اقترب بيده في تردد، يتلمس وجنتها بهدوء. قشعريرة دبت في أوصاله، مشاعر عنيفة اجتاحت كيانه. بقيت أنامله تتحرك فوق بشرتها صعودًا وهبوطًا وقلبه يضرب بعنف، حتى تحركت هي متململة في انزعاج وفتحت عينيها ببطء مع ضربات قلبها الثائرة التي تنبئها بأن جزءًا منها بجانبها الآن. حولت رأسها ببطء لليسار، لتقع عينيها عليه.
بقيت نظراتهما معلقة لبعض الوقت، لم يصدر عن أي منهما أي ردة فعل. فقط العيون تتعلق ببعضها دون أن يرمش أحدهما. فجأة انتفضت مريم وهي تنظر له بعدم تصديق، ليعود هو للخلف خطوة. ثارت أنفاسها واشتعل لهيب جفونها، وازدادت ضربات قلبها، ترقبًا، خوفًا، شوقًا، عدم تصديق، أمل، سراب، حقيقة، حلم. اقتربت بيدها في بطء حتى لامست وجنته ليغمض هو عينه على الفور إثر لمستها تلك، لتتجمد الدماء في عروقه، ويقشعر بدنه من جديد، وترتجف شفتاه، وتزداد ضربات قلبه. أملًا في كونها الأمان والحب، خوفًا من ردة فعلها حينما تعلم أنه لا يذكرها، شوقًا وتوقًا لاحتضانها، رغبة ملحة في الابتعاد والركض هروبًا من كم تلك المشاعر التي تجعله خائر القوى لا حول له ولا قوة.
تحدثت مريم أخيرًا ودموعها تسيل على وجنتها بضعف: جـ جود! جود أنت هنا بجد؟ يعني، يعني بجد أنا شايفاك ولمساك بإيدي؟ يعني بجد قلبي مكذبش عليا لما فضلت قافلة عليك سنتين بحالهم وبساير كل اللي حواليا في موتك بس أقعد بالليل مع قلبي ويطمني عليك؟ يعني، يعني ده كله مش وهم اشتياق وكان حقيقي؟ روحي كانت متعلقة بروحك؟ وقت تعبك أتعب ووقت فرحتك أفرح؟ جود أنت هنا جنبي؟ جود أنت بجد هنا جنبي؟
رفع جود يده ممسكًا بيدها ليرفعها بهدوء عن وجنته وهو ينظر لها بألم، بضعف، بحيرة. وأخيرًا تحدث بخفوت: أنا هنا.
محت عبراتها بعنف وتحركت فجأة وألقت بنفسها بين ذراعيه وأمسكت بخصلاته من الخلف وشدت عليها بعنف لدرجة أنها آلمته، لكنه لم يعر الألم انتباهه بقدر انتباهه لشهقاتها، لمشاعره التي أصبحت تائهة ضائعة بين أحضانها، لقربها الشديد منه وكأنهما شخص واحد، لشعوره بالأمان، هنا، بين هاتين اليدين، لشعوره بالراحة، الخوف، الجهل بالمستقبل، الترقب لردة فعلها. ألف شعور وشعور يكاد يفتك برأسه وقلبه. ارتجف جسده لنبرتها وهي تتحدث بشهقات متتالية:
ليه بعدت عني؟ إيه حصل؟ ليه يا جود؟ أنا بحبك، بحبك أوي. أخذ عقله يردد في ثوانٍ كأنه صدى صوت يتردد بداخل عقله تباعًا مع شهقات مماثلة تمامًا لشهقاتها الآن، ووميض يأتي ويذهب سريعًا أمام عينيه مع ترديد الصوت بداخل عقله: "وأنا، وأنا بحبك، بحبك أوي يا جود، بحبك أوي." "وأنا، وأنا بحبك، بحبك أوي يا جود، بحبك أوي." "وأنا، وأنا بحبك، بحبك أوي يا جود، بحبك أوي."
انتفض جسد جود بين أحضانها، لتبتعد سريعًا وهي تنظر له ممسكًا برأسه من شدة الصداع الذي داهمه. مريم وهي تقترب منه بحذر: فـ في إيه؟ حاسس بـ إيه؟ رفع نظره لها بعيون دامية ومن ثم تحدث بصوت بالكاد خرج من بين شفتيه: آسف. بكت، بكت بحرقة، بفرحة، بألم، بسعادة، بخوف، بأمان، بكت بكل المشاعر التي قد تكون.
انتشلها بسرعة محتضنًا إياها من جديد يستنشق عبيرها بقوة كأنه أكسجينه. شدد عليها كأنها آخر ضمة، ومشاعرها لم تقل عن مشاعره، بل كانت تجاري مشاعره عنفًا. أخذ يتمتم بخفوت: آسف، آسف. ابتعدت فجأة وهي تنظر له بتيه متمتمة: أنـ أنت، أنت ليه هنا؟ وإيه حصل؟ أنت ليه بعدت عني وعن ابنك كل ده؟ جود بتنهيدة وقلق: مـ مش عارف. مريم بعدم فهم وهي تحاول ملاحقة أنفاسها الثائرة: مش عارف؟ جود بهدوء:
أنا، أنا مش عارف غير إني تعبان، تعبان و، ومحتاج حضنك لأنه بيحسسني بحاجة غريبة، حاسس إنه، إنه مكاني، أو، أو مش عارف بالضبط بس، بس، مش عارف، مجرد إني مش عارف.
اقتربت مريم بدون تردد وجذبته إلى أحضانها وجلست به إلى الفراش ليحاوط خصرها بتملك. تملك طفل افتقد والدته، تملك عاشق افتقد محبوبته، تملك صديق افتقد رفيق دربه، تملك مشتاق افتقد الأمان، تملك خائف يخشى الفراق من جديد. لكنه قد عاد، عاد ويقسم أنه سيجعل من فعل به هذا يدفع الثمن غاليًا، غاليًا جدًا. لا يتذكر شيئًا ولا يتذكرها، لكن مشاعره التي سبقته إليها لن يكذبها، لن يبتعد وإن كان فاقدًا لكل ذكرياته معها. هنا بين ذراعيها وجد شيئًا، هام لعامين يبحث عنه ولم يجده سوى لديها هي. من ضمة واحدة وجد الأمان هنا، الراحة، السكينة، البيت.
ذهب في سبات عميق بعدما استشعر دفء أحضانها، نام كأنه لم ينم منذ فترة طويلة. بالفعل هو لم ينم منذ عامين، منذ أن شعر بالفراغ يحاوطه، منذ أن شعر بجزء كبير منه قد غادره، منذ أن سلب الحياة وهو على قيدها. مددته بهدوء وانسحبت من جانبه. قامت بوضع خمارها على رأسها وفتحت الباب الذي طرق منذ دقيقة، ليقابلها مروان. فتحركت بهدوء وخرجت وهي تتمتم بخفوت ولا تزال تشهق: نام. مروان بتساؤل: عـ عرفك؟ مريم بعدم فهم وهي ترمش سريعًا:
يعني إيه عرفني؟ تقدم إسلام منهما ليتمتم مروان: يعني إيه حصل؟ هو عرفك وعرف وليد ولا إيه حصل؟ مريم عاقدة حاجبيها بعدم فهم ولا تزال تشهق بخفوت: وإيه هيخليه ما يعرفنيش أنا وابنه! أنا، أنا شوقي ليه غلب عتابي، قال لي مش عايز يتكلم لأنه تعبان، وأنا مشاعري غلبتني وما تكلمناش، مش عارفة. إسلام وهو يحاوطها بهدوء: مريم حبيبتي، جود فاقد الذاكرة. مريم بصدمة: إزاي؟!
بس، بس هو، هو حضني، هو قال لي عايز حضنك و، إزاي فاقد، فاقد، فاقد إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. نظر إسلام لمروان الذي تمتم بهدوء: الصبح هنحاول نوضح كل حاجة إن شاء الله، ادخلي يا مريم وخليكي جنبه. أومأت مريم بهدوء ثم دلفت في صمت بينما تحرك إسلام مع مروان الذي تمتم في هدوء: تفتكر هترجع ذاكرته بسرعة؟ إسلام: مش عارف، بس طالما قدر يلاقي الأمان يبقى خير. مروان بتنهيدة:
أنا تقريبًا قدرت أعرف كل اللي حصل له بعد الحادثة، بس الحادثة نفسها إيه، وتفاصيلها إيه مش عارف، وتفاصيل الحادثة ما حدش يعرف بيها غير جود، ولازم يفتكر، عشان قسمًا بالله ما هرحم اللي كان السبب. إسلام وهو يربت على كتفه بهدوء: كلنا هننتقم وربنا هينتقم كمان، دول سنتين مرار وتعب وفراق وألم ووجع، الحمد لله، بس، مين اللي في التربة ده؟ وإزاي توافقت تحاليلك معاه؟ معقول لعبوا في التحاليل؟ مروان بشرود:
اللي لعبها لعبها صح يا إسلام، بس ما عملش حساب إن جود يتكتب له عمر جديد. إسلام: اللي لعبها لعبها بغباء يا بني، ده سابه عايش وقدم لنا جثة مش جثته. مروان بتنهيدة: ده بقى تدبير ربك يا إسلام، مش بيقولك ما فيش جريمة كاملة، وما فيش حق عند ربنا بيضيع، ربنا لا بيرضى بالظلم ولا بيرضى بالوجع للبني آدم، الحمد لله، جود وسطنا من تاني وده أهم حاجة، بعد كده كل حاجة هتهون وهتيجي لوحدها، مهما طال الوقت.
احتضن إسلام مروان وربت على ظهره بحب متمتمًا: حمد الله على سلامته يا عم. ربت مروان على ظهره هو الآخر: يسلم عمرك يا إسلام، أنت بجد كنت ونعم العون والسند. إسلام بضحكة خفيفة: يجي جود أخلع يا إسلام، بس على مين، ده أنا على قلبك كدهو. مروان: لا طبعًا، أنت كمان أخويا الكبير يا باشا. ربت إسلام على كتفه: يلا، روح لمراتك وعيالك زمانهم قلقانين. ابتسم مروان بهدوء ومن ثم افترقا كلٌ لغرفته، حتى سطع ضوء الشمس معلنًا عن يوم جديد.
استيقظت منذ وقت طويل، لا تفعل شيئًا سوى النظر إليه، النظر إليه فقط. لا تتخيل حياتها بدونه، لا تعلم إن كانت تمتلك قوة مريم في التحمل لكنها تجزم أنها ستموت ألف مرة إن حدث له شيء. كانت ترى حالة صديقتها أمام عينيها، كانت تشعر بها، ترى عدم التصديق بعينها، ترى الأمل يشع منهما رغم انطفائهما، كانت تشفق على مشاعر صديقتها التي تتأمل سرابًا، ولكن السراب أصبح الآن حقيقة، أملها في الله وانتظارها الذي طال بقدر ما طال، لكنه لم يذهب هباءً، لقد عاد لأحضانها، حتى وإن عاد دون أن يعرفها، لكنها تثق أنه سيحبها من جديد.
عادت بذاكرتها لذاك اليوم الذي أصبحت فيه هي وإسلام روحًا واحدة، كيانًا واحدًا، اليوم الذي أثبت به أنها حواء خاصته هو، كما أنه آدمها هي. فتح باب المنزل بهدوء ثم التفت ناظرًا لها بابتسامة: سمي الله بقى. أروى وهي تعود خطوة للخلف: ما أنا هسمي، أنت بتضحك لي دلوقتي؟ إسلام وابتسامته تزداد: وأنت بترجعي ورا ليه دلوقتي؟ حابة تتشقلبي من على السلم مثلًا، غلط يا ماما، اللعبة دي خطر وفيها كسر أيادي ورجول ورقاب.
أروى وهي ترمش عدة مرات: آآ، إحنا مش هندخل البيت؟ إسلام بعبث: والله الباب مفتوح، ومستني جمال خطوتك. أروى بتوتر، فهو مجنون وتعلم ذلك: طـ طب وسعي لي سكة. إسلام وهو يعقد يديه أمام صدره: الطريق سالك يا بيبي. أروى بحاجب مرفوع: بيبي! إسلام بابتسامة: بدلعك، إيه بلاش؟ أروى بتنهيدة: إسلام، أكيد مش ناوي إننا نقضي الليلة كلام على السلم. إسلام رافعًا حاجبيه: يا بنت الناس أنت اللي بعيدة، أنا مستنيكي تدخلي. أروى:
أنت مجنون وأنا عرفاك، ما تتجننش أوك. إسلام بضحكة مكتومة: أنا عاقد إيدي على صدري أهو، اتفضلي. نظرت له بجانب عينها، لن يدعها تمر بسلام تعلم ذلك. رفعت الجيب الزهري الذي ترتديه استعدادًا للركض إن تطلب الأمر، إن كان هو مجنون، فستكون هي أجن منه. تحركت خطوة ثم الأخرى، ولكن قبل أن تتحرك الثالثة ركضًا، كان هو الأسرع حينما رفعها عن الأرض وألقاها على كتفه ببساطة. أروى بتذمر: قلت لك مجنووون، نزلني، لا لا هدوخ نزلني. إسلام
وهو يغلق باب المنزل خلفه: بتحاولي تجري مني؟ دا أنا هوريكي الجنان على أصوله. أروى بضحكة: طب خلاص آسفة آسفة... مش هحاول أجري تاني... نزلني بقى. دلف إسلام للغرفة وألقاها على الفراش لتشهق بضحكة وهي تتحرك بسرعة للجانب الآخر ليكون الفراش بينهما. أروى وهي تحاول كتم ضحكاتها: بص... بص... أنت... بص... إسلام بضحكة وهو يضرب كفيه معًا: أنا اللي مجنون برضه؟ ... والله أنتِ اللي هتجنني أهلي كلهم يا شيخة... خدي يا هبلة هنا.
أروى: لا مش هاجي... أنت مجنون ومش بتتفاهم. إسلام بضحكة: يا ماما تعالي هنا واتقي جناني. أروى وهي تمسك بالوسادة: هقطعها عليك. إسلام: يا حبيبتي مش دي اللي بتتقطع ع الدماغ عشان تملى الجو بالريش الطاير... دي لو فكرتِ تخبطيني بيها هيجيلي ارتجاج في الحال. أروى وهي تكتم ضحكتها: خلاص ما تخلنيش أضطر أضربك بيها. إسلام رافعًا يديه باستسلام: خلاص خلاص... هطلعلي غيار عشان أتشطف... وأنتِ اعمليلنا كوبايتين شاي بلبن... ماشي؟
أروى بجانب عينها: اممم... ماشي. أومأ إسلام بابتسامة ثم تحرك تجاه الخزانة وأخرج غيار له وبالفعل دلف لدورة المياه... لتتنهد هي سريعًا ومن ثم قامت بخلع خمارها وأخرجت غيارًا لها هي الأخرى وذهبت تحضر ما طلبه منها. أنهت ما كانت تفعله وأخذت الكوبين للغرفة لتجده يقف عند الشرفة بهدوء. وضعت الأكواب ومن ثم أخذت ثيابها ودلفت لدورة المياه ليبتسم بخبث ومن ثم جلس إلى الفراش يرتشف كوبه بتلذذ... حتى خرجت تجفف خصلاتها...
فوجدته قد ذهب في النوم... رمشت عدة مرات وهي تراه نائمًا ببساطة... ألقت باللوم على نفسها وهي تؤنبها: أنا زودتها أوي... يا ربي أعمل إيه دلوقتي؟ اقتربت بهدوء وأخذت كوبها وارتشفته سريعًا ثم دلفت للمطبخ وقامت بتنظيف الكوبين... واستدارت لتخرج من المطبخ لكنها شهقت حينما ارتطمت بصدره. أروى بتنهيدة: حرام عليك خضتني. إسلام بغمزة: سلامتك م الخضة. أروى وهي تضربه على صدره بخفة: بس بقى. إسلام بضحكة: أنا شفت مراتي ضميرها مأنبها...
وأنا ما يرضنيش ضميرك يأرنبك بصراحة... فجيت أُصالح ضميرك. ابتسمت أروى بحب لكونه يفهمها دون حديث ويشعر بها... نعم... تعشقه وتعشق جنونه... تعشقه وقد انتهى الأمر بقلبها لوادي العشق الذي لا مفر ولا هروب منه... فلتنعم ببحور عشقه لها وعشقها له... ولتنعم بنعيم حلالها... قامت بمحاوطة عنقه برقة متمتمة بابتسامة: وأنا بحبك تصالح ضميري. إسلام بضحكة صاخبة: أنا مجنون آه... ولازم حتمًا ولا بد أصالح ضميرك.
ومن ثم حملها لتبدأ حياتهما من جديد... وفي كل صباح تبدأ من جديد... كما تبدأ كل مساء أيضًا من جديد... حياتهما معًا ما هي إلا بدايات... بدايات لا نهاية لها... بدايات جنون... بدايات عشق... بدايات غرام... بدايات في بدايات... ولا مكان لكلمة نهاية في قاموس عشقهما اللامتناهي... فمن ذاك الذي ينتهي عشقه وقد وُلد عشقه هذا من رحم الحلال... من استعفاف الحب خوفًا مما قد يُغضب الله... من الحفاظ على المحبوب حتى من نفسه...
من اتقاء الله فيمن أحب... فمرحبًا بلذة الحلال التي يأتي من بعدها كل الثبات والقوة في الحب والعشق. أفاقت من شرودها على ابتسامته الساحرة وعينيه المعلقة عليها بنعاس متمتمًا: رحتي لحد فين؟ أروى بابتسامة: لحد اليوم اللي رجعنا فيه من العمرة. إسلام بابتسامة: وكنتِ ناويه على إيه وأنتِ عمالة تتأمليني ها... أوعي يكون اللي بفكر فيه. ضربته أروى بخفة وهي تتمتم بخجل: أنا بريئة من أفكارك يا منحرف.
ضحك بقوة وهو يجذبها إليه وقام بمحاوطتها حبًا... لتتنهد هي بارتياح وحب. ليجفلهما صوت أريج التي تتحدث بتذمر وتعقد يديها أمام صدرها: بتعملوا إيه؟ نظر إسلام تجاه أريج ومن ثم تحدث لأروى: وأنا اللي كنت ناوي أكرر جنون ليلة رجوعنا م العمرة... أتاري في خازوق راشق في حياتنا من ثلاث سنين... ونسيته للأسف. ضحكت أروى وهي تتحرك من جانبه لتحمل أريج كي تبدل لها ثيابها... بينما ابتسم هو بحب وارتياح...
الآن فقط ومنذ عامين يشعر بارتياح كبير... فلن تكون أخته في عذاب بعد الآن. لم تغمض له عين... كما لم يهدأ عقله عن التفكير... من فعل كل هذا؟ ... من يكره جود لهذا الحد؟ ... ماذا سيحدث لو لم يتذكر؟ ... ماذا إن عاد معهم وحاولوا مجددًا التخلص منه؟ تنهد بتعب وهو يتذكر أول ليلة حينما ذهب لزيارة من كان يظنه أخاه في تربته. وقتها بكى بقوة... كان يشهق وهو يتحدث بضعف وانهيار: كنت دايما تقولي عايزك جنبي في الشركة...
عايزك جنبي عايزك جنبي... طب أنا دلوقتي أعمل إيه من غيرك؟ ... أتصرف إزاي؟ ... مريم منهارة وفي المستشفى... وليد... وليد ابنك... طب أنا طيب... اللهم لا اعتراض على حكمك يا رب. أفاق من ذكرياته تلك على لمساتها فوق وجنته تمحو دموعه التي أغرقت وجنتيه. نظر لها مروان بضعف ومن ثم دفن رأسه بين أحضانها وهو يتمتم: مش مصدق نفسي... حاسس إني في حلم... ولو حلم مش عايز أصحى منه يا شهد... مش عايز... أنا ما صدقت...
والله مش هبعد عنه تاني أبدًا... رجلي على رجله في كل خطوة... مش هسيبه في الشركة لوحده وهشيلها معاه زي ما كان دايما يقولي خليك جنبي... مش هبعد والله. كانت تربت على ظهره بحنان ودموعها تنساب بصمت وألم من أجله... استجمعت قوتها سريعًا لتتحدث بهدوء: لازم تكون أقوى من كده يا مروان... أخوك دلوقتي في وضع صعب ومحتاجك جنبه بجد... لازم تكون أقوى من كده... وإن شاء الله ربنا ما يكتبش عليكم فراق تاني أبدًا.
تنهد براحة وهو يستنشق عبيرها متمتمًا: ولا يحرمني منك أبدًا يا شهد. ثم رفع وجهه ونظر لعينيها مباشرة وتمتم بهدوء: بحبك. تخشب جسدها... توقفت بؤرة عينيها مسلطة فقط على عينيه... تهتز شفتيها في رغبة للتحدث لكن لا شيء... ليس بإمكانها الحديث... إنها المرة الأولى... نطق بها للمرة الأولى... هل... هل أحبها حقًا؟؟ ... هل قالها للتو!
ابتسم مروان بهدوء لمظهرها ثم ضغط على وجنتها بخفة متمتمًا: لو أعرف إني لما أقولهالك كلام هتسمرك كده وتخليكِ شبه المانيكان وتهمدي في الأرض كنت قلتها من وقت ما حسيت بيها... بس يلا ملحوقة. شهد وهي تمسك يده: أنت... أنت حسيت بيها بجد؟ مروان بهدوء: ملك ومالك الدليل على إحساسي يا شهد. شهد بابتسامة ودموع فرحة لم تستطع السيطرة عليها... ألقت بنفسها بين أحضانه وهي تشهق بسعادة متمتمة من بين شهقاتها: وأنا بحبك... بحبك أوي.
ربت على ظهرها بهدوء وابتسامة وراحة. كانت تغط في نوم عميق... فهي لم يغلبها سلطان النوم سوى مع سطوع النهار... لقد بقيت طوال الليل تتأمله... تؤكد لنفسها كونه بجانبها... تتساءل ألف سؤال بداخل عقلها عن شكل حياتهما معًا وهو لا يتذكرها. بينما استيقظ هو وأخذ مناوبة التدقيق بملامحها وتأمل وجهها الشاحب من جديد... تنهد بتعب حقيقي... أمامه طريق طويل عليه أن يخوضه الآن كي يعود بحق السنتين المهدورتين من عمره بعيدًا عنها...
ومن عمرها متألمة ومن عمر طفله الذي حُرم منه... تذكر على الفور وليد حينما كان يركض باكيًا واصطدم به... تحرك بهدوء من جانبها وذهب لتلك الأريكة التي ينام فوقها وليد ببراءة... اقترب منه يشم رائحته... بقي يعبث بأنامله فوق وجنته... حتى استيقظ الصغير بانزعاج... تبدد انزعاجه فور رؤيته لوالده... انتفض بسرعة متمتمًا: بابا؟!!! جذبه جود إلى أحضانه بقوة ليحاوطه الصغير كذلك بابتسامة سعيدة... فهو لن يكون بدون أب كما أخبره مالك...
لن يحتاج لمساعدة أحد طالما والده بجانبه... سيكون رجلًا لا طفل باكٍ... ولن يجرؤ مالك أو غيره على إثارة دموعه من جديد... لقد عاد حمايته وأمانه. ابتعد جود بعد فترة وهو يتمتم: إزيك يا بطل. وليد بسرعة وحماس بريء: هتفضل معانا على طول صح؟ ... مش هتمشي تاني؟ جود بتأثر: لا مش همشي تاني... مش همشي... وهفضل جنبك. وليد بمرح طفولي وهو يقفز إلى مريم التي استيقظت للتو: ماما... ماما شفتِ بابا مش هيمشي تاني. مريم بابتسامة وهي تنظر
لجود الذي ينظر لها بترقب: إن شاء الله حبيبي. طرقات على الباب جعلت مريم تعتدل سريعًا ومن ثم أخذت وليد وذهبت لدورة المياه كي يتوضآ... بينما فتح جود الباب لتظهر السيدة رحمة بابتسامتها المبهجة. جود بابتسامة: اتفضلي يا غالية. رحمة بابتسامة: بصراحة ما قدرتش أصبر أكثر من كده... لازم أشوف اللي عشقاكِ للدرجة اللي اتكلم بيها أخوكِ وأخوها إمبارح. ابتسم جود بهدوء ليتمتم: وأنا شكلي هعشقها من أول وجديد يا رحمة محمود.
رحمة بابتسامة سعادة: ما تخافش حبيبي... شوية وقت ومتابعة دكتور وكل حاجة هتكون كويسة... وبعدين تعالى هنا... اقع تاني في عشقها وتالت ورابع كمان... طول ما هي شايفة حب منك عمرها ما هتحس غير بالحب ليك والأمان معاك... حتى لو فقدت ألف ذاكرة. جود بابتسامة: شكلي هعتمد عليكِ كتير الفترة الجاية. رحمة: وأنا موجودة عشانك في أي وقت وكل وقت.
جود بابتسامة حزينة: خايف أعيش في سعادة معرفتي بيهم وأفوق ع المر اللي كان السبب في اللي أنا فيه ده... خايف أوي. رحمة بهدوء: كله يهون حبيبي مقابل ضمة من حبيبتك وصوت ضحكة ابنك وإيد أخوك... ربنا ما يحرمكم من بعض تاني أبدًا يا رب. قاطعهما صوت مريم التي تنادي جود من داخل دورة المياه... فتحدث بصوت عالٍ نسبيًا: تعالي يا مريم. خرجت مريم لترى السيدة رحمة التي وقفت سريعًا واتجهت إليها محتضنة إياها
بقوة وهي تتمتم بحب حقيقي: بسم الله ما شاء الله الله أكبر يا ابني ما تتخيرش عنك... ما جمع إلا ما وفق... شبه بعض أوي يا عبد اللـ... يا جود. عقدت مريم حاجبيها لتتمتم السيدة رحمة بهدوء: معلش بقى لساني أخد على عبد الله... لسه شوية عما أتعود على جود. جود بابتسامة: كل اللي ييجي منك زي العسل يا ست الكل. ابتسمت له بهدوء ومن ثم تحول نظرها لوليد الواقف بجانب مريم فمالت إليه وهي تتحدث بابتسامة: أهلًا بالبطل ابن الغالي...
اسمك إيه؟ وليد بهدوء: وليد. رفعته رحمة عن الأرض وهي تقبله قبلات متفرقة: أحلى وليد في الدنيا... طب اسمحولي آخذه شوية أشبع منه وأجيبه؟ جود بتفهم: أكيد طبعًا... بس وليد ما تبقاش متعب ها. نظر وليد تجاه مريم التي ابتسمت له بهدوء... فتحركت به رحمة بعدما تحدثت لمريم قائلة بهدوء: حمد الله على سلامة الغالي يا بنتي وربنا ما يكتب الفراق على قلوب العشاق أبدًا. مريم بهدوء: الله يسلمك من كل شر يا ست الكل.
تحركت رحمة وبرفقتها وليد... وأغلق جود خلفهم الباب... ومن ثم استدار لينظر تجاه مريم التي تفرك يديها معًا في توتر. فعلم على الفور أن الأمر لن يكون سهلًا. مريم بهدوء: هـ هتصلي بيا؟
نظر لها جود مطولًا ثم ارتسمت ابتسامة جميلة على محياه قبل أن يومئ سريعًا ويدلف لدورة المياه كي يتوضأ. في حين ابتسمت هي في أثره وقد عزمت بداخلها ألا تترك له مجالًا للتفكير في أن يحبها. سيحبها من جديد، لأنه يحبها بقلبه، وإن فقد الذاكرة فهذا لا يعني فقدانه لمشاعره. هو فقط يحتاج لإنعاش، وها هي هنا، ستنعش قلبه بحبها من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!