الفصل 13 | من 23 فصل

رواية قبل فوات الأوان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رانيا الطنوبي

المشاهدات
19
كلمة
7,791
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

الاضطراب مسيطر عليها، كل دقيقة تنظر إلى الساعة وتحاول أن تسمع هل خرج أم لا يزال موجودًا. تذهب يمينًا تارة، ويسارًا تارة أخرى في محاولة منها لتهدئة توترها، ولكنها لا تستطيع. شعر زوجها بتوترها، قاطعها متسائلًا. طارق: مالك يا أحلام؟ مش على بعضك ليه؟ أحلام: لا أبدًا، مفيش حاجة. طارق: هو مين اللي جاي؟ أحلام: هه، معرفش يا طارق. —ربنا يستر.

بينما كان الاضطراب مسيطرًا على أحلام، كان الضيق والغل هو المسيطر الأكبر على فريدة. لم تتوقع طيلة حياتها أن يتعامل معها حازم بهذه الطريقة، ولم تتوقع ذلك التغيير في حياته مطلقًا، وكأن عدوة ندي انتقلت من لوجي لحازم. حينها قاطعها هشام. هشام: روقي يا آنسة فريدة، أنا مبحبش أشوفك كده. ثم نظر إلى جوليا التي كانت قد انتهت من توضيب حقيبتها. هشام: حتعملي إيه دلوقتي؟ جوليا: بـأنزل بـأوتيل اليوم وبـأسافر بكرة. فريدة:

(منتفضة من مكانها) ده بيتي أنا يا جولي. لو حازم مش عاجبه يمشي هو. هشام: (بخبث) تؤتؤ، لا يا آنسة أنتِ كده حتخليه يعاند أكتر، وممكن بسبب كلامك ده يتجوز ندي. مش أكتر. إحنا دلوقتي لازم نهدي ونشوف حنتصرف إزاي. وإذا كان على جوليا، أنا حـأوصلها للأوتيل ومتقلقيش عليها. فريدة: (وهي تزفر) أنا خلاص مبقتش عارفة أعمل إيه مع اللي اسمها ندي دي. هشام: معقولة يا آنسة، بقي اللي اسمها ندي دي تنرفزك كده؟

عمومًا، سيبـيلي الموضوع ده. أنا في حاجة كده أعرفها عن ندي، ناوي أوصلها لحازم. أعتقد لو عرفها ممكن تنهي الموضوع. فريدة: (ببعض الابتهاج) حقيقي يا هشام؟ إيه هي؟ هشام: اصبري كده يا آنسة، لما أتأكد من مصادر معلوماتي، وساعتها أوعدك إني حـأنهي الموضوع. التفت لجوليا. هشام: يلا يا جولي. فريدة: باي يا جولي، وابقي طمنيني عليكي.

—لا زالت تشعر أن كلماته ألجمتها. تحاول أن تستجمع الكلمات لكي ترد، لكن دقات قلبها أبت، وقررت أن ترد عنها. ساد الصمت، ولم يسمع ردها. حاول أن يقطع الصمت بأن يعيد جملته مرة أخرى. حازم: بصفتك مدام حازم رفعت الصاوي يا ندي، ومش بأي صفة تانية. لم تكن بحاجة إلى أن تتأكد من كلماته، فقد اخترقت أذنيها بما يكفي. كانت تكفيها صدمة وجوده في بيتها. كان أقصى توقعاتها حين رأته أنه جاء ليعتذر عما بدر من والدته، لا طلبًا في يديها.

قطع صمتها للمرة الثالثة. حازم: عمومًا، أنا عارف إن الرد عليا دلوقتي صعب. وكل اللي أنا عايزه إنك تفكري في طلبي وتفكري بعقلك قبل قلبك. مع إني عارف إن كده طلبي حيكون أصعب، بس أنا عايزك توافقي وأنتِ متأكدة إني حـأعمل المستحيل عشان أبقى أستاهلك. مع إني عارف يا ندي، إني مهما عملت، بردوا مش حـأستاهلك. أخيرًا خرج صوتها متسائلة. ندي: طب وجوازك من جوليا؟

حازم: الاسم ده، أنا طردته من حياتي كلها من يوم ما شفتك. وأوعي تفتكري إني ظلمتها، بالعكس. بس، وعموماً، كلمي دادة محاسن واسأليها، هي حـتحكيلك اللي حصل عشان يمكن متصدقنيش. ندي: إيه اللي حصل؟ حازم: أنا طردتها النهاردة من البيت. وعموماً، أوعدك إني أحكيلك كل حاجة. بس دلوقتي، ممكن أعرفك حـتفكرى في طلبي ولا لأ؟ امتلكت ندي التردد، ولم تجد ردًا. فقاطعها مرة أخرى. حازم: طب ممكن أطلب منك طلب؟ ندي: اتفضل.

حازم: ممكن تبقي تأخدي الكارت اللي في الورد وتقريه وتفكري في اللي مكتوب فيه كويس؟ نظرت ندي إلى ناحية الورد، ثم نظرت ناحيته وأومأت برأسها. حينها دخلت شريفة ونفيين محاولين فتح أي حوار عن أي شيء. شريفة: ولوجي عاملة إيه يا أستاذ حازم؟ حازم: الحمد لله كويسة. نفيين: هي عرفت إن ندي مشيت؟ حازم: عرفت. في الأول عيطت جامد أوي، وبعدين هديتها وأكدتلها إن ميس ندي إن شاء الله حـترجع وتعيش معانا على طول. وساعتها قعدت تتنطط من الفرحة.

ابتسمت نفيين وشريفة لكلماته، واتجه ببصره ومن قبله حازم إلى ندي، التي باتت تشعر أن درجة حرارة وجهها أعلى من درجة غليان الماء. حينها قرر حازم أن يستأذن، وتوجه لباب الشقة، واتجهت معه شريفة وخلفها نفيين. حينها توجهت ندي من ورائهم باتجاه الورد لتأخذ الكارت. حينها التفت حازم التفافة أخيرة ليرآها. وما أن رآها حتى ابتسم، وشعرت حينها بالإحراج أنه لاحظها. فاطبقت يدها على الكارت حتى لا تلاحظه أمها أو أختها، وأغلق الباب.

شريفة: وبعدين بقي في اللي حصل ده؟ نفيين: إيه يا ماما؟ هو حازم مش عاجبك ولا إيه؟ شريفة: يعني آخرتها أختك تاخد واحد كان متجوز وعنده بنتين؟ نفيين: وإيه المشكلة لو بيحب ندي وبنته كمان بتحبها؟ فيها إيه؟ لم تسمع ندي كلماته. كل ما كان يجول في خاطرها أن تدخل غرفتها وتقرأ المكتوب في الكارت، ولكنها شعرت أن هذا سيشعرهم بشيء. فقاطعت الكلام. ندي: أنا داخلة الحمام أغسل وشي.

ووضعت الكارت في جيب عباءتها، وتوجهت لتغسل وجهها. نظرت إلى المرآة، كم كان وجهها أحمر من شدة الخجل. حينها أغلقت الباب جيدًا، وفتحت الكارت لتجد كلماته: (أوعدك من النهاردة مفيش ولا حازم الزاني ولا حازم الخاين. من النهاردة مفيش غير حازم التايب. حازم اللي اتولد على إيدك من جديد.) لم تعرف أتفرح أو تبكي، أتصدق أم تكذب؟ لكن كل ما قالته: "ياريت يا حازم، ياريت."

—مر أسبوع على زيارة حازم. كل يوم يفكر حازم أن يتصل، ولكنه يتراجع عند آخر لحظة، ويقول في نفسه: "أديها فرصة النهاردة كمان." بينما ندي، تقريبًا طيلة هذا الأسبوع لم تستطع التوقف عن التفكير والاستخارة. كل يوم، بل كل ساعة. علا صوت نفيين لقطعها من شرودها. نفيين: مش حتيجي تشوفي الرؤية بتاعة رمضان؟ ندي: ما هم قالوا بعد بكرة. نفيين: أيوه، ما أنا بحب أسمع

الراجل اللي بيطلع يقول: "غدًا المتمم لشعبان"، وبعد غد هو أول أيام رمضان. أعاده الله على الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات. ندي: (بضحك) طب يا ستي، كل عام وأنتِ إلى الله أقرب. نفيين: مفيش كمان كده؟ والسنة الجاية أكون في بيت العيد! ندي: بيت العيد يا رب! بس ساعتها يطلع عيد. قاطعها صوت الهاتف، فنادت شريفة على ندي. شريفة: ندي، تليفون. ندي: (وشعرت بالتوتر) مين يا ماما؟ شريفة: الحاجة أماني.

تجهت ندي ببعض الهدوء، واستلمت الهاتف ودخلت به إلى غرفتها. بينما اتجهت نفيين للتلفزيون وشريفة للمطبخ. ندي: سلام عليكم، كل سنة وأنتِ طيبة يا حاجة. أماني: وأنتِ طيبة يا ندي. إزيك وإزاي ماما ونفيين؟ ندي: الحمد لله، كلنا بخير وبنسمع الرؤية أهو. أماني: أنا متصلة أسألك على الاعتكاف السنة دي. مردتيش عليا. ندي: والله يا ماما مش راضية. كل العشرة الأواخر بتقولي: "ممكن يوم أو يومين في الآخر كده وخلاص". فمعلش بقي.

أماني: خلاص يا ندي، مفيش مشاكل. بردوا أنا كمان يمكن مقدرش على الدائم، رغم إن الحاج حامد طبعًا بيعتكفهم كلهم، بس بردوا البيت والولاد مش بيخلوني أعرف أروح إلا يوم أو يومين. خلاص، بس ابقي قوليلي ساعتها حـتروحي إمتى عشان نبقى ساعتها نفطر مع بعض في المسجد. ندي: ده حـيبقى يوم. خلاص، إن شاء الله أكلمك قبلها يا حاجة. أماني: إنتِ عندكش إخوات غير نفيين، مش كده؟ ندي: أيوه يا حاجة، ليه؟

أماني: أبداً. قلت لو عندك إخوات ولاد يعني، تقوليله على الاعتكاف بردوا. طرقت الفكرة على عقل ندي. ندي: إخوات ولاد؟ طب هو اعتكاف الرجالة حـيكون في نفس المسجد؟ أماني: أيوه يا ندي، هما عند الرجالة واحنا عند الستات. ندي: طب هو ممكن أي حد يجي من بره يعتكف، ولا لازم الإخوات اللي يعرفهم بس الحاج حامد؟ أماني: لا طبعًا، ممكن أي حد يعتكف. بس الحاج حامد هو المسؤول عن تنظيم الموضوع، مش أكتر.

أغلقت ندي الهاتف، وقد لمعت الفكرة في رأسها. لو أن حازم صدقًا يريد أن يثبت أنه تاب، فستُرى. بينما هي شاردة ومبتسمة فيما فكرت. ولا يزال الهاتف إلى جوارها، دق مرة أخرى. ندي: أيوه يا حاجة أماني. حازم: لا، أنا الحاج حازم. ندي: (امتلكتها اضطراب بالغ وردت بتلعثم) حازم. حازم: حازم كده من غير أستاذ؟ طيب، بشرة خير. ها، فكرتي في كلامي ولا لسه؟ ندي: فكرت يا أستاذ حازم. حازم: ما هي كانت لسه من غير أستاذ. ما علينا. وقررتي إيه بقى؟

ندي: أنا فكرت، بس لسه مقررتش. حازم: ليه بس يا آنسة ندي؟ ندي: علشان كل اللي قولته كلام حلو قوي، حتى اللي مكتوب في الكارت. بس في النهاية مجرد كلام. والتصرفات اللي شفتها متخلنيش أصدق. إيه اللي يثبت إنك اتغيرت وبقيت حازم التايب؟ حازم: قولـيلي طب، أعمل إيه عشان أثبتلك؟ ندي: مش عارفة. بس حط نفسك مكاني، لو حضرتك اللي كنت شوفتي في نفس المواقف، وبعدها جيت وقلتلك: "أنا تبت خلاص"، كنت حـتصدقني؟ زفر حازم بقوة، ثم قال:

حازم: يعني خلاص يا آنسة ندي؟ أنتِ لدرجة دي شايفاني إنسان سيء ومفيش فيا أي أمل؟ ندي: أنا مقلتش كده. أنا قلت إنك محتاج تثبت كلامك عشان أقدر أصدقه، وإلا حـيبقى كلام وخلاص. حازم: طب إذا قولتلك إني مستعد أعمل أي حاجة عشان تصدقيه، حـتصدقي؟ ندي: أي حاجة، أي كان؟ حازم: أيوه. ندي: اوكي. سيب بيت رفعت الصاوي، وروح الاعتكاف السنة دي. حازم: إيه؟ ده بجد؟ ندي: أيوه. مش بتقول ممكن تعمل أي حاجة؟

سيب بيتك وحياتك وعربيتك، وروح اعتكف في المسجد آخر 10 أيام من رمضان. حازم: طب وشغلي؟ ندي: ما أنت ممكن تروح الشغل وترجع على المسجد. حازم: (وقد شعر بجدية كلامها، فبدأ يشعر بالتوتر) أيوه يا ندي، بس ده أنا السنة دي أول سنة حـحضر التراويح، ويدوبك لسه باخد خطوات. أقوم خبط لزق كده أروح اعتكف مع ناس معرفهاش؟ وبعدين حـأنام فين طيب؟

ندي: أولًا، لو شايف إنك يدوبك بتاخد خطوات، خلاص متروحش. أنا مش بـأفرض عليك إنك تروح. بس بعد كده متقولش كلام أنت مش قدّه. وثانيًا، لو على النوم، نام في المسجد. حازم: (مضطرًا) حاضر يا ندي. ندي: حاضر إيه؟ حازم: حاضر حـأروح الاعتكاف. ندي: (وهي مبتسمة) عمومًا، ده حـيكون أول اختبار ليك، ومنه ممكن أقرر إذا كنت أوافق ولا لأ. حازم: نعم؟ هو لسه في حاجة تانية بعد كده؟ ندي: أنت مش قلت مستعد تعمل المستحيل؟

خلاص، أنا مش ناوية أطلب المستحيل. أغلق الهاتف بينهم، وندي يعلو وجهها ابتسامة تمنت لو أنها رأت ردة فعله أمامها. بينما حازم ضرب على رأسه وهو يقول: "شكلك جبتها لنفسك يا حازم." —دخل عصام على حازم في أول أيام رمضان مبتسمًا وهو يقول. عصام: يا سلام يا جدعان، لو رمضان ده يبقى طول السنة. والله الشباب اللي زي كده أول ناس حـترتاح. حازم: (وقد بدا شاردًا) ليه يا فالح؟

عصام: أبداً، بس البنات كلها وهي صايمة كده لا بتحط ميكب ولا برفان، واللبس بيوسع. فجأة، يا سلام لو يعملوا كده السنة كلها ويريحونا. حازم لم يرد، وأكمل في شروده. عصام: إيه يا عم، صايم السنة دي ولا زي كل سنة؟ حازم: (وهو يتنهد) بقولك إيه، أنا مش ناقصك. عصام: أنت صايم من غير سحور ولا إيه؟ حازم: يييييييييييييي يا ابني، اطلع من دماغي الساعة دي. عصام: طب قولي، ناوي تصلي التراويح فين السنة دي، ولا مش ناوي؟ حازم:

(بابتسامة عريضة) لا، أنا ناوي أعمل حاجة أكبر من كده بكتير. عصام: إيه؟ حـتقرأ القرآن كله؟ حازم: أكبر، أكبر. عصام: إيه؟ حـتعمل عملية استشهادية؟ حازم: تصدق، حاسس إن ندي حـتطلب كده فعلاً. عصام: مالها ندي؟ حازم: طلبت مني إني أثبتلها إني اتغيرت فعلاً، مش كلام وخلاص. عصام: ده أنا أبصم بالعشرة إنك اتغيرت. ده أنا يوم ما شوفت جوليا قلت إنك حـتتجوزها تاني يوم، بس نعمل إيه بقي في بركات الآنسة ندي؟ البت اتطردت هي وهشام.

حازم: أيوه، بس هي لسه متعرفش كل ده. وعايزني أروح اعتكف في المسجد. عصام: (وقد اتسع فمه من الذهول) إيه؟ تعتكف؟ اوووووووووووووووبا! أمال نفيين حـتقول إيه؟ حازم: يعني ده كل اللي يهمك؟ عصام: أبداً، بس متوقعتش خالص إنك حـتروح. حازم: (بالاستسلام) أمال أعمل إيه؟ عصام: طب وشغلك؟ حازم: (بنفس الاستسلام) لا، ما أنا ممكن أجي الشغل وبعدين أطلع على المسجد. عصام: لا يا راااااااااااااااااااجل! طب والنوم؟

حازم: لا، ما أنا ممكن أنام في المسجد. عصام: طب ما ميه ميه أهو. لو على الشغل، حـتيجي الشغل. ولو على النوم، حـتنام في المسجد. واهو تجيلك كيس شيبسي تفطر عليه. أشوفك بعد العيد يا حازم. حازم: (وهو يخرج) بقي كده؟ ده بدل ما تقولي: "نعتكف مع بعض" وتشجعني. عصام: (وهو يخرج) لا يا عم، أنا كفاية عليا التراويح. حازم: ماشي يا عصام، طول عمرك ندل.

—كانت أيام شهر رمضان الكريم تمر يومًا بعد يوم، كعادة كل عام. يأتي منذ أول يوم، يُمني الناس أنفسهم بما عليهم من عبادات. يغتنمُه البعض ويغفل عنه البعض، بل ومع كل أسف يبغضه بعض آخر. وهكذا هذا العام ككل عام بالنسبة لفريدة أو نيرة أو أشرف أو هشام، شهر مضطرون فيه ألا يأكلوا صباحًا اضطرارًا فقط أمام الناس. صيام لا يأخذ أصحابه منه إلا الجوع والعطش.

أما أحلام وشريفة ونفيين وندي، فكان اغتنام فرصة والتقرب من الله شعارهم. الاختلاف الوحيد في هذا العام هو أن حازم وعصام انتقلا قدرًا من مربع فريدة إلى مربع ندي. ذلك الاختلاف الذي عندما يأتي أيان منا، لابد عليه أن يدرك كم هي منة (فإذا أردت أن تعرف عند الله مقامك، فانظر فيما أقامك)

وها هي نفحات الشهر الفضيل أوشكت على الانتهاء. انقضت أيام الرحمة، ومضت أيام المغفرة، ولم يبق إلا أيام العتق من النار. كانت ليلة الحادي والعشرون، وكان حازم في غرفته. ظل يزفر بقوة ويجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، ينظر بين الحين والآخر إلى عنوان المسجد في يده، وهو يقول لنفسه: "طب أنا حاخد إيه وأسيب إيه وأعمل إيه؟ أروح فين وأجي منين يا ربي؟ الله يسامحك يا ندي."

لم يجد بدًا من أن يتجه إلى العنوان المكتوب في يده، ويتجه بحقيبة أعدها، وهو لا يعرف ما كان عليه أن يأخذه وما كان عليه أن يتركه. وقف أمام المسجد كمن يتأكد من عنوانه (مسجد الروضة) . خلع نعليه وتوجه إلى الداخل. كان الاستغراب هو سيد الموقف. عدد لم يكن قليل، كل مجموعة منهم متجاورة يتحدثون فيما بينهم. استوقف شخصًا إلى جواره. حازم: لو سمحت، ألاقي الحاج حامد فين؟ الشخص: الراجل اللي واقف هناك أهو. حضرتك ناوي تعتكف إن شاء الله؟

حازم: (بتلعثم) أيوه. الشخص: طب يا أهلاً وسهلاً. أنا علي. حازم: أهلاً وسهلاً. وأنا حازم. علي: يا أهلاً يا أهلاً. اتجه حازم باتجاه الحاج حامد. تقدم خطوة، ثم أخرج صوته. حازم: السلام عليكم. حضرتك الحاج حامد؟ التفت على صوته، يجده حازم رجل طويل متوسط العرض ذو لحية متوسطة وعليه الكثير من الوقار. شعر حازم حين رآه بهيبته، فتنهد وهو ينتظر خروج صوته. حامد: (بصوت رخيم) أيوه يا ابني، أنا الحاج حامد. وأنت مين؟ حازم: حازم.

حامد: يا أهلاً وسهلاً يا بني، حـتعتكف معانا إن شاء الله؟ حازم: إن شاء الله. نادى حامد على أحد الموجودين. حامد: يا وليد، تعالي. وليد: أيوه يا حاج حامد. حامد: اكتب اسم حازم معاك، وشوفه حـيعتكف جزئي ولا كلي، وحط اسمه في مجموعة عمل. وليد: ماشي يا حاج. ثم نظر لحازم: وليد: حـتعتكف كل الأيام ولا جزء منها؟ حازم: (بتردد) كلها. وليد: طب أحطك في أي مجموعة عمل بقى؟ حازم: يعني إيه مجموعة عمل؟ مش فاهم.

وليد: بص يا سيدي، كل واحد هنا في الاعتكاف بـيبقى مسؤول عن حاجة وبيساعد فيها. يعني مسؤول عن الأكل أو النظافة أو ترتيب المسجد. يعني أنت حـتقدر تساعد في إيه؟ حازم: لا، أنا مليش في عمايل الأكل. وليد: طب خلاص، حاخـيلك في النضافة. وقبل أن يسأل حازم، أتى شخص بجوار وليد ليصفعه. عمرو: ليدو، كل سنة وانت طيب وبعودة الأيام. وليد: وانت طيب يا عمرو. ده أنا قلت أنت اتجوزت واتلميت ومش حـنشوف وشك السنة دي.

عمرو: والله حاولت يا بني، بس ما أقدرتش. أمال فين علي؟ وليد: هناك أهو، بيحضر عشان السحور. عمرو: طب حاـروح أسلم عليه. قبل أن يذهب، التفت لحازم. عمرو: السلام عليكم يا -حازم: حازم. عمرو: يا أهلاً يا حازم. ثم التفت لوليد: عمرو: أنا مش عايز أغسل مواعين السنة دي يا وليد. أنا السنة اللي فاتت اتهديت. وليد: لا، أنا السنة دي بفكر أدخلك المطبخ. عمرو: يعني أبقى في البيت مبـشيلش كوباية من مكانها، وأجي هنا أطبخلكم؟

أنا رايح أشوف علي عمل إيه في السحور. وليد: خلاص يا حازم، أنت كده في مجموعة النضافة، وحـتبقى مسؤولياتك معايا. نشيل الأكل ونكنس المسجد، تمام؟ حازم: (بضيق) لا طبعًا، وأنا مالي بحاجة زي دي. وليد: طب أنت عايز تعمل إيه؟ خد بالك، مدام قاعد معانا هنا في المسجد، فالمسجد مسؤوليتنا. نسلمه أحسن مما استلمناه، وكل واحد بيعمل حاجة عشان نساعد بعض. حازم: بس أنا مينفعنيش الكلام ده. أنا مليش دعوة.

وليد: خلاص، أنا حـأبلغ الحاج حامد ونشوف حـيقول إيه. حينها تذكر حازم ندي، فصمت وجذب وليد من ذراعه. حازم: خلاص يا عم، أنا بس كنت عايز أعرف، إحنا حـنكنس جوه ولا جوه وبره؟ وليد: (وهو يضحك) يعني لازم أقول للحاج حامد. عمومًا، جوه بس. وأنا أصلًا حـساعدك. لحظات، وبدأ المسجد في الانتظام استعدادًا للتهجد. لم يستطع حازم النوم قبل التهجد ولو ساعة. نظر إلى الأرض وحاول افتراشها، لكنه قال لنفسه: "إزاي يعني؟ وما هي إلا دقائق،

وكان من يوقظه: الصوت: حازم، صلاة التهجد. قام لصلاتها ورجع في محاولة منه للنوم. وما هي إلا لحظات، وكان من يوقظه: الصوت: حازم، أقوم أتسحر. لاتجه بعيون ناعسة وهو يسأل: حازم: إحنا حـناكل بإيدينا؟ عندها ضحك الجميع. فنظر عمرو لعلي: عمرو: أنت اللي مسؤول قدامي على السحور. أنا عايز خدمة فندقية، أنا مينفعنيش الكلام ده. رد وليد: إيه يا عم حازم، نقوم نقطعلك كنتلوب؟ حازم: (بضيق) قام. ولم يأكل. نظر لهم علي:

علي: خلاص، متسقوش فيها. يمكن مش واخد على كده. اتجه علي لحازم: علي: إيه يا عم حازم، ده أنت حـتعمل علينا حازم ابن الناس الكويسين ولا إيه؟ حازم: (وهو يزفر) لا، بس أنا مش عايز آكل. علي: طب بص، دول مثلثين جبنة ورغيف وكوباية زبادي أهم، والمعلقة دي نضيفة والله. بس بالله عليك اتسحر وبلاش تزعل من حد. إحنا بنهزر معاك، عايزينك تفك شوية. ها، تشرب معانا شاي؟ حازم: بس تغسلوا الكوبايات كويس.

علي: طب ما أنت حلو بتهزر أهو. عمومًا، عمرو اللي بيغسل. حازم: طب لو كده، مش عايز. دقائق، وعلا أذان الفجر. لم يحتج لمن يوقظه، ولكنه بعدها لم يتذكر شيئًا غير أنه استيقظ في الثامنة، ووجد نفسه مغطى بغطاء وتحت رأسه وسادة. ولم يعلم من وضعهم.

مرت أيام حازم في الاعتكاف عكس ما كان يتوقع. يومًا بعد يوم، اعتاد ابن رفعت الصاوي على ما لم يكن يتوقعه. تنازل عن كبريائه في مقابل أن ينبض قلبه بنبضات الحياة. تلك اللحظات التي لم يكن طيلة حياته يتوقع أن يعيشها. كانت ليلة الـ 27. خرج حازم برفقة وليد من المسجد. وليد: أنا مكنتش أعرف إن عندك بنت. حازم: لوجي عندها 6 سنين. هي المكتبة بعيدة من هنا؟ وليد: لا، على أول الشارع. أنت عايز حاجة غير كارت شحن؟ حازم: لا.

أتهم صوت يناديهم. صوت: عمو، باصي باصي يا عمو. نظر وليد للكرة، ودخل في الماتش بعفوية. بعد لحظات، نظر إليه حازم. حازم: حـنتأخر. وليد: (أعاد الكرة لحازم) لم يرد حازم ودخل الماتش معه. لحظات مرت مع أطفال لا يعرفوهم، فقط لعبوا معهم لدقائق وعادوا للمسجد. حازم: يا خبر! ده أنا مش فاكر آخر مرة لعبت فيها كرة كانت إمتي. وليد: بس أنت بتلعب حلو. أنت أهلاوي ولا إيه؟ حازم: (بضحك) ريال مدريد. وأنت؟ وليد: برشلونة.

دخلوا للمسجد، واستوقفهم عمرو وعلي وهم ينظرون للسماء. عمرو: شكلها النهاردة. علي: مع إني توقعت إنها يوم 25. وليد: بتعملوا إيه؟ عمرو: بنبص على السماء. شكلها ليلة القدر. حازم: الله، السماء شكلها صافي فعلاً. علي: طب كل واحد بقى يدعي دعوة حلوة كده. شكلها ليلة متستجابة الدعوة. حينها نظر حازم إلى السماء وتنهد، ودعا من قلبه أن تكون ندي من نصيبه. أوقفه صوت يعرفه. عصام: السلام عليكم يا إخوة. أبحث عن شخص يدعى حازم.

التفت حازم: عصام. عصام: إيه يا عم، الجو اللي أنت عايش فيه ده؟ وليد: أنت تعرفه يا حازم؟ حازم: أيوه، ده واحد من أصدقاء السوء اللي ناوي أقطعهم لما أطلع من هنا. عصام: اخس عليك يا حازم، وأنا اللي قلت أجى أقعد معاك للعيد. أمال فين الراجل بتاع "لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي"؟ وإلا وقعت في المحظور. عمرو: قاعد جوه، ده حتى مستنيك. عصام: بقولك إيه يا حازم، إيه الأخبار؟ الاعتكاف حلو ولا إيه؟ وليد: تعالي معايا بس، وأنا حـأبسطلك.

عصام: طب في موز؟ حازم: لا، في كنتلوب. **************************** علا صوت أذان الفجر ليوم جديد. لم يحتج أحد ممن بات في المسجد أن يستيقظ، فكل شخص انشغل بما لديه، وأولهم حازم. الذي كان لا يزال يجمع هو ووليد آثار السحور. ابتسم وليد وهو ينظر لحازم. ابتسامة استوقفت حازم. حازم: إيه يا عم، أنت معجب ولا إيه؟ وليد: لا، أبداً. بس سبحان مغير الأحوال. اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش

يوم ما جيت وأنت بتقولي: "لا، أنا مينفعنيش الكلام ده." صمت قليلاً ثم قال: "والله حتوحشني يا حازم يا ابن الناس الكويسين." حازم: عمومًا، أنا قلتلكم على عنواني. بجد، أنا عايز نتقابل بعد رمضان، ويا ريت والله يا وليد نبقى أصحاب بجد. وليد: متقلقش يا عم، إحنا فعلاً بقينا أصحاب. ولعلمك، عمرك ما حـتقدر تنسى الأيام دي أبدًا. قاطعهم صوت عمرو: عمرو: يا بني، أنت راجلك كل شوية في بقي. اتعدل يا عم أنت. عصام: (وهو نائم)

يا عم، بقك هو اللي في راجل. (انهيار ترتيب المسجد) والتفت كل واحد منهم لينام، إلا حازم. اتجه إلى الشباك لينظر مرة أخرى إلى شكل السماء. لم يعتاد أن يراقب السماء ويرآها صافية مثل هذه الأيام. صفاء يشبه كثيرًا ما يشعر به داخل نفسه. لكم يتمنى أن تتوقف عقارب الساعة عند هذه الأيام. يتساءل كيف ستكون العودة إلى منزل رفعت الصاوي مرة أخرى؟ صدقًا، يخاف لو عاد إلى منزله، يعود إلى حازم القديم. حازم الذي لا يريد أن يراه مرة أخرى.

قاطعه من شروده. الحاج حامد: روحت فين يا حازم يا ابني؟ حازم: أبداً. ازيك يا حاج حامد؟ هو حضرتك لسه صاحي؟ حامد: أنا كنت رايح أنام، لقيتك قاعد قدام الشباك وشكلك زي ما تكون شايل الهم. قولت أشوفك قبل ما أنام. حازم: (زفر كمن يخرج همًا من أعماقه) أبداً، بس شايل هم أما أرجع البيت. مع إن بنتي وحشتني أوي، بس نفسي بجد مرجعش. حامد: لا حول ولا قوة إلا بالله. طب ليه يا ابني كده؟ ده مهما كان بيتك.

حازم: خايف لو رجعت أخسر اللي وصلتله، وساعتها مش عارف، يا ترى حـتيجي فرصة تانية للرجوع ولا لأ. حامد: والله يا ابني، كله في إيدك أنت بس. أخلص توبتك بربنا، واستعين بالله على اللي جاي، وإن شاء الله ربنا حـيقبل توبتك. ومهما حصل، أوعى تيأس. مهما غلطت، متفقدش الأمل في ربنا. ومهما حصل، توب. حازم: خايف ساعتها أبقى بضحك على نفسي. وساعتها ربنا ميقبلش توبتي. وساعتها مش عارف حـأعمل ليه.

حامد: بص يا بني، أنا حـأقولك كلمة وحطها في ودنك. ومهما حصل، فكر نفسك بها: (إن الله لا يمل من استغفار العبد حتى يمل العبد من استغفاره) —ندي: أخيرًا جيتي. ده أنا كنت فقدت الأمل. حاجة أماني: يا أهلاً يا أهلاً. هل هلالك. رمضان خلص؟ جايلنا انهاردة. ندي: معلش بقى. الحمد لله إنّي جيت. وبعدين إيه الاستقبال ده؟ أنا لا شايفة تورت ولا جاتوهات. هو الاعتكاف ده نواشف ولا إيه؟

أماني: التورت والجاتوهات دي ناكلها في بيتك بقى بعد العيد. ابتسمت ندي، فجذبتها الحاجة أماني لتتحدث إليها. الحاجة أماني: ليكي عندي أخبار كويسة. ندي: خير يا حاجة. أماني: الحاج حامد كلمني النهارده. وقالي أقولك على رأيه. ندي: (وهي تبتلع ريقها) ورأيه إيه يا حجة؟ أماني: هو بيقول إنه ابن حلال وكويس، وهو ارتاح له وارتاح لتصرفاته في الاعتكاف. بس هو فعلاً محتاج للي يشجعه ويوقف جنبه. ندي: بجد يا حاجة؟ يعني هو شايفه إنسان كويس؟

أماني: أنتِ زي بنتي يا ندي، وأنا مش حـأغيشك. وأنتي لما قولتيلي عايزة رأي الحاج حامد، أنا قولته. وهو قال للمجموعة اللي مع حازم ياخدوا بالهم منه، ويقولوله رأيهم لأنه متقدم لبنته. ومفيش حد منهم اتعامل معاه إلا وشكر فيه. ندي: طب مش جايز يكون بيمثل يا حاجة؟ أماني: أنتِ للدرجة دي خايفة؟ ندي: دي تالت مرة، وخايفة التالتة تبقى تابتة.

أماني: لو استخرتي، وده رأي اللي حوليكي، اتوكلي على الله، وأنتي حـتشوفي تعاملاته بعد كده. وإن ظهر حاجة منه، ساعتها يبقى خلاص. تنهدت ندي، لأن هذه المرة ليست كسابقيها. هذه المرة لأنها أحبته حقًا، والجرح لن يكون سهلاً. —عمرو: والله أنت ما تنفع حارس مرمى ببصلة. عصام: والله لو الحضري هنا ما كان عرف يلعب زيي. وليد: كفاية لعب بقى، لازم نخلص فرش الحصر لصلاة العيد. حامد: الناس بتوع شادر الصلاة خلصوا.

علي: أيوه، خلاص فاضل حاجات بسيطة. عمرو: بجد رمضان خلص؟ عصام: بجد. أنا ندمان اللي مجتش من أول يوم. خسارة، مكنتش فاكر إن فيها كورة وكنتالوب. وليد: لحازم: أنت كنت بتكلم مين؟ حازم: كنت بكلم بنتي. عايزني أرجع بعد الفجر عشان عايزة تروح صلاة العيد. علي: يعني مش حـتصلي العيد معانا؟ حازم: لا، ما أنا قلت لدادة محاسن يستنوني ويجوا يصلوا هنا. عصام: ما تخلي إبراهيم يجبهم. حازم: ما إبراهيم إجازة عشان العيد. وليد: إبراهيم ده مين؟

حازم: ده السواق. عمرو: (وهو يضحك) مش عارف ليه يا حازم، ساعات بحس إنك واقع من فيلم "رد قلبي". عصام: ده قر ده ولا نقع؟ عمرو: الاتنين. (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعد جنده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله)

علت تكبيرات صلاة العيد معلنة انتهاء الشهر الفضيل وأول أيام العيد. صوت التكبيرات والاستفاح للصلوات، وكحك على حلويات، وأحلى بالونة لست البنات. لوجي: أنا عايزة الصفرة. حازم: حاضر، مش عايزة واحدة انتي كمان يا دادة؟ محاسن: لا، أنا عايزة زمارة يا ابني. كل سنة وأنتِ طيبة يا لوجي. كل سنة وأنت طيب يا حازم. عصام: أنا عايز البالونة دي. لوجي: لا، دي بتاعتي. هاتلك أنت واحدة. محاسن: مش يلا بقى تروحوا ترتاحوا، وعشان أحضرلكم الفطار؟

حازم: خلاص، حـنمشي على طول. بس أسلم على عمرو ووليد وعلي. لوجي: هم دول صحابك يا بابي؟ حازم: أيوه يا حبيبتي. لوجي: بابي، أنت كلمت ميس ندي؟ حازم: حـأكلمها النهارده يا لوجي. لوجي: إحنا حـنروح لهم في العيد؟ حازم: يمكن بكرة يا لوجي. عصام: خلاص يا عم، عديت الاختبار. يا رب تنجح يا حازم. حازم: (بضحك) ادعيلي، أبوس إيدك.

—ما إن رأى حازم سريره حتى ارتمى عليه دون أن يدري. لم يعرف كم مضى من الوقت وهو نائم، وأخيرًا لن يستيقظ 3 مرات طوال الليل. لكنه استيقظ أخيرًا على صوت. لوجي: أقوم بقى، أقوم يا بابي. بجد أقوم. يوووووووووووووووووووح. حازم: في إيه يا لوجي؟ لوجي: مش قلت حـتكلم ميس ندي؟ حازم: (بعيون ناعسة) طب حاضر. يعني مننمش؟ لوجي: ما أنت نمت كتير أوي. حازم: طب هاتي الموبايل.

بينما حازم يتصل، كانت ندي هي الأخرى في سابع نومة. طول الليل سهرت حتى صلاة الفجر، ولم تستطع النوم بعدها حتى نامت العصر. دق الهاتف. شريفة: السلام عليكم. حازم: وعليكم السلام. إزيك حضرتك يا طنط؟ أنا حازم. شريفة: أهلاً يا ابني. إزيك وإزاي لوجي ووالدتك؟ كل سنة وأنت طيب. ندي: (وأنتِ طيبة يا طنط) حينها اقتربت نفيين من ندي. نفيين: ندي، اصحي يا بنتي. قومي. ندي: (بتثاقل) سبيني أنام يا نفيين. نفيين: قومي كلمي حازم على التليفون.

ندي: يا نفيين بقى. —إيه؟ انتفضت من مكانها ووقفت أمام المرآة. ضحكت نفيين وردت: نفيين: كل ده ولسه مترددة؟ أمال لو متأكدة حـتعملي إيه؟ عمومًا، هو على التليفون مش بره، بيقول لماما جي بكرة. ابتلعت ندي ريقها بصعوبة، وقاطعتها شريفة وهي تنادي. شريفة: ندي، تعالي كلمي. ندي: (وهي خجلة) أيوه يا ماما، في حاجة؟ شريفة: تعالي، لوجي عايزة تكلمك. نفيين: (بهزار) لوجي بردوا! كلمي لوجي. ندي: سلام عليكم. إزيك يا لوجي؟

لوجي: إزيك يا ميس ندي؟ بصي، بابي قاعد جنبي أهو بيقولي إنك حـتخليني أقولك يا مامي. ندي: (بجد؟ لوجي: طبعًا يا لوجي يا حبيبتي. أنتِ قولي اللي أنتِ عايزاه. أنتِ حبيبتي يا لوجي. حازم: (لوجي بس) ندي: (بـخضة) أستاذ حازم. حازم: خـاليها أخو حازم بقى يا أخت ندي. كده بقت أوقع. ندي: (بـخجل) أهلاً، إزاي حضرتك؟ حازم: إزيك أنتِ؟ كل عام وأنتِ إلى الله أقرب. والسنة اللي جاية تكوني منورة بيتك كده. ندي: (بمنتهى الخجل) وأنت طيب.

حازم: ها، لسه مقررتيش بردوا؟ ندي: إن شاء الله خير. حازم: عمومًا، أنا طلبت من مامتك تكلم عمك بكرة يكون موجود. وإن شاء الله نقرأ الفاتحة ونحدد معاد الخطوبة، وبعدها قرري زي ما أنتِ عايزة. ها، قولتي إيه؟ ندي: طيب. حازم: طيب إيه؟ ندي: طيب خير. حازم: خلاص، أشوفك بكرة على خير. لوجي: عايزة أكلمها. حازم: خلاص، قفلت. نفيين: وشك أحممممممممممممممممممممممممممممممر. ندي: بس أنا لسه موافقتش. إزاي كده؟ خبط لزق أنا.

نفيين: ندي، مصر كلها عارفة إنك موافقة. خلصيني بقى. مبروك يا عروسة. —فريدة: أنت متأكد من الكلام ده يا هشام؟ هشام: أيوه. أنا عمري قلتلك حاجة وكانت غلط؟ فريدة: يعني ندي كانت بتضحك علينا؟ هشام: أيوه. الآنسة ندي طلعتش الآنسة ندي، طلعت مدام ندي. ومرتين. فريدة: أنا مش مصدقة! كانت متجوزة مرتين؟ هشام: مرة رسمي ومرة عرفي. الرسمي كان ابن جيرانهم. والعرفي ده كان ابن عمها. فريدة: طب سيبـيلي الموضوع ده يا هشام، وأنا حـأقول لحازم.

هشام: بس بلاش تجيبي سيرتي يا آنسة، أنتِ عارفة موقفي حساس ومش عايز أخسر حازم. فريدة: اوكي يا هشام. تجهت فريدة لغرفة حازم. كان حازم في طريقه لمنزل ندي. كان واقف أمام المرآة يدندن بسعادة بالغة ويضع عطره. حينها طرقت الباب. حازم: ادخل. فريدة: أنت خارج؟ حازم: لما سألتني إمبارح، قولتلك أنا رايح فين. فريدة: لسه مصمم تتجوز ندي بردوا؟ حازم: تفتكري يعني حـأغير رأيي من إمبارح للنهاردة؟ فريدة: جايز. وجايز تغيير رأيك دلوقتي حالًا.

حازم: معتقدش يا ماما. أنا بس حـبقى مبسوط لو جيتي معايا. فريدة: حتى لو عرفت إنها مدام مش آنسة؟ التفت حازم بعد ما كان يخرج من الباب. حازم: إيه؟ أنتِ بتقولي إيه؟ فريدة: ندي كانت متجوزة قبل كده مرتين. منهم مرة عرفي. تسمر حازم في مكانه ولم يرد. فكر وقتًا ليس بالقليل، ثم قال. حازم: مين اللي قالك الكلام ده؟ مش جايز كذب؟ فريدة: لو مش مصدقني، اسأل بنفسك وأنت حـتتأكد. التفت حازم ليخرج من غرفته. فريدة: أنت رايح فين؟

حازم: رايح أتأكد بنفسي. نزل حازم، وإلى جواره لوجي. رأته دادة محاسن عند خروجه، ولم يكن مبتسمًا كما كان. طوال الطريق كان يفكر، هل صدقًا ما سمع؟ لم يكن مصدقًا أبدًا. شعر أنه مستحيل أن تتزوج ندي عرفيًا أبدًا. لن يصدق. قاطعته لوجي. لوجي: بابي، مش هنا البيت. حازم: ها، أيوه يا لوجي. يلا بينا. وقف كمن يشعر بالخوف. تردد، وأخيرًا طرق الباب. نزلت نفيين لتفتح. نفيين: أهلاً أهلاً يا مستر حازم. إزيك يا لوجي؟ حازم: (بوجوم)

إزيك يا آنسة نفيين؟ صعدوا باتجاه شقة ندي. كانت أحلام وزوجها ونبيل بانتظاره، وشريفة أيضًا. أما ندي فكانت بالداخل. حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه، لكنها كانت باردة. تلك الابتسامة وقعت في نفس أحلام. شعرت عندها أن إحساسها بأنه ليس كأبيه كان إحساسًا خاطئًا. شعرت أنه قاب قوسين أو أدنى من التنصل من الارتباط حقًا. هو ابن رفعت الصاوي.

كانت ندي تقف أمام المرآة. تذكرت أول مرة أتى فيها سيف عندهم، كيف كانت تقف وكيف كان شعورها. تأففت كمن تمنت نفسها أن يكون حازم أفضل منهم. لكنها تنوي التحدث قبل أي شيء. لابد أن يعرف كل شيء عنها، حتى لا يحاول أحد أن يصطاد في الماء العكر. خرجت ندي أخيرًا لتسلم على الجميع. لم تستطع رفع عينها حتى لا ترى حازم، لكنها حاولت. وإن بدا الأمر صعبًا، شعرت بوجومه بعض الشيء. نظرت إلى والدتها لتنفذ ما طلبت. شريفة:

لحازم: إحنا حـنستأذن ثواني، لأن ندي كانت عايزة تتكلم مع حضرتك قبل قراءة الفاتحة. ممكن؟ أومأ حازم برأسه كأنه يشعر أن ما سمعه قد يكون صدقًا. استأذن الجميع، وبقي حازم أمام ندي. حازم: اتفضلي يا آنسة ندي. أنا سامعك. ندي: (وهي تحاول أن تستجمع الكلمات) هو في موضوع كده في الأول، أنا لازم أقوله لحضرتك عشان بردوا يكون واضح يعني. ابتلعت ريقها. ندي: بص يا أستاذ حازم، موضوعنا ده بالنسبة لي مش أول موضوع. زفرت ثم تابعت.

ندي: قصدي يعني إن كان في موضوعين قبل كده. حازم: (كانت دقات قلبه سريعة من القلق) يعني إيه؟ أنتِ اتجوزتي قبل كده؟ ندي: لا، بس اتكتب كتابي مرة، واتخطبت مرة. حازم: بس كده؟ يعني مفيش ولا مرة كانت جواز بشكل رسمي؟ ندي: لا. كلها مواضيع من على البر. مفيش حاجة كان فيها جواز. بس أنا بردوا قلت أعرفك. تنهد حازم ببعض من الراحة، ثم قال. حازم: كده بس؟ ولا في حاجة تانية؟

ندي: لا، في. أنا في حاجة عايزة أوضحها مهمة بردوا عشان متبقاش غيبة عليك. أولًا، موضوع آداب الخطبة. هنا أخيرًا ظهرت ابتسامة حازم. حازم: نعم؟ إيه؟ آداب الخطبة دي؟ ندي: (بتلعثم) يعني التعاملات بينا حـتفضل رسمي بردوا؟ مفيش خروج لوحدينا؟ مينفعش نركب العربية بتاعتك لوحدنا وتقولي أوصلك؟ ومينفعش مكالمات في وقت متأخر؟ نراعي حدود الكلام بينا، ومفيش سلام بالإيد. وحتى الشبكة كمان، مامتك اللي حـتلبسهالي. وإني

—قاطعها حازم والابتسامة تعلو شفتيه. حازم: هو أنتِ كنتي بتصرفي كده مع —يعني المرتين اللي فاتوا؟ ندي: طبعًا. ما ده اللي يرضي ربنا، وده اللي مفروض كل بنت تعمله. حازم: (وقد زادت ابتسامته) طب فاضل حاجة تانية؟ ندي: الفرح حـيكون مفصول، وأنا حـفضل بحجابي. حازم: (بضحك) مفصول إزاي يعني؟ ندي: الرجالة لوحدهم والستات لوحدهم. حازم: (بضحك) طب أنا حـأحضر الفرح ده ولا إيه؟ ندي: لو عايز.

حازم: ولو إني مش مقتنع بموضوع الفرح، بس حاضر. لسه فاضل حاجة ولا خلاص كده؟ ندي: لا، خلاص. حازم: طب مش حـتنادي الجماعة بقى؟ رفعت الأيادي أمام كل وجه ليقرأ كل منهم سورة الفاتحة، حتى لوجي التي كانت تقرأها بصوت أعلى من الجميع. جعلتهم جميعًا يضحكون، ثم تقدمت بعد انتهائها بجوار ندي. لوجي: خلاص كده؟ أنتِ حـتيجي معانا بقى؟ يلا بينا. ندي: (وهي تضحك) لا، لسه مش دلوقتي خالص. اصبري شوية. لوجي: هو أنتِ مش كده اتجوزتي بابي؟

ندي: لا، لسه. لما يجي المأذون ويكتب الكتاب، نبقى ساعتها أجوز. لوجي: طب ما بابي ينزل يجيب واحد. ضحك الجميع، وردت نفيين. نفيين: طب ما نخليه يجيب 4. واحد ليا، وواحد ليكي، وواحد لبابا، وواحد لندي. —فريدة: يعني بردوا قريت الفاتحة؟ بردوا مشيت اللي في دماغك. حازم: مين اللي قالك إنها كانت متجوزة عرفي؟ فريدة: ده كل اللي يهمك. حازم: (وهو يزفر) أيوه، ده كل اللي يهمني.

فريدة: مش حـأقولك. مدام قررت تلغي عقلك وتمشي ورا البت دي، خلاص اتجوزها واشبع بيها. حازم: للمرة التانية باسألك، مين اللي قالك؟ اقترب إلى أذنيها. حازم: هشام. قامت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...