. مد يده ليمسك أوراق الوصية وفتح الظرف لينظر إلى محتوياته، والتي كانت: أوراق نص الوصية –خطاب لحازم –خطاب لفريدة –وأخيراً أوراق تخص ميراث حازم من والده، ميراثه الشرعي. أوراق الوصية كان مكتوباً فيها الآتي:

"أقر أنا رفعت حسان عبد الحميد والشهير برفعت حسان الصاوي أن كل ما امتلكته من مال لم يكن يخصني بشيء، وأنا المال هو ملك السيدة أحلام عبد الدايم عبد الحميد السنهوري. وهذا تنازل مني عن الشركة والفيلا وبعض الأصول والأوراق النقدية التي امتلكها اليوم، ولكنها ملك السيدة أحلام. وبهذا أرجو من أسرتي، ابني وزوجتي، تنفيذ وصيتي ورد الحق لصاحبته مهما كلفهم الثمن." إمضاء -رفعت حسان

أغلق حازم الورقة وقد أشعرته بوجود والده مرة أخرى، كأنه عاد اليوم على قيد الحياة. زرفت دمعة من عين حازم وهو يقول في نفسه: "حاضر يا بابا" نظر إلى بقية محتويات الوصية، إلى خطاب أبيه له ولأمه. وبكل ما امتلكه من فضول قرر أن يقرأ الرسالة. فتحها وقد بدأ يشعر بدموعه ليجد مكتوباً فيها: "ابني العزيز –حازم

بما أنك تقرأ جوابي، أبقى أنا الآن ميت. يعني اللي بين يديك الآن جواب من ميت. مات وما أخذتش من الدنيا غير عمله. ويا ريتني يا ابني فكرت في اللحظة دي بدري. أنا عارف دلوقتي إنك زعلان مني لأني مكنتش في نظرك الأب اللي ممكن تفتخر به. أكيد مكنتش فاكر أبداً إن الثروة دي والفلوس والشركة كان أصلهم مال مسروق ومن أرملة وثقت في أبوك. ثقة بدل ما خلتني أقف جنبها، خلتني أول واحد أضحك عليها. إذا قدرت توصل للست دي، رد لها فلوسها كلها

واطلب منها إنها تسامحني على اللي أنا عملته. أنا عارف إنك جايز تتعب لحد ما تقدر توصل لمكان أحلام، بس عايزك تحاول يا ابني، أرجوك حاول. وأنا عشمي بعد ما تبت أنا، ربنا قادر يحطها في طريقك عشان تقدر ترد الفلوس. أنا حاولت كتير طول ما أنا عايش إني أدور عليها، بس ساعتها مكنش آن الأوان. دلوقتي يمكن ربنا يقدرك تعمل اللي مقدرتش أعمله. يا ريت تدي والدتك جوابي وتقول لها هي كمان تسامحني. أنا عارف إن فريدة مكنتش عايزة كل ده يحصل.

وآخر حاجة يا ابني، أنا مكنتش كل فلوسي حرام. لا، فيه ورث يخصك ده حلال. اسأل عن واحد اسمه كمال. كمال رجب ده أعز صاحب ليا وعارف بموضوع الوصية وعارف إنك أكيد حتسأل عن أرضك. الأرض دي هي ميراثي من جدك وعمك كمال مراعيها لحد ما تأخذها منه. وفي مبلغ تاني كان تمن بيتي القديم في المنصورة وتمن حاجات كنت أملكها ومرضيتش أحطها مع فلوس أحلام. احتفظت بالمبلغ ده وديعة باسمك في بنك والتفاصيل موجودة عندك.

آخر كلامي ليك يا ابني، أنا عارف دلوقتي ثروتك قد إيه وعارف اللي اللي سايبه لك قد إيه، بس عايزك تفكر في راحة ضميرك، تفكر في رضا ربك عليك، تفكر يوم ما تسيب ولادك عايزهم يشوفوك إزاي، وعايز وقفتك بين إيدين ربنا تكون إزاي. وأخيراً عايزك تدعي لي ربنا يغفر لي ويقبل توبتي ويجعل مثواي الجنة. أبوك"

تذرف الدموع من عين حازم وتتساقط دمعة تلو الأخرى. لم يكسب أبوه من الحرام شيئاً ولم ينفعه ماله شيئاً. رحل تاركاً الحرام خلفه، ولعل من يدرك فينا يعتبر. (الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ)

************************************************** نظرت في الساعة وهي تجلس على مقعد زوجها. إلى الآن لا تريد الاتصال به ولا تعرف ما الذي حدث له. كانت تطأطأ قدمها في الأرض وقد بدت شاردة. لتقطعها نفيين. نفيين بفضول: "رحتي فين" ندي منتبهة: "هه لا أبداً، بأفكر في حازم مش عارفة أكلمه ولا أستنى لما يكلمني" نفيين: "طب تشربي حاجة" ندي بتقزز: "لا يا نفيين أنا حاسة إني حاجيب اللي في معدتي" نفيين بخبث: "هو حصل ولا إيه"

ندي مبتسمة وهي تهرب من الإجابة: "طب ماشي حأشرب شاي" ليقطعهم صوت هاتف ندي، والتي التقطته مندَفعة لتنظر إليه. وأخيراً حازم. لتنظر نفيين لندي: "طب أنا طالعة بكرامتي بدل ما أطرد، أنا على مكتبي بره" أومت ندي برأسها لترد: "ندي بسعادة: أخيرا" "أنا كنت هاموت من القلق عليك" حازم مبتسماً:

"معلش يا حبيبتي بجد أسف جداً جداً. أنا من الصبح ما قعدتش وأول ما وصلت للمحامي شوفت الوصية والحمد لله عكس توقعاتي ومش بس كده، لا ده كمان أخبار حلوة وحلوة أوي" ندي مبتسمة: "عموماً أنا كمان عندي أخبار حلوة، تقولي اللي عندك وأقولك اللي عندي" حازم ولا يزال على ابتسامته: "أخبار إيه يا ندي" ندي بخبث: "متستعجلش على رزقك، وأقول بقى اللي عندك" يلاحق حازم سعيداً:

"تخيلي طلع لي ورث في المنصورة، ورث حلال بتاعي، أرض بتاعة بابا وكمان فيه مبلغ تاني بابا كان شايله وديعة، والأهم إن كل ده حلال، يعني حتى لو حاجة صغيرة أهو أحسن من مفيش، ولا إيه" ندي وقد شعرت براحة في صوته وسعادته: "مبروك يا حبيبي، ده لازم وش البيبي اللي جاي" لتتعالى ضربات قلب حازم وتنساب ضحكات تلوها ضحكات على وجهه وهو يقول بفرط سعادة: "إنتي بتقولي إيه يا ندي، ده بجد ولا بتهزري" ندي وقد شعرت ببعض الدموع

في عينيها من فرط فرحتها: "لا والله بجد، أنا لسه عارفة الصبح قبل ما آجي الشركة، عديت على معمل تحاليل والحمد لله اتأكدت" حازم بسعادة بالغة: "يااااه يا ما أنت كريم يا رب. أنا بس كان نفسي أعرف وأنا جنبك مش في التليفون، عموماً تتعوض لما أرجع" ندي ولا تزال ابتسامتها على وجهها: "طب أنت حترجع إمتى؟ أصل البيبي من الصبح عمال يقول عايز بابا عايز بابا، دوخني بصراحة" حازم ضاحكاً: "بقي البيبي هو اللي عايز بابا" ندي: "البيبي وأمه"

حازم: "والله لو ينفع أرجع دلوقتي على طول كنت رجعت، بس لسه مش عارف ظروفي إيه" ندي: "ولا يهمك يا حبيبي، ارجع على مهلك وربنا معاك وإن شاء الله ترجع مبسوط من مشوارك" حازم: "عايزك تدعي لي يا ندي" ندي: "من غير ما تقول يا حبيبي، بدعي لك على طول" لتغلق ندي الهاتف لتقول في نفسها: "مدام حازم عرف يبقى لازم الباقيين يعرفوا، وطبعاً أولهم الآنسة نفيين"

توجهت إلى خارج الغرفة وفتحت الباب وتقدمت أمام مكتب نفيين لتقف أمامها وعلت الابتسامة وجهها. ندي: "نيفوا يا نيفو، أمال فين الشاي" نفيين: "أجيب شاي ولا شربات؟ اعترفي، اعترفي حالا، حصل ولا إيه" ندي بخجل: "حصل يا أختي، ارتحتي" لتتعالى ضحكات نفيين وهي ناسية أنها في الشركة وتجري من مكانها بسرعة لتحتضن ندي وقالت بفرحة: "وأخيراً حأبقى خالتو نفيين، ألف مبروك يا ندي، مبروك يا حبيبتي" ليقطعهم صوت لم يكونوا يتوقعوه. أشرف

بخبث وهو ينظر إلى الاثنين: "مبروك يا مدام ندي، ألف مبروك" لتلتفت ندي وقد تسمرت في مكانها هي ونفيين. ندي: "أشرف" نفيين بانزعاج: "أشرف" أشرف وهو يتفحص المكان ببصره: "أهلاً، إزيك يا مدام ندي، أنا مكنتش فاكر إن وشي حيبقى حلو عليكم كده" ندي وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: "أهلاً، خير يا أستاذ أشرف" أشرف وهو يتفحص نفيين بنظره: "خير يا مدام ندي، أنا كنت جاي لحازم عايز أقابله" نفيين بضيق:

"هو مش موجود، تقدر تتفضل حضرتك، ولما يرجع أبقى قابلوا، واحنا حنبلغه إن حضرتك جيت" ليزفر أشرف وقد لاحظ عدم وجود أميمة، ثم يعود للنظر إلى نفيين، نظرات أخافت الأختين ليقطع صمته: "طب أنا ممكن أشرب شاي معاكم لحد ما حازم يرجع أو حتى عصام يجي، ولا إيه" ليقطعه عصام: "ولا إيه يا أشرف" لتتنهد الأختان وقد قرر الثلاثة ندي ونفيين وعصام أن يتصرفا وكأن شيئاً لم يكن. ناظراً إلى نفيين، عصام: "حازم رجع" نفيين لعصام:

"لا يا مستر عصام، والأوراق موجودة على مكتبك" ثم تتقدم خطوة لتفتح له الباب وهي تكمل: "وكويس إن حضرتك متأخرتش عشان الأستاذ أشرف كان عايزك" ناظراً إلى ندي: "إزيك يا ندي" ندي لعصام: "إزيك يا عصام، إحنا مستنينك من الصبح" عصام: "كنت بخلص حاجات للشركة وجيت على طول"

ليشعر أشرف حينها، والذي كان بصره معلقاً بعصام، أن دلواً من الماء البارد قد سُكب عليه. فعل كل ما فعل ودفع لأميمة كل ما دفع، وبالنهاية أميمة ليست بالشركة وعصام ونفيين يتحدثان أمامه وكأن شيئاً لم يكن. من فرط صدمته ظل واقفاً في مكانه ولا يعرف ما يقول. اقترب عصام منه وجذبه من ذراعه ثم نظر لنفيين: "اطلبي لنا شاي عشان أشرف نفسه يشرب شاي" سحبه إلى مكتبه وأغلق الباب خلفه. عصام بضيق: "عايز إيه يا أشرف، إيه اللي جابك الشركة"

أشرف: "أبداً، كنت عايز حازم في شغل" عصام ببرود: "وأيه علاقة شركة السياحة بشركة استيراد تربينات" أشرف متلعثماً: "لا ده موضوع بيني وبين حازم" ثم مغيراً للموضوع: "أمال أنا شايف الدنيا حلوة أهو وكلكم في الشركة، هي ندي حتشتغل هي كمان هنا ولا إيه" عصام ببرود: "وإنت مالك" أشرف بضيق: "أصلي مش شايف أميمة، بأقول شكل حازم مشاها وشغل ندي مكانها" عصام وقد فهم أنه على علاقة بأميمة بالتأكيد بعد سالي:

"والله المال ماله والشركة شركته، هو اللي يقول مين يقعد ومين يمشي" أشرف ببالغ ضيقه: "بقي كده" عصام وهو يقترب منه متحدياً: "أيوه كده" التفت ليخرج أشرف، فقرر عصام أن يستوقفه: "مش ناوي تبارك لي" أشرف بضيق وهو يلتفت: "على إيه" عصام بنفس نظرة التحدي: "أصل خطوبتي على نفيين كمان أسبوعين، أحب أسمع مبروك" زفر أشرف ببالغ ضيقه: "مبروك يا عصام"

ناظراً بكل غل وشاعراً بكل حقد. كان هذا هو حال أشرف وهو يخرج من غرفة عصام ليجد أن ندي ونفيين ليسا موجودين. فينظر إلى الغرفتين المتجاورتين وقد قال في نفسه. أشرف بكل ما تحملته نفسه من غل وضيق: "إن ما حرمتك منها مبقاش أنا أشرف" *** إلى المنصورة باحثاً عن كمال رجب. يظل يجوب حازم شوارع المنصورة، وأخيراً كان قاب قوسين أو أدنى من أذان العصر. طرق الباب منتظراً إجابة لتتقدم امرأة في سن والدته تقريباً لتفتح الباب.

حازم لمن فتحت الباب: "السلام عليكم، يا ترى دي شقة الأستاذ كمال رجب" لتطيل المرأة النظر لوجه حازم كمن تحاول أن تستجمع ملامحه: "إنت ابن رفعت" حازم: "أيوه أنا حازم ابن رفعت، رفعت حسان" لتفتح المرأة الباب وتتجه للداخل وهي تقول: "اتفضل يا ابني" تنادي على من كان بالداخل: "السيدة: يا كمال يا كمال تعال شوف مين اللي جه" ليأتي رجل في الـ 57 من عمره ليتقدم إليها: "في إيه يا كريمة مالك بتنادي عليا ليه" كريمة:

"مش حتصدق مين في الصالون" كمال: "مين يعني" كريمة: "حازم ابن رفعت" كمال مبتسماً: "يااااااااااه أخيراً جه، يا رب يكون ناوي ينفذ وصية أبوه" ليتقدم نحو الصالون ليسلم على حازم. كمال وقد مد يده ليسلم، بينما كان يريد أن يحضنه. كم كان يشبه والده ويذكره بصديق عمره: "إزيك يا ابني، ياه عاش مين شافك، عارف أنا آخر مرة شوفتك كان عندك كام سنة، كان عندك ساعتها 3 سنين"

ليشعر حازم بألفة لم يشعر بها من قبل وهو يمد يده ليجد ترحاباً بالغاً، وعندها رد: "إزيك حضرتك يا عمي، اعذرني إني الحقيقة مش فاكر" كمال ضاحكاً: "وإنت ساعتها يعني كنت عارف مين اللي شايلك" تنهد وهو يكمل: "ها ما شاء الله كبرت يا حازم، اتجوزت ولا لسه" حازم: "اتزوجت ومعايا لوچي عندها ست سنين" كمال: "ربنا يبارك لك فيها وتفرح بيها وتخويها قريب إن شاء الله" حازم: "إن شاء الله" كمال: "يا رب تكون جاي عشان تنفيذ الوصية" حازم:

"أيوه أنا فعلاً جاي عشان ناوي أنفذها" كمال: "لقيت الست اللي اسمها أحلام؟ ولسه حتدور عليها، ده أبوك قلب الدنيا عليها عشان يرد لها الفلوس وكأنها فص ملح وداب" حازم مستغرباً: "لا أنا لقيتها والمحامي لقيتها، عموماً حتى لو مكنتش لقيتها كنت حأدور عليها، قولي يا عمي هو إنت شفت بابا الله يرحمه قبل ما يموت" كمال باسئ:

"أيوه رفعت في آخر أيامه كان بييجي المنصورة كتير لأنه كان بيدور على أحلام ولأنه كان عايز يرد الفلوس بأي شكل، بس إنت اتأخرت أوي" حازم: "معلش أنا مكنتش أعرف إلا يمكن من مدة بسيطة، وأول ما عرفت جيت على طول" لتقطعهم كريمة: "الغداء يا كمال" وقبل أن يتحدث حازم بشيء استوقفه كمال: "قوم نأكل لقمة الأول وبعدين تحكي لي وتقولي ناوي تعمل إيه" حازم: "بس —يعني" كمال: "لا بس ولا يعني، يلا يا ابني قوم وبعد كده يحلها ربنا" ***

طرق باب المكتب وهو لا يعرف ماذا يقول. لحظات وتقدمت نفيين لتفتح الباب. لم تستطع أن ترفع عينيها نحوه، بينما تعالت نظرة عتاب قد ملئت عين عصام. بما كان يشعر للحظة تعاتب العيون، ثم خفض كل منهم بصره ليتجه عصام إلى ندي متحدثاً. عصام باستفهام: "إنتوا حتروحوا إزاي؟ أنا مشفتش عم إبراهيم ولا حتى عربية حازم" ندي: "حـ نركب تاكسي، إحنا أصلاً جينا مواصلات" عصام باستغراب: "طب ليه حازم مخلاش السواق يوصلكم" ندي وهي تنظر لنفيين:

"ما هو أصل —أنا أصلاً كنت عند مامتي" عصام مستفهماً: "هو حازم طلقك يا ندي، أصله كان قالي كده، بس لو كان كده فأنا شايف إنك هنا، أنا مش فاهم حاجة، بس على أي حال إزاي حتروحوا" ندي: "لا مفيش طلاق، دي كانت مشكلة وانتهت، وبعدين متشغلش دماغك، إحنا حنركب تاكسي ونروح على طول" عصام مترجياً: "طب أنا عارف إنكم مش حترضوا، بس أنا بارجوكم بجد توافقوا إني أوصلكم" نفيين أخيراً تحدث: "ليه يعني؟ ما إحنا حنركب مواصلات وخلاص" عصام بقلق:

"طب لو مصممين يبقى أنا حاطلع وراكم بالعربية أتأكد إنكم وصلتوا" ندي باستغراب: "وليه كل ده؟ إنت قلقان من حاجة" عصام بتردد: "لا بس -أنا مش حينفع أسيبكم تروحوا لوحدكم، اختاروا بقى تركبوا معايا ولا أجى وراكم"

نظرت كل منهن للأخرى، ورغم أنه لم يقل شيئاً، إلا أن ندي ونفيين شعرا بقلقه الواضح، وخصوصاً بعد ما رأى أشرف. حينها تذكرت ندي نظرات أشرف لنفيين وفهمت ما كان يفكر فيه عصام. ورغم أن المبدأ بالنسبة لها مرفوض، إلا أنها قررت الموافقة على إيصالهم على الأقل إلى منزلهم، ثم تعود ندي لتركب مواصلات إلى بولاق. ندي لعصام: "خلاص ماشي يا عصام، ممكن نركب معاك" لتقاطعها نفيين: "إيه يا ندي اللي إنتي بتقوليه ده" ندي لتفيين:

"إحنا حنركب في الكنبة اللي ورا، وبعدين إحنا حنركب سوا لحد البيت وننزل عند بيتنا" عصام قبل أن يسمع رداً آخر من نفيين: "طب يلا بينا، أنا مستنيكم تحت" خرج مسرعاً باتجاه سيارته، لتستوقف نفيين ندي. نفيين: "إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ إحنا حنركب معاه بجد" ندي: "عارفة ليه عصام عايز يوصلنا؟ لأنه خايف يكون أشرف مستنينا وعايز يغلس علينا، وأنا كمان كنت شايلة هم إنه يكون مستنينا، وبصراحة كويس إن عصام فكر كده، أنا كده ارتحت"

زفرت نفيين بشدة وهي يغلقان باب المكتب وشردت ولم ترد، وتوجهت مع ندي ليركبا السيارة. كان حينها أشرف منتظراً فعلاً في سيارته يراقب من خارج، وخرج، بل ومشى خلفهم بسيارته. ***

أمام حاسوبه مرة أخرى، ومرة أخرى يعد فلاشته الجديدة. هذه المرة ليست بصور مفبركة لندي ولا لحازم، بل لمنّة. جمع الصور التي كانت تخصه هو ومنّة، وللحظة جلس وقد بدأ يشاهد الصور. أسند ظهره إلى الخلف وهو يشاهد صورة صورة، ليتابع ملامح منّة. ذلك القلب الذي خسره ولن يعوضه. لتزرف دمعة سقطت سهواً من عينه. لا يعرف لماذا سقطت. أكانت لحظة استيقاظ ضميره الميت، أم قلبه قد تحرك بين ضلوعه ليذكره بحبها؟

صدقاً أحبها، ولكنه لم يحبها. خانها وغدر بها وابتزها، ثم تركها لتتوجه وحدها مصيرها، فلم تجد سبيلاً أمامها سوى الانتحار. زفر وهو يمسح بيده تلك الدمعة التي سقطت سهواً.

اعتدل مرة أخرى أمام الحاسوب لفتح البرنامج الخاص بفبركة الصور والفيديوهات، ويبدأ بإدخال صورة حازم في مكانه ليعد بيده حتى تبدو الصورة كالحقيقية، ثم يحفظ الصورة ويعاود ليكمل صورة تلو صورة، ثم صورة تلو صورة، حتى أنهى ما أعد من صور وفيديوهات، كلها أصبحت تجمع منّة بحازم. ويجمع أخيراً كل ما فبركه بيده. ثم يقوم بوضعهم على الفلاشة والنقر على زر الحفظ. لحظات وباتت الفلاشة جاهزة. اليوم أو الغد ستصل إلى عم منّة. غداً سيعلم ممدوح الدريني من الذي كان سبباً في انتحار ابنة أخيه، من الذي غدر بها وكان سبباً في موتها. إنه حازم رفعت الصاوي.

*** بينما كان هشام ينهي ما أعد من أجل حازم، كان ممدوح الدريني في مكتبه يزفر بشدة ولا يزال يفكر فيما حدث. ولن ينسى أبداً أن زهرة العائلة منّة قد قطفت وغدر بها بتلك الطريقة. وأخيراً عرف من فعل هذا، وأخيراً سينتقم، ولن يضيع شرفها هدراً، ولن يضيع عمرها هدراً. اليوم أو الغد سيدفع هشام وأخته وزوجها الثمن. ليقطعه من شروده طرق الباب لتدخل سكرتيرته. ممدوح: "أيوه يا أميمة، فيه حاجة" أميمة: "أيوه يا ممدوح بيه، فيه خبر مهم"

ممدوح: "خير يا أميمة" أميمة: "هشام خرج النهارده من المستشفى" ممدوح بنظرات مترقبة: "النهاردة" أميمة: "أيوه" ممدوح: "أخبار هيثم مع اللي اسمها نيرة إيه" أميمة: "هو خلاص جهز الـ CD اللي حضرتك طلبته منه، بس مستني تقوله إمتى يوزعه في النادي وهو يوزعه" ممدوح: "أنا عايز نيرة تتفضح هي وجوزها. أما أخوها ده بقى فحسابه معايا حاجة تانية خالص. اللي اسمه أشرف ده حاول يكلمك تاني" أميمة:

"لا بعد ما حازم مشاني امبارح، أنا شلت الشريحة اللي كان معاه رقمها، بس يا ريت نتحرك بسرعة، لأني خايفة إن اللي اسمه أشرف ده يكون بيفكر يأذي نفيين" ممدوح: "طب إنتي مفكرتيش تكلمي عصام أو حازم تقوليلهم" أميمة:

"أنا مكنتش عارفة حأمشي إمتى وكنت خايفة أكشف نفسي، على العموم أنا ناوية أحذر عصام إن أمكن وأقول له كمان إن أشرف قاعد في شقة المعادي. على فكرة أنا لما عرفت أخد المفتاح من أشرف، هيثم راح فتش الشقة، كنا ساعتها فاكرين الصور والفيديوهات متخبية هناك، بس ملاقيناش حاجة. لحد ما طلعوا مع حازم" ممدوح: "أنا مش عارف من غيرك يا أميمة كان ممكن أعمل إيه" أميمة:

"متنساش يا ممدوح بيه إن منّة كانت صحبتي وهي اللي وقفت جنبي في موضوع الشغل هنا. منه لله هشام اللي كان السبب في اللي حصل، بس آخر حاجة أنا متأكدة منها مليون في المية إن عصام وحازم ملهمش دعوة بالموضوع" ممدوح: "مدام خلاص اتأكدت مين اللي عمل كده، خلاص أنا عارف حأعمل إيه" *** عائدون من صلاة المغرب باتجاه شقة كمال. كان هذا حال حازم وكمال. كمال: "إنت كده كده مش حتعرف تشوف الأرض النهارده" حازم بضيق:

"بس أنا مكنتش فاكر إن الأرض عليها مشاكل" كمال: "متشغلش دماغك، الموضوع مش كبير، ومين عارف يمكن تتحل والارض تدخل كاردون مباني وساعتها سعرها يزيد ولو اتباعت تجيب مبلغ كويس" حازم: "يا رب، عموماً أنا بأحمد ربنا إنه طلع في حاجة ممكن يعتمد عليها حتى لو حتاخد شوية وقت، بس أنا شكلي كده مش حأعرف أروح النهاردة" كمال وهو يفتح باب شقته ليدخل حازم وهو: "إنت حتبات معانا النهارده وبكرة الصبح نروح سوا نشوف الأرض"

زفر حازم ببعض الضيق وبعد ما تأكد أنه مضطر للمبيت. لحظات وحضر كمال أحد غرف منزله ليبيت فيها حازم. دخل حازم إلى الغرفة وأخذ أحد البجامات التي أعطته إياها كريمة لينام فيها. وبالطبع فكر أن يتحدث إلى ندي ليعلمها أنه مضطر للمبيت في المنصورة. حينها كانت ندي تجلس على السرير لتدخل عليها محاسن ولوجي. لوجي: "هو إنتي حتجيبي نونو بجد يا مامي" ندي مبتسمة: "أيوه يا لوجي، إنتي مبسوطة" لوجي: "أوي أوي يا مامي، ندي أنا عايزة ألعب بيه"

ندي: "ماشي بس إحنا حنتفق مع بعض اتفاق" لوجي: "إيه هو" ندي: "إنتي اللي حتحفظي النونو القرآن" لوجي: "بس أنا بحفظ ساندي" ندي: "تحفظي ساندي والنونو" لوجي: "ماشي" محاسن: "ربنا يكرمك يا بنتي ويتمم حملك على خير" ندي متنهدة: "يا رب يا دادا، يا رب" ليقطعهم صوت الهاتف فتنظر ندي إلى الهاتف مبتسمة. حينها وجهت دادا محاسن كلامها للوچي: "تعالي معايا يا لوچي، عارفة حنعمل إيه" لوجي: "إيه" محاسن بفرح: "لقمة القاضي" لوجي بفرح:

"يلا بينا" لا تستطيع ندي رفع صوته: "ندي: أيوه يا حبيبي، إيه مش حتيجي النهارده" حازم: "منفعش خالص يا ندي، ربنا بقى اللي يعلم حنام إزاي أنا دلوقتي" ندي مبتسمة: "عادي، حتغمض عينك تروح نايم" حازم: "مش حأقدر والله ما حأقدر" ندي بضحك: "طب أجلك أنا" حازم مازحاً: "يا ريت، أنا أصلاً كلمتك قلت يمكن أعرف أنام لما أسمع صوتك" ندي مازحة: "إيه ده كله؟ إيه ده كله؟ هي المنصورة تعمل كل ده؟ لا أنا كده عايزك تسافر على طول" حازم:

"بقي كده، طب مش قايل حاجة، أنا غلطان؟ بقي أنا مش عارف حنام إزاي وإنتي عايزاني أسافر على طول" ندي: "طب والله وحشتني أوي أوي أوي" حازم مبتسماً: "طب أنا لو أعرف إن سفري حيعمل كده كنت سافرت على طول" ندي وهي تضحك: "بقي كده، طب ماشي" ***

إلى منزلها تجر أقدامها جراً من شدة التعب. لم تعد تعرف للراحة طعماً ولم تعد تعرف أي معنى للحياة. إنها الوردة اليانعة التي ذبلت قبل أوانها. إنها ابنة الخامسة والعشرين من عمرها، لكن من يراها لن يعتقد إلا أنها امرأة عجوز كبرت فوق عمرها سنوات وسنوات. حملت الهم والغم وحدها وتحملت ما لا يستطيع أن يتحمله بشر. بعد ما كانت منة الدريني الفتاة المدللة، باتت منة مجرد عاملة نظافة في إحدى المستشفيات تتخفى من أنظار الناس حتى لا يعرفها أحد، وحتى من يراها لن يعرف أنها هي. لقد تغيرت ملامحها وحملت هم نفسها بل وابنها المريض. طفل في عمر الزهور لم يكمل من الحياة أربع سنوات، ثمرة خطيئتها مع من كانت تظن أنه رجل.

اقتربت من سرير طفلها ونزلت إلى ركبتها لتمسح على شعره وأمسكت يده الصغيرة بين يديها وهي تحاول كتمان دموعها لتسمع صوت ابنها الصغير خافتاً: "إنتي جيتي يا ماما" منة وعيناها دامعة: "أيوه يا حبيبي أنا جيت، عايز حاجة" ابنها مبتسماً: "لا" لتُقطعها امرأة مسنة كانت تجلس عندها: "إنتي جيتي يا منة" منة: "أيوه يا ماما زينب جيت" زينب: "وعملتي إيه في موضوع الإجازة يا بنتي" منة:

"زي كل مرة، مدير المستشفى هزقني وقالي مفيش إجازات، وإن كان عاجبك على كده" زينب وهي تربط على كتفها: "معلش يا بنتي بكرة تتعدل" منة باكية: "يا رب تتعدل بقى، أنا تعبت ومبقتش عارفة إمتى حتتعدل، ومش عارفة مين حاخد زين بعد بكرة المستشفى عشان الجرعة بتاعته" زينب: "قومي اغسلي وشك وتبات نار تصبح رماد يا منة"

لتتجه منة إلى الحمام توضأت وصّلت ثم توجهت إلى السرير. وضعت يدها على خدها ليأتيها كعادة كل ليلة شريط الذكريات. فتحاول أن تغمض عينيها حتى تنسى، ولكنها إلى هذه اللحظة لا تستطيع النسيان. لماذا غدرت بي يا من كنت أحب إنسان إلى نفسي؟ لماذا؟ لماذا؟ لا إجابة ولن تجد يوماً من يجيب. لتشرد بعيداً إلى ذكرياتها. لتسمع بأذنيها ضحكات. هشام وهو يلفها بذراعه: "منون يا حبي، قولي لي بقى لما نتجوز تحبي نجيب صبيان ولا بنات"

منة وهي تلف يدها على خصره: "أنا بأحب البنات أكتر" هشام مازحاً: "أنا كمان بأحب البنات أوي" لتضربه على كتفه: "لا إنت بعد النهارده تنسى البنات خالص، فاهم ولا إيه" هشام: "أنا فعلاً نسيتهم خلاص من يوم ما عرفتك يا منون، وأقول لك على حاجة، أنا عايز ولادنا كلهم يكونوا صبيان" منة: "طب لما نجيب ولد حنسميه إيه" ليشرد هشام وكأنه يفكر: "نسميه، نسميه زين" منة: "اشمعنى زين" هشام: "مش عارف، أنا عايز ولد وبنت، عايز زين وزينة"

لتتعالى ضحكات منة: "إنت عايز الزين والزينة" هشام: "أيوه، أنا عايزهم عشان أبقى أغني لهم الزين والزينة" وضعت يدها على أذنيها كي لا تسمع. ما الذي حدث ليتغير كل هذا؟ أم هي ابتداء المذنبة؟ هي من تنازلت مرة لتتتابع التنازلات حتى هوت في طريق السقوط، وكان سقوطاً بلا رجعة. ليأتي عليها يوماً تجد نفسها أرخص عنده حبات رملاً يدوسها بقدمه على الطريق. ليأتي ذلك اليوم الذي باتت تنتظره في شقة المعادي ولم يأتي، بل أتى.

لتسمع صوت المفتاح في الباب وهو يفتح. تتوجه ناحية الباب مستقبلة هشام، ولكنه لم يكن هشام، بل كان أشرف. أشرف مبتسماً بخبث: "مستنية حد يا منون" منة: "إنت إيه اللي جابك هنا يا أشرف" أشرف: "جاي أشتري جبنة، حاكون جاي ليه يا منة" لتستشعر منة الخوف منه وتحاول الخروج فيستوقفها وهو يجذبها من ذراعها. "إنتي ناوية تعملي شريفة معايا يا منون؟ إيه هو حلال لهشام حرام لـ آمنة؟ منة بخوف: "هشام يبقى جوزي" أشرف:

"والله حتة الورقة المضروبة دي سمّتيها جواز؟ طب تعالي معايا وأنا أكتب لك عشرة" ليجرها إلى غرفة النوم وهي تصرخ: "لا يا أشرف أرجوك، سيبني يا أشرف سيبني" لكنه لم يسمع ولن يسمع. حاولت وحاولت وحاولت، ولكنها لم تستطع. لحظات عوض فيها أشرف حرمانه ونال ما أراد، ثم قام عنها دون مبالاة بحالها.

ابتسم وتركها ورحل، لتتوالى لحظات السقوط في بئراً عميق لم تجد ملاذاً منه إلا الهروب وهي تقول للجميع أنها انتحرت. قالت أنها ستموت ولم تكذب، فلقد عاشت الموت بكل معانيه. عاشته حين سلمت نفسها إلى غادر ظنته رجلاً، وعاشته حينما استسلمت لطريق المعاصي معصية تلو الأخرى. ذاك الطريق الذي على بابه يقف الشاب الوسيم نظيف الطلة ومصطنع الرجولة ليغدق رفيقته بكل معاني الحب الكاذبة فقط من أجل اللعبة القذرة. تصدق بعضهن ظناً منها أنه الحب الذي تريده وتسمع عنه، فتعدو نحوه مسرعة دون أن تنظر أسفل قدميها، فبريقه يخطف بصرها لتسقط في مقدماته سقطة تلو السقطة.

–نعم، فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، والأذن تزني وزناها السمع. فتتنازل وتتنازل وتتنازل حتى تأتي اللحظة المدوية، لحظة السقوط ذاتها، فتسقط، وإن سقطت تتوالى السقطات لطريق فرّش في بدايته بالورد، ثم جرحت أقدامها من الشوك. لأنها نسيت أنه لا فرق بين مقدمات السقوط ولحظة السقوط ذاتها، فكل عند الله اسمه *** زنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...