الفصل 4 | من 23 فصل

رواية قضاء ونصيب الفصل الرابع 4 - بقلم دنيا آلشملول

المشاهدات
15
كلمة
3,582
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

فتحت عينيها بهدوء لتجد نفسها في غرفة ما، ولكنها تشعر بتحسن بسيط. رمشت عدة مرات تحاول تذكر ما حدث، فشهقت بفزع حينما وجدت عمر أمامها. شهد بخوف: أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ أنا.. أنت.. عايز إيه؟ عمر بابتسامة جانبية: حمد الله على سلامتك يا.. يا مدام شهد. انتابها الزعر وهي تستشعر نبرته الساخرة. نظرت لنفسها بخوف، لكنها بملابسها ولا شيء تغير، فنظرت له مجددًا ليتابع: كده الانتقام هيبقى حلو أوي.. أنتِ واللي في بطنك كمان.

وضعت شهد يدها تلقائيًا على معدتها، وبدأت في العودة للخلف ببطء، والزعر قد تمكن منها. عمر بابتسامة جانبية: حبيتيه مش كده؟ حبيتيه ولا حبيتي حبه لمريم وتفانيه في حبه لأخوه؟ حبيتي فيه إيه بالظبط؟ شهامته مثلًا عشان جه وقف قصادي لما كنت عايز أرجعك ليا؟ أممم ولا حبيتي تضحيته؟ ولا حبيتيه شكليًا؟ مروان مش وحش يعني، بالعكس شاب وسيم وراجل يعتمد عليه و.. ومضحي.. قوليلي إيه أسباب أنك تفضلي معاه؟

استجمعت شهد شجاعتها وتحدثت، ولكن خرج صوتها مرتجف قليلًا: كل دول.. حبيته عشان كل دول.. أنا ما حبتكش أصلًا.. أنا كنت عيلة وطايشة وهبلة.. فهمت الحب غلط وحياتي كانت غلط في غلط.. بس ربنا رزقني باللي فوقتني وخدت بإيدي.. عشان في الآخر أقع في طريق مروان اللي خد بإيدي عشان يكمل معايا للآخر.. آه حبيته عشان تضحيته.. ما فيش بني آدم يعمل كده.. حتى إني أشك أن جود نفسه كان ممكن يتخلى عن مريم عشانه.. حبيت حبه لمريم عشان فضل قافل على

قلبه لحد ما ربنا يريد ويطلبها من أهلها.. وصدمة عمره أنها تطلع حبيبة أخوه وأخوه كمان حبيبها، ومع ذلك قام وغنى ورقص في فرحهم وكان شايل ثلث أربع أشغال الفرح لوحده.. كانت سعادته لأخوه باينة في عينيه.. كان بيحضنه بكل حب الدنيا.. ما كانش أناني وما فكرش في نفسه وتعبه ووجعه من أنه يشوف البني آدمة اللي حبها في حضن واحد تاني.. لا ومين؟

أخوه! ومع ذلك اتنازل.. عشان إيه؟

عشان جود يستاهل.. عشان جود ضحى بحياته عشان يكبر أخوه.. عشان جود كان له الأب والأم والصاحب.. آه حبيته عشان شكله.. مروان شكلًا وقلبًا يتعشق مش بس يتحب.. كفاية ابتسامته بس.. بتطيب القلب والروح.. كفاية صوته في حياتي.. بيحسسني بالأمان.. آه حبيته وأنا عارفة أن قلبه مع غيري، بس أصريت أني أشغل قلبه وأنا عارفة وواثقة أنه مش هيحبني زيها.. بس يوم ما هيخيروه بيني وبينها هيختارني أنا.. عشان هو راجل بجد.. حبيته وهو أول وآخر حب في حياتي.. ولا يمكن هييجي بعده.. وبفضل الله اكتشفت أن ما كانش فيه قبله.. وأنك كنت مجرد نزوة في حياتي.. وقت مش أكتر.. لا لا.. أنت كنت سيئة والحمد لله خلصت منها.

أنهت شهد كلماتها وهي تلتقط أنفاسها بسرعة وكأنها كانت تركض، تاركة ذاك الذي يقف مستندًا إلى الخزانة يعتصر يديه من شدة قبضته، وعينيه التي تضخ شرًا، حتى خرج صوته أخيرًا: وأنا هخليكي تتحسري على الحب ده.. أنتِ.. وهو. انتفضت شهد وهي تنظر في أثره برعب. لقد غادر الغرفة وصفق الباب خلفه، وازداد زعرها وهي تستمع لصوت المفتاح يدور بالباب. وقفت بهدوء وأخذت تدور في الغرفة تبحث عن مخرج. النافذة موصدة بأحد الأقفال. ماذا ستفعل؟

استمعت لصوت سيارة فعلمت أنه غادر المكان. نظرت في ساعة يدها لتجدها تشير إلى الرابعة والنصف. لكن هل هو توقيت مسائي أم صباحي؟ تنهدت بتعب وهي تضع يدها على معدتها، وأخذت تبحث عن أي شيء يمكنه مساعدتها في فتح النافذة أو الباب. وبعد ساعة تقريبًا من البحث، مدت يدها إلى خصلاتها وقد تذكرت أمر تلك الـ "بنسة" الرفيعة. كيف غفلت عنها؟

تحركت تجاه النافذة وظلت تعبث بالقفل حتى تمكنت أخيرًا من فتحه. أخذت شهيقًا طويلًا وهي تتمتم بالشهادة، ومن ثم فتحت النافذة ببطء لترى الفراغ من حولها. أقرب المنازل إليها يبعد عن مد بصرها بحوالي مئتي متر تقريبًا، هذا وإن كانت منازل من الأساس. نظرت للأرض التي تبعد عن نظرها حوالي مترين لا أكثر، فالمنزل أرضي وليس أدوارًا. استجمعت قوتها وشجاعتها لتقفز بهدوء وحذر عن النافذة، وركضت لتعبر الطريق. ولكن أجفلها صوت اصطكاك إطارات إحدى السيارات بالأسفلت، لتنظر خلفها وتجد عمر يركض تجاهها. أخذت تركض بسرعة ولكن ليس سوى بضع أمتار، فمعدتها بدأت في إيلامها والدوار تمكن منها. لم تستطع التحمل فسقطت فاقدة للوعي من جديد.

فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها داخل الغرفة نفسها التي تركتها هاربة منذ قليل. لقد وقعت بين يديه مجددًا. تنهدت بتعب ليجفلها فتحه للباب بعنف. شهد بخوف: آآآ.. إيه؟ عمر وهو يمسكها من ذراعيها ويهزها بعنف: بتهربي مني؟ بتهربي مني ها؟ شهد بدموع: سيبني.. سيبني ما لكش دعوة بيا سيبني.

كان على وشك أن يتحدث، ولكن طرقات عالية متتالية على باب المنزل أجفلت كلاهما، لتتبين له الأصوات على الفور. إنها الشرطة. كان على وشك الهروب، لكن كان الضابط أسرع منه حيث تم كسر الباب ودلف وأشهر السلاح تجاه عمر الذي نظر لشهد بحقد وغل كبير. تم القبض عليه وقبل خروجه من المنزل كان مروان يدلف ركضًا، وتواجه هو وعمر ليقترب مروان بغل ولكمه لكمة قوية جعلت الدماء تسيل من جانب أنفه وفمه، ولكن أبعده

الضابط وهو يتحدث بهدوء: خلاص يا مروان.. شوف مراتك ادخل. ركض مروان إلى غرفتها ليجدها تضم قدميها إلى صدرها وترتجف. ركض إليها وانتشلها لأحضانه لتتشبث به بقوة وعلت شهقاتها حتى خارت قواها وفقدت الوعي ليحملها مروان سريعًا ويذهب بها إلى المستشفى. أفاقت بعد بعض الوقت لتجده بجانبها يمسك بيدها وابتسامة ترتسم على ثغره: حمد الله على سلامتك.

شهد وهي تضع يدها على معدتها بسرعة فأمسك مروان بيدها متمتمًا: ما تقلقيش كله تمام.. مبروك يا شهد. ابتسمت بهدوء وهي تمسد معدتها بيدها ومن ثم أخذت شهيقًا طويلًا وذهبت في سبات عميق بعدما شعرت بالراحة والأمان لوجوده بجانبها الآن. أفاقت من ذكرياتها الأليمة على يد مروان التي تمحو عبراتها عن وجنتها بهدوء. انتبهت شهد سريعًا وابتسمت بارتباك. مروان: مالك؟ إيه مزعلك؟ ليه الدموع دي؟

شهد بشهقة: افتكرت حاجات قديمة.. المكان فكرني بيها. مروان وهو يضمها إليه: ما تخافيش يا شهد.. أنا جنبك. شهد بهدوء: هو.. هو إيه اللي عرف وقتها الشرطة بمكاني؟

مروان بتنهيدة: شافك واحد كان معدي بعربيته وأنتِ بتجري ووقف بالعربية على بعد مناسب لنظره أنه يشوفك وأنتِ بتهربي من عمر وبعدها فقدتي الوعي وهو شالك دخلك البيت.. وقتها بلغ.. وفعلاً اتأكدوا من وجودك هناك.. وقتها أنا كنت مقدم بلاغ بخطفك واتأكدوا من كده عشان البيت كان مفتوح وكام دليل كده.. وكلمني الضابط وقالي أنهم لقيوكي. شهد بتنهيدة: الحمد لله. قبل مروان جبينها بهدوء متمتمًا: الحمد لله.. يلا بقى نستعد عشان نكمل الرحلة.

أومأت عدة مرات بابتسامة ليعود الجميع إلى أماكنهم وانطلقوا مجددًا في رحلتهم. وقد كانت مريم تجلس في السيارة ناظرة للسماء تتأمل إحلال الضوء محل الظلام، ولا تعلم لما ينبض قلبها هكذا. تشعر بمشاعر غريبة ولا تعلم لها تفسيرًا، كأن قلبها يود لو يسبقها لتلك المدينة. وكذلك وليد الذي يقلب في صور جود على هاتف والدته ويبتسم حينما يرى والده مبتسمًا، ويضم حاجبيه حينما يراه عاقدًا حاجبيه.

نظرت له مريم بهدوء لتبتسم بحب لحركات صغيرها ومحاولاته كي يُقلد والده. ضمت ابنها إلى صدرها بقوة ليتمتم بهدوء: ماما إحنا هنشوف بابا تاني إمتى؟ اعتصر قلبها ألمًا من جملته، ولكن ما جعل الألم يزداد هو ردها حينما قالت بهدوء: قريب حبيبي. نظر لها إسلام من المرآة ليراها ترمش عدة مرات تُقلب ما تفوهت به داخل عقلها، وسرعان ما تحدثت لابنها بهدوء وتوتر: حبيب ماما يلا تعالى نام شوية.

وبالفعل ذهب في سبات عميق بعد بعض الوقت كما جافاها سلطان النوم هي الأخرى. وقف أمام باب غرفته ورفع ذراعيه خلف رأسه وأخذ يتثاءب ويحرك جسده لليمين واليسار ليستمع لطرقعة مفاصله إثر حركاته ومن ثم ركض قليلًا في حديقة المنزل ومن ثم عاد ليجد السيدة رحمة قد أعدت سفرة الإفطار في الحديقة كما اعتادوا كل صباح. جلس بنشاط وابتسامة واسعة على غير العادة متمتمًا: صباح الجمال يا ست الكل.

رحمة بابتسامة: صباح الورد يا بني.. إيه الابتسامة الجميلة دي. تحدث بهدوء: أكشر يعني؟ ولا أنتِ متعودة ما تاخديش ابتسامة الصباح غير من حودة. أتاه صوت محمود من الخلف متمتمًا: هي بتاخدها قبل ما تنزل ما تقلقش. رحمة بابتسامة: ربنا ما يحرمني من ابتسامتكوا أبدًا.. يلا الفطار جاهز.. بسم الله. بدأوا في تناول الفطور في جو مبهج، ومن ثم غادرا للكافيه، وقد أخبرتهم رحمة أنها ستلحق بهما عند المغرب.

دلف لعمله كعادته ولكن اليوم بنشاط أكبر وبهجة أكبر، يمزح مع هذا ويضحك مع ذاك، حتى شارف المغرب على الدخول. محمود بابتسامة: عبد الله خلي بالك.. لحسن رحمة تيجي وتقعد ع البحر وتنسانا وتنسى نفسها. ضحك بخفة متمتمًا: عيني ع الباب ما تقلقش.. خلص بس يا حج عشان لما تيجي تتحركوا على طول. محمود: خلاص أهو. لم يمر الكثير من الوقت حتى دلفت السيدة رحمة من باب الكافيه، فاتجه إليها ركضًا بابتسامة واسعة: قمر هل على الكافيه يا ناس. ضربته

على كتفه بخفة متمتمة: بطل بكش بقى. تحدث محمود من خلفهم: طب والله عنده حق.. أنتِ مش واخدة بالك المكان منور إزاي من وقت ما دخلتِ؟ طب ما خدتيش بالك أن أنا جاي على مصدر الضوء؟ ضحكت رحمة بخجل وهي تتمتم: أنتوا مالكوا كده.. هتستلموني ورا بعض ولا إيه؟! تحمحم بهدوء متمتمًا: يلا يا عم محمود خد رحمتك واتحركوا لحسن الأنظار متعلقة هنا. أحاطها محمود بذراعه متمتمًا: وقت سعيد يا عبد الله. ابتسم بتهكم مصطنع: وقت سعيد ليا أنا برضه؟!

محمود بابتسامة: قلبك كبير. ضحك بخفة ليذهب محمود ورحمته، بينما تابع هو عمله بالمكان ببهجة وفرحة غريبة لا يعلم مصدرها، لكن قلبه سعيد على أي حال. وصلوا مع الشروق، ودلفوا للمنزل خاويي القوى، وذهب كل لغرفته ليستلقي بتعب إلى فراشه. ولم يستفيقوا إلا بعد الظهر على صوت ضربات عالية تأتي من الصالة.

خرج معاذ ومروان بسرعة، كل من غرفته، ليجدوا إسلام واقفًا في منتصف الصالة وبيده صينية ألومنيوم وملعقة خشبية ويضرب على الصينية بتنغم وهو يعبث بحاجبيه لهما. مروان وهو يكز على أسنانه بغيظ: أنت يا متخلف أنت بتعمل إيه؟ إسلام بضحكة: بصحيكوا... اه اه بصحيكوا ترارارا... اه اه بصحيكووو. ركض حينما وجد مروان يركض تجاهه، في حين أمسكه معاذ من الناحية المعاكسة وتقدم مروان وبقيا يضربانه بمزاح وهو يضحك متمتمًا: خلاص خلاص توبة خلاص.

كانت الأطفال تتابعهم ويضحكون ويصفقون بمرح، في حين اقتربت أروى وبيدها مسدس مياه خاص بأحد الأطفال وبدأت توجهه إلى مروان ومعاذ وهي تطلق رذاذ المياه لينال كل منهما نصيبه من المياه. أجفلتهما المياه وابتعدا سريعًا، ليقع إسلام أرضًا وهو يضحك، بينما تمتمت هي: ابعدوا عن جوزي... ملكوش دعوة بيه. ضحكت مريم هي الأخرى لينظر لها إسلام بسخط: ما طلعتش من ناس. مريم بابتسامة: أنا أصلاً فرحانة فيك. إسلام بغيظ: بقى كده... طب تعالي.

ركضت هي للغرفة وركض خلفها، في حين دلف الرجال لغرفهم كي يتجهزوا للصلاة. ألقى بها إلى الفراش وبدأ بدغدغتها تحت ضحكاتها وتلويها، فأقبل وليد وأريج بمسدسات مياه وبدأوا في الرش على إسلام الذي ركض خلفهم، وبقيت ضحكاتهم تعلو في المنزل، في حين تنهدت مريم بارتياح غريب، ولكن عيونها تود لو تدمع. جميع مشاعرها متضاربة، منذ أن خرجت قاصدة الإسكندرية وجميع مشاعرها متضاربة.

ذهب الرجال للصلاة وأعدت الفتيات الطعام حتى عاد الرجال وبدأوا في تناوله بهدوء. مروان: هنروح الملاهي الأول نفرح العيال، وبعد كده هنروح كافيه قريب من هنا... نقعد لنا شوية كده في هدوء ونرجع... وبكرة نبدأ بتنفيذ مخطط الرحلة بأمر الله. شهد: طب إيه هو بقى مخططكوا؟ إسلام: لا لو سمحتوا... دي مفاجأة... ولو اكتشفت إن في واحد منكوا فتش المفاجأة هفرمه. ثم وجه نظره لوليد متمتمًا: سامع يا وليد باشا.

أشار وليد على فمه علامة أنه لن يتحدث. لينظر له مالك بضيق، فوليد جلس مع الرجال ليلة أمس ولم يسمح مروان بجلوس غيره معهم، والآن إسلام يتحدث إليه ألا يخبر أحدًا عن مخطط الرحلة... لماذا يعلم وليد بمخطط الرحلة وهو لا؟ ولماذا يجلس وليد مع الرجال وهو لا؟ ولماذا يجلس وليد مع أريج في نفس السيارة وهو لا؟ ترك طعامه وغادر للغرفة دون أن يتحدث، فتحركت شهد خلفه لترى ما به. دلفت بهدوء لتجده يجلس إلى الفراش بتذمر. جلست بجانبه في هدوء

وتمتمت وهي تحاوط كتفيه: مالك يا لوكا حبيبي؟ ليه ما كملتش أكل؟ وليه قمت كده فجأة؟ مالك بغيظ: اشمعنا وليد عارف هنروح فين؟ اشمعنا وليد قاعد مع بابا وعمو إسلام وخالو معاذ؟ اشمعنا هو يركب مع ريجو وأنا لا؟ اشمعنا هو كبير وأنا لا؟ صدمت شهد من موقف ابنها وانقبض قلبها لما قد يحمله صغير مثله من ضغينة في قلبه تجاه ابن عمه. شهد بهدوء وحكمة: لوكا حبيبي... وليد لازم يتعامل على إنه واحد كبير عشان هو الراجل لمامته دلوقتي...

يعني أنت حبيبي لما تكبر هيكون بابا جنبك وهيقولك ده صح وده غلط ولما تكبر هيخليك تقعد معاهم في قعدة الرجالة كمان عشان هتكون كبير... بس وليد كبر بسرعة عشان باباه عند ربنا... ولازم عمه مروان وخاله إسلام ياخدوا بالهم منه ويعلموه يشيل مسئولية عشان يخلي باله من مامته... فهمت حبيبي؟ مالك بابتسامة: يعني هما بيساعدوه عشان هو ما عندوش بابا؟

أومأت شهد بابتسامة وهي تحتضن ابنها بحب دون أن تلاحظ ابتسامة غريبة ظهرت على وجه طفل لم يبلغ من العمر سوى أربع سنوات وبضعة أشهر، ولا تعلم أن ما أخبرته به ليكون رؤوفًا مع وليد سينقلب ضد وليد نفسه، بل سيكون سكينًا باردًا سيحاول مالك أن يغرسها بقلب وليد.

تجهز الجميع بعد فترة لأداء صلاة العصر ومن ثم تأهبوا للذهاب إلى الملاهي لتمرح الأطفال، وبعد أن دلفوا للعديد من الألعاب وشراء المثلجات، تحرك بهم مروان لحديقة هادئة بعض الشيء لينهي الأطفال تناول مثلجاتهم، وبينما هم جالسون، أتى وليد من حلقة الأطفال وكأنه يحبس دموعه، لكنه جلس بجانب مريم في صمت تام. مريم بقلق: ليدو حبيبي جيت ليه؟ ليه مش قاعد مع إخواتك؟ نظر لها وليد كأنه يلومها، لكنها لم تفهم علام يلومها؟

أحاطته بهدوء متمتمة: مالك يا وليد؟ حد زعلك؟ نفى بهدوء، ليقاطعهما صوت مروان متمتمًا: كده العيال كلها شوية وهتتسطل تاني. إسلام: أنا عامل حسابي وجايب بطاطين والله عشان خفت القعدة تعجبنا والعيال يرخموا ويناموا... فنقومهم في العربية ونغطيهم ونقعد على راحتنا. مروان بضحكة: أنا مبسوط إني طالع رحلة زي دي معاك أصلاً... بحب دماغك اللي شغالة... بس يا ريت ما تشغلهاش عشان تصحينا تاني.

ضحك الجميع واستعدوا للذهاب، لكن تفاجأت مريم حينما صرخ وليد بوجه أريج حينما أتت إليه: امشي مش عايزك. دمعت عينا أريج وبدأت تشهق بصمت، فاقتربت مريم من وليد وتمتمت: أنت بتزعق لبنت خالك ليه ها؟ يلا اعتذر. أروى: مريم دول أطفال. مريم: ولو أطفال يتعلم الأدب وما يزعقش فيها... يلا اعتذر. اقتربت أريج من وليد واحتضنته بهدوء وهي تتمتم موجهة حديثها لمريم: مش تزعلي ليدو. مريم وهي ترمش عدة مرات ومن ثم ضربت كفيها معًا: شوف البت...

وأنا اللي جاية أجيبلك حقك! ضحكت أروى عليها وهي تتمتم: تستاهلي... قلتلك دول أطفال... أديها أحرجتك أهو. تحركوا جميعًا تجاه السيارات وركبت مريم ومعها أريج ووليد في الخلف، اقتربت أريج من وليد وتمتمت بصوت خفيض: مش تزعل ماشي. ابتسم لها وليد بهدوء قبل أن يومئ بخفة وبدأ في الاندماج والضحك معًا من جديد، لتتنهد مريم بهدوء.

وصلوا حيث المكان الذي اختاره مروان ليقضوا به بعض الوقت، كان كافيه هادئًا، ومظهره يبث الراحة في النفس، به مقاعد من الداخل ومن الخارج، والفاصل فقط ذاك الجدار الزجاجي، والأضواء هادئة للغاية، وألوان المكان تبث السلام في النفس. منذ أن وضعت مريم قدمها بداخل هذا الكافيه وضربات قلبها تتزايد، وبدأ التوتر يتسرب إليها حتى لاحظها إسلام فاقترب منها وأمسك بيدها متمتمًا بهدوء: مريم أنت تعبانة؟

نظرت له مريم بتيه ومن دون شعور أغرقت دموعها وجنتها بصمت، ضمها إسلام بقوة وهو يتمتم: مالك حبيبتي طيب في إيه؟ طب يلا هنروح يلا. نفت مريم وهي تتشبث بثيابه وتتمتم من بين شهقاتها: لا لا أنا... أنا كويسة... بس مش عارفة... حاسة إني... حاسة إن في حاجة هنا شداني... قلبي بيدق جامد أوي. إسلام عاقدًا حاجبيه بعدم فهم: طب يعني أنتِ مرتاحة هنا ولا نمشي وترتاحي في البيت؟ مريم بابتسامة: لا هندخل.

وتحركت مريم ممسكة بيد وليد ودلفوا جميعًا للداخل، وكل دقيقة وأخرى تجول عينا مريم بالمكان، كأنها تبحث عن شيء فقدته هنا، لا تعلم سببًا لحالتها تلك، لكن تلك الانقباضة بقلبها لا تخص سوى شخصٍ واحدٍ فقط، تبحث عنه بعينيها وتشعر به يناديها. قاطع شرودها بالمكان صوت وليد: ماما هروح مع طنط أروى وأريج الحمام. أومأت مريم بهدوء ليتحرك وليد خلف أروى وأريج. إسلام بابتسامة: شفت الواد... بيتكلم كأنه كبير إزاي...

قال هروح معاكي يا طنط أنت وريجو عشان لازم يكون معاكوا راجل. مروان وهو يضربه على كتفه: اعترف إنه جدع زي أبوه. إسلام بابتسامة: هو هيطلع جود تاني أصلاً. بينما هذا الذي يتابع حديث والده وإسلام والغل يملأ قلبه تجاه وليد، قام بهدوء واتجه لشهد وتمتم: ماما أنا هروح مع وليد. أومأت شهد بابتسامة ظنًا منها أنها أقنعته بوجوب حبه لوليد، ليتحرك مالك خلفهم.

بينما كانت مريم شاردة في مكان واحد فقط غير مدركة بكل ما يتحدثون عنه، تنظر فقط لهذا البحر المتلاطمة أمواجه، لا تفكر سوى بذاك الشعور الذي يخالج خلايا قلبها. بينما على الجهة الأخرى. دلفت أروى مع أريج إلى دورة المياه وتركت وليد أمام الباب بانتظارهم، وبعد بعض الوقت، خرجت ليصدمها قول مالك الذي أتى خلفهم تقريبًا وهو يتمتم بغل لوليد: مش هتكون راجل برضه عشان أبوك مات ومش هيكون جنبك...

هما بيخلوك معاهم أصلاً عشان يخلوك كبير بس ويخلوك تنسى أبوك الميت. صدمت أروى من حديث الصغير ودموع وليد التي تنساب بحرقة على وجنته ليتآكل قلبها حزنًا من أجله، ولم تنتبه لأريج التي خرجت وركضت تجاه وليد، وما إن رأت دموعه حتى نظرت تجاه مالك بحقد غريب وقامت بصفعه وهي تتحدث: أنت وحش... عشان بتخلي ليدو يعيط كتير.

ركضت أروى تجاههم قبل أن يتأزم الأمر، ولكن وليد ركض من أمامهم لتمسك أروى بيد أريج ومالك وتركض خلف وليد الذي اصطدم بأحدهم. توقف وليد وهو لا يكاد يرى بسبب دموعه ليرفعه ذاك الغريب عن الأرض متمتمًا: مالك يا حبيبي بتعيط ليه؟ رفع وليد نظره إليه لتصطدم الأعين، ويشعر الغريب بكهرباء تسري في عروقه، وهو ينظر لعيني الصغير، بينما لجم لسان وليد وتوقفت دموعه عن الانهمار، وكتم أنفاسه، وتمتم ببراءة: بـ بابا!

بمجرد سماعه للكلمة شعر بصداع يكاد يفتك مؤخرة رأسه وانتفض جسده كأن أحدهم قام بصعقه فجأة، لكن قطع تلك الشحنات المتضاربة من المشاعر وصول أروى إليهما وهي تتمتم: وليد. ثم نظرت للغريب متمتمة: أنا آسفـ... ابتلعت باقي حروفها وهي تنظر لمن يحمل وليد، ازدردت ريقها بحلق جاف، وشحب وجهها فورًا وهي تتمتم بعدم تصديق وصوتها لم يتجاوز شفتيها: جـ جود؟ عقد بين حاجبيه قبل أن يضع الطفل أرضًا وهو يتمتم: خلي بالك منه...

عشان ما يخرجش بره لأنه ممكن يتوه. ألقى جملته وبعثر شعر الصغير بيده مبتسمًا بهدوء ثم غادر تاركًا أروى تحاول أن تتدارك نفسها وهي تكاد لا تصدق... جود؟ لا ليس هو؟ إن كان هو كان ليعرفها... أو ليعرف ابنه على الأقل! قاطع تخبطاتها وليد الذي يجذبها من ملابسها متمتمًا: طنط أروى مش ده بابـ... قاطعته أروى وهي تنزل لمستواه قائلة بهدوء: وليد حبيبي... تعالي نتفق اتفاق. ماشي؟ أومأ وليد لتتابع هي وهي تقربه

منها وتتحدث بصوت خفيض: ما تقولش لماما حاجة عن الراجل اللي خبطت فيه ده ماشي؟ وليد ببراءة: بس ده... ده بابا. أروى بقلب مفتور: لا لا حبيبي... ده مش بابا... ده واحد شبه بابا بس... وأنا كمان في واحدة شبهي بس موجودة في مكان ثاني غير ده... وأريج برضه وخالو إسلام وكمان ماما... فـ ده حبيبي مش بابا... ده واحد شبهه... وما تقولش لماما عشان ماما تعبانة... اتفقنا؟ وليد وهو ينكس رأسه بحزن: حاضر اتفقنا.

احتضنته أروى بألم وتيه، ثم أخذت ثلاثتهم وذهبت حيث يجلس الجميع، ومن ثم اقتربت من إسلام بهدوء وتمتمت في أذنه: عايزاك ضروري لوحدنا. إسلام باستغراب: في إيه؟ حصل حاجة؟ اروي: يلا بس بسرعة. تحرك إسلام بعدما أخبر مروان ومعاذ بأنه لن يتأخر، وأخذته أروي وخرجا من الكافيه وظلت تسير حتى ابتعدت عن أنظار الجالسين على الطاولة. إسلام: أروي في إيه؟ ورايحين فين كده؟ وقفت أروي ونظرت له بتردد وهي تتمتم: إسلام في حاجة حصلت، و...

ومش عارفة إذا حقيقي ولا لا. إسلام: قولي يا أروي، سيّبتي رُكبي. أروي: حصلت مشكلة بين مالك ووليد، وليد جرى وخبط في واحد والراجل شاله لما لقاه بيعيط، وأنا عما وصلت لهم والراجل ده لفّ لي وشفته كان... كان... إسلام: كان إيه؟ ووليد كان بيعيط ليه؟ ولي يجري منك؟ أروي وقد سقطت دموعها: كان جود. نظر لها إسلام بعدم فهم: جود مين؟

أروي وهي تمسح عينيها: عارفة إنه موضوع ما يتصدقش، أنا أصلاً مش مصدقة، بس وليد قالي ده بابا، وأنا قلت له هو شبهه، هو أصلاً أكيد شبهه، مستحيل يكون جود، لا هو واحد شبه جود، مش هو خالص، أكيد مش هو. إسلام وهو يمسك كتفيها كي تهدأ: أروي حبيبتي اهدي، فهميني إيه اللي حصل بالضبط، وجود مين اللي بتتكلمي عنه؟ ابتلعت أروي ريقها ثم أخبرته بكل ما حدث، مما جعل إسلام يعقد حاجبيه بحيرة وأيضًا بخوف.

إسلام بهدوء: طب اهدي خلاص، هو فعلاً أكيد شبهه، وموضوع مالك ووليد لازم نحله في أسرع وقت، اهدي تمام، ومريم مش لازم أبدًا تعرف حاجة عن اللي حصل ده. أروي: ما تقلقش أنا فهمت وليد وهو مش هيتكلم. أومأ إسلام وعاد بها حيث الجميع، وجلس ناظرًا تجاه مريم التي تسبح في عالم آخر مع تلك الأمواج، ومن ثم حول نظره لوليد الذي يميل برأسه إلى كتفه كل فنية وأخرى يستنشقه، فتحدث له بهدوء: ليدو حبيبي تيجي نتمشى شوية بره؟

لم ينتبه له وليد ولم يسمعه، فتحدث مالك مفجرًا تلك القنبلة التي لم تكن أروي أو إسلام على استعداد أبدًا لمواجهتها، ولم يتخيل أي منهما أن طفلًا بعمره قد ينتبه لتفاصيل كهذه: هو سرحان أصلاً عشان خبط في أبوه، وأبوه سابه ومشي. التفتت جميع الأعين له حتى مريم، التي انتفض قلبها مع حروف مالك، نظرت مريم تجاه وليد الذي ينظر لها بخوف وتوتر وعيونه تمتلئ بالدموع ووجهه أصبح أحمر تمامًا. مروان بحدة لمالك: إيه اللي بتقوله ده؟

مالك: والله هو شاف أبوه لما كان بيجري وخبط فيه، وطنط أروي قالت له ما تقولش لماما. تحولت أعين الجميع لأروي التي تخشبت في مكانها وعينيها معلقة على مريم التي تنظر تجاهها بأمل بألم بخوف بترجي بدموع بابتسامة، ألف شعور وشعور قرأتهم أروي في تعابير مريم في هذه اللحظة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...