جلس ناظرًا تجاه مريم التي تسبح في عالم آخر مع تلك الأمواج، ومن ثم حوّل نظره لوليد الذي يرفع يده كل فنية وأخرى يشتمها. فتحدث له بهدوء: "ليدو حبيبي تيجي نتمشى شوية بره؟ لم ينتبه له وليد ولم يسمعه. فتحدث مالك مفجرًا تلك القنبلة التي لم تكن أروى أو إسلام على استعداد أبدًا لمواجهتها، ولم يتخيل أي منهما أن طفلًا بعمره قد ينتبه لتفاصيل كهذه: "هو سرحان أصلاً عشان خبط في أبوه."
التفتت جميع الأعين له حتى مريم، التي انتفض قلبها مع حروف مالك. نظرت مريم تجاه وليد الذي ينظر لها بخوف وتوتر وعيونه تمتلئ بالدموع ووجهه أصبح أحمر تمامًا. مروان بحدة لمالك: "إيه اللي بتقوله ده؟ مالك: "والله هو شاف أبوه لما كان بيجري وخبط فيه... وطنط أروى قالت له ما تقولش لماما."
تحولت أعين الجميع لأروى التي تخشبت في مكانها وعينيها معلقة على مريم التي تنظر تجاهها بأمل، بألم، بخوف، بترجي، بدموع، بابتسامة. ألف شعور وشعور قرأتهم أروى في تعابير مريم في هذه اللحظة. جذب مروان مالك بحدة وأوقفه أمامه وتحدث له بصوت عالٍ: "أنت إيه اللي بتقوله ده ها؟
كاد أن يرفع يده ليصفع مالك إلا أن يد إسلام كانت الأسرع حينما أمسك بيد مروان قبل أن تنزل فوق وجنة مالك الذي يغطي وجهه بكفيه الصغيرين ودموعه تنساب على وجنتيه. إسلام: "معاذ، خذهم كلهم واقعد في مكان تاني من فضلك... مش عايز غير مريم وأروى ومروان." أومأ معاذ سريعًا وتحرك الجميع تجاه طاولة أخرى. وحينما اقتربت رقية لتحمل وليد، رفضت مريم بشدة وأمسكت بيد وليد وهي تتمتم: "شفت مين يا وليد ها؟ ... بابا صح؟؟ ...
شفت بابا يا ليدو صح؟ ... حبيبي ما تخافش قول لي محدش هيكلمك... قول لي شفته... وليد انطق."
قالت آخر كلماتها بصوت عالٍ نسبيًا وهي تهز وليد من كتفيه مما جعل وليد يبكي. فتحرك إسلام وجذب وليد من يدها وأعطاه لرقية التي ذهبت به سريعًا من المكان. والتفت إسلام لمريم فوجدها ترمش بسرعة ووجهها قد شحب وترتجف. اقترب إسلام سريعًا وأخذها بين أحضانه لتشهق باكية وتدفن وجهها في صدره لتصرخ بحرية دون أن يخرج صوتها. شعر إسلام بنظرات الجميع مسلطة عليهم. فقام بجذب مريم وتحركت معه أروى وتبعهم مروان.
أخذها إسلام لمكان بعيد على الشاطئ وخالٍ تقريبًا وقد كانت لا تزال في أحضانه ليتمتم بهدوء وحنان: "اصرخي يا قلب أخوكي... اصرخي وعيطي."
دفنت مريم وجهها في صدره أكثر وبدأت في الصراخ من أعماقها. صرخت بكل الألم الذي تحمله منذ عامين وأكثر. بكت بكل الدموع التي أبقت عليها حبيسة جفنيها. ضغطت نفسها في صدره وشددت من احتضانها إياه وتشبثت بقوة في ثيابه. جلس بها إسلام أرضًا لبعض الوقت وبقيت هي على حالتها تلك حتى استنفدت جميع قواها. لم يعد يتبقى لديها أي قوى أخرى. ارتخت أعصابها، جف حلقها، انتظمت أنفاسها، وذهبت في سبات عميق. إسلام بهدوء:
"أروى قولي لمروان يجيب بطانية من العربية بسرعة." ركضت أروى تجاه مروان الجالس على بعد منهم يستمع لصراخها وبكائها، يستمع لضعفها وقلة حيلتها، ويبكي بقوة. ولا يعلم أيبكي لرحيل أخيه الذي لم يكن أخ فقط، بل كان الأب والأم والأخ والصديق، أم يبكي لألمها هي وقوتها التي تظهرها طوال الوقت رغم هشاشة قلبها، أم يبكي لتراهات طفله الذي تفوه بما لا يجب عليه أن يقول، وجعل جروحهم جميعًا تنبثق على مصراعيها بهذا الشكل؟
أم يبكي لأجل كل هذا؟ أجفله صوت أروى، فمسح وجهه سريعًا ووقف ليرى ماذا تريد. أروى بهدوء وصوت مبحوح: "مريم نامت وإسلام عايز بطانية من اللي في العربية." أومأ مروان وتحرك خطوتين ومن ثم التفت إليها متمتمًا: "مدام أروى... إيه اللي حصل؟ ... وليه اللي قاله مالك ده؟ ازدردت أروى ريقها بتوتر ولكنها تمتمت بهدوء: "لما ترجع عشان مريم نايمة في الهوا." أومأ مروان بتفهم وتحرك سريعًا إلى السيارة. خرج من الكافيه متوجهًا إلى الشاطئ...
ولكن هناك شيء ما غريب قد حدث... ما هذه المشاعر التي غزت جسده ودماؤه حينما حمل ذاك الصغير؟ ولم شحب وجه تلك الفتاة حينما رأته؟ ولماذا توقف الصغير عن البكاء حينما نظر له بعينيه؟ لماذا هذا الصداع الذي داهمه فجأة؟ لماذا يشعر أنه رأى هذا الطفل من قبل؟ أخرجه رنين هاتفه من دوامة أفكاره وشروده الذي دام لساعة تقريبًا. ابتسم وهو يرى اسم الحاج محمود أمامه فأجاب بهدوء: "شكلك كده عملتها وروحت." محمود بضحكة:
"ياض لم نفسك شوية واعقل... لا يا سيدي ما روحتش... أنا ورحمة جايين أهو... بس جهز لنا مكان كده عشان أنا موصي على عشا لينا إحنا التلاتة... وياريت يكون ع البحر." تحدث بضحكة: "طب وأنا لازمتي إيه في عشوة ع البحر يا عم محمود... يا راجل استغل الوقت... أنت بترشق أي حد في أي حتة وأي وقت ليه؟ ضحك محمود على كلماته وأعطى الهاتف لرحمة التي تحدثت بحزم: "هنتعشى إحنا التلاتة على البحر يا بيه في جو أسري صغنون." جود بابتسامة:
"حاضر يا ست الكل... هتيجوا تلاقوا الدنيا تمام." رحمة: "ما نتحرمش منك يا حبيبي... الراجل بتاع الدليفري زمانه على وصول... محمود اداله رقمك... ولما يوصل المكان هيتصل بيك." تحدث بهدوء وعينيه معلقة على هؤلاء الأربعة الواقفين على بعد منه: "تمام... توصلوا بالسلامة." أغلق معهم وركز نظره هناك... ليرى فتاة يمسك بها شاب وكأنه يخشى أن تسقط وتركض خلفه فتاة أخرى واضعة يديها على فمها متألمة لما يحدث للفتاة الأولى...
بينما تركهم ذاك الشاب ووقف على بعد منهم. ثبت نظره على تلك الفتاة بين أحضان هذا الشاب وكيف تتشبث به... نظر حوله وقد قرر أن يرى ما الأمر... رغم أنه لا يعنيه ولكن ربما استطاع المساعدة إن تطلب الأمر. ذهب إلى هناك من الجهة المعاكسة... ووقف على بعد مناسب منهم خلف إحدى الأعمدة الموجودة بالمكان... ليستمع لصراخ تلك الفتاة... إنها تصرخ بألم دفين... صراخها مزق أعماق قلبه... كأن أحدهم يضربه تجاه قلبه بقوة...
يا إلهي ماذا حدث معها ليصل هذا الألم بداخلها إلى هذا الحد... لقد كانت تصرخ بألم حقيقي... نظر تجاههم ليرى يديها المتشبثة في ثياب الشاب والتي تكاد تمزق تحت قبضتيها من شدتهما... ارتجفت شفتيه وشعر بغصة... آلمه قلبه كثيرًا وكاد أن يبكي... لولا اهتزاز هاتفه بجيبه... فنظر به ليرى رقمًا غير مسجل... فعلم على الفور أنه موصل الدليفري...
ألقى نظرة أخيرة على الشاب الذي يعطيه ظهره والفتاة التي لا يرى منها سوى قبضتيها الممسكة بثياب الشاب... وقد لاحظ ارتخاءهما... فعلم أن قواها قد خارت... قرر الذهاب... وإن عاد ووجدهم فسوف يجلب إحدى البطاطين بالمكان هنا ويعطيها للشاب... وإن استطاع مساعدتهم في شيء فلن يتأخر... وبالفعل ذهب ليأخذ الطلبية... وفي طريق عودته رأى ذلك الشاب الذي كان مع الشاب والفتاتين عند الشاطئ وهو يركض تجاه السيارة... وجده قد أخرج بطانية...
ومن ثم أغلق السيارة واستدار مغادرًا... تزامنًا مع صوت الحاج محمود الذي صدح قائلاً: "جينا في الوقت المناسب... مش هيلحق الأكل يبرد." تحدث بضحكة: "ظابطينها بالدقيقة." ضحك ثلاثتهم واستدار ليدلف مع محمود ورحمة... لكنه وقف فجأة وهو يرى هذا الشاب ينظر تجاهه بعينان واسعتان مصدومتان. عقد بين حاجبيه ونظر لمحمود ورحمة اللذان نظرا له ولبعضهما... ومن ثم تحدث محمود لمروان بهدوء: "في حاجة يا بني؟
لم تحِد عينا مروان عن الواقف أمامه وانسابت الدموع على وجنتيه في صمت ووقعت البطانية من يده... وأخذ يقترب بهدوء وحذر. عاد خطوتين للخلف ليركض مروان تجاهه وينتشله إلى أحضانه وهو يقبل كل إنش في رأسه متمتمًا من بين دموعه: "جود؟ ... لا لا مش مصدق نفسي؟ ... جود ده أنت؟ ... أنت إزاي؟ ... جود رد عليا؟ ... ليه؟ ... ليه عملت كده؟ أخذ يبكي ويضحك وهو يضمه إليه أكثر ويمسك بخصلاته مرة وبملابسه مرة... يقبل كتفه ورأسه...
يبتعد ويمسك بوجهه بين يديه ومن ثم ينتشله مجددًا لأحضانه. بقي على حاله وجود لا يشعر بشيء فقط الجمود بسبب الصدمة والكهرباء التي تسري في عروقه من قرب مروان منه... وعاد الصداع يداهمه بشدة... فوقعت الحقائب من يده ليبعد مروان عنه بهدوء وتمتم بصوت خرج مبحوحًا بسبب تأثره: "أنت بتتكلم عن مين؟ ... أنت مين؟ نظر له مروان في صدمة وتمتم بارتجاف وهو يمد يده يضعها على وجنة أخيه: "جود... أنت... أنت بتسألني أنا مين؟
اقترب الحاج محمود منهما ووضع يده على كتف مروان وتمتم بهدوء: "أنت مين يا بني؟ ... وجود مين اللي بتتكلم عنه؟ ... ده عبد الله ابني." التفت مروان تجاه جود ونظر به بتفحص وهو يرمش سريعًا ويحرك رأسه للجانبين بعدم تصديق: "ابـ... ابنك إزاي؟ ... د... ده جود... أخويا." ازدرد جود ريقه بحلق جاف ليقترب مروان منه ومن ثم أدار رأس جود للجانب ليرى تلك الشامة الكبيرة التي بجانب أذنه اليسرى... وتمتم مجددًا: "ده جود أخويا."
ومن ثم أنزل التيشيرت الذي يرتديه جود عن كتفه الأيمن لتتبين تلك الشامة الأخرى ليعود متمتمًا من جديد: "ده جود أخويا." ثم عاد واقترب منه وقام بجذب وجنته اليسرى للأسفل لتتبين له مكان تلك العملية التي تركت أثرًا لكيس دهني في جفن عينه وتابع من جديد وعيناه لا تتوقف عن ذرف الدموع: "ده جوووود أخويااا... مش ابنك... ده أخويا." كانت رحمة تبكي وهي ترى هذا المشهد وجود يقف متخشبًا... هذه الملامح... هذا الحضن الدافئ... هذا الصوت...
هذه اللهفة... إنه لا يبدو غريبًا عنه. مروان وهو يمسك بيد جود برجاء: "جود إيه حصل لك؟؟ ... اتكلم." محمود بهدوء وتأثر: "اسمعني يا بني... الموضوع كبير... ومحتاج قعدة." مروان وهو يومئ عدة مرات ومن ثم تذكر أمر وليد فتحدث سريعًا: "يعني وليد بجد شافك هو وأروى... أنت شفت ابنك؟ انتفض جسد جود إثر كلمته ونظر له بتيه ليتحدث محمود مجددًا: "تعالوا يا بني هندخل جوه ونتكلم بهدوء... ما تنفعش وقفتنا دي." تحدث جود أخيرًا ببحة:
"الـ البطانية... والبنت اللي كانت بتعيط... ودي البطانية الأول." نظر له مروان وقد تبين له شيء لم يفهمه من البداية... ألا وهو فقدان الذاكرة... جود فاقد للذاكرة... لقد تحدث عن مريم كفتاة لا يعرفها. كما أنه لم يتعرف على ابنه وكذلك أخيه. محمود مقاطعًا شروده: أنت معاك حد يا ابني؟ مروان بانتباه وصوت تائه: إيه؟ آه. معي العيلة، العيلة كلها معي. محمود بهدوء وراحة لما استشعره
من راحة تجاه مروان: طب روح يا ابني ليهم وطمنهم عليك الأول وتعالى، بس يا ريت تكون لوحدك. مروان بسرعة: لا، أنا مش هتحرك خطوة من غير أخويا. تنهد محمود بهدوء وتحدث لرحمة: رحمتي خذي عبد الله وروحي معاه للمكان اللي جهزناه لنا. وأنا هروح مع آآآ… أدار رأسه لمروان في تساؤل: اسمك إيه يا ابني؟ مروان بسرعة: مروان، اسمي مروان. عاد محمود بحديثه إلى رحمة: وأنا هروح مع مروان لغاية أهله وأستناه ونيجي لكم.
أومأت رحمة وهي تقترب من جود لتمسك بذراعه، بينما يقف هو في دوامة عدم الفهم والتيه؛ اسم مروان، اسم وليد، حضن مروان، رائحة وليد، كهرباء جسده، صداعه الفتاك. ماذا يحدث! تحرك مع رحمة باستسلام تام وعينيه معلقة على مروان الذي لم تكد عيونه تجف حتى تعود من جديد وتسكب الدموع في صمت وهو يتابع خطوات جود المبتعدة عن مرمى نظراته.
تحرك محمود وأخذ البطانية عن الأرض وتحرك مع مروان الذي ينظر في أثر جود وكأنه مغيب تمامًا. لا يصدق أنه رآه، لا يصدق أنه كان بين أحضانه، لا يصدق أنه سمع صوته مجددًا، لا يصدق. لكن إن كان حلمًا فهو لا يود الاستيقاظ منه أيضًا. انتبه على يد محمود الذي تحدث بهدوء وحنان: يلا يا ابني عشان ما يقلقوش عليك. مروان وهو يتحرك معه بتيه: هو، هو كان بين إيديا دلوقتي صح؟ سمعت صوته وسمعت ضحكته، حسيت بحضنه، هو ما كانش حلم والله.
محمود بألم لأجله: اهدي يا ابني، أخوك مش حلم أخوك حقيقة. يلا بس نطمن العيلة اللي معاك ونرجع له عشان هو كمان حالته هتكون أسوأ بكتير من حالتك دلوقتي. مروان: هو، هو مش فاكرني، لا لا هو، هو أصلاً مش عارفني. محمود وهو يربت على كتفه: أخوك فاقد الذاكرة من أكثر من سنتين يا ابني. نظر له مروان ويده ترتجف: ليه؟ إيه حصل له؟ و، وإزاي جه هنا؟ ومين عبد الله؟
محمود بهدوء: احنا محتاجين الإجابات دي من أهله يا ابني. أنتم اللي المفروض عارفين إيه حصل له. لكن عبد الله ده أنا ناديته بيه أنا ورحمة مراتي عشان هو مش فاكر اسمه. مروان: جود، جود احنا، احنا استلمنا جثته متفحمة في المصنع. جود أنا بروح له قبره كل يوم من سنتين أقرأ له الفاتحة. لا لا هو، هو اللي في القبر مش جود، بس مين؟ طب، طب جود جه هنا إزاي؟
محمود بهدوء: عيلتك فين طيب نديهم البطانية دي وتبلغهم أنك هتتأخر شوية وتيجي معي عشان نتفاهم ونفهم اللي حصل. أومأ مروان سريعًا ومن ثم نظر حوله يحاول تذكر أين هم، حتى لمحهم من بعيد فتذكر أمر مريم وإسلام. مروان بسرعة: مـ مريم مراته نايمة هناك أهي. محمود: مرات مين؟ مرات أخوك؟ أومأ مروان وهو يتمتم: دي دي، دي كانت بتصرخ من شوية بس، كانت بتصرخ بوجع عشانه. نامت من كتر العياط والصريخ عشان، عشان ابني قال إن وليد شاف أبوه.
محمود بعدم فهم: وليد مين؟ مروان بتنهيدة: ابن جود. محمود: جود متجوز وعنده ابن، ما شاء الله. طب يا ابني روح لمراته وجيبها، في غرف هنا، هتنام في واحدة منهم مينفعش تفضل كده. أومأ مروان سريعًا وركض تجاه إسلام الذي تحدث بسخط وصوت خفيض: كنت فين يا ابن آدم؟ كل ده بتجيب بطانية. مروان: قـ قوم، قوم شيلها ونيمها في غرفة من اللي هنا. نظر إسلام خلف مروان ليجد محمود يتحدث بهدوء: هاتها يا ابني وتعالى هوريك مكان الغرف.
وبالفعل حملها إسلام وذهب بها لإحدى الغرف ووضعها مربتًا على رأسها بحنان ومن ثم أخبر أروى أنه سيذهب ويحضر أريج ووليد إليها. خرج لمروان الذي لا يزال ينتظره مع محمود. مروان: إسلام في حاجة مهمة لازم نتكلم فيها، بس الأول تعالى نجيب العيال في أوضتين تانيين. إسلام وهو ينظر لمحمود: هو، هو في إيه؟ محمود بابتسامة ودودة وهو يمد يده ليصافح إسلام: أنا الحاج محمود يا ابني، صاحب المكان.
أومأ إسلام بهدوء متمتمًا: أهلًا وسهلًا يا حاج، متشكر على وقفتك دي. محمود: ما فيش الكلام ده يا ابني، يلا هاتوا باقي العيلة في الأوضتين اللي جنب أختك هنا. وبالفعل تحركوا وطلب مروان من معاذ بأن يهتم بهم ويحادثه إن حدث أي شيء، وأخذ إسلام وتحرك مع محمود حيث تجلس رحمة محاولة تهدئة جود الذي تتحرك قدمه تباعًا في توتر وترقب وخوف. رحمة بابتسامة: جم أهم يا حبيبي.
وقف جود سريعًا والتفت لهما لتتيبس قدما إسلام أرضًا وهو ينظر لجود بعيون متسعة ولا يكاد يصدق. خرج صوته متأتئًا: جـ جود؟! أنت مستحيل تكون شبهه أوي كده. مروان بهدوء وابتسامة ارتياح: ده جود يا إسلام. أخذ اسم إسلام يتردد في عقل جود، وهو يقف ناظرًا تجاههما بنظرات غائمة تائهة. إن كان هذا أخاه وقد استشعر حبه بهذا الشكل، إذا هو يمتلك عائلة تحبه ولم تفعل به هذا! من إذًا فعل به ما فعل؟ وأين كانوا هم طوال هذين العامين؟
قاطع شروده وأفكاره اقتراب إسلام منه. انتشله سريعًا محتضنًا إياه وأخذ يربت على ظهره بحب واضح وهو يتمتم بعدم تصديق: ليه؟ ليه بعدت كل الوقت ده؟ مريم بتموت، إزاي قدرت تبعد كل الفترة دي؟ و، وبعدين مين، مين اللي احنا بنـ... قاطعه محمود بهدوء: خلونا نتكلم. جلس الجميع وجود نظره معلق بالفراغ، وأنظار إسلام ومروان عليه. تحدث محمود بهدوء: أتكلم أنا يا عبد الله؟ إسلام عاقدًا حاجبيه: عبد الله مين؟ ده جود.
محمود بابتسامة: معلش بقى يا ابني سنتين بناديه وأقول له يا عبد الله، عما أتعود بس على اسمه. إسلام: هو في إيه؟ جود!! ما حد يتكلم إيه اللي بيحصل؟
أنت عايش باسم غير اسمك، وطول السنتين حي تُرزق، وسايب أهلك ومراتك وابنك. مراتك بتموت ألف مرة في اليوم، وآخرهم من ساعة كانت ماسكة فيا بتصرخ بعلو الصوت، بتخرج حزنها وألمها من بُعدك عنها، بتصرخ من غلبها وتعبها، وأنت عايش مش ميت. دي ما رضيتش ولا مرة تروح القبر اللي فيه جثة المفروض إنها جثتك، لما بييجي اسمك ما بترضاش تقول الله يرحمه ولما أسألها تقول مش حاسة إن المفروض أقول كده، جود عايش في قلبي وهيفضل لباقي عمري. أختي الوحيدة اللي حاسة إنك موجود، وطلعت فعلًا موجود، وهي الوحيدة اللي عمالة تتعذب وقلبها يتكوي بالنار. قل لي بتعمل إيه ها؟
كان جود منتبهًا تمامًا لكل حرف ينطق به إسلام ويتذكر تلك الفتاة التي رآها منذ وقت قليل وهي تصرخ بين أحضان أخيها. إنها، إنها زوجته. هل هو ميت بالنسبة لهم؟ لمن تكون تلك الجثة هناك؟ كيف صدقوا خبر وفاته؟ هل يحيى هو طوال تلك الفترة بعيدًا بظنه أنه ربما هم من فعلوا به هذا؟ وبعد كل هذا الوقت يتبين له أنهم يظنونه ميت؟ ما الذي يحدث! إسلام بعصبية: رد يا جود، فهمني عملت كده ليه؟ تحرك جود
بعصبية هو الآخر وصرخ به: أنتم ما تعذبتوش لوحدكم، ماشي أنا غلطت إني ما دورتش عليكم، بس كنت فاكر إن أهلي هم اللي عملوا فيا كده. أنا واحد مش عارف أي حاجة عن حياته، مش عارف اسمه، مش عارف عمره، مش عارف حد، ولما فتحت عيني ما شفتش غير الحاج محمود ورحمته. ما أعرفش حاجة من اللي بتقولوا عليها، ما أعرفش مين مريم، ما أعرفش مين وليد، ما أعرفكش يا مروان ولا أنت يا إسلام. حسيت بيكم وحسيت بقربنا من بعض بس ما أعرفكوش. أنا عشت سنتين
ما بأعملش أكثر من إني أتأمل السما وأقول يا رب اجمعني بهم لو لنا خير في بعض ولو اللي فرقني عنهم حد غيرهم، ويا رب أعيش باقي عمري بذاكرة فاضية تمامًا لو هم اللي عملوا فيا كده عشان مش عايز أكرههم. أنتم ما تعذبتوش لوحدكم، أنا كمان كنت بأتعذب ألف مرة وأنا مش فاهم حاجة من اللي أنا فيها. فتحت عيني لقيتني في مستشفى ودكتور بيقول لي حمد الله على سلامتك وبيختبر نظري وصوتي وحركاتي ويسألني عارف اسمك ولا لا، وصدمتي في نفسي إني
فعلًا مش عارف اسمي. سمعته بيقول لهم إني فقدت الذاكرة بسبب اللي اتعرضت له، واللي أنا أصلاً ما أعرفش إيه هو اللي اتعرضت له. واحد مجبس رجله ودراعه وشاش على دماغه ولزق طبي متبعتر في وشه، وما أعرفش إيه على صدره. مش عارف وما كنتش عايز أعرف عشان خايف يكونوا أهلي اللي عملوا كده لأي سبب، ما كنتش عايز أعرف عشان مش عايز أكرههم. عايز تعرف إيه ثاني ها؟
كان مروان يبكي في صمت بينما ينظر له إسلام في صدمة. تحرك مروان بدون تردد واقترب بسرعة وجذبه لأحضانه لينتبه جود أنه كان يتحدث كل هذا ببكاء دون أن يشعر، فترك العنان لشهقاته ودموعه، وقام بمحاوطة مروان وبكى بقهرة عامين من الحيرة والضياع، عامين من الألم والدموع المكتومة. الآن فقط تحررت، تذكر مريم وصراخها، تذكر قبضتيها التي كانت تحكم بها على ملابس إسلام، تذكر شعوره وقتها حينما آلمه قلبه لأجلها. ابتعد بعد بعض
الوقت وهو يتمتم في تردد: عايز، عايز أشوفها. أومأ إسلام الذي فهم مقصده سريعًا وتحرك هو وجود، بينما بقي مروان مع محمود يربطون الخيوط ببعضها ليصلوا لمن تسبب بهذا كله. محمود: طب أنت مش شاكك في حد معين يا مروان؟
مروان بحيرة: مش عارف، جود اللي كان ماسك الشركة وطول الوقت يطلب مني أمسكها معاه وأنا كنت بأرفض، صدقني مش عارف. بس في الحياة العامة احنا ما لناش غير بعض، كلنا أسرة واحدة أنا وهو ومريم وشهد وإسلام وأروى ومعاذ ورقية. ما كانش لنا غير بعض، ما بنقعدش غير مع بعض، مننا فينا، عشان كده الموضوع ده من ناحية الشركة وده الأكيد، بس مين برضه ما أعرفش، عشان ما كنتش معاه. ودلوقتي من شغلي فيها سنتين أنا وإسلام ما لفتش انتباهنا أي شيء غريب، حتى بالعكس الكل كان بيحب جود.
محمود بتنهيدة: ما فيش غير حل واحد يا ابني. مروان بسرعة: إيه هو؟ محمود بهدوء: جود يرجع بلده وشغله. مروان بخوف: بس، بس هيحاولوا يأذوه ثاني. محمود بثقة: وده المطلوب. مروان: نعم!! حضرتك بتقول إيه؟
محمود: اللي أذوا جود عارفين إنه لسه عايش، وخصوصًا أنهم ادوكم جثة ودفنتوها. الجثة دي كانت وهم لكم أنتم، لكن هم قلقانين، لكن لما جود اختفى لسنتين كاملين دلوقتي بدأوا يهدوا، لأنهم كده عندهم ظن إنه فعلًا مات. بص يا ابني، أنا هأقول لك اللي حصل.
أنا كنت في القاهرة من سنتين أنا ومراتي بناخد عزاء ابن عمها، وبعدين حصلت مشادة بيني وبين عمها، وقتها أنا أخذتها ومشينا. وبعد ما اتحركنا اكتشفت إني نسيت رخصي وبطاقتي عندهم، وكرامتي ما سمحت لي أرجع لهم ثاني، فقلت يولعوا هأعمل بدل فاقد وأخرجهم ثاني. وطبعًا خفت يكون في كمين أو حاجة على الطريق، رحت ماشي صحراوي وسلمت الأمر لله وقلت زي ما تيجي تيجي.
كنا على الطريق الصحراوي والعربية عطلت وكان لسه يا دوب الفجر والنهار بدأ بيشقشق. اضطريت أقف واتصلت بناس معارفي هنا، وقالوا مسافة الطريق ويجيلنا، وده كان بعد عناء طويل بسبب الشبكة. المهم، وقتها كانت المسافة بين المكان اللي أنا فيه ودخولي إسكندرية حوالي ساعتين. قعدت جنب مراتي في العربية ولما النهار فرد طوله نزلت أنا وهي، قلنا نفرد جسمنا من تخشيبة القعدة. رحمة قالت: اقفل العربية وتعالى نتمشى.
أيدت رأيها وخدت بإيدها ومشينا شوية. فجأة لقيت رحمة صرخت وهي بتبص على واحد متبهدل تراب ومتبهدل سواد كأنه كان في حريق. قربنا منه كان غرقان في دمه، ودماغه الدم متجلط عليها من ورا وجسمه باين فيه حروق، وهدومه مقطعة. قربت منه وقست نبضه كان ضعيف بشكل يخلي اللي ما يركزش كويس هيقول إنه ميت. وبسرعة ساعدتني رحمة وشلناه لحد العربية وحطيته ورا. وما فيش ربع ساعة وكانوا الجماعة وصلوا، وخدته فورًا بعربيتهم على المستشفى. وهما صلحوا عربيتي وجابوها وجَم.
فضل في المستشفى تلت أيام عما قدر يفوق، وعرفنا إنه فقد الذاكرة. وفضلنا جنبه أسبوع كامل في المستشفى لحد ما استرد صحته، وجبناه بيتنا وعاش معانا طول السنتين دول. وكل خوفه إن أهله يكونوا هما اللي عملوا فيه كده. كده الموضوع بفعل فاعل. وجود لو رجع بقوة، اللي عملوا فيه كده هيتوتروا وهيبانوا، ومهما الحقيقة اتردمت يا ابني مصير اليوم اللي تتكشف فيه ييجي. مروان بتيه وعيناه لم تجف عن دموعه لتخيله ما عاناه أخاه،
وبعد تنهيدة طويلة: هنعمل كل حاجة عشان أفرم ولاد الكلب دول. مش هرحمهم، مش هرحمهم. كانت تجلس بجانبها تمسد شعرها بحنان بعدما قامت بنزع الخمار عنها، وتتألم بداخلها لما تعانيه رفيقة دربها. حولت نظرها تجاه وليد الذي ينام في سلام ولكن بحاجبين معقدين، كأنه يتألم هو الآخر. أتاها صوت أريج الناعس: ماما عاوزة أنام. حملتها أروى ودثرتها في المقعد بهدوء بجانب وليد
وقبلتها في وجنتها متمتمة: إن شاء الله الصبح أنتي مدينة باعتذار لمالك عشان ضربتيه بالقلم، وكده عيب يا حبيبتي عشان مالك أكبر منك. أريج بحزن: هو بيزعل ليدو، قبل ما نسافر قاله مش تقعد معانا عشان أنت أبوك مش معانا وإحنا أبوهاتنا بس اللي معانا، وخلى وليد مشي زعلان، وخلاه عيط عند الحمام. مالك وحش ومش بيحب ليدو، وأنا بحب ليدو ومش بحب مالك.
أروى بهدوء وألم: بكرة هخلي مالك يعتذر من ليدو، ولو اعتذر أنتي كمان تعتذري عشان ضربتيه، اتفقنا؟ أومأت أريج بهدوء لتقبلها أروى متمتمة: يلا حبيبتي نامي. وبالفعل تركتها تنام في هدوء لتتنهد أروى بتعب لكل ما حدث وما يحدث. كيف لصغير بعمر مالك أن يحمل بقلبه حقد لطفل مثله كوليد؟ أليس من المفترض أن الأطفال بريئة من الداخل والخارج؟ لمَ يحقد مالك على وليد هكذا؟!
تشعر أن المستقبل بينهم غير مبشر أبدًا، فمن كبر على ضغينة بقلبه لأحدهم ستكبر معه ضغينته وحقده. يجب أن يعالجوا قلوب الأطفال من الآن حتى لا يخسرونهم غدًا. تنهدت بهدوء مجددًا وقد اتخذت قرارها كي تتحدث مع شهد ومروان في هدوء عن هذا الأمر. قاطع تفكيرها طرقات على الباب. فتحركت بسرعة متمتمة: مين؟ أتاها صوت إسلام: أنا يا أروى، ومعايا جود. فتحت أروى الباب سريعًا لتقابلها ابتسامة
إسلام المهتزة وهو يتمتم: جود عايز يشوف مريم ووليد. أومأت أروى وتحركت سريعًا تجاه أريج وحملتها لتخرج بها مع إسلام، وتقابلت عينيها مع جود عند الباب لتتحدث بابتسامة مشرقة: حمد الله على سلامتك. أومأ جود بابتسامة هادئة متوترة وقد تعلق نظره بتلك الطفلة بين يديها. فاقترب إسلام وحملها من يد أروى وذهب تجاه جود متمتمًا: أريج، بنتي، وشكلها هتكون صيدة ابنك المحترم. جود بعدم فهم: يعني إيه؟
إسلام: المحترم ابنك باصص لبنتي وبيدلعها ريجو، وبنتي المحترمة بتدلعه تقوله ليدو. بص يا جود يا خويا، ادخل لمراتك وسيبني في قهرتي. ضحك جود وقد شعر بالألفة حقًا، الأمان الذي افتقده، شعر بهم وبدفئهم. اقترب برأسه من أريج وقبلها في وجنتها بهدوء وهو يتمتم: جميلة أوي ربنا يباركلك فيها. ابتسم إسلام ثم أشار برأسه إلى الغرفة كي يدلف جود، ومن ثم تحرك إسلام إلى الغرفة المجاورة.
بينما دلف هو للغرفة، وقلبه يضرب بعنف، وأفكاره مشتتة. وصل حيث فراشها فتأملها بهدوء، خصلاتها، عينيها المغمضتين والمتورمتين والتي لا تزال تحوي أثر بكاء، أنفها الأحمر، شفتيها الجافة، بشرتها الشاحبة، جسدها الضعيف والنحيل. هل كانت تحبه إلى هذا الحد الذي يجعلها تموت وهي على قيد الحياة؟ اقترب بيده في تردد، يتلمس وجنتها بهدوء. قشعريرة دبت في أوصاله، مشاعر عنيفة اجتاحت كيانه.
بقيت أنامله تتحرك فوق بشرتها صعودًا وهبوطًا وقلبه يضرب بعنف. حتى تحركت هي متململة في انزعاج وفتحت عينيها ببطء مع ضربات قلبها الثائرة التي تنبؤها بأن جزءًا منها بجانبها الآن. حولت رأسها ببطء لليسار، لتقع عينيها عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!