ذهب إلى النادي ودلف إلى غرفة مكتب عمه بعدما أذن له بالدلوف. صافحه مروان وطلب شاي وبسكوت من أجلهما. وبدأ يتحدثان قليلًا حتى طُرق باب المكتب ودلف مالك بابتسامة، اختفت بمجرد رؤيته لوليد جالسًا مع والده يتضاحكان. مروان بابتسامة: تعالي يا مالك، ادخل. مالك بهدوء ونظرة معلقة بوليد: قطعت عليكم حاجة مهمة. مروان بابتسامة: حاجة مهمة إيه يااض؟
اقعد اقعد هناكل بسكوت بشاي سوا، وبعدها نجهز للصلاة، وكويس أصلاً إنك جيت، عايز آخد رأيكم في حاجة. نظر مالك تجاه والده بترقب. منذ متى ورأيه يهم؟ أكان ليتصل به كي يأتي ويأخذ رأيه؟ يشك في ذلك، حتى أنه يثق تمام الثقة أنه هو من هاتف وليد وطلب منه المجيء. أخرجه من أفكاره حديث
والده الذي تمتم بهدوء: شوفوا يا شباب، أول حاجة، بعد أربع أيام النادي هيتم سنة إنشاء، فعايزين نعمل حفلة صغيرة تكون خاصة بالرجالة هنا، يعني العمال والمدربين وإحنا، نعمل يوم إجازة أو حتى نحتفل بالليل مثلًا. اقترحوا عليا آراء بقى للموضوع ده، عشان ندخل في الموضوع التاني. وليد بهدوء: أي نوع من الحفلات بالظبط؟ مروان: ما أنا لسه مش عارف، يعني إحنا دي أول مرة هنحتفل، فتفتكروا إيه الحفلة المناسبة؟
مالك: عادي الحفلات بتاعة الإنشاء بتبقى فيها مشروبات وزينة، حاجات عادية يعني. مروان: وأكيد بيبقى في موسيقى طبعًا. مالك: أكيد. وليد بتلقائية: عندي فكرة، إيه رأيكم لو الموضوع ياخد مجرى مختلف؟
يعني نعمل عشا بسيط وإن يكن صواني مثلًا، ونعمل ترابيزات طويلة، والسواطع عادي وموضوع الأضواء برضه تمام جدًا بس بلاش ميوزيك في الموضوع، يعني ممكن يبقى جو هادي حلو برضه، إحنا حتى بنحتفل ببناء مصدر رزق، فبلاش نشوهه بسيئات، ونسميها حفلة عشا، ونجيب فيها هدية مناسبة لكل عامل ولكل مدرب، وحضرتك وبابا وعمو إسلام تقدموهم، وتكلموا المدربين وتسألوهم عن المتدربين المميزين عندهم وكل واحد يرشح اتنين أو تلاتة، وأنا ومالك نقدملهم الهدايا دي.
صمت وليد ليرى مالك نظرة الفخر بعيون والده تجاه وليد. ومن ثم تحدث مروان بابتسامة: والله أنت واد ملكش مثيل، ربنا يحميك يا بني، أنا هكلم جود النهارده بعد الصلاة ونهتم فعلًا بالموضوع، ونتفق على العشا. وليد: بلاش يبقى عشا من بره، خليه عشا بيتي، والصواني الحريم يقوموا بيها، هما قدها وقدود، وكمان الأكل البيتي له لذته الخاصة. مروان وهو يربت على ركبة وليد: ربنا ما يحرمنا منك يا بني.
كان مالك جالسًا يتابع نظرات والده تجاه وليد، ليست سوى نظرات فخر، حب، احترام، تقدير. ابتسم في داخله بسخرية على نفسه، فهو لم يرَ أي نظرة من تلك توجه له من قِبل والده، وها هي جولة أخرى ربحها وليد بكل سهولة وبساطة. عاد من أفكاره وشروده على صوت مروان مرة أخرى متحدثًا بهدوء: الموضوع التاني بقى، يخص أريج. نظر له كلاهما باستفهام وترقب،
ليتابع مروان: أريج كلمت إسلام من فترة كده أنها عايزة تتعلم سباحة، هي وكام واحدة من صاحباتها، فإسلام قالي لو نقدر نخطط لمسبح منفصل ويكون مقفول ويكون خاص بالبنات، أنا مرحبتش بالفكره لأن حتى لو مسبح منفصل فباب الدخول واحد والاختلاط مش هنقدر نمنعه، غير إن في بنات متحررة وعادي عندها خروجها بأي شكل، فبالتالي هيكون في نظرات وغيره، مش عارف دي وجهة نظري يعني، عندكم حل؟ مالك وقد قرر أن يُظهر نفسه،
فتحدث باندفاع: وجهة نظرك سليمة يا بابا، مينفعش طبعًا، وبعدين الشباب موجود في النادي الأربعة وعشرين ساعة، ودخول وخروج البنات هيسيب أثر سلبي كمان على سمعة النادي.
وليد بهدوء: لو كلنا هنفكر بنفس الطريقة يبقى البنات هتتقيد في البيت ولا هيعرفوا يفرغوا طاقة ولا هيعرفوا يتعلموا حاجة، مننساش إن في سباحات عالميات بنات أمثال "ألكسندرا جيراسيمينيا، وكريستينا إيغرسيغي، ستيفاني رايس" وغيرهم، رغم اختلاف جنسياتهم وديانتهم بس دول نماذج على قدرة المرأة في خوض السباحة، وأي مجال هنلاقي فيه المرأة قدرت تتميز وتثبت نفسها، فموضوع التقييد الجامد ده غلط، زي ما الرجالة عندها مواهب البنات عندها
مواهب، وببساطة جدًا ممكن نخصص مكان فعلًا للسباحة ونعمل باب خروج خاص بالبنات كمان ونعمل شروط للعضوية، عشان نضمن إن ميكونش في تحرر داخل النادي، ونعمل حدود بين المكان الخاص بالبنات والشباب، المشكلة الوحيدة اللي ممكن تقابلنا هي إننا نلاقي مدربة سباحة، بس مش مستحيل، يعني لو دورنا وعملنا إعلان ممكن نلاقي.
للمرة الألف يفوز وليد بتلك النظرات، تبًا لكل شيء! مروان بابتسامة: والله أنا ما عارف أنت فعلًا واحد وعشرين سنة ولا أكبر من كده، دماغك حلوة وتفكيرك أحلى، هنتناقش في الموضوع تاني بعد الصلاة، يلا عشان نستعد بقى قرآن الجمعة بدأ. سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر. كُنّ قد أعددن الغداء في حديقة المنزل، وقمن بالصلاة، والآن هن في انتظار قدوم الرجال.
أريج وملك يركضان خلف بعضهما بكرة القدم التي أرسلها إسلام مع والدته لأنه قد وعد أريج بأن يلعب معها حينما يعود من الصلاة. صوت السيارة جعلهما تنضمان لمجلس الحريم، ليطرق جود الباب ويدلف والرجال من بعده مُلقين السلام. وجلسوا جميعًا حول المائدة وبدأن باسم الله. والدة مريم بابتسامة: تسلم إيديكوا يا بنات والله. مريم بمزاح: بنات إيه بقى يا ماما، كل ده كان تحت إشرافي، فتسلم إيديا. جود: تسلم إيديكي وعينيكي وقلبك يا كل الحياة.
تحمحم الجالسون بينما غص وليد وأخذ يسعل بعدما أدار وجهه للجهة الأخرى مما جعل إسلام يسعل هو الآخر من كثرة الضحك. جود وهو يأكل دون أن يهتم لأحد منهم: كلي يا عمري كلي وسيبك منهم دول حقودين. مروان بضحكة: مغازلتك لمراتك هتخلي ابنك وأخوها يفطسوا. تنفس وليد أخيرًا وارتشف بعض المياه التي قدمها له مروان، ومن ثم نظر تجاه والده وتحدث بضحكة: أنت كنت بتقولها إيه يا بابا؟
نفض جود أذنه كأن هناك ذبابة تصدر صوتًا بجانبها ليضحك الجميع على فعلته، فضحك وليد متمتمًا: بقى كده، ماااشي، خليكي فاكرة يا مريمتو، عشان لما يبقى يجري ورايا في الجنينة متبقيش تقولي متتعبش أبوك بالجري ها. عاد الجميع لتناول الطعام بينما أريج في واد آخر تمامًا، لقد ذهبت مع جمال ضحكة ذاك الوجه الذي لطالما عشقته، يضحك من قلبه، ويمزح مع الجميع، كما أنه صافح الجميع وتحدث معهم ولم يوجه لها كلمة واحدة، أيعقل أنه لا يزال غاضبًا؟
ما الذي يحدث؟ أجفلها صوت إسلام وهو يناديها لتتمتم باندفاع: إيه يا بابا خضتني. إسلام عاقدًا حاجبيه، فابنته لا ترد عليه بهذه الطريقة، ولم هي شاردة هكذا. لكنه لم يتحدث معها، فعضت على شفتها في ضيق من اندفاعها في الرد. لاحظ سفيان التوتر الذي حدث، كما أنه لاحظ نظراتها لوليد، فتحدث بهدوء: ريجو لو خلصتي أكل تعالي معايا جوه، هنعمل إحنا الشاي. أريج بتيه: هاه؟ آه آه كلت الحمد لله، يلا. دلفت أريج مع سفيان للمنزل لتتحدث
مريم مع إسلام بهدوء: مفهاش حاجة لو كنت ناديتها براحة شوية طالما شوفتيها سرحانة، ليه تخضيها كده! إسلام: مكنتش أقصد. جود بهدوء: حصل خير يا جماعة خلاص، سفيان مش هيسيبها غير لما تضحك وضحكتها تسمع آخر الشارع، ومش بعيد تلاقوهم قاعدين بيتصوروا جوا زي المجانين أصلًا. ضحك الجميع بهدوء لعلمهم بمدى جنون سفيان وأريج حينما يكونان معًا.
بينما في الجانب الآخر، تقف أريج أمام الموقد لتُعِد الشاي، في حين يقف سفيان مستندًا بظهره إلى الحائط. تحدث بهدوء: ها، مش هتقوليلي إيه شاغل تفكيرك كده؟ أريج بتنهيدة: مفيش حاجة. سفيان: أنا مش هما عشان تقوليلي مفيش حاجة يا ريجو، أنا عمك وفاهم كويس إن في حاجات مش حاجة، وليد مزعلك في إيه؟ نظرت له أريج ليرفع حاجبيها لها بمعنى "شوفتي". أريج: مش عارفة، هقولك الحوار اللي حصل وأنت قولي أنا غلطت في إيه، ماشي؟
أومأ سفيان لتقص له ما حدث من أمر مالك وهديته، وأمر عدم رؤيتها له في الجامعة منذ ذاك اليوم وكذلك تجاهله لها منذ أن أتى من الصلاة، حتى أنه سأل ملك عن أحوالها. أريج بتنهيدة: ده كل اللي حصل، مش عارفة بقى. سفيان بهدوء: أنتي فعلًا ناوية تفتحي صفحة جديدة مع مالك؟ أريج: عادي يعني يا عمي، إحنا في كل الأحوال مبنتعاملش مع بعض، صباح الخير يا جاري، أنت في حالك وأنا في حالي، عادي يعني، إحنا مش أعداء.
سفيان: طب أنتي لو مكنش وليد أحرجك يوم الأسئلة ده، كنتي قبلتي هدية مالك؟ أريج: أيوه، أنا قبلتها من قبل ما نبدأ لعب أصلًا. سفيان: طب نفس السؤال بطريقة تانية، لو مكنش وليد أحرجك يوم الأسئلة، كنتي هتشكري مالك على الهدية بنفس الطريقة؟ أريج بتنهيدة: مش عارفة والله يا عمي، أنا أصلًا معرفش إزاي وقفت وكلمته كده. سفيان بهدوء: أريج، مفيش حاجة عايزة تقوليهالي؟
نظرت له أريج لبعض الوقت قبل أن تنفجر باكية ليقترب سفيان منها وأخذها بين ذراعيه وتركها تبكي، لقد وقعت ابنة أخيه في عذاب الحب، رأى ذلك من نظراتها اليوم، لكن ماذا عن وليد؟؟ هدأت أريج بعد بعض الوقت ليتحدث سفيان بهدوء: يلا هنخلص الشاي ونخرج أنا وأنتي شوية. أريج وهي تستنشق ما بأنفها: اتفقت أنا وملك نطلع نعمل شوبنج بعد العصر.
سفيان بجانب عينه: فين أنتي وفين العصر يا ماما، بقولك إيه ادخلي اغسلي وشك وتعالي نتصور في الصالة الصفرا دي، ونرفع شعار، لن نبكي بسبب الخضة يا إسلام. أريج وهي تضحك: أنت صح. ضحك سفيان ومن ثم أغلقت الموقد على الشاي وخرجت هي وسفيان وبدءا يتصوران بجنون ويسجلان العديد من الفيديوهات، وأصوات ضحكاتهما وصلت للجالسين بالخارج. جود بضحكة: سامعين؟ صدقتوني؟ ضحك الجميع وهم يسمعون لغناء سفيان وأريج وضحكاتهما.
قُضي معظم الوقت ليأخذ سفيان أريج ويتمشيان قليلًا بعدما أذن لها إسلام. سفيان بهدوء: ها، فضفضي بقى. أريج: أفضفض أقول إيه بس؟ سفيان بهدوء: أي حاجة عايزة تقوليها هسمعها، وهفضل جنبك، أنسي إني عمك واعتبريني أخوكي مثلًا أو واحدة صاحبتك حتى، وبطلي تقولي عمي دي عشان بتعصبني، قولي سفيان على طول أنا راضي. أريج بابتسامة وتنهيدة: مش عارفة أقولك إيه بجد بس، أنا يعني، مش عارفة يعني، أنا.. أنا تقريبًا بحب وليد.
قالتها وأنزلت رأسها أرضًا كأنها افتعلت ذنبًا لا يُغتفر. وقف سفيان وقد صدق حدسه، فقرب إصبعه ورفع وجهها لتواجهه وتحدث بهدوء: الحب لا هو عيب ولا هو حرام، بس الحرام أنك تستخدمي مشاعرك بدون ما يجمعكم رابط شرعي، والعيب أنك تلعبي على وتر مشاعرك دي وأنتِ مش عارفة إذا كانت هي نفسها مشاعره ولا لأ. بس خلينا نفكر الأول في مشاعرك أنتِ، إزاي عرفتي أنك بتحبي وليد؟ مش يمكن ده مجرد إعجاب مثلًا؟
أو عشان كنتوا دايمًا مع بعض من صغركم فده يبقى اسمه تعود؟ عرفتي إزاي أنه حب؟ فكرت أريج قليلًا ومن ثم تساءلت في حيرة: هو الواحد إزاي يعرف الفرق بين الحب والإعجاب والتعود؟ سفيان بهدوء: أقولك يا ستي. الحب..
أنك ما تشوفيش حياتك بدونه، غيابه بيأثر على يومك، قلبك بيفرح لا إراديًا بمجرد ما تلمحيه أو تسمعي صوته في المكان، تقلقي لو غاب عنك، تحسي أنك أنتِ اللي نجحتي لو عرفتي بنجاحه، وقت تعبه ما تعرفيش تنامي الليل، بتحسي بيه من مجرد نظرة أو كلمة، قلبك بيتقبض لو حصله حاجة، لأن قلبك بيبقى معقود بقلبه، طول الوقت بتبقي عايزة تطمني عليه لو مش قصاد عينك، أي حاجة بتفرحك بتبقي عايزة تجري عليه وتفرحيه معاكي، بتعرفي تحتويه لو حسيتي أنه
تعبان أو مخنوق، بتبعدي عن أي حاجة تضايقه، حاجات كتير أوي بتيجي تحت مسمى الحب يا أريج، حاجات لا تعد ولا تحصى، وكل ده لما تحسيه وأنتِ حلاله هيبقى الحب مختلف تمامًا، له طعمه وله لذته، أما الحب اللي بيبقى بدون رباط بيبقى حب عقيم، وملوش مسمى ثاني غير أنه عقيم وبس.
أما بقى الإعجاب.. فده بيبقى زي أنك معجبة باستايل لبسه مثلًا، بطريقة كلامه، بشكله، الحاجات الزائلة دي، ومجرد ما تزول، الإعجاب كمان بيزول، أو بمجرد ما تشوفي حد أفضل، إعجابك هنا بيقل وهناك بيزيد. التعود بقى..
ده اللي بنخلطه إحنا مع الحب، اللي هو زي حالتك أنتِ ووليد كده، أنتِ ووليد من صغركم مع بعض ما تفارقتوش، تلعبوا سوا، تأكلوا وتشربوا سوا، تدرسوا سوا، تقريبًا حياتكم كانت سوا، فأنتِ اتعودتي على وجوده، وعشان فترة الثانوية معروفة بإنها فترة صعبة وكل واحد كان بعيد عن الثاني بحكم الدراسة، فبدأتم تحسوا بغرابة الوضع، اللي هو اتحطت مسافات بينكم لأنكم فجأة اكتشفتوا أنكم كبرتم وما بقاش ينفع اختلاطكم ببعض يزيد عن حدود القعدة مع العيلة، فده بقى بيولد جواكي اشتياق لاهتمامه بيكي للعب معه لمشاركته ليكي في كل حاجة، لكن لو جه غيره وفضل معاكي فترة فهتبدأي تحسي ناحيته بالتعود برضه، مش الحب، لأن الحب ما بيسمحش لشخص يحل محل شخص ثاني.
بس يا ستي دول كده باختصار، أنتِ شايفة نفسك بقى إيه في الثلاثة دول؟ أريج بتفكير: امممم.. أنا شايفة أننا نرجع نلعب لنا ماتش قبل الصلاة. ضحك سفيان وهو يأخذها تحت ذراعه ليعودا للمنزل وقد احترم رغبتها في طلب مساحة للتفكير في حقيقة المشاعر التي تكنها لوليد بداخلها، حتى لو لم تطلب ذلك جهرًا. وصلا عند الباب لتتحدث بهدوء: تفتكر لو طلع اللي في قلبي لوليد حب.. ممكن يحبني هو كمان؟ سفيان وهو يقرص وجنتها:
إحنا نهتم بنفسنا الأول وبعد كده حتى لو وليد ما بيحبناش نخليه يحبنا بطريقتنا. ضحكت أريج بخفة متمتمة: والله أنت عمو عسل. سفيان بغيظ: يا زفتة قلتلك ما تقوليليش يا عمي دي عشان بتعصبني منك. أريج بضحكة: يا عمي يا عمي يا عمي يا عمي. سفيان: بقى كده؟ طب تعالي.
ركض خلفها في حين ركضت هي أولًا إلى الداخل وكان الجميع بالمنزل في هذا الوقت ولكن الشرف مفتوحة ويتبين منها من هم بالخارج، بقي يركض سفيان خلفها قليلًا حتى أمسك بها ورفعها على كتفه، لتضحك هي وهي تتمتم من بين ضحكاتها: خلاص خلاص خلاص. سفيان وهو يركض حاملًا إياها: اسمي إيه ها؟ أريج: سفيان سفيان اسمك سفياااان. أنزلها بهدوء متمتمًا: ناس ما تجيش غير بالضرب. أريج: طب يلا اعمل عارضة عشان نلعب ماتش.
وبالفعل بدآ يلعبان في جو ملئ بضحكات أريج، التي ورغم حبها الراسخ بقلب وليد إلا أنها تؤلمه، فابن عمه يحبها، وهو لن يسمح بأن ينظر حتى لفتاة أحبها ابن عمه. وكأن القدر لعب لعبته ليرد لمروان فعلته النبيلة وتضحيته بحبه من أجل أخيه، فرُدت في ابنه، حيث تم التنازل عن الحب له هو الآخر. الأيام تدور بحلوها ومرها، وهذا قانون الحياة الراسخ.
بعد النقاش الذي دار بين الجميع اتفقوا على أن وليد يمتلك الرأي الصواب، وقد قرروا بناء مسبح آخر وعمل بوابة خروج خاصة بالفتيات وسيتم عزل مسبح الفتيات عن باقي النادي حتى لا يكون هناك أي اختلاط من أي نوع كان، وبدأوا بالفعل في التجهيزات.
بينما بقيت أريج لثلاثة أيام تحاول إقناع نفسها بأن ما تشعر به تجاه وليد إما إعجاب أو تعود، لكنها لم تستطع، فاشتياقها لرؤيته دومًا بالجامعة فاق احتمالها، كما اشتياقها لحديثه ولو بكلمة معه افتقدته كثيرًا، تترقب قدومه أو رؤيته عند ذهابها لمنزل عمتها عمدًا أو إتيان عمتها إليهم، لكن لا فائدة، عقابه قاسٍ للغاية، ومن دون إدراك قامت بفتح صفحتها الشخصية على الفيسبوك وبدأت في كتابة أحد النصوص. "قصيدة تتألم"
لم أعتد عليك قاسيًا.. أيًا قلبًا بفؤادي فديته كيف السبيل إلى وصالك؟ واهتمامك بي فقدته! أهانت عليك روحي؟ أم أن ذنبي عندك لا يُغفر؟! جافاني النوم في بُعدك.. كيف لعينٍ لم تَرَكَ أن تُغمض؟ لم تعد السعادة تزورني.. فأعد إلى القلب أرجوك نبضه -بقلمي -أنهت كتابتها وتدثرت في فراشها لتذهب بعدها في سبات عميق.
بينما على الجانب الآخر فقد أنهى استذكار دروسه لأن لديه اختبار الميدتيرم في اليوم التالي، نظم أغراضه واستعد للنوم، لكن شيئًا ما جعله يمسك بهاتفه ليشاهد صور العائلة التي يلتقطها هو بنفسه كلما اجتمعوا وبعدها يقوم بطابعتها والاحتفاظ بها، أخذت عيناه تنظر بتلقائية لعينا مالك، إنه لا يبتسم بأي صورة، كأنه بين أناس لا يرغب لوجوده بينهم، يحاول تذكر أي مغامرات تخص مالك، لكن لا شيء يذكر، دائمًا إما صامتًا أو يفتعل المشاكل، ولا
وسطية عنده، تنهد بضيق من نفسه، ربما كان عليه احتواءه من البداية، فهو الأكبر على أي حال، الخطأ خطؤه وحده، تصفح بعض المواقع قليلًا ليرى آخر حالة قد كتبتها أريج، وقد آلمه قلبه حقًا وهو يراها، أغمض عينيه بتعب حقيقي، المشكلة لن تكون في تنازله، بل المشكلة الكبرى بحق هي إن كانت أريج تحبه، يتمنى من كل قلبه ألا تكون، وأن هذه القصيدة الصغيرة ما هي إلا تعبير مبالغ به.
فكر في كتابة خاطرة صغيرة يبين فيها أنه لا مشاعر له تجاهها، لكن الكلمات لم تسعفه، رفض عقله الاستجابة ولأول مرة يتوافق قلبه وعقله، ويا للمأساة، لقد اتفقا على ألا يخرجاها من قلبه وحياته. لكن ماذا عن مالك؟! لا يستطيع الاختيار. كيف اختار سابقًا علاقته بابن عمه على حبه؟! والآن يتمرد القلب والعقل!! تنهد بتعب وأغمض عينيه متمنيًا من الله أن يحل تلك المعضلة بعدله وحده.
عاد إلى منزله في وقت متأخر تلك الليلة، فقد كانوا يهتمون بالأوضاع داخل النادي لتكون الحفلة جاهزة في الغد، وجد المنزل مظلم، فعلم أنه أحد المقالب التي تفعلها شهد به دومًا، يا إلهي لو أنها زوجت أبناءها منذ فترة بسيطة لأصبحت جدة الآن، ورغم ذلك لا زالت تتعامل كالأطفال، وهو يعشق طفولتها أيضًا، انتظر هجومها هي أو وريثة جنونها ملك، لكن لا أحد منهما ظهر، هو يستمع لصوت التلفزيون لكن هذا أمر قد اعتاده، وهو متابعتهما لكارتون الأطفال على سبيستون على الأغلب، تحرك بهدوء وقام بفتح الكهرباء ليأتيه
صراخهما من حيث لا يدري: مين فتح النور. أغلق مروان الكهرباء مجددًا وعلم أن كليهما تفترشان الأرضية بين المقاعد تستمعان للكارتون. وقد وجد ما توقعه بالإضافة لذلك المفرش الدائري الذي تتسطحان فوقه ومن حولهم أكياس الشيبسي وصحون المسليات وأكياس المارشميلو الفارغة وأكواب فارغة لعصائر لا يدري نوعها. والمخزي حقًا أن لا أحد منهما تحرك من مكانه حتى لتريان من القادم، ألا تخشيان أن يكون لصًا مثلًا؟ ضرب رأسه بخفة وهو يتمتم في نفسه:
حرامي مين الحمار اللي هيدخل ويفتح النور ده! نظر لشاشة التلفزيون ليجد القناة تعرض كارتون سبونج بوب، وشهد وملك تنامان أرضًا بين كل تلك الفوضى وكل منهما ترفع قدم فوق الأخرى ويبتسمان باتساع واستمتاع، أوه يا إلهي، تزوج من طفلة لتنجب طفلة ويمر العمر وتبقيان أجمل طفلتين بحياته. تحرك مروان في خفة وقام بسحب سلك التلفزيون من الكهرباء لتهجم الاثنتان عليه. ملك وهي تضرب الأرض: يا بابا دي كانت أجمل حتة في الكارتون. شهد بتذمر:
عمرك ما سيبتنا نتهنى على كارتون للنهاية. مروان وهو يوزع نظره بينهما: طب بس حد يفتح النور ده عشان نتفاهم. فتحت ملك النور لتُصدم هي وشهد من مظهر تلك الفوضى التي تعج المكان. ملك ببراءة: مين اللي بهدل الدنيا دي كده؟! مروان: نعم يا اختي! أمي اللي قعدالي لنص الليل تاكل مسليات وتشرب عصاير وتتفرج على سبيستون هي اللي بهدلت الدنيا دي كده، عارفاها؟ شهد وهي تكتم ضحكتها: خلاص حبيبي ثانيتين والمكان يرجع زي ما كان.
وبالفعل نظفت هي وملك المكان، في حين جلس مروان إلى أحد المقاعد يشاهدهما وهن تتحركن بتلك البيجامات المتشابهة تمامًا، الرصاصية اللون والتي يصل بنطالها لما بعد الركبة والتيشرت العلوي بنصف أكمام ومن الأمام رسومات كارتونية من اللون البمبي، لقد اعتاد عليهما ترتديان نفس الملابس بالمنزل، وهو يعشق ذلك. انتهت ملك وجلست إلى المقعد المقابل وهي تتمتم: قولي بقى أكمل حلقة سبونج بوب إزاي دلوقتي؟ مروان:
وأنا مالي، انتظريها الموسم الجاي. ملك بغيظ: وإيه هيحصل لو سيبتنا نكملها بس يا بابا. مروان: يا بابا اكبري... يا حبيبتي أنتِ عشرين سنة مش سنتين، أمك دي هبلة ما تسمعيش كلامها. ملك وهي تضحك: بس بتسليني والله. شهد وهي تضربها على مؤخرة رأسها: بدل ما تردي غيبتي بتقولي بتسليني. طب معدش فيه سبايستونات تاااني. غمز مروان لملك وهو يتمتم: هي مش كل يومين تقول الكلمتين دول؟
ملك بضحكة: آه حقيقي.. كل يومين تقولهم وأول ما تلاقي كارتون حلو بنحبه تفضل تنادي عليا وتقولي الكارتون جه.. وهوب في لحظة نكون مستعدين لجو سينمائي طفولي. شهد: ماشي ماشي. مروان بابتسامة ماكرة: تحبي أجيبلك حقك يا دودو؟ أومأت شهد بضحكة.. فتحرك مروان ليركض خلف ملك التي علت صوت ضحكاتها حتى دلفت غرفة مالك لأنها الأقرب إليها.. وأغلقت الباب خلفها. مروان من الخارج: ألمح طيفك بس بره. عاد أدراجه تجاه
شهد التي تمتمت بابتسامة: جعان أحضرلك عشا؟ مروان بابتسامة خبيثة: لا متجهز.. أنا عشائي جاهز ديما. ضحكت شهد حينما رفعها على كتفه وتحرك بها لغرفتهما. بينما تحركت ملك إلى فراش أخيها الجالس بهدوء يتصفح المواقع الإلكترونية في ضجر.. ملك بابتسامة: مالك. نظر لها مالك نظرة خاطفة وأعاد نظره للهاتف مجددًا.. لتتابع هي بهدوء: مش عايز تفضفض معايا بحاجة؟ .. حاساك مش كويس بقالك فترة.
مالك: متشغليش بالك أنتِ.. روحي اجري كملي لعب مع بابا ولا كملي سهرة مع ماما.. واطفي النور واقفلي الباب وراكي.. أنا هنام. تحركت ملك بحزن.. فمن المفترض أنهما أقرب اثنين لبعضهما لكونهما توأم.. لكنها لا تعلم ما الذي يصيبه.. أو سبب بعده عنها هكذا.. بل بعده عن الجميع بلا استثناء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!