ذهبت كارما مع صفية وثريا إلى أحد المحلات الشهيرة لكي تختار فستان خطبتها على فؤاد. لكن كارما كانت تقف بوجه جامد عابس، لا تبدي رأيها في أي شيء مما يعرضونه عليها. فكل ما يقومون بإعطائه لها، تقوم بارتدائه وقياسه بصمت دون أن تبدي أي رد فعل. فقد كانت تشعر بأن ما يحدث حولها ليس حقيقياً، وأن كل هذا ليس إلا كابوساً سوف تستيقظ منه في أي لحظة.
فقد مرت عدة أيام منذ أن وعدها أدهم بأنه سيجد حلاً لما هي فيه، لكنه حتى الآن لم يقم بأي شيء لإلغاء هذه الزيجة. كما أن كل شيء حولها يتم كما خططت له زوجة أبيها، فقد بدأت في تزيين المنزل وإعداد الطعام للخطبة. برغم تأكيد أبيها عليها أن الخطبة سوف تكون عائلية، لن يحضرها إلا أفراد عائلتهم فقط، إلا أن ثريا قد بالغت في تحضير كل شيء.
لتشعر كارما بغصة حادة في قلبها عند تذكرها كلمات زوجة أبيها لها بأن أدهم لن يقوم بمساعدتها، مشيرة بخبث إلى وجود علاقة تجمع بين أدهم ونرمين. للأوهلة الأولى كانت ستصدق كلاماتها تلك، لكنها نهرت نفسها بشدة، مذكرة ذاتها بأن أدهم قد وعدها بأنه سوف يقوم بمساعدتها ولن يتخلى عنها. أما عن قولها بوجود علاقة بين أدهم ونرمين، حاولت كارما أن تطمئن ذاتها بأن زوجة أبيها ما قالت هذا إلا لتحاول إغاظتها ليس إلا.
لتتنفس بعمق وهي تحاول أن تتذكر أي شيء يدل على وجود علاقة بينهما، لكنها لم تجد شيئاً يدل على ذلك. فهي لم تره إلا مرات قليلة، وذلك في أول حضور أدهم إلى المنزل، وكانت نرمين هي التي تحاول إغراءه ولفت نظره إليها في ذلك الوقت. تنفست كارما بعمق محاولة تهدئة قلقها وهي تهمس لذاتها: "اهدي يا كارما، متخليش الغربة دي تلعب في أعصابك، أكيد أدهم هيعمل حاجة، مش هيسيبك كده بعد ما شاف بعينه العذاب اللي إنتي فيه."
لتستفيق من شرودها هذا عندما أحاطت زوجة عمها كتفيها بحنان قائلة: "إيه يا حبيبة قلبي، واقفة شايلة الهم ليه كده؟! حاولت كارما أن تبدو طبيعية على شفتيها لترسم ابتسامة باهتة حتى لا تحزن زوجة عمها قائلة: "مفيش حاجة والله يا مرات عمي." ربتت صفية على ذراعها بحنان قائلة بصوت منخفض حتى لا تسمعها ثريا الواقفة في آخر الرواق، التي تمسك بيدها أحد الفساتين تتأمله بدقة: "سبيها لله يا كارما، صدقيني هتتحل والله."
شعرت كارما بغصة من الخوف في حلقها، لكنها أومأت رأسها بالموافقة لزوجة عمها لتطمئن، وهي لازالت تبتسم قائلة بصوت ضعيف: "إن شاء الله يا مرات عمي." اقتربت منهم ثريا ببطء قائلة بنفاذ صبر وهي تضع بين يدي كارما أحد الفساتين: "خدي قيسي ده... ده لو طبعاً خلصتوا الاجتماع السري اللي عاملينه." لتشعر كارما بالغضب يتأجج بداخلها، فهي قد ملت من تنفيذ أوامرها تلك منذ الصباح. لتلقي كارما بالفستان على الأرض وهي تهتف: "قسيه انتي...
أنا ماشية." لتتركهم كارما مبتعدة عنهم، لتهتف ثريا وراءها: "كارماااا، انتي اتجننتي... ارجعي هنا، أومال هتلبسي إيه في الخطوبة؟! أجابتها كارما وهي لازالت تبتعد: "هلبس شوال بخيش... مالكيش دعوة." همت ثريا بالرد عليها، لكن صفية أمسكت بذراعها قائلة: "خلاص... خلاص يا ثريا، سبيها براحتها، اختري لها انتي فستان، أنا واثقة في ذوقك." وقفت ثريا تهز قدمها بغضب وهي تلوك بشفتيها بغل قائلة بهمس:
"ماشي يا بنت أمينة، هتشوفي كل ده هيطلع على جتتك في الآخر." كانت كارما مستلقية على فراشها والقلق يتأكلها، فالخطوبة في الغد وأدهم لم يقم بفعل أي شيء حتى الآن. فهو لم يقم بالتحدث مع والدها ليقنعه بأن يعدل عن رأيه ويقوم بإلغاء هذه الزيجة، حتى أنه لم يخبرها بما ينوي فعله. فهي لم تراه كثيراً خلال الأيام الماضية، وعندما تراه، فهو يرمقها بنظرات غريبة لم تفهم معناها، وسرعان ما تتغير نظراته تلك إلى نظرات باردة كالجليد.
نهضت كارما بحزم مقررة أنها يجب أن تتحدث معه، فلم يعد يتبقي أي وقت، فالخطبة بالغد. خرجت كارما إلى الحديقة حيث كان الجميع يجلس ما عدا والدها الذي كان يستلقي في غرفته. كان أدهم يجلس وحيداً على إحدى الطاولات يعمل على اللاب توب الخاص به، بينما كانت نرمين وصفية وثريا يجلسون على طاولة أخرى بجواره يتحدثون بصخب. اقتربت منهم كارما ببطء لتقف أمام طاولة أدهم لتهتف صفية حين لمحتها: "أخيراً يا حبيبتي صحيتي، تعالي اقعدي جنبي هنا."
أجابتها كارما بصوت مرتجف وهي تلتفت إليها: "معلش مش هينفع يا مرات عمي... أنا كنت عايزة أدهم بس في موضوع." لتلتفت كارما تنظر إليه لتجده لا يزال يصب كل اهتمامه على اللاب توب الذي أمامه، متجاهلاً وجوده. لتقترب منه قائلة بصوت مرتجف: "أدهم ممكن تيجي معايا، عايزة أتكلم معاك في موضوع." أجابها أدهم ببرود وهو لا يزال ينظر إلى اللاب توب الذي أمامه: "معلش يا كارما، أنا مش فاضي دلوقتي."
جاء رده كأنه دلو من الماء البارد انصب فوقها، لتشعر بالحرج الشديد، فهي لم تتوقع أن يقوم بصدها هكذا. لكنها حاولت عدم إظهار هذا الإحراج لترسم ابتسامة باهتة على وجهها وهي تهز رأسها بالموافقة مبتعدة عنه. ليصل إلى سمعها ضحكة ثريا الساخرة، لكنها استمرت في السير مبتعدة، فهي متجاهلة إياها، فهي تعلم ما تلمح إليه. انضمت صفية إلى أدهم تجلس بجواره على طاولته قائلة بلوم:
"ليه كده يا أدهم، ليه تكسر بخاطرها كده يا ابني، ما كنت تقوم تشوفها عايزة إيه." زفر أدهم بضيق قائلاً: "أنا عارف كويس هي عايزة إيه يا ماما." ظلت صفية تنظر إليه بتمعن قائلة بلوم: "ولما انت عارف هي عايزاك في إيه... لتكمل بحدة: "إيه يا أدهم، هتقف تتفرج على كل اللي بيحصل وانت ساكت؟! لم يجبها أدهم، لينهض بهدوء يعد من لابسه، ثم قام بجمع أشياءه من فوق الطاولة. لتمسك صفية بذراعه بحزم قائلة بحدة: "انت رايح على فين يا أدهم؟!
أجابها أدهم وهو يغادر الطاولة متجهاً إلى داخل المنزل: "مسافر القاهرة ومش هرجع إلا على بكرة الصبح." تابعته صفية إلى داخل المنزل وهي تهمس بحزن: "آخرتك عندك ده إيه بس يا بني... هتضيعها من إيدك." كانت ثريا جالسة تفكر في خطوتها التالية التي سوف تربط بها أدهم بنرمين وتنهي بها أي أمل لكارما تجاه أدهم. لتقترب من نرمين الجالسة بجوارها قائلة بصوت منخفض: "هاااا، عرفتي هتعملي إيه النهاردة؟!
هزت نرمين رأسها بالإيجاب وهي تشعر بالتوتر. لتحول ثريا وهي تضغط على يد نرمين بتحذير: "هعيد عليكي تاني، أصل عارفة ذكائك... هتروحي أوضة أدهم لما الكل ينام وتلبسي حاجة حلوة كده وتحاولي تدلعي عليه... تغريه، لازم تخليه يتجنن عليكي... بس المهم عندي إنك تشوقي ولا تدوقي، انتي فاهمة قصدي طبعاً." أومأت نرمين رأسها بالإيجاب. لتعقد حاجبيها قائلة بعدم فهم: "طيب يا ماما، إيه ضمنك إن ده هينفع ولا هيجيب نتيجة معاه؟!
أجابتها ثريا وهي تضحك بخبث وهي ترتشف قهوتها بتلذذ: "لأن ده اللي نفع مع عمك إسماعيل، ولا ناسية أنا عملت إيه علشان أوقعه، وده اللي بينفع مع أي راجل... الرجالة كلها زي بعض، المهم نفذي بس اللي قولتلك عليه بالحرف، وكلها يومين وهلقيه جاي يطلبك مني." ابتسمت نرمين بسعادة عند تخيلها ذلك، لكنها نظرت إلى والدتها بتردد قائلة: "مش شايفة اللي هنعمله ده خطر، لو حد شافني وأنا طالعة من أوضة أدهم هتبقى مصيبة و... قاطعتها
ثريا قائلة بنفاذ صبر: "محدش هيشوفك، كله هينام بدري، انتي ناسيه بكرة الخطوبة." هتفت نرمين وهي تصفق على يدها بحماس: "صحيح يا ماما، كارما شافت الفستان اللي انتي اخترتيهولها ولا لسه؟! ابتسمت ثريا بمكر عند تذكرها فستان كارما البشع الذي اختارته لها الليلة قائلة بتهكم: "لا لسه، ومش هتشوفه إلا قبل الخطوبة بساعة علشان متعرفش تغيره وتضطر تلبسه." ضحكت نرمين ضحكة صاخبة قائلة بفرح: "دي هتبقى شكلها مسخرة." لتغمز
لها ثريا بعينيها قائلة: "علشان تبقى تحرم قلة أدبها على أسيادها." كانت كارما مستلقية فوق فراشها تتقلب عليه دون راحة، غير قادرة على النوم، فالقلق يتأكلها. فغداً سوف تتم خطبتها على فؤاد ولا أحد يرغب بمساعدتها، حتى أدهم لم يقم بفعل أي شيء مما وعدها به حتى الآن. كما أنه لم يعطها فرصة حتى تتحدث معه، متهرباً منها.
زفرت كارما بضيق وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها بحنق، فهي يجب أن تتحدث معه وتعلم ما الذي ينوي على فعله لكي يساعدها للتخلص من كل هذا. فهي تعلم بأنه لن يتخلى عنها، لتهمس كارما: "أنا لازم أتكلم معاه ولازم أفهم هيعمل إيه بالظبط، والمرة دي مش هسيبه إلا لما آخد منه رد واضح." لتنهض من فوق الفراش بتصميم، تبحث عن مأزرها الثقيل لترتديه فوق منامتها الطفولية، فقد كان الجو شديد البرودة. لتقف أمام باب غرفتها بتردد:
"الوقت اتأخر، هروح أوضته إزاي بس دلوقتي... لكن عندما تذكرت أن غداً ستتم خطبتها، وأن هذه فرصتها الوحيدة لكي تتحدث معه، فغداً لن تستطيع أن تجتمع به على الإطلاق. لتفتح باب غرفتها وتتوجه إلى الخارج. كانت نرمين تقف في غرفة أدهم تسب وتلعن بغيظ، فها هي بغرفته لكنه لم يكن موجوداً. ظلت تنتظره في الغرفة منذ أكثر من ساعتين، لكنه لم يأتي حتى الآن، كما أن فراشه مرتب بعناية كما لو أنه لم يمسه اليوم على الإطلاق. لتسب نرمين
بصوت عالي وهي تحدث نفسها: "يعني إيه كل اللي خططتله ده باظ... أموت وأعرف اختفي راح فين؟! لتمرر يدها على قميص النوم الذي ترتديه وهي تزفر قائلة بحسرة: "يا خسارة تعبي وتظبطي لنفسي كل الوقت ده." لتقرر الخروج من غرفة أدهم بالخفاء قبل أن يستيقظ أحد ويرآها بملابسها الفاضحة تلك. في ذات الوقت... كانت كارما متجهة إلى غرفة أدهم وهي تشعر بالتردد والرهبة من فكرتها المجنونة تلك وذهابها إليه في مثل هذا الوقت المتأخر.
لكنها لم تجد حلاً آخر أمامها، فلم يعد هناك وقت، وهي تريده أن يطمئنها على ما هو آتٍ. لكن تجمدت خطواتها أمام غرفته بصدمة عندما رأت نرمين تخرج من غرفة أدهم وهي ترتدي ملابس أقل ما يقال عنها فاضحة. فقد كانت ترتدي قميص نوم قصير للغاية بالكاد يغطي فخذيها، وفوقه مأزر يماثله في الطول بشيء بسيط. لتسرع كارما في الاختفاء خلف الجدار القريب منها، تشعر بانسحاب الدماء من جسدها على الفور عندما فهمت الذي يجري بينهما.
لتشعر بالبرودة تسري في أنحاء جسدها، ودقات قلبها تتباطأ حتى ظنت أنها ستسقط أرضاً مغشياً عليها. لتضع يدها فوق صدرها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي ينشب به كأنه حريق. لتهمس دون وعي من بين شهقات بكائها المريرة بكلمات متقطعة غير مترابطة: "إزاي... إزاي... أدهم... يعمل... كده." لتنسحب ببطء إلى غرفتها لترتمي على فراشها كالجثة الهامدة، تبكي كما لم تبكي من قبل. فها هي ترى أسوأ مخاوفها تتحقق. في اليوم التالي،
كانت كارما مستلقية بالفراش كالجثة الهامدة تنظر بشرود إلى سقف الغرفة، ووجهها منتفخ من كثرة البكاء، فهي لم تذق النوم منذ ليلة أمس. أخذت تفكر بكل ما حدث، فهي لم تتخيل أن يكون هناك علاقة بين أدهم ونرمين، خاصة بمثل هذا النوع القذر. لترن كلمات ثريا في أذنيها مرة أخرى بأن أدهم أصبح كالخاتم في إصبع نرمين. لتغطي وجهها بيديها قائلة بصوت متحشرج من شدة الألم من بين شهقات بكائها المرير: "علشان كده مسألش فيا ولا حاول يساعدني."
لتكمل وهي تبكي بشدة وجسدها يرتجف بعنف: "اتخلى عني تاني... بس المرة دي كسرني... كسرني وداس عليا." لتضرب بقبضتها على قلبها بقوة ضربات متتالية وهي تهتف: "كله منك... كله منك... كنت نسيته ليه... ليه ترجع تقع في حبه تاني بعد اللي عمله فيك... ليه... أتوجع تاني الوجع اللي أنا حاساه دلوقتي." لتسمع طرقاً على باب غرفتها، لتقم بمسح وجهها سريعاً من الدموع التي تغرقه حتى لا يلاحظ أحد بكائها. لتأذن للطارق بالدخول.
لتدخل ثريا الغرفة لتلاحظ على الفور مظهر كارما المنهارة، فقد كانت عينيها منتفخة للغاية ووجهها محمراً من كثرة البكاء. لتشعر ثريا بالسعادة، فيبدو أن ما قالته نرمين صحيحاً بأن كارما قد رأتها وهي تخرج من غرفة أدهم، لكنها لم تصدقها في البداية. لكن بعد رؤيتها لحالة كارما الآن، تأكدت من ذلك. لتقترب منها قائلة بخبث: "إيه يا عروسة، مش هتقومي يلا علشان تجهزي، معتش في وقت."
ظلت كارما مستلقية على الفراش متجاهلة إياها وكأنها لم تتحدث على الإطلاق. لتكمل ثريا وهي تضع أحد الأغلفة على الفراش: "عمتاً، ده الفستان... على ذوقي، يارب بس يعجبك." نهضت كارما ببطء تمسك الفستان بيد مرتعشة، فهي لم يكن لديها الطاقة لتدخل في مجادلة معها. فهي في وقت آخر كانت سوف ترفض هذه الخطبة حتى لو كان هيتسبب ذلك في موتها. لكن بعد ما رأته بالأمس ومعرفتها بأن أدهم تخلى عنها وأصبح لغيرها، لم يعد يفرق معها أي شيء.
لتمسك الغلاف الذي به الفستان وتتجه نحو حمام غرفتها بهدوء. لتقف ثريا فاغرة الفم من الصدمة من قبولها لكلامها على الفور، فهي كانت تتوقع أنها ستدخل في مشاجرة أخرى معها. لتبتسم بخبث، فيبدو أن خطتها قد نجحت في النهاية. غسلت كارما وجهها بالماء البارد لعل هذا يجعلها تستفيق قليلاً. لتجلس بعد ذلك على حافة حوض الاستحمام وهي تأخذ نفسها ببطء في محاولة منها لتهدئة ذاتها.
لتنهض بعد ذلك ببطء لكي ترتدي الفستان، لكنها انصدمت حينما فتحت الغلاف ورأت الفستان الذي بداخله، فأقل ما يقال عنه أنه بشع. فهي تعلم ما تحاول زوجة أبيها فعله. لتزفر كارما باستسلام وترتدي الفستان، فهي لو كان الوضع مختلف عن الآن، ما كانت ارتدت مثل هذا الفستان البشع أبداً. لكنها لم تعد تبالي بأي شيء، ما يحدث يحدث. اعتدلت ثريا في واقفتها عندما رأت كارما تخرج من الحمام وهي ترتدي الفستان الذي قامت باختياره لها.
فقد كانت تنتظر بلهفة رد فعلها عندما تراه، لكنها انصدمت عندما خرجت وهي مرتديه إياه. فقد كانت تتوقع أنها سوف تقيم القيامة وترفض ارتداءه، لكنها يبدو عليها الهدوء. لتنحت ثريا محاولة استفزازها: "الفستان هيأكل منك حتة، إيه رايك بقى في ذوقي؟! لم تجيبها كارما وترسم على وجهها ابتسامة ساخرة، لتتجه واقفة أمام المرآة، فهي تعلم ما تحاول زوجة أبيها فعله، لكنها قررت تجاهله.
دخلت صفية الغرفة لتقف متجمدة وهي تنظر بصدمة إلى ما ترتديه كارما. لتهتف: "إيه اللي انتي لبساه ده يا كارما؟! لتلفت لثريا وهي تصرخ بها بغضب: "إيه اللي انتي جايباه ده يا ثريا؟! ابتسمت ثريا قائلة بخبث وهي تتصنع عدم الفهم: "ماله يا صفية، فيه إيه؟! اقتربت كارما من صفية تمسك بيدها قائلة بصوت ضعيف: "مش فارقة معايا يا مرات عمي، صدقيني." أخذت صفية تنظر إليها قائلة بدهشة:
"يعني إيه مش فارقة معاكي يا كارما، وإزاي وافقتي تلبسي القرف... لتكمل وهي تلتفت إلى ثريا تنظر إليها بحنق قائلة بحدة: "لو واحدة تانية اختارت الفستان ده كنت قولت ذوقها مش حلو، لكن أنا عارفة كويس ذوقك يا ثريا وبتختاري أحسن حاجة لنفسك ولبنتك... وأنا بقى مش هسكت على عملتك دي." شددت كارما على يد زوجة عمها قائلة بصوت ضعيف: "علشان خاطري يا عمتي، مش عايزة مشاكل، أنا بجد مش مستحمله أي حاجة." ربتت صفية على يد كارما بحنان.
لتلفت إلى ثريا قائلة وهي تجز على أسنانها: "ياريت تاخدي نفسك وتطلعي برا، عايزة أتكلم مع كارما كلمتين." وقفت ثريا تنظر إليها بغضب قائلة: "انتي بتطرديني ولا إيه يا صفية؟! أجابتها صفية بحدة: "أيوه يا ثريا بطردك، ويلا مع السلامة بقى." وقفت ثريا تنظر إليهم بحقد لتلفت مغادرة الغرفة بخطوات غاضبة مغلقة الباب خلفها بعنف. التفتت صفية على الفور إلى كارما قائلة بحنان وهي تربت على خديها: "مالك يا كارما... مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟!
انفجرت كارما في البكاء فور سماعها تلك الكلمات، فهي لم تعد قادرة على تمثيل اللامبالاة أكثر من ذلك. لترتمي في حضن صفية تبكي بشدة. لتشدد صفية من احتضانها لها قائلة وهي تبكي هي الأخرى: "أنا عارفة يا بنتي اللي فيكي... وأنا والله هتصرف، مش هسيبك يا كارما حتى لو كلهم اتخلوا عنك، أنا مش هتخلي عنك وهفضل جنبك." ازدادت شهقات كارما عند سماعها تلك الكلمات متذكرة تخلي أدهم عنها وعلاقته مع نرمين.
فاخذت صفية تربت على ظهرها بحنان محاولة تطمنئتها حتى هدأت كارما تماماً. أبعدتها صفية عنها بحنان قائلة: "إن شاء الله كل حاجة هتتحل، وبكرة تقولي صفية قالت... ادخلي يلا اغسلي وشك وتعالي." لتكمل وهي تبتسم لكارما بحنان: "طيب والله حتى وانتي بالفستان ده طالعة زي القمر وهتغطي عليهم كلهم، يلا اضحكي وريني ضحكتك الحلوة." حاولت كارما رسم ابتسامة باهتة على وجهها، لكنها لم تصل إلى عينيها. لتربت صفية بحنان على خدها.
كانت كارما جالسة في بهو المنزل الذي كان مزين بشكل مبالغ به، فعلى الرغم من أنها حفل عائلي لن يحضره سوى أفراد الأسرة، إلا أن ثريا لم تبخل في تزيين المكان. كانت كارما تحاول أن تتلاشى النظر إلى أدهم الذي كان يقف في آخر البهو وحيداً، حيث كانت نظراته مسلطة عليها، لكنها تجاهلته محاولة إبعاد نظرها عنه. لتنتفض كارما بذعر عندما أمسك فؤاد يدها يقبلها برقة هامساً لها كم تبدو جميلة للغاية.
لتسحبها منه على الفور وهي تلتفت تنظر إلى أدهم بتوتر. لتقابلها نظرات عينيه التي كانت تشتعل بالغضب، لكن سرعان ما اختفى هذا الغضب ليتحول إلى برود، حتى ظنت أنها توهمت الغضب بعينيه. لتدير رأسها مبعدة عينيها عنه، فكلما رأته تذكرت تخليها عنه وعلاقته بنرمين. ليخيل لها عقلها ما الذي كان يحدث بينهم في غرفته بالأمس، لتشعر بنيران الغيرة تنشب في قلبها لتتأكله.
لتمتلئ عينيها سريعاً بالدموع، لتحاول كارما حبس تلك الدموع والسيطرة عليها. لترفع رأسها مرة أخرى نحوه، لكنه كان اختفى. أخذت تبحث عنه بعينيها في أرجاء المكان، لكنها لم تجد له أي أثر. لتشعر بيأس شديد يتملكها، فهي تريد خلع هذا الفستان البشع وتهرب من هذا المكان، فهي تجد صعوبة في التقاط أنفاسها. بينما كانت كل من ثريا ونرمين جالستان تتهمسان وتضحكان بصخب وهما ينظرون إلى كارما بشماتة.
لتحاول كارما تجاهلهم والسيطرة على ذاتها حتى لا تنهض وتأتي بسكين تغرزه في قلب كل منهما لتتخلص منهما. اقترب فؤاد من صفية التي كانت تجلس بوجه متجهم قائلاً بتوتر: "حاجة صفية، مش ملاحظة الموضوع كبر... ليكمل بارتباك: "انتي عارفة إن أنا ماليش لا في جواز ولا غيره." زفرت صفية بضيق قائلة: "اهدي يا فؤاد، هتتحل." مرر فؤاد يده بين خصلات شعره قائلاً بقلق: "هتتحل إزاي بس؟! ده أدهم متحركش خطوة واحدة بس علشان يلغي الجوازة...
مش عارف شكلنا اتوهمنا إنه بيحبها ولا إيه؟! هتفت صفية بغضب: "اتوهمنا... لتلتفت تنظر حولها بقلق عندما انتبهت إلى أن صوتها كان عالياً. لتهمس بصوت منخفض بحزن: "اتوهمنا... إزاي بس يا فؤاد، ما انت شوفت بعينك زي ما أنا شوفت غيرته وخوفه عليها، أنا معتش فاهمه هو بيعمل كده ليه... ليه غاوي يعذب نفسه ويعذبها معاه." ربت فؤاد على يدها قائلاً بلطف محاولاً:
"انتي عارفة أنا في الأول جيت هنا ليه، جيت علشان انفذ كلام ثريا هانم والعب على كارما، بس لما عرفت كارما واتعاملت معاها عرفت قد إيه هي إنسانة طيبة متستاهلش كل القرف والظلم اللي هي عايشة فيه. وأنا اللي جيتلك بنفسي وطلبت منك تساعدني في أن أقرب بين أدهم وكارما لما حسيت بحبهم لبعض." ليكمل ويزفر بضيق قائلاً: "بس الظاهر كده إن أدهم... كارما مش في باله أصلاً، وأنا مش صعبان عليا في كل ده غير كارما." همست صفية
وعينيها قد امتلئت بالدموع: "مش عارفة أساعدها إزاي يا فؤاد، وأدهم اللي قولت أول ما يعرف إنها متعرفش حاجة عن الخطوبة دي هيطربق الدنيا علشانها... لاخر لحظة كان عندي أمل يعمل أي حاجة، بس اديك شايف أهو اختفي و ك... قاطعها فؤاد وهو ينكزها في ذراعها: "حاجة صفية، الحقي... نظرت صفية إلى ما يشير إليه فؤاد، لتجد أدهم يدخل إلى البهو وإلى جواره الحاج إسماعيل.
وقف إسماعيل بمنتصف البهو ووجهه محتقن من شدة الغضب قائلاً بصوت عالي حتى يسمعه الجميع وهو يلتفت إلى فؤاد: "فؤاد يا بني، كارما ابن عمها أدهم طلب إيدها مني وأنا وافقت، وانت عارف يا بني إن كل شيء قسمة ونصيب." ليسقط الخبر على ثريا كأنه صاعقة تضربها، لتنتفض واقفة أمام إسماعيل تصرخ بغضب وقد اسود وجهها من شدة الغضب: "يعني إيه يا إسماعيل... ليقاطعها إسماعيل وهو يرفع يده بتحذير قائلاً بحدة: "ثريااا...
أقسم بالله لو نطقتي بحرف زيادة لتكوني طالق بالتلاتة." أغلقت ثريا فمها سريعاً بصدمة لتركض صاعدة إلى غرفتها تلحقها نرمين التي رمقت كارما بغل وهي تمتم بكلمات غاضبة. بينما كانت كارما تتابع ما يحدث وهي ترتجف بشدة، تشعر بأن هذا ليس إلا حلماً سوف تستفيق منه بأي لحظة. لتقع عينيها على أدهم الذي كان يقف منتصب بشموخ بجانب والدها، لتجد عينيه منصبة عليها ينظر إليها بحنان وكأنه يقول لها ها أنا قد فعلت ما وعدتك به.
لكنها أبعدت عينيها عنه بحنق تخفض رأسها إلى الأسفل حين تذكرت علاقته غير البريئة مع نرمين. لتشعر بألم حاد ينهش في قلبها عندما خطر في بالها فكرة أنه ما طلب أن يتزوجها إلا شفقة منه على حالها بعد ما قامت بالتذلل له لكي ينقذها. لتشعر بغصة حادة في حلقها حاولت ابتلاعها بصعوبة قبل أن ترفع وجهها مرة أخرى تقابل نظراته بحدة وتتنحنح قائلة بصوت حاد عالي حتى يسمعه جميع الحاضرين: "بس أنا مش موافقة... أنا مش هتجوز أدهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!