كان يتحرك أمام النادي بعصبية مفرطة وقلق يتفاقم. حتى وصل إسلام الذي خرج سريعًا إليه وهو يتمتم في قلق: "مروان! مفيش أي أخبار برضو؟ نفى مروان وهو يمسك برأسه: "أنا هتجنن بجد.. قلقان أوي يا إسلام.. هيكون راح فين بس؟ حاول إسلام تهدئته: "اذكر الله يا مروان.. اذكر الله." قاطعهما صوت هاتف مروان الذي نظر إليه في لهفة ليجد اسم ملك يحتل الشاشة. كان سيتغاضى عن الإجابة، لكن ساوره قلق مبهم فأجاب سريعًا
ليأتيه صوتها الباكي: "بابا.. بابا ماما في المستشفى.. بابا تعالي بسرعة عايزين ياخدوا مالك." سقط قلبه أرضًا وبدأ يترنح، ليأخذ إسلام الهاتف من يده سريعًا: "ملك! ملك انتي فين؟ ملك ببكاء: "في مستشفى ****.. ماما وسبأ صحبتي.. ومالك عايزين ياخدوه.. تعالوا بسرعة أنا خايفة." إسلام: "حبيبتي هدي نفسك.. يلا اذكري الله.. اذكري الله واقرأي سورة الشمس والتين والليل.. واحنا جايين أهو.. متخافيش ماشي." ملك: "ماشي ماشي.. بس بسرعة."
أغلق إسلام الهاتف وأخذ مروان وقاد سيارته بسرعة إلى المستشفى التي أخبرته ملك بعنوانها. بينما يجلس مروان بجانبه كمن سُكب عليه دلو من الماء البارد. دلف للمنزل مع سفيان بصمت تام. لتقابله مريم بعينين متسائلتين، لكنه هرب بعينيه عنها. لتتمتم في محاولة لكتم عبراتها: "وليد.. وليد إيه اللي حصل.. أنت مبتكدبش عليا ولا بتخبي عني.. بابا فين؟ اقترب سفيان محتضنًا مريم التي تمتمت بخوف: "عشان خاطري طمنوني طيب."
وليد: "هو كويس والله صدقيني.. هو بس حصلت معاه مشكلة ومحتاج.. محتاج وقت يفضل مع نفسه شوية." مريم وهي تنفي برفض: "أنا.. أنا نفسه.. أنا نفسه يا وليد." قاطعهما صوت الباب ليفتح وليد أملًا أن يكون والده، لكنها أروى وأريج. أروى بهدوء: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." اقتربت من مريم وهي ترى شحوب وجهها وتشاحن الأجواء: "مريم! مريم في إيه يا حبيبتي؟ أعلن هاتف سفيان عن اتصال
ليجيب فور أن وجده إسلام: "السلام عليكم.. ها يا إسلام؟ إسلام بتنهيدة: "سفيان.. خليك جنب مريم.. وابعت لي أروى وأريج على مستشفى *** بس متتكلمش قدام مريم.. خليهم يجولي من غير ما مريم تحس بحاجة." سفيان: "ماشي.. هو كويس يعني؟ إسلام بعدم فهم: "هو مين ده؟ سفيان: "طب الحمد لله.. ربنا يهدي سره.. متقلقش أنا مع مريم وهعرفها حاضر.. يلا مع السلامة." أغلق مع إسلام الذي فهم بأن سفيان تحدث هكذا ليطمئن مريم. مريم بلهفة: "إيه؟
سفيان بتنهيدة: "يا حبيبتي والله متقلقيش خالص.. هو بخير بس محتاج يقعد شوية مع نفسه." مريم: "إيه الحكاية!! هو إيه اللي يقعد مع نفسه؟؟ .. انتوا مخبيين عني إيه؟
إسلام بعصبية: "في إيه يا مريم.. انتي مش هتخافي على جود لوحدك.. جود أخويا وأخو إسلام ومروان وأبو وليد لو ناسيه.. وكلنا قدامك أهو وبنقولك كويس ومحتاج يقعد شوية مع نفسه.. متبقيش أنانية.. أوقات كتير بنحتاج نقعد مع نفسنا نفكر في حاجات كتير.. سيبيله مساحة يا مريم متفضليش قافلة عليه بالشكل ده.. هو من حقه ينفرد بنفسه ويعيد ترتيبات حياته مرة واتنين.. اديله مساحة." انفجرت مريم باكية بين أحضان أروى التي تربت على كتفها
بحزن من أجلها وهي تتمتم: "سفيان عنده حق يا حبيبتي.. يلا يلا ادخلي اتوضي وصلي ركعتين لله.. يلا حبيبتي." أماءت مريم ودلفت لدورة المياه. بينما تحدث سفيان بهدوء: "أروى.. خدي أريج وروحي على مستشفى *** إسلام مستنيكم هناك." أروى بقلق: "ليه مستشفى؟ .. مين في المستشفى؟ سفيان: "مش عارف مقالش أكتر من كده.. روحوا يلا.. واريج لما توصلي كلميني تعرفيني في إيه هناك." أماءت أريج وهي تخرج مع أروى بسرعة متجهتان للمستشفى.
بينما يقف وليد مستندًا برأسه إلى الحائط. لا يدري ماذا عليه أن يفعل الآن. يشعر بالدوار. دوامة كبيرة سقط الجميع فيها فجأة. ولا يعلم لذلك سببًا. سفيان: "المفروض إنك راجل.. اتماسك واقف على رجليك عشان محدش هيقويها غيرك." وليد: "هو فعلاً خالي طمنك على بابا؟ أماء سفيان مؤكدًا ليتنهد وليد ببعض الراحة قبل أن يومئ هو الآخر متمتمًا: "يلا نصلي طيب." وصل كل من مروان وإسلام إلى المستشفى. مروان بخوف: "ملك!
ركضت ملك تجاهه وألقت بنفسها بين أحضانه تتمتم في خوف: "سبأ.. سبأ في العمليات يا بابا.. أنا خايفة.. خايفة أوي." أخذ مروان يربت على ظهرها بحنان متمتمًا: "اهدي.. خير يا حبيبة بابا.. خير إن شاء الله.. طب ماما فين؟ ملك بشهقات أثر البكاء: "ماما في الأوضة هنا.. هي أغمي عليها والدكتور قال هتكون كويسة بعد شوية." نظر مروان تجاه مالك الذي يستند بظهره للحائط ينظر للأرض. اقترب مروان من مالك وتمتم بقلق وتيه: "إيه اللي حصل؟؟
.. مالك رد عليا إيه؟؟ .." مالك ببحة: "آسف.. مكنش قصدي.. والله مكنش قصدي.. اسف." أتت أروى وأريج ولكن قبل أن يتحدث أي منهم. قاطعهم خروج الطبيب من غرفة العمليات. ركض
إسلام تجاهه ليتمتم الطبيب: "الحمد لله قدرنا نسيطر على نزيف الجرح اللي في راسها.. والحمد لله مفيش نزيف داخلي.. جسمها فيه بعض الرضوض وهتتعافى مع الوقت.. واحتجنا دم ونقلناه ليها.. بس فيه كسر في الرجل الشمال في منطقة الكعب.. والدكتور المختص هيقولكم مدى الإصابة.. حاليًا حالتها مستقرة.. وهتتنقل غرفة عادية في غضون ساعة.. حمد الله ع السلامة." كان مروان يقف دون حراك. لا يفهم شيئًا من الأساس.
ولا يدري كم مر من الوقت عليه وهو واقف هكذا. يحاول السيطرة على مشاعره المتضاربة من خوف وقلق واضطراب. التفت إثر لمسة أحدهم لكتفه ليجد جود. مروان: "جود.. أنت كنت فين؟ .. إيه اللي بيحصل؟ جود: "مش وقته يا مروان.. أنا آسف.. بس إن شاء الله خير." قاطعهم صوت ضابط الشرطة الذي تمتم: "آسف.. بس محتاجين أقوال ابنك.. وهناخده معانا دلوقتي." كاد مروان يتحدث لكن قاطعه جود متمتمًا: "تمام.. شوف شغلك."
مروان بخوف: "شغل إيه يا جود.. ده بيقولك هياخده." جود: "متخافش يا مروان.." ثم وجه حديثه لإسلام: "إسلام.. كلم المحامي.. وافضل جنبهم هنا.. وبمجرد ما شهد تبقى كويسة خلي أروى تاخدها تروحها هي وملك واريج.. وأنا ومروان هنروح مع مالك.. لو فيه حاجة كلمني." أنهى كلماته وتحرك من المكان. ليتنهد إسلام بقوة جاهلًا تمامًا بكل ما يحدث. ملك بخوف: "سبأ بقت كويسة مش كده؟ .. هتفوق صح؟
إسلام بابتسامة: "اهدي يا ملك.. إن شاء الله ميحصلش غير الخير.. هتبقى كويسة إن شاء الله." كانت تجلس فوق المقعد تنظر لحروف رسالته وتتنهد بارتياح. سفيان بهدوء: "اديكي اتطمنتي عليه.. فكي وشك بقا." مريم: "لسه قلقانة يا سفيان.. هو مقالش أكتر من إنه بخير بس مشغول في حاجة ضروري ومش هيعرف يتكلم مع حد دلوقتي." سفيان: "أيوه يعني كده ولا ما يردش خالص؟ مريم بتنهيدة: "لا كده.. كده الحمد لله."
ابتسم سفيان بهدوء وهو يتذكر ما فعله منذ ما يقارب النصف ساعة بعدما أرسلت له أريج رسالة تخبره فيها بأن سبأ قد أُصيبت في حادث سير وقد طُلِب مالك للتحقيق معه لأنه كان موجودًا مكان الحادث.. وشهد فاقدة للوعي.. والوضع متأزم ووالد مالك يقف تائهًا. وليد بهدوء مقاطعًا تفكيره بعدما تحركت مريم من المكان: "هو في إيه يا خالي؟ سفيان: "مش عارف.. بس مالك تقريبًا عمل حاجة وانطلب في القسم."
وليد بخضة وهو ينتفض بسرعة: "يا الله.. طب واحنا قاعدين هنا بنعمل إيه؟؟ .. لازم نروحله." سفيان: "مش هقدر أسيب مريم لوحدها." وليد: "خليك هنا وأنا هروح المستشفى وأبعت أريج ومرات خالي.. وابقي تعالي.. هاخد تليفون أريج ونكون على اتصال." غادر وليد فور إنهائه لكلماته. استقل سيارة أجرة وانطلق إلى المستشفى. وجد إسلام يتحدث مع إحدى السيدات التي تبكي بقوة وبجانبها رجل يكسر الخمسين من عمره تقريبًا يحاول تهدأتها. ركض وليد
تجاه إسلام وتمتم بقلق: "إيه اللي حصل.. والباقي فين؟ إسلام بتنهيدة: "مرات خالك وأريج أخدوا ملك ومامتها على بيتهم.. وأبوك وعمك في القسم مع مالك.. سفيان مع مريم؟ أماء وليد ليعطيه إسلام الهاتف متمتمًا: "طب خد كلمه وقوله ياخد مريم على بيت مروان.. وأنا هروح أشوف الدكتور." أماء وليد ونفذ ما طُلب منه. في حين تحدث إسلام مع الطبيب الذي طمأنه إلى أنها ستفيق خلال ساعات قليلة.. وبإمكان الشرطة أن تأخذ أقوالها أيضًا.
خرج إسلام ليجد والدة سبأ لا تزال تبكي.. ويحتضنها والدها بتملك. إسلام بهدوء: "حمد الله على سلامتها.. إن شاء الله خلال ساعات هتفوق." أماءت سالي بوهن. ليتحرك إسلام تجاه وليد متمتمًا: "سفيان فين؟ وليد: "هيودي ماما وييجي." إسلام: "تمام.. خليك هنا.. وأنا لازم أروح أشوف إيه اللي تم في القسم.. وسفيان لما ييجي خليكوا وبمجرد ما الدكتور يقول إنها فاقت كلموني." أماء وليد قبل أن يتمتم: "مالك ماله ومال اللي حصلها طيب؟
إسلام: "الله أعلم بس هو كان موجود مكان الحادثة.. فـ إن شاء الله يكون خير.. هياخده أقواله بس ويخرج.. بس معرفش اتأخروا ليه." أماء وليد وهو يدعو بداخله ألا يصيب أحدًا أي مكروه. تحدث الضابط بروتينية مع مالك الذي تمتم بهدوء واضطراب: "أنا.. إحنا كنا بنتكلم واتخانقنا.. وأنا زقيتها.. بس مش عارف إيه حصل بعد كده.. أنا زقيتها.. زقيتها.. معرفش إزاي حصل.. مش عارف." كاد مروان يقتلع خصلاته من منابتها وهو يستمع لقول مالك.
بينما يقف جود بجانبه يحاول أن يهدئ من توتر الموقف. حتى وصل المحامي إليهم. دلف بهدوء وقد علم بأن مالك تحدث بالحقيقة كاملة. لذلك من الصعب خروجه الليلة من هنا. وهذا ما أخبرهم به ليزداد الأمر سوءًا. مروان: "هو قصد إيه؟ .. أنا ابني هيتحبس يا جود؟؟ .. هيحبسوه؟ جود وهو يربت على ظهره وكتفه: "وحد الله يا مروان.. وحد الله." تحدث جود إلى المحامي بهدوء: "إيه الحل؟ المحامي بنفس الهدوء: "إن البنت تنفي اللي قاله وتتنازل."
رمش جود عدة مرات بعدم فهم. ليتحدث المحامي بتفسير: "هما مش هيخرجوا مالك الليلة لأنه اعترف إنه زقها.. بس مقالش إنه زقها على العربيات.. فلما ياخدوا أقوال البنت.. لازم تقول إنه مزقهاش على الطريق.. وتتنازل عن المحضر كله." مروان بأمل: "إن شاء الله هيحصل كده.. إن شاء الله." تحرك جود تجاه المحامي وتمتم بهدوء: "أقدر أتكلم مع مالك دقيقة؟ أماء المحامي ليسمح الضابط لجود برؤيته.
جود بهدوء: "اتماسك يا مالك.. أنت قوي ومحنوه وهتعدي.. بس عايز منك خدمة." رفع مالك نظره إليه ليتابع جود: "مش عايز أي بشر يعرف حاجة عن اللي قلتهولي.. الكلام ده هيموت بينا أنا وانت ووليد.. تمام يا بني؟ ألقى سؤاله مع وضعه ليديه فوق كتف مالك الذي خانته دموعه. ليجذبه جود بقوة إلى أحضانه متمتمًا: "أنت راجل يا مالك.. حقك عليا.. بس اتأكد إننا بنحبك.. ومش هيحصل حاجة وحشة أبدًا وإن شاء الله تخرج من هنا بسرعة.. متقلقش أبدًا."
أماء مالك بصمت ليقبل جود رأسه بهدوء مع ابتسامة صغيرة وخرج لمروان الذي يجلس بالخارج ينظر للفراغ بتيه. حتى هذه اللحظة عقله لا يستوعب شيئًا مما يحدث. يحاول أن يرتب أحداث اليوم لكنه لا يصل لشيء. جود بهدوء: "مروان.. اجمد يا حبيب أخوك.. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا." أماء مروان تباعًا. وهو يتحرك مع جود للخارج. بعدما أقروا باحتجاز مالك حتى أخذ أقوال سبأ. مرت ساعات الليل عصيبة على الجميع.
مريم تجلس محتضنة شهد من جهة وأروى من الجهة المعاكسة. بينما تجلس أريج محتضنة ملك التي لم تتوقف عن البكاء. وسفيان يجلس بجانب وليد في ممر المستشفى بجانب غرفة سبأ التي يجلس أمامها جدها ووالدتها. لكنها لم تستعد وعيها بعد. بينما يجلس جود ومروان وإسلام بالمسجد القريب من المستشفى. حتى شعر جود باهتزاز هاتفه في جيبه. أخرجه ليجده سفيان. جود: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
سفيان: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اا.. جود.. محتاج أشوفك." جود: "مريم فين؟ سفيان: "وديتها عند شهد.. أنا مع وليد في المستشفى." جود: "تمام.. هقابلك في جنينة المستشفى الخلفية." سفيان: "تمام.. سلام لأجل." أغلق جود مع سفيان ونظر تجاه مروان وإسلام متمتمًا بهدوء: "هوصل أشوف الدنيا فيها إيه معاهم فوق.. مروان اذكر الله." أماء مروان بهدوء دون النظر إليه ليتحرك جود بعد تنهيدة قوية خرجت محملة هموم تفوق قدرته على التحمل.
وصل حيث الحديقة الخلفية ليجد سفيان بانتظاره. جود بهدوء: "سفيان.. إذا جايبني عشان تكلمني عن سبب اختفائي طول النهار.. فلو سمحت أنا معنديش استعداد اتـ.." قاطعه حديث سفيان: "أنا عارف اللي حصل يا بو وليد...
أنا مش عايزك عشان أسألك.. اسمعني بس.. أنت دلوقتي جوه الدايرة ومش عارف تتحرك.. حبك لأخوك وخوفك على ابنه هما اللي رجعوك.. لكن فيه طرف تالت يا جود أنت مفكرتش فيه.. مريم ملهاش ذنب تعيش القلق والرعب اللي كانت عيشاه النهارده.. ملهاش ذنب وجع القلب اللي كانت فيه والخوف من اللي ممكن يكون حصل معاك.. ملهاش ذنب في اللي حصلك قبل كده وقعدت سنتين دبلانة جسم مفهوش روح.. لازم تقدر وتحترم خوفها وقلقها عليك.. عارف.. أنا زعقتلها وشخطت فيها جامد النهارده لما قعدت تقول جود وقلقانة وخايفة.. زعقتلها لأول مرة في حياتي وقلتلها جود عايز يقعد مع نفسه.. قلتلها انتي أنانية.. تخيل ردها كان إيه!!
.. قالتلي أنا نفسه يا سفيان. هي ملهاش ذنب.. ومروان ملوش ذنب.. مروان مغلطش وأي واحد بيحب أخوه وبيحترمه وبيقدره هيعمل اللي مروان عمله.. واللي زي مروان نادر يا بو وليد.. متهدش عيلتك بسبب ماضي مبقاش ليه وجود.. ابنك محتاجك.. أخوك محتاجك.. ابن أخوك محتاجك.. الروح اللي اتعقدت بروحك محتاجاك.. متظلمش نفسك وتظلم اللي حواليك عشان ماضي.. ومتزعلش من مالك.. مالك آه غلط.. بس الغلط الأكبر علينا إحنا.. حاول تفتكر مرة واحدة شجعناه أو
اتكلمنا معاه زي ما بنتعامل مع وليد.. عارف إنك انت وابوه مش قصدكم أبدًا التمييز بينهم.. بس مالك حس فعلاً إن وليد أفضل في كل حاجة.. حابب يظهر.. حابب يكون حاجة.. حابب يحس إنه كبير كفاية عشان يُعتمد عليه.. عايز اللي عند وليد عشان يكون وليد.. هو لسا مش مدرك إن القرار اللي بيتاخد في مرحلة جواز أو مسئولية بيبقى مصير.. كل اللي شافه إنه ياخد حاجة وليد عايزها عشان يحس بوجوده ويحسس وليد باللي هو حاسه بسببنا إحنا.. مروان انشغل
بـ وليد عشان البكر لأخوه وبيعتبره بكرة هو كمان.. ولما جه مالك وملك.. العادي إن البنت بتبقى الأقرب لأبوها.. ودلوقتي أصبح مالك ضحية في النص.. لا هو لاقي أبوه.. ولا هو اللي لاقي اللي عند وليد.. تصرفه غبي بس طبيعي.. ومن شب على شيء شاب عليه.. يمكن.. أو لا هو مش يمكن.. هو فعلاً اللي حصل ده عشان تفوقوا شوية.. تعدلوا بين ولادكم.. عشان مالك ميكبرش ويبقي شخصية سيئة.. ربنا معملش غير الصالح يا بو وليد.. فلازم تفكر بعقلك.. وتاخد
الأمور بصدر رحب وتقول الحمد لله إنها جت على قد كده.. وخد أخوك وابن أخوك في حضنك.. أنت الكبير.. وأنت الأساس في العيلة دي.. كلنا بنعتمد عليك وكلنا بنمشي ورا خطوتك.."
تنهيدة عميقة تبعتها تمتمته: "آسف لو طريقتي في الكلام تخطت الحدود.." اقترب مربتًا على كتفيه وهو يتابع: "بس أنت مش مجرد جوز اختي.. أنت بالنسبالي أخويا الكبير ومن مقام إسلام بالضبط.. وأوقات بشوف فيك بابا كمان.. فأرجوك يا بو وليد.. خد وقتك في التفكير بس ارجع جود تاني.. أخوك بيحبك.. بيحبك لدرجة متتقالش بالكلام.. ومريم بتحبك لدرجة الهوس.. أنت قد كل اللي بيحصل وزيادة." أنهى حديثه واستدار عائدًا للأعلى حيث ترك وليد.
ليجلس جود إلى أقرب استراحة ويضع رأسه بين يديه. عادت له ذكريات عشرين عامًا. يتذكر كيف أخبره مروان كون مريم الشوادفي التي يتابع صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي ما هي إلا أخت إسلام صديقه المقرب. يذكر حينما أصر مروان على أن يتم طلب يدها قبل سفره لجيشه. يذكر يوم خطبته لمريم حينما عاد للمنزل أخبره مروان أنه انتقى ملابس الذهاب لهم بنفسه. يذكر في كتب كتابه لقد اهتم بأغلبيه تفاصيل الحفلة. كما قام بالغناء والرقص.
يذكر حينما تحدث عمر مفجرًا ذاك السر. حينها يذكر انخفاض نظره وعدم قدرته على التفوه بحرف. لكن شهد أنهت كل شيء بكلمتين. يذكر حينما علم مروان بخبر حمل مريم. لقد احتضنه بقوة وأخذ يصيح بسعادة. يذكر حينما وُلد وليد. لقد كان أول من يحمله. لم يترك لجود المجال حتى للمسه. بقي يحمله لساعتين كاملتين وعينيه تشع ببريق السعادة. يذكر كيف بقي بجانب وليد وهو يكبر يومًا بعد يوم. في غيابه ووجوده.
يذكر كيف اعتنى ببيته وابنه وزوجته حينما كان يظن الجميع كونه قد فارق الحياة. يذكر كيف كان يبكي شوقًا ولهفةً وسعادةً وعدم تصديق حينما رآه بالإسكندرية. يا إلهي إنه لا يفعل شيئًا سوى أن يكون نبيلًا. إنه.. إنه أخاه. تذكر قوله سبحانه وتعالى "قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ". مروان ونعم الأخ.
تذكر حينما كان يجلس في المقابر منذ ساعات قليلة يشكو همه لوالديه المتوفيين. ويشعر باهتزاز الهاتف كل ثانية وأخرى. لكنه بعالم آخر. لا يمكنه الإجابة. لا يمكنه المواجهة. وحينما اهتز الهاتف اهتزازة خفيفة تدل على وصول رسالة. أخرج هاتفه ليرى الأمر. فوجد رسالة من سفيان نصها "جود.. اطلع م اللي انت فيه بسرعة والحق أخوك.. مالك ابن مروان مطلوب في القسم ومراته وبنته في المستشفى وأخوك تايه.. أخوك محتاجك".
انتفض بسرعة من مكانه واستقل سيارته سريعًا وهو يكتب رسالة نصية لمريم "آسف حبيبتي.. مشغول جدا ومش هعرف أكلم حد دلوقتي.. متقلقيش عليا أنا بخير... وفي أقرب وقت هكلمك.. بحبك". اتخذ قراره ووقف متجهًا إلى المستشفى. وقد تزامن وصوله مع قول الممرضة فاقت. حمد الله على سلامتها. اندفعت سالي ووالدها لغرفة سبأ. لتطمئن على ابنتها. وبقي سفيان ووليد وانضم لهم جود أمام الغرفة. أشرقت الشمس تعلن عن بدء يوم جديد.
ربما يحمل من السعادة للبعض. لكنه يطوي بداخله أحزانًا للبعض الآخر. تستلقي إلى الفراش نصف استلقاء. ليدلف لها الضابط يأخذ أقوالها فيما حدث معها. الضابط بروتينية: "حمد الله على سلامتك يا آنسة سبأ." سبأ بهدوء: "متشكرة أوي." الضابط: "حضرتك مستعدة؟ أماءت سبأ ليسألها الضابط بهدوء عما حدث في ذاك اليوم.
لتجيب بنفس الهدوء: "أنا كنت خارجة أنا وصديقتي ملك أخت مالك السيوفي.. جالها تليفون ورجعت البيت بسرعة.. وقتها أنا كنت واقفة مع مالك على الرصيف.. استفزيته بالكلام زقني.. بس بعدها اتعصبت عليه وهو كمان.. وأنا لفيت ومشيت.. بس وأنا بنزل الرصيف اتكعبلت لكن موقعتش ودوست على رجلي وعديت من غير ما أبص على الطريق.. ده كل اللي فاكرة." الضابط بتنهيدة: "طب حضرتك باللي قلتيه ده بتنفي إن مالك السيوفي هو اللي زقك من ع الرصيف."
سبأ بتأكيد: "أيوه.. أنا اللي عديت الطريق." الضابط: "متأكدة من أقوالك." أماءت سبأ بثقة لينتهي الضابط التحقيق. وقد كُتب خروج لمالك الذي استقبله مروان بلهفة كبيرة. انتشله لأحضانه مربتًا عليه بقوة. لم يستطع مالك السيطرة على مشاعره وقتها. إنها المرة الأولى التي يأخذه فيها مروان إلى أحضانه. وما إن ابتعد مروان حتى اقترب جود محتضنًا إياه بقوة مماثلة وهو يربت على ظهره بحنان
وتمتم بصوت خفيض للغاية: "اللي حصل يموت بينا.. أنا نسيته وانت انساه." ابتعد ينظر إليه ينتظر تأكيدًا من مالك الذي أما تباعًا يؤكد على ما قاله عمه. كانت المفاجأة الكبرى لمالك حينئذ هو اقتراب وليد ووقوفه أمامه. ومن دون سابق إنذار جذبه لأحضانه متمتمًا بمرح: "كنت شايل هم مين هيشاكلني من بعدك." بقي مالك جامدًا قليلًا لكنه ابتسم أخيرًا. بل حاوط وليد كذلك. سفيان من خلفهم: "إيه يا شباب استحليتوها ولا إيه؟
ابتعد وليد لينظر مالك تجاه سفيان الذي مد شفتيه بحركة لطيفة متمتمًا: "طب والله اتوحشت همجيتك في ملعب السلة يا أخي." ضحك مالك ليحتضنه سفيان متمتمًا: "حمد الله على سلامتك يا بطل.." أخفض صوته قليلًا متمتمًا: "مديون بالشكر لناس أنت ها." ابتعد مالك ناظرًا إليه بتساؤل. لكن قطع نظرته إسلام الذي اقترب متمتمًا: "شده وتزول يا مشكلجي يا بن المشكلجي." مروان من خلفه: "أنا مشكلجي؟ إسلام بتأكيد: "وابنك مشكلجي برضو."
مروان: "مشكلجي مشكلجي.. طالما أنا وابني يبقى مشكلجي." ضحك الجميع بخفة. ليأخذ إسلام كلًا من مالك وسفيان ووليد عائدين لمنزل مروان. في حين ذهب جود ومروان للمستشفى ينتظران حضور البقية. كانت لا تزال على جلستها منذ البارحة. تتحرك فقط لأداء الصلاة مع مريم وأروى والفتاتان ومن ثم تعود من جديد للجلوس فوق المقعد. ومريم وأروى حولها يقرآن القرآن أحيانًا ويحاولان أن تمازحاها أحيانًا أخرى. ولم يختلف حال ملك عنها كثيرًا.
فلقد كانت تجلس إلى الفراش وأريج بجانبها تحاول ممازحتها لإخراجها مما هي فيه. طرقات على الباب تحركت على أثرها مريم التي ابتسمت بهدوء وهي ترى إسلام. أقبل محتضنًا إياها بقوة كأنه مر زمن بعيد لم يرها فيه. لا يدري سبب شعوره هذا. لكنه يفتقدها بشكل لا يوصف. كما اقترب سفيان واحتضن كلاهما معًا. بينما ركضت شهد بمجرد رؤيتها لمالك وقامت باحتضانه بقوة وأخذت تقبل رأسه ووجهه وكتفيه ودموعها لا تكف عن
الهطول مع قولها المستمر: "الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. الحمد لله." لم يستطع كبح دموعه أو بقائه متجمدًا هكذا. فأحاطها بقوة هو الآخر وهو يتمتم بخفوت: "متخافيش.. أنا كويس." بقيت تحتضنه وتبكي لدقائق. حتى أتت ملك وهي تتمتم بمرح قد عاد بمجرد رؤيتها له سالمًا أمام عينيها: "ابنك على عيني وعلى راسي.. لكن ده نصي التاني.. فلو سمحتي خديلك جنب شوية كده." رفضت شهد بلطافة وهي تتمتم: "لا هو ابني يعني ليا فيه أكتر منك." ملك
وهي تعقد يديها أمام صدرها: "وربنا أروح أضربني على دماغي وأخليني أفقد الوعي عشان يفقد هو كمان الوعي." ضحك الجميع ليتمتم سفيان: "إيه جو الدراما العالي ده.. مش للدرجة دي يا بنتي." اقتربت ملك بابتسامة من مالك ووقفت أمامه عاقدة ذراعيها متمتمة: "شيلني حبة زبيب." نظر لها رامشًا عدة مرات قبل أن يضحك بخفة جاذبًا إياها إلى أحضانه.
ولأول مرة منذ ما يقرب العشرين عامًا يستنشق رائحتها التي جعلت تدفق الدماء بجسده ينتظم ويشعر بالاسترخاء التام. فهو الآن بين يدي نصفه الذي يُكمله. عشقه الأول. سيكون لها كما والده لعمه. سينظر للجانب الجيد من حياته. سيُغير مجرى الرواية بأكملها. لكنه سيبدأ تنفيذ قراره مع صفحات جديدة من حياته. ليستحق كونه بطل الرواية بجانب وليد. وليد الذي ظن أن كراهيته راسخة بقلبه. لكن بمجرد أن احتضنه وليد شعر بالدفء حقًا. وليد ليس أنانيًا.
إنه فقط مسالم. مسالم لكل شيء يحدث حوله. لا يستحق سوى الحب من الجميع. ويجب أن يكون هو أيضًا واحدًا من هؤلاء الجميع. كانت تجلس إلى الفراش تنظر إلى اللاشيء أمامها. وبجانبها والدتها تتحدث مع أحد العمال بمصنع القهوة الصغير الذي تملكه. طرقات على الباب دلف على أثرها من كانت بانتظارهم حقًا. فاتسعت ابتسامتها وهي تراهم جميعًا هنا. مريم بابتسامة: "الف حمد الله على سلامتك يا حبيبتي."
سبأ بابتسامة: "أهو أنا دلوقتي خفيت لما شفتكم.. بجد مش مصدقة وجودكم حواليا." أروى: "صدقي يا سبأ بقا.. ادينا حواليكي وإن شاء الله نفضل كلنا مع بعض." سلم الجميع وجلس الحريم مع سالي. بينما جلست أريج وملك على جانبي الفراش يمازحن سبأ التي تمتمت بتنهيدة: "عارفين.. كنت بفكر من شوية لو اللي حصلي ده حصل وأنا لسه بلبس بنطلونات وببين شعري.. بس مكنتش عشت بقا وكنت اتوفيت.. مجرد التفكير مخلي جسمي كله يوجعني بجد."
ملك بابتسامة: "نعتبرها رسالة من ربنا لينا.. إحنا كنا ناويين نروح نشتري خمارات.. يا ربي.. الحمد لله بجد.. وإن شاء الله إن شاء الله تقومي بالسلامة ونشتري خمارات ونستغل الإجازة في حضور ندوات دينية.. وكل فترة نقعد مع أمهاتنا ونلتزم زيهم." أريج: "ربنا ينور لنا طريقنا ياااارب." الفتيات: "يارب يارب." خرجن عائدين للمنزل. لتذهب ملك لغرفة مالك وتطرقها بهدوء. مالك: "تعالي." ملك بابتسامة: "بصراحة ليك أمانة معايا.. جيت أديهالك."
مالك باستغراب: "أمانة من مين؟ ملك وهي تعطيه ورقة مطوية: "رسالة من سبأ." أعطته إياها وقبلت كتفه بخفة وتمتمت وهي تخرج: "يلا تصبح على فرحة." أغلقت الباب خلفها ليقف إلى الشرفة ينظر للورقة المطوية بيديه ومن ثم فتحها ليقرأ حروفها التي نقشتها بهدوء. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. رد السلام كامل الأول عشان تاخد تلاتين حسنة زيي." ابتسم بخفة وهو يرد السلام كاملًا قبل أن يتابع القراءة.
"آسفة على كل حاجة.. على كل مرة اتقابلنا وقلبت بمشاكل وخناقة.. أينعم أنت مكنتش بتقصر وآخر مرة كنت هتجيب أجلي بس يلا المسامح كريم والزعلان فازلين." ضحك لطريقتها ومن ثم تابع القراءة بابتسامة.
"عمو مروان كبر أوي في نظري يا مالك.. حبه لأخوه فريد ونادر وملوش وجود في الزمن ده.. وأنا واثقة إن الاب اللي معدنه أصيل مبيجيبش غير أبناء معدنهم قوي وأصيل.. أنا متعاملتش معاك عشان أحكم عليك.. بس أنا واثقة إنك تشبه أبوك أوي.. أنا سامحتك على اللي حصل آخر مرة.. ياريت تسامحني على كل مرة تطاولت عليك فيها.. بتمنالك التوفيق وراحة البال.. كفاية كده أنا رغيت كتير.. ومعرفش السبب اللي خلاني أكتب الرسالة دي بالظبط.. بس حسيت إني محتاجة أقول كل حرف فيها.. يلا في أمان الله. * سبأ *"
طوى الرسالة في جيبه وأخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء وأخذ يفكر بكل شيء من جديد. وقد أخذ قرار التغيير. الجميع يحبه. لقد رأى ذلك بأعينهم منذ الأمس واستشعر ذلك حينما احتضنوه. ربما عليه أن يبدأ بنفسه أولًا. وعليه أن يعطي دون أن ينتظر المقابل. هكذا هو والده. وهكذا تود سبأ له أن يكون. سبأ!! .. إنها روايته الجديدة. ربما يستطيع ذلك. بعد مرور أسبوع... يجلس بالقرب من الشاطئ ومن خلفه يقبع كافيه الحاج محمود يرتشف كوب الشاي خاصته.
فهذا هو الصباح الأول منذ قدومهم إلى الإسكندرية. أتوه صوت مالك من الخلف: "هو أنا ليه مبقيتش بشوف مراد معاك زي الأول." اعتلى الحزن تعابير وجهه. ليعقد مالك بين حاجبيه: "في إيه يا وليد؟؟ .. هو مراد حصله حاجة؟ وليد بتنهيدة: "لا لا.. هو كويس الحمد لله وبكلمه كل يوم.. بس سافر السعودية مع والده ووالدته.. باباه نقل شغله هناك." مالك: "يعني مش هييجي تاني؟ وليد: "هيرجع في الدراسة إن شاء الله." مالك بتفهم: "ربنا يوفقه يارب."
وليد: "آمين يارب العالمين." مالك بهدوء: "طب وأنت.. مش ناوي تفرح وتفرحنا؟ نظر له وليد عاقدًا حاجبيه بعدم فهم: "إزاي يعني؟ مالك: "بص.. أريج بنت خالك هبلة وبحالات وانت عارف.. وبما إنها بتتنطط هنا وهناك مع ملك وسبأ فالحق نفسك واتقدملها.. قبل مزاجها ما يقلب."
نظر وليد مطولًا لمالك الذي تنهد بهدوء متمتمًا: "أنا كنت صريح معاك.. أريج زي ملك بالنسبالي.. عمرها لا كانت ولا هتكون غير كده.. أنا بعترف إني غلطت.. فمتغلطش أنت كمان وتسكت كتير.. منعرفش بكرة مخبييلنا إيه.. يمكن أقلب عليك تاني." ابتسم وليد بهدوء قبل أن يحمل إحدى ألواح البسكوت بجانبه ويعطيه لمالك بابتسامة: "بسكوت؟ مالك بضحكة: "وشااااي." ضحك كلاهما بصفاء. وفي داخل كل منهما دعاء صامت لوجه الله.
تجلسن على الأرجوحة في حديقة منزل الحاج محمود يمزحن معًا وضحكاتهم تضفي البهجة إلى المكان. سبأ بغمزة: "بت يا أريج.. مش ناوية تكتبي خاطرة رومانسية ولا حاجة؟ أريج وهي تلكزها في كتفها: "أنتِ إنسانة فصيلة يا به." ملك بضحكة: "لا لا بجد أنا عايزة أقرالك قصيدة أو خاطرة رومانسية أنا كمان." أريج بجانب عينها: "أنا الحق عليا قاعدة مع شوية عيال." ألقت كلماتها وهي تتحرك في غيظ تحت ضحكات الفتيات. تحدثت ملك بجدية وهدوء: "سبأ."
سبأ: "هممم." ملك: "عايزة أسألك سؤال رخـم حبتين؟ سبأ: "اسألي ياختي." ملك: "هو انتي.. مفيش في قلبك حاجة تجاه وليد؟ صمتت سبأ قليلًا قبل أن تتمتم بهدوء: "وليد إنسان جميل أوي وألف واحدة تتمناه.. أنا مش هنكر إني أعجبت بيه وبشخصيته.. بس الموضوع متخطاش الإعجاب.. ثم إنه مش من حقي أصلًا يا آنسة لأن قلبه ملك واحدة تانية." ملك بابتسامة: "أنا من يوم ما شفتك وأنا عارفة إنك إنسانة جميلة من جواكي بجد."
سبأ بجانب عينها: "لا بقولك إيه.. جو النحنحة ده مش تبعي.. فوكك." ضحكت ملك بقوة على كلمتها ومن ثم لكزتها وهي تتمتم: "عقبال قلبي وقلبك لما يتشغلوا كدهون." لا تعلم لماذا أتى طيف مالك أمام عينيها فجأة لكنها نفضت أفكارها سريعًا ولكزت ملك لتضحكان معًا بصفاء هما الأخريات. بينما دلفت أريج للمنزل وشبح ابتسامة يعتلي ثغرها. لتصطدم بصدر عمها سفيان الذي تمتم بابتسامة: "يا جمال ابتسامته الصباحية." أريج
بضحكة وهي تقرص وجنتيه: "ويا جمالك أنت في كل الأوقات يا عمو يا عسل أنت." سفيان وهو يمسك بيديها: "اعرف سر الابتسامة بقا." أريج بحمحمة: "اا.. مبسوطة شوية تلاتة بس." ضرب كتفها بكتفه وهو يتمتم: "طلع لا تعود ولا إعجاب مش كده؟ أخفضت بصرها بخجل وهي تتمتم: "آه كده." احتضنها سفيان بهدوء وهو يتمتم: "ربنا يسعد قلبك ويجعله نصيبك عاجل غير آجل يا بنت أخويا." بادلته أريج براحة متمتمة: "أنت إنسان جميل أوي يا عمي.. جميل أوي بجد."
سفيان بجانب عينه: "أنا عمك ها.. دماغك تروح كده ولا كده ولا تتهوري." ضحكت أريج على كلماته ليشاركها قبل أن يخرج متجهًا للكافيه حيث هاتفه وليد وأخبره بمكانهم ليتشاركوا الجلوس. سمع ضحكات ملك ليبتسم لا إراديًا منه ويغادر دون أن يلتفت بعينه ليلقي نظرة حتى. يعلم أنه أصبح في العمر السابع والعشرين. ومن المفترض أن يتزوج. كما أن والدته لا تكف عن الحديث في هذا الأمر. وقد فاتحته مريم هي الأخرى في الآونة الأخيرة. لكن ليس بيده شيء.
فمن دق لها قلبه لا تزال صغيرة. هو ينتظر فقط لينتهي هذا العام ويأخذ خطوة تجاهها. لا يدري إن كان خطأ أم صواب. لكن ما يعلمه هو أن ما بقلبه لن يخرج سوى أن استطاع أن يجعلها له. إنه يعشق كل شيء يصدر عنها. طفوليتها.. جنونها أحيانًا.. طيبتها اللامتناهية.. إنها تحتله من الداخل كليًا. فلينتظر فقط لبضعة شهور. ربما استطاع أن يلبي نداء قلبه. فل تنتظريه قليلًا فقط يا ملاك. = دعونا نتحدث بمنتهى الصدق..
أتظنون بأن كلمة "أخي" مجرد كلمة تصف صلة الدم والقرابة فقط؟ أخي أو أختي تتمثل في اسمى المعاني بالأفعال.. في التضحية من أجل سعادة الآخر.. في القرب من الله والأخذ بيد الأخ للسير على نفس النهج القريب من الكريم.. أخي ليست مجرد كلمة.. إنها شعور.. شعور بالراحة والأمان.. شعور بالقوة لقرب سندك منك.. إنها أفعال.. أفعال تثبت بأنك باقٍ عليه وباقٍ إليه.. أفعال تخبره بأنك ممتن لوجوده.. إنها.. إنها أسمى من أن توصف بالحروف..
= وماذا عن الرضا؟ الرضا بما قسمه الله لنا ما هو إلا بداية السعادة.. فـ رب الخير لا يأتي إلا بالخير.. ولا يبعد عنك إلا ما يرى أن لك خيرًا في غيره. = الاعتراف بالخطأ والاعتذار يحتاجان لقوة كبيرة.. لذلك إن أخطأت واعترفت واعتذرت فـ اعلم أنك قوي يا صديقي. أما الحب.. فالحب ليس بالكلام المعسول.. ليس بالهدايا.. ليس بالنظرات.. هذه الأشياء تُكمل معنى الحب.. لكنها ليست أساس الحب.. الحب خوف على المحبوب حتى من النفس..
الحب شعور متبادل يصل لربط الأرواح والقلوب ببعضها.. الحب أمان.. الحب اتقاء الله فيمن أحببت.. للـحب معانٍ سامية.. إنه أعظم من أن نلوثه بإظهاره قبل أن يحل لنا. إلى هنا أحبائي في الله.. نصل لنهاية الجزء الثاني من أحببناها مريميه والذي تم إدراجه تحت مسمى "قضاء ونصيب"..
مع وعد إذا أراد المولى عز وجل بأن يكون هناك جزء ثالث لأحببناها مريميه لكنه سيُدرج تحت اسم ثالث أيضًا.. لتكون الرواية بأجزائها الثلاثة عبارة عن سلسلة متواصلة من الأحداث.. أتمنى أن نكون قد استفدنا من المعلومات الدينية ومن النصائح التي كانت تتداول على ألسِنة أبطالنا.. وأتمنى أن أكون قد أوفيتكم حق الاستمتاع والثقة بقلمي.. وأتمنى أن يتقبل الله تعالى عملي هذا..
وقد تمت كتابته في سبيل إيصال رسالة ما هي إلا أمانة أقسمت بيني وبين الله أن أوصلها قدر المستطاع.. وأعتذر عن أي خطأ ارتكبته بين كلماتي.. وأعتذر إن أحزنت أحدكم يومًا أو قصرت في الرد أو ما شابه.. لقد كانت أيام نزول روايتي بجزأيها هي الأيام الأقرب إلى قلبي على الإطلاق لدعمكم الدائم وتشجيعكم لي.. فشكرًا من كل قلبي ♥️
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!