انقضت السهرة على خير، واستعد الجميع للذهاب. وقفت أريج أمام مالك بابتسامة وهي تتمتم: "شكرًا على الهدية." مالك بابتسامة: "عجبتك؟ أريج: "طبعًا أوي، أصل متعرفش أنا كان نفسي أجيب واحدة زيها إزاي. شكرًا يا مالك." مالك وهو يحك مؤخرة رأسه بتوتر: "طب الحمد لله، صفحة جديدة؟ أريج ولا تزال ابتسامتها تعتلي ثغرها: "صفحة جديدة."
ابتسم مالك بخفة قبل أن يذهب، تاركًا ذلك الذي راقب الموقف بأعين ثاقبة وقد اشتعلت النيران بقلبه وعينيه. لكنه انتبه لنظرة أريج المنتصرة له، ومن ثم تحركها مع ملك. هل كانت تقصد ذلك؟ تنفس بهدوء وانتظام، متمتمًا في نفسه: "مالك ابن عمي، ومش هينفع نخسر بعض عشان بنت، حتى لو البنت دي هي أريج. مهما حصل هيفضل ابن عمي." تنهد بهدوء ثم تحرك، وقبل ذهابه نظر لأريج وتمتم بهدوء: "الحرام حرام، حتى لو على سبيل إشعال الغيرة."
تركها وغادر، لتدلف هي لغرفتها تفكر فيما قاله. إنه محق. ماهذا الذي فعلته؟ لكنها لم تفعل شيئًا، هي فقط شكرت مالك على هديته. لكنها كانت تقصد شكره والتحدث معه بلطف من أجل إشعال غيرة وليد، لترد له صفعة الأسئلة حينما أحرجها أمام الجميع، متناسية أن عدم المعرفة ليس عيبًا، بل العيب أن وجدت سبيلًا للمعرفة ولم تستغله. ***
كان يجلس بالقرب من المسبح على الأرضية الخضراء ويستند إلى ذراعيه خلفه، ينظر إلى اللاشيء. لا يعلم لماذا يشعر أن حياته بلا هدف. لا يفعل شيئًا يمكن أن يذكره به أحد. لقد أتم الواحد والعشرين عامًا، ولا يدري شيئًا عن هواياته أو ميوله. لم يتخذ سوى قرار واحد فقط، وهو أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وذلك لحبه للغة. يجيد السباحة ولا شيء آخر. لديه والده يمتلك سمعة طيبة واسم معروف بين الكثيرين. اهتم بشركة والده بعد وفاته واهتم بأخيه كذلك، والآن يمتلك أسرة مستقرة دافئة.
عمه مروان يحضر العديد والعديد من الندوات بجانب إدارته لهذا النادي الصغير. يمتلك معلومات دينية جميلة للغاية. خاله إسلام يمتلك من الفكاهة حسًا يضفي البهجة على الأجواء. كما أنه يهتم بالشركة مع والده ولم يتخل عنه أبدًا، إضافةً لتشجيعه الدائم لأخيه الأصغر سفيان. آآه من سفيان خاله، إن له اسمًا لامعًا الآن في عالم كرة القدم. ماذا عنه هو؟ ما هواياته وما اهتماماته؟
بالتأكيد لديه نقطة قوة في شيء ما. بالتأكيد هناك شيء ما يمكنه فعله ليصبح مميزًا به. قاطع سيل أفكاره صوت خاله سفيان الذي جلس بجانبه بابتسامة: "بتعمل إيه هنا ياض؟ وليد: "بتشمس يا خال." سفيان بضحكة: "اتشمس يا باشا، بس بتفكر في إيه كده؟ وليد بتنهيدة: "بقولك إيه، هو أنت إزاي قدرت تعرف إن الكورة هي عالمك؟ إزاي قدرت تتميز فيها؟ إزاي عرفت إنها هوايتك وإن ميولك ليها؟ سفيان بضحكة: "إيه يا ابني، كل دي أسئلة؟
طب أنا هبدأ من الأول يا سيدي. أنا مريم وإسلام سابوني لوحدي من وأنا عندي يدوب ست أو سبع سنين، اتجوزوا بقى وكل واحد أصبح له حياته. بدأت أشوف أخبار الكورة لما سمعت أصحابي في المدرسة بيتكلموا عن محمد صلاح، وكنت بشوف في عينيهم الفخر والحب للشخص ده. بدأت أسأل وأعرف مبارياته وأتابعه لحد ما بقيت شغوف للتشجيع. الميول للعب بقى جالي وقت ما كنت بتابع ماتش من ماتشاته، وكانت الكورة مع لاعب من اللاعبين والطريق قدامه فاضي والدفاع في
نص الملعب. وبكل غباء شاطها عالية من على مسافة، هوب عدت العارضة. وقتها أنا كنت هنفجر، وأقوله دي سهلة يا غبي دي ضاعت بغباء. واتعصبت بقى. وقتها قررت إني أنضم لصفوف اللاعبين. كلمت إسلام وقدملي في نادي وبدأت أروح تدريب ورا التاني. كان هدف قدامي إني أفوز في الماتش، بس بعدها عرفت إن الفوز مش معناه أكبر عدد لتسجيل الأهداف. الفوز أصبح بالنسبالي هو عدم تضييع الفرص المتاحة، حتى لو خسرنا الماتش. بس أنا من جوايا عارف إني فزت،
لأني بكل بساطة مسمحتش لنفسي بتضييع أي فرصة متاحة بالنسبالي. عملت اللي عليا بمعنى أصح."
صمت سفيان قليلاً ليجد وليد يومئ برأسه يحثه على المتابعة،
فتابع سفيان بابتسامة: "خضت ماتش ورا ماتش ولقيت نفسي لا إراديًا كل خميس وجمعة بعد العصر في الملعب، شيء بيشدني لهناك. بدأت أتميز، أعرف نقاط القوة والضعف في الكورة. بحثت في كل ثغرات اللعبة بمعنى أصح، وده كان هدفي للتميز، إني أثبت نفسي فيها. فوق إن حققت هدفي، أثبت إن مفيش حاجة صعبة ولا مستحيلة. أنا لسه أصحابي امبارح كانوا بيقولوا محمد صلاح بفخر والنهاردة بيقولوا سفيان بفخر برضه. يعني، زي ما ربنا بيقول اسعى يا عبد وأنا
أسعى معاك، بس لازم تبقى مؤمن الأول بالحاجة اللي هتعملها. يعني أنا الكورة زي ما قلت لك مكنتش مكسب أهداف، لا هي مكسب استغلال الفرص، تعليم الصبر، تعليم القوة، التفكير السريع في الخروج من أي مأزق، قياس مسافات تقريبية في نفس اللحظة اللي بتجري فيها. بس بعينك وعقلك سوا تقدر تحدد في ثواني هدفك. علمتني إن مش كل الناس بتحبلي الخير، وده لأني شفت الحقد في عيون ناس والكره في عيون غيرهم. علمتني برضه إن الصاحب بجد هو اللي يدعمك
ويقويك وياخد بإيدك ويفضل جنبك ويآمن بحلمك معاك، حتى لو شايف إن حلمك ده كبير أوي عليك. بس برضه جنبك وفي ضهرك، بيقولك كمل، اللي وصلوا مش أحسن منك، كمل اللي وصلوا مفهموش حاجة زيادة عنك، كمل أنا جنبك. حاجات بسيطة والله يا وليد بتفرق معانا جامد. يعني أنا بابا الله يرحمه كان ديما يقولي أنا خايف عليك من طيش الكورة، بس واثق إن لو مش فيها خير ليك ربنا هيبعدك عنها، وعشان كده كمل وأنا هفضل جنبك. ماما كانت ولا زالت تقولي جبت كام
هدف يا واد؟
كل جول ليك بوسة، وأنا بصراحة كنت غشاش وبزود في عدد الأهداف عشان تبوسني أكتر. مريم رغم إنها كانت في فترة صعبة، بس أول واحدة جابتلي طقم كورة وجابتلي استارز أزرق لسه محتفظ بيه لحد النهارده، وقالتلي ارفع راسي."
ضحك وهو يتابع، "إسلام بقى كان بييجي يحضرلي مباريات كتير ويشجعني. كان ياخدني يعزمني على ساقع مثلاً بعد الماتش كده يعني. بالمختصر المفيد، أنا كل العوامل اللي تستدعي إني أنجح كانت حواليا، فـ استغلتها، ونجحت، وفوزت عشان استغليت الفرص صح. وقبل استغلال الفرص، اتأكدت إن ده ميولي لما لقيت نفسي بنجح مرة ورا مرة. ساعتها كملت بيقين وقوة. بس يا سيدي، أنت إيه بقى؟ حابب تتميز في إيه؟
وليد بحماس: "أنا عايز فعلاً أعرف ميولي في إيه عشان أتميز فيه." سفيان: "أنت بترسم كويس أوي وبتكتب خواطر حلوة، ده مش ميولك؟ وليد: "هو ينفع الرسم يبقى ميول؟ أو الخواطر؟ سفيان: "طبعًا، يابني أنت مبتسمعش عن معارض الفن ولا إيه؟ وليد: "بجد حقيقي... أنا ممكن أوصل للمكان ده؟
سفيان بتشجيع: "لأ، أنت أقل من اللي وصلوا، ولا هما زيادة عنك في حاجة. والخواطر اللي بتكتبها لو ركزت فيها شوية وحطيتها هدف حياة هتنزلها في معارض الكتب يابني." وليد وقد برقت عيناه بحماس: "والله أنا ما عارف أقولك إيه، بحبك يا خالووووو." ضحك سفيان حينما احتضنه وليد بقوة، ليربت على ظهره بخفة متمنيًا له التوفيق. ***
يجلس بكافتيريا الجامعة وحوله مجموعة من أصدقائه الذين تتآلف أسماؤهم بين أحمد وناجي وسعد. يتحدثون عن أي شيء ويضحكون. حياتهم ليست إلا مزاح وضحك وخروج وتنزه هنا وهناك. بينما يجلس هو من بينهم شاردًا في شيء واحد فقط. كيف يكسب قلب أريج ليجعل وليد يتحسر عليها! سعد وهو يضربه على كتفه بخفة: "سرحان في إيه يا مالك باشا؟ لتكون فيه واحدة وإحنا منعرفش؟ مالك باستخفاف: "ظريف." أحمد: "لأ بجد، إيه الدنيا؟
سعد مقاطعًا: "ابن عمك السخيف جه أهو." نظر مالك حيث أشار صديقه ليري وليد عند الباب يبحث بعينيه عن أحدهم. ظن في بادئ الأمر أنه ربما يبحث عنه، لذلك قرر سريعًا أن يذهب إليه. ولكنه تراجع حينما لمح مراد الذي احتضن وليد ومن ثم ذهبا من المكان. ضحك على نفسه بسخرية. فلماذا سيبحث وليد عنه من الأساس؟ ناجي وقد شعر بحيرة مالك: "مالك، تعالي معايا عايزك." مالك بتساؤل: "إيه؟ ناجي: "ما تقوم يا بني هو أنا هاكلك قوم."
تحرك معه مالك وذهبا لحديقة الجامعة وجلسا معًا بالقرب من إحدى الشجرات الكبيرة. مالك: "في إيه بقى؟ ناجي: "أنت اللي في إيه؟ مالَك يا مالِك؟ مالك: "أنت جايبنا هنا عشان تسألني السؤال ده يعني؟ ناجي بتنهيدة: "أنا غلطان عشان عايزك تفضفض يعني؟ فضفض يا صاحبي، قول مالك، في إيه؟ مالك: "هيكون مالي يا ناجي، ما أنت عارف إن كل مشاكلي مع سي زفت." ناجي: "بس أنا شايف إن وليد مفيش من ناحيته أي مشاكل معاك." مالك: "قصدك إيه يعني؟
أنا بخترع مثلاً؟ ناجي: "لأ يا عم مقصدش كده، أنا بس عايزك تفضفض وتقولي إيه اللي مضايقك من وليد، مش يمكن سوء تفاهم ويتحل ببساطة! مالك بتنهيدة: "عمره ما هيتحل يا ناجي، عمره." ناجي: "طب لي بس؟ إنتوا دم واحد وعيلة واحدة، جايز تقدروا تحلوا خلافاتكوا لو قعدتوا مع بعض واتفاهمتوا." مالك: "نتفاهم؟!! نحل خلافاتنا؟!! نقعد مع بعض؟!! ثم تابع بضحكة ساخرة: "إنت بتقول حاجات كتير غريبة النهارده." ناجي بصبر: "وإيه المانع؟
طب تحب أمهدلك أنا الطريق؟ مالك: "إزاي يعني؟ وطريق إيه؟ ناجي: "أتكلم مع وليد وأعرف مشكلته إيه من ناحيتك، ونحاول نحلها بالهداوة." مالك بتنهيدة طويلة: "وليد معندوش مشاكل من ناحيتي." ناجي: "حيرتني معاك يا أخي... أمال في إيه؟ إيه سر العداوة اللي بينكوا دي؟ دا إنتوا قرايب والمفروض تكونوا إيد واحدة يعني، وتبقوا أصحاب. أصحاب إيه!! دا إنتوا المفروض تكونوا إخوات كمان." مالك: "إخوات وأصحاب مش كده؟ إخوات وأصحاب؟
ارتفع صوته فجأة وهو يتابع: "اللي المفروض أعتبره صاحبي وأخويا ده سالب حقي في كل حاجة...
واخد كل حاجة ليه هو وبس، اهتمام الكل، حب الكل، لهفة الكل، احترام الكل، وحتى كليته رغم مجموعه الهاااي أوي هو اللي اختارها ومحدش قاله تلت التلاتة كام. اللي المفروض أعتبره صاحبي وأخويا عنده صاحب من وهو عنده خمس سنين ويمكن أقل، ماشي قاعد رايح جاي معاه وبيتبجح في وشي قدامه ومبيردش اعتباري. حتى البنت اللي بحبها هو كمان بيحبها، وأريج حبته هو. ها عايز إيه تاني؟ قول لسه عايزني أعتبره صاحبي وأخويا؟
أنا ووليد عمرنا ما هنعترف حتى برابط الاسم اللي بيجمعنا... ومن فضلك ما تتكلمش معايا في الموضوع ده تاني... إلا لو كنت عايز تخسرني." أنهى جملته ووقف مغادرًا المكان، وغيظ الدنيا يملأ عينيه. بينما تحرك ناجي عازمًا على مساعدة صديقه، ظنًا منه أنه سيقدم له المساعدة حقًا، لكنه لا يعلم أنه بهذه المساعدة التي يحاول تقديمها سيفتح أبواب الحقد بحق على كليهما. ***
تجلس في شرفة غرفتها وقدمها تهتز بتوتر. لا تعلم لماذا لم يظهر بالجامعة أو تراه كالعادة منذ ذاك اليوم الذي كان فيه هنا. تُرى هل غضب حقًا من قبولها هدية مالك وحديثها معه؟ ما الذي كان يقصده حينما أخبرها بأن الحرام حرام حتى لو كان من أجل إشعال الغيرة؟ هي لم تقصد ذلك، هي فقط أرادت أن تشعل غيظه كما أغاظها حينما كان يسأل الأسئلة الدينية في تلك الليلة. حسنًا، هل يقصد بجملته تلك أنه لا يغار؟ ولمَ يغار من الأساس؟
هل يحبها أصلاً؟ لكن بما يمكن تفسير انتظاره لها كل يوم حتى تنهي محاضراتها ليراها وهي تغادر؟ أيعقل أنه يفعل ذلك من أجل أن يطمئن فقط بأنه لا أحد يزعجها؟ أو ربما والدها من طلب منه الاعتناء بها؟ أو ربما هي بالغت في الظن بأنه ينتظرها، وهو لا يفعل شيئًا وما هي إلا محض صدف لا أكثر؟!!! يا إلهي، تكاد تُجن من التفكير. أعلن هاتفها عن اتصال من ملك. أريج بهدوء: "أيوه يا ملاك؟ السلام عليكم."
ملك: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه يا بت؟ أريج: "تمام الحمد لله. وانتي إيه الأخبار؟ ملك: "ماشية الحمد لله. بقولك إيه، هنعمل إيه بكرة إن شاء الله؟ أريج بتفكير: "امممم... تيجي نروح عند عمتي؟ ملك: "فكرة مش بطالة تصدقي. بس في حاجة صغننة إنتي مش واخده بالك منها." أريج: "إيه؟
ملك بغيظ: "إننا فعلاً بنتجمع يوم الجمعة يا عند عمي جود يا عندكم يا عندي. أنا سؤالي حضرتك يخصني أنا وسعادتك، نعمل حاجة أنا وسعادتك غير الروتين العائلي." أريج بضحكة: "طب بس متكزيش على أسنانك بس. هنعمل إيه يعني؟ بقولك إيه، ما تقومي تيجي ونخطط وإحنا سوا هنا." ملك: "اممم... ماشي هقوم أقول لماما كده وأكلم مالك لو هيرجع بدري يعدي ياخدني من عندك." أريج: "ماشي مستنية."
أغلقت ملك الهاتف معها واستأذنت شهد التي سمحت لها بالذهاب حينما أخبرها مالك عبر الهاتف أنه سيهتم بإحضارها من هناك. طرقات على الباب، دلفت بعدها ملك إلى حجرة أريج. أريج بابتسامة: "يامراحب يا أختي. تعالي زي ما إنتي كده ندخل ندعبس في المطبخ شوية، أصل التفكير والتخطيط على معدة فاضية بيبقى فاشل." ضحكتا معًا ثم دلفتا للمطبخ حيث أروى التي تُنهي تجهيزات العشاء. أروى بابتسامة: "شهد عاملة إيه يا ملاك؟
ملك: "حلوة زي العسل الحمد لله وبتسلم عليكي." أروى بابتسامة: "يارب تسلم." أنهت الفتاتان تجهيز بعض الأطباق، ثم دلفتا للغرفة مجددًا، وقد استقرتا على طلب الذهاب للتسوق حينما لم يجدن شيئًا آخر يمكنهما فعله. *** كان يرتدي ثياب الرياضة خاصته. فاليوم إجازة، لذلك ولأول مرة سيستغل الصباح في الرياضة. خرج من غرفته ليجد والده ووالدته يجلسان إلى طاولة الطعام. وليد: "ولا كأن معاكوا بني آدم في البيت."
مريم بابتسامة: "اقعد حبيبي. أنا دخلتلك من شوية كنت نايم ومرضتش أصحيك عشان نايم متأخر." جلس وليد بعد أن قبَّل رأسها ورأس والده كذلك. جود: "طالع تلعب؟ وليد: "آه هجري شوية واحتمال أروح النادي شوية، وأرجع على طول. مراد جايلي بعد الجمعة عشان نروح نزور واحد زميلنا في المستشفى." جود: "ربنا يجعله في ميزان حسناتكم يارب. يلا همشي أنا بقى." مريم وهي تتحرك معه: "توصل بالسلامة حبيبي، ومتتعبش نفسك ها، كُلْ حاجة وسط شغلك كده."
وليد بضحكة: "الوصايا السبعة." مريم وهي تضربه على مؤخرة رأسه: "اتلهي يا شيخ." وليد: "إنتوا إيه حبكوا في قفايا؟ رايحين جايين تلطشوا فيه ليه! جود وهو يضربه عليه مجددًا: "أصله بيسمَّع." ضحكت مريم ليتحرك جود، قبل أن يتمتم وليد: "تسلم إيدك يا بابا، القلم ده ظبطلي المسائل." غادر جود لتعود مريم وتجلس إلى الطاولة بهدوء بجانب وليد،
وبدأت تتأمله بهدوء: بحة صوته التي تشبه والده، عيناه الناعسة شبيهة خاصة جود، لون خصلاته المائلة للإشقرار شبيهة والده، عينيه المائلة للإخضرار شبيهة خاصتها هي، غمازة وجنته اليسرى وشامته عند جانب عنقه جهة اليسار كما حال الأخرى عند شفتيه مثلها تمامًا. وليد قاطعًا تأملاتها: "قولي إنك بتقارنيني بقدرك، مش هزعل." ضحكت مريم بخفة لتتمتم: "إنتوا الاتنين حياتي يا حبيبي، أنت جود الصغير أصلًا."
وليد: "ربنا ما يحرمكوا من بعض ولا يحرمني منكم أبداً." مريم بابتسامة: "ولا يحرمنا منك يا حبيبي. قولي بقى، إيه أخبار الحياة معاك؟ أنا عارفة بقالي فترة مقعدتش أنا وانت سوا ولا اتكلمنا، بس بجد محتاجة أعرف إيه أخبار دنيتك." وليد بتنهيدة: "كل حاجة ماشية تمام بفضل دعواتك يا حبيبة قلبي." مريم: "أمال أنا ليه حاسة إن في حاجة مزعلاك أو مضيقاك؟ وليد: "يمكن عشان محتار." مريم: "إيه محيرك يا حتة من قلبي." وليد بتنهيدة: "أريج."
مريم بابتسامة: "مالها ريجو؟ وليد: "مش عارف، أنا حاسس ناحيتها بحاجات كتير، بس في نفس الوقت... مش ينفع." مريم: "قول اللي في قلبك يا ليدو، حاسس بإيه؟ وإيه اللي مش ينفع؟ وليد: "أنا بحبها يا أمي." مريم وقد رفرف قلبها فرحًا: "مش حرام حبيبي إنك تحبها، لكن الحرام لو خليت مشاعرك اللي تمشيك. يعني بتحبها يبقى حافظ عليها من نفسك لحد ما ييجي الوقت المناسب عشان تطلبها في الحلال." وليد: "مش دي المشكلة يا أمي." مريم وقد استشعرت
نبرة الحزن في صوته: "في إيه يا وليد؟ أنت خايف يعني عشان أريج ممكن متكونش بتبادلك مشاعرك؟ وليد: "لأ، خوفي هو مالِك." مريم بعدم فهم: "مالك ابن عمك؟ ماله؟ وليد وهو يزدرد ريقه: "تقريبًا بيحبها." مريم وقد اعتصر قلبها ألمًا من أجل طفلها، فجذبته إلى أحضانها بهدوء
وأخذت تربت على كتفه بخفة: "حبيبي، حتى لو ده صحيح، اتأكد إن ربنا مبيعملش غير الخير. ولو هي خير ليك وأنت خير ليها ربنا هيجمع طريقكم، ولو لأ، فصدقني ربنا هيختارلك الأفضل. متزعلش نفسك ولا تقلق، ابعد مشاعرك خالص واقفل قلبك واهتم بدراستك ومستقبلك واطلبها من ربنا في سجودك، وصدقني مش هيحصل غير الخير." تنهد وليد بارتياح لكلمات والدته: "ربنا ما يحرمني منك أبداً." مريم وهي تقبل رأسه: "ولا يحرمني منك يا حتة من قلبي إنت."
أنهى رياضته وجلس إلى إحدى المقاعد الموجودة على الطريق، وعاد بذاكرته لما حدث أمس، حينما كان جالسًا مع مراد على إحدى الأسوار داخل الجامعة. أتاه ناجي صديق ابن عمه. ناجي بهدوء: "السلام عليكم، وليد ممكن دقيقة لو سمحت." مراد ووليد: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." مراد وهو يتحرك من المكان: "طب هوصل الكافتيريا أجيب لنا ساقع بقى، ناجي هعمل حسابك." ناجي: "لأ لأ تسلم، أنا بس عايزك في كلمتين وماشي على طول، مشكور يا مراد."
أومأ مراد بهدوء قبل أن يغادر، ليلتفت ناجي إلى وليد وأطلق تنهيدة طويلة قبل أن يتحدث: "مش عارف أقولك إيه بس... بس مالك يمكن محتاجك." قفز وليد عن السور بسرعة وهو يتمتم بخضة: "مالك حصله حاجة؟ هو فين؟ ناجي بهدوء: "لأ لأ محصلوش حاجة متقلقش، هو كويس." وليد: "أمال إيه؟ ناجي: "وليد أنا هكون صريح معاك، مالك بيحب أريج." وليد وقد الجمته الصدمة: "إنـ أنت بتقول إيه؟
ناجي بتنهيدة: "بقول اللي حصل، أنا جيتلك عشان واثق إنك طيب وابن حلال ومبتحبش لحد إلا الخير. مالك بيحبها وحاطط في باله إنك بتحبها وهي بتحبك، وعشان كده مكسور وعشان كده برضه معاديك. عارف إني مليش حق أتدخل ولا أتكلم في حاجة زي كده بس... بس مالك نضيف وطيب أوي من جواه والله بس عايز يشوف الحب من اللي حواليه ويحسه، أنت فاهمني؟
لم يكن باستطاعة وليد أن يتفوه بكلمة من الأساس. لقد حدث ما كان يخشاه حقًا. كان يستشعر الغيرة منه على أريج طوال الوقت لكنه كان يتغاضى عن تلك الحقيقة. هل عليه الآن أن يختار بين حب طفولته وبين قرب ابن عمه؟!! ناجي وهو يربت على كتفه: "أنا قولت أقولك يمكن تقدر تحتوي ابن عمك وتقربوا من بعض، ويمكن تقدر تخليه يحس إنه محبوب بجد مش منبوذ من كل اللي بيحبهم. يلا بستأذن أنا." غادر ناجي تاركًا وليد في بحور حيرته وضياعه.
أفاق من شروده على صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال من عمه مروان. وليد بهدوء: "السلام عليكم، إزيك يا عمي." مروان: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أنت فين ياض؟ أبوك مكلمني من بدري وقالي إنك جاي والساعة داخلة على عشرة." وليد بتنهيدة: "أنا جاي أهو يا عمي، محتاج حاجة أجيبها معايا." مروان: "لأ يا بن الغالي سلامتك." أغلق وليد مع عمه وقد اتخذ قرارًا لا رجعة فيه. سيكسب قرب ابن عمه وليعوض الله قلبه.
ذهب إلى النادي ودلف إلى غرفة مكتب عمه بعدما أذن له بالدخول. صافحه مروان وطلب شاي وبسكويت من أجلهما. وبدأ يتحدثان قليلًا حتى طُرق باب المكتب ودلف مالك بابتسامة. اختفت بمجرد رؤيته لوليد جالسًا مع والده يتضاحكان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!