اندمج سريعًا مع المكان، وأصبح جزءًا لا يتجزأ منه.. يعمل به صباحًا.. ويجلس ليلًا إلى الشاطئ.. يتأمل تلاطم أمواجه.. أو يتأمل الغروب الساحر.. أو يتمتع بتلك الأضواء الخافتة التي تعطي للمكان روحًا وبهجة.. ولكن أفكاره الدائرة حول حقيقته تجعل سعادته وراحته لا تدوم كثيرًا. فمن ذاك الذي يجهل هويته وأصله ويحيا قرير العين مرتاح البال؟!
وهو غير جاهل لهويته وأصله فقط.. بل ويمتلك خلفية سيئة جدًا عما حدث معه كذلك.. وبداخله ظن يكاد يفتك به! 🖊️ سبحان الله 🖊️ الحمد لله 🖊️ لا إله إلا الله 🖊️ الله أكبر 🖊️ كانت تهتم بأمور المنزل وترتيباته قبل أن يستيقظ وليد وتبدأ وصلة الاهتمام به والتي لا تنتهي.. ليقاطعها طرقات على باب منزلها. مريم بهدوء: أيوه مين؟ إسلام: عفاريييت النهااار. فتحت مريم الباب وهي تبتسم بهدوء: يا أهلًا بوجع الدماغ والوش. إسلام: بقي كده؟
.. وأنا اللي جايبلك أروي وريجو على رأي سي وليد! .. يلا يا أروي هنلف ونرجع تاني. مريم وهي تسحبه للداخل: ترجع فين يا عم أنت؟ .. هو دخول الحمام زي خروجه.. تعالي يا بت يا ريجو. حملتها مريم بعدما عانقت أروي وأخذت تقبل الصغيرة بحب وهي تتمتم بين كل قبلة وأخرى: عسل.. سكر.. قمر.. منجة. وليد من خلفها: ريجووو. أريج وهي تمد يديها لوليد كي تتركها مريم: ليييد. إسلام وهو يقلب عينيه: ابتدينا.. ادخل ياض أنت اغسل وغير لبس النوم ده.
مريم بضحكة: خذي يا أروي بنتك عشان ما تلحقناش زي المرة اللي فاتت. إسلام باستفهام: تلحقكوا فين؟ .. إيه حصل المرة اللي فاتت؟ أروي بضحكة: كنا جينا مرة الصبح زي كده ومريم كانت سايبة وليد في الأوضة عشان بتغيرله.. وما كنتش لسه لبسته حاجة.. وبعدين قالت هلبس وليد وأجيلك.. بنتك يا خويا ما قعدتش ثانية وطارت ورا مريم وزقت باب الأوضة وطبت على الواد وهو من غير هدوم. إسلام بصدمة وهو يلوح بيديه في الهواء: خالص؟ مريم بضحكة: خالص.
إسلام وهو يضع يده على وجهه في خزي مصطنع: يا تربيتك العفشة يا إسلام أنت وأختك. ضحك الجميع على فعلته وكلماته لتدلف مريم لعدة دقائق ومن ثم خرجت لهم في حين ركض وليد ليلعب مع أريج في سعادة. مريم بهدوء: فطرتوا؟ .. ولا نفطر سوا؟ إسلام: لا هنفطر سوا.. يلا هنقوم على المطبخ كلنا. دلف ثلاثتهم للمطبخ ليجلس إسلام إلى الطاولة في هدوء في حين تحضر مريم وأروي الإفطار. إسلام بهدوء: مريومة عايز آخذ رأيك في حاجة. استدارت له مريم رافعة
إحدى حاجبيها وهي تتمتم: خير يا آخرة صبري؟ إسلام: إيه يا بت هو أنا دوستلك على طرف قبل كده! مريم بضحكة: لا يا خفيف.. بس لما كنت خاطب أروي كنت بتيجي تتمسكن وتقولي يا مريومة وتفضل تدوي زي الحزين عشان تسمع صوتها وهي بتكلمني.. فاكر ولا نسيت؟ إسلام وهو يفرك مؤخرة رأسه بسذاجة: قلبك أبيض يا حبيبتي. ضحكت مريم بخفة لتتحدث أروي بغناء: ضحكت.. يعني قلبها مااال. نظرت لها مريم بعدم فهم ليتمتم إسلام: دي أغنية لعمرو دياب. مريم: أغنية؟
.. بتسمعي أغاني يا أروي؟! أروي: لا لا والله لا.. دي كنت سمعتها كده عادي مش فاكرة فين وعلقت في دماغي. نظرت مريم لإسلام باستفهام: وأنت عرفت منين إنها أغنية لعمرو دياب؟ إسلام بسرعة: كانت بتغنيها قمت دخلت على جوجل بحثت وعرفت. مريم: أمممم.. طيب.. ها قول كنت عايز إيه؟
.. ولو هترجع تتكلم في موضوع أسيب البيت هنا وأروح بيت بابا.. فيستحسن تقفل على الموضوع خالص.. ولو الموضوع برضه زي ما ماما جاءت كلمتني الشهر اللي فات عشان أشوف حياتي وما أوقفهاش عشان لسه صغيرة.. فبرضه قفل على الموضوع.. لأني وباختصار لا هأسيب بيتي.. ولا هيكون في حياتي راجل بعد جود.. لأنه بكل بساطة "المرأة مع آخر زوج لها في الجنة".. وأنا بأدعي ربنا من يوم ما عرفته يكون رفيقي دنيا وآخرة.. ها كنت عايز تتكلم في أي حوار فيهم؟
إسلام واضعًا يده على رأسه: ماسورة غاز وسربتِ؟! .. إيه يا بنتي افصلي. مريم بهدوء: بأوضح لك بس الأمور. إسلام: لا يا ستي مش هتكلم في حاجة منهم.. لأن في الحالتين دي حياتك وأنتِ حرة فيها وقرارك على راسنا كلنا يا قلب أخوكي.. أما اللي كنت عايزك فيه يا ستي.. هو إننا نطلع رحلة لإسكندرية. مريم بعدم فهم: مين دول اللي هنطلع؟ .. وأشمعنا إسكندرية؟ .. وليه رحلة أصلًا؟
إسلام بهدوء: نغير جو يا مريم.. العيال عايزة تغير جو.. احنا مفحوتين في الشغل طول النهار وما بنلحقش نقعد معاكوا.. عايزين نغير جو وروتين الأيام شوية. مريم بتنهيدة: ما عنديش مانع يا إسلام.. ماشي. إسلام بعدم تصديق: وافقتِ؟ .. لا لا بالله وافقتِ؟ مريم بجانب عينها: أنت كنت فاقد فيا الأمل ولا إيه؟
تحرك إسلام وضمها من الخلف بقوة واضعًا ذقنه فوق كتفها لتستكين مريم وهي تتذكر جود الذي ما يلبث أن يفيق من نومه حتى يأتي إليها محتضنًا إياها من الخلف بنفس الطريقة.. لم تشعر بتلك الدمعة الساخنة التي هربت من محبسها إلا على يد إسلام التي محتها بحنان وهو يتمتم: ادعي له بالرحمة حبيبتي.. واذكري الله. ابتسمت بخفوت قبل أن تتحرك إلى دورة المياه لتغتسل. الجميع يطلب منها أن تدعو له بالرحمة...
لكن لماذا لا يطاوعها قلبها كي تدعو له بتلك الدعوة.. تشعر بشيء ما داخلها يخبرها أنها لم تفقده بعد.. بداخلها نبض لا يزال يطمئنها بوجوده.. تنهدت بألم من نار الشوق التي تحرق قلبها كل يوم وكل ليلة.. 🖊️ سبحان الله 🖊️ الحمد لله 🖊️ لا إله إلا الله 🖊️ الله أكبر 🖊️
دلف لمنزله ليقابله الهدوء والظلام.. ضم بين حاجبيه بتعجب وتساؤل.. ولم يدم تعجبه سوى لحظات حتى قفز إليه مالك وملك ليجفل وهو يعود للخلف قبل أن يستمع لضحكة المشاغبة خاصته.. عادت الأضواء لينظر مروان تجاه شهد بفقدان أمل: عمرك ما هتكبري.. إيه اللي عملتيه ده؟ ملك بضحكة: سوفتي بابا وهو بيخاف يا ماما (شفتي بابا وهو بيخاف يا ماما)
ضحكت شهد وهي تومئ برأسها.. ليقترب مروان حاملًا ملك بين يديه متمتمًا: ما تطلعيش هبلة لأمك.. اعقلي كده وقولي عقلت. ضحكت ملك وهي تضع كفها الصغير على فمها متمتمة: قلت (عقلت) ضحك مروان ومن ثم قبلها في وجنتها قبل أن يضعها أرضًا وينزل لمستوى مالك وهو يتمتم: وأنت يا بيه إيه ظروفك.. طب أمك هبلة.. بتعوم على عومها ليه؟ مالك وهو يلاعب حاجبيه بعبث: اللي ما يسمعش كلام ماما يبقى وحش.
مسد مروان وجهه بيده متمتمًا: أيوه صح.. أنا أعلمك الصح وأمك تأخذه لصالحها.. يلا ياض أنت وهي من قدامي. ركضت ملك وخلفها مالك ليذهب كل منهما للنوم.. بينما اقتربت شهد بهدوء ودلال من مروان وهي تتمتم: حمد الله على سلامتك. مروان رافعًا إحدى حاجبيه: إيه؟ شهد وهي تحاوط عنقه: إيه أنت؟ مروان: بت أنتِ شاربة حاجة؟ شهد بضحكة: هو عشان بأستقبل جوزي حبيب قلبي أبقى شاربة حاجة! مروان: أمممم.. طب تعالي أتأكد بنفسي.
جذبها معه لغرفتهما تحت ضحكاتها.. وبعد بعض الوقت تحدث بهدوء وهو يلاعب خصلاتها: هنسافر إسكندرية الأسبوع الجاي. شهد بابتسامة: كويس أوي.. لازم مريم تشم هواء نظيف وتخرج من اللي هي فيه ده. مروان بتنهيدة ألم: ربنا يقدم الخير يا شهد.
شعرت شهد بألمه من أجل مريم.. تعلم أنه لا يزال يحمل لها مشاعر بقلبه رغم تلك السنوات ورغم كل ما مرا به معًا.. رغم كونه أصبح أب لطفلين توأم ورغم تعامله معها بكل الحب.. وليست حزينة لأجل هذا.. هي فقط حزينة لأجله هو.. فهي تعلم مدى الذنب الذي يحيا به يوميًا إزاء مشاعره تلك. عادت بذاكرتها لذاك اليوم الذي أصبحت به زوجته قولًا وفعلًا..
ففي ذاك اليوم كانت تقف بالمطبخ مرتدية برمودة رصاصية بها خط بمبي من الجانبين يعلوها تيشيرت نصف أكمام بمبي من نفس درجة خطي البرمودة مكتوب على صدره كلمات إنجليزية باللون الرصاصي وخلفية بيضاء.. وترفع شعرها بمشبك شعر رقيق.. وتحاول أن تصل للرف العلوي لتحضر الدقيق كي تصنع البيتزا.. لكن محاولاتها باءت بالفشل في كل مرة.. أحضرت مقعدًا من مقاعد طاولة الطعام ووقفت إليه وصعدت واستطاعت أن تصل لمرادها.. ولكنها الآن تواجه صعوبة النزول.. تنهدت بضيق وقد استنفذت كل طرق المحاولة.. لتنادي على مروان الذي أتى بسرعة متمتمًا: إيه في إيه؟
شهد بهدوء: عايزة أنزل. مروان بعدم فهم: نعم يا أختي؟ شهد: عاوزة أنزل مش عارفة أنزل يا مارو. مروان بابتسامة: مارو عشان ليكي مصلحة مش كده؟ شهد: مروااان نزلني. مروان: هاتي الدقيق ناوليني.. وانزلي بعد كده. شهد بخبث: لا مش هأعرف الكرسي هيتحرك وهأقع. مروان بتنهيدة: يا مثبت العقل يا رب. اقترب بهدوء وأمسك بالكرسي وتحدث بهدوء: يلا انزلي. شهد: لا يا شيخ.. كده حليت الأزمة أنت؟ مروان بمكر: أمال أنتِ عايزة إيه يا بنت الناس بس.
شهد وهي تلوي شفتيها: أمسك الكرسي أمسك. ضحك مروان في داخله.. واستعدت هي للنزول حاملة الحقيبة الكبيرة التي تحوي على ما يقارب الخمسة عشر كيلو من الدقيق.. وما أن استدارت حتى أجفلها مروان برفعه إياها عن المقعد لتصبح بين ذراعيه وحقيبة الدقيق في أحضانها. شهد وهي ترمش سريعًا: آآآ.. إيه؟ مروان بلامبالاة زائفة: قلتِ لي نزلني.. وأديني بأنزلك.. إيه غلطت؟ شهد وهي تزدرد ريقها بتوتر: طـ طب خلاص نزلني.
مروان بابتسامة جانبية: هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه؟! شهد: يعني إيه؟ مروان: يعني أنا جئت من برة على ملي وشي وشلتك أنتِ والدقيق.. المفروض بقى لي مقابل. شهد بتذمر: إيه هو ده.. هو في حد بيأخذ مقابل مساعدته لمراته! مروان وهو يقرب رأسه بخبث: مراته ها؟ شهد بتوتر: آآآ.. أخته أخته.. قصدي أخته. مروان: بس أنا زهقت من الفكرة وقررت إننا نأخذ خطوة الصحوبية بقى. شهد: أممم.. طب نزلني. مروان: ما أنا ما عرفتش إيه المقابل.
شهد بنفاذ صبر: قول عايز إيه؟ مروان وهو يؤشر على وجنته بسبابته: هنا واحدة. ومن ثم أدار وجهه وأشار إلى الوجنة الأخرى متابعًا: وهنا واحدة. شهد وهي ترمش عدة مرات بعدم تصديق: آآ.. لـ لا طبعًا. مروان: لا لا.. أنا على كل حال مرتاح كده. شهد باستسلام: خلاص هات. مروان بابتسامة: أجيب إيه؟ شهد: هات خدودك يا بايخ. مروان وهو يقرب وجنته اليمنى: اتفضلي.
اقتربت شهد وطبعت قبلة رقيقة على وجنته، ومن ثم أدار مروان وجهه وأعطاها الوجنة الأخرى. اقتربت شهد لتطبع قبلتها التالية ولكنه فاجأها حينما استدار برأسه فجأة. أجفلتها حركته وجعلت عينيها تتوسع وهي تزدرد ريقها بتوتر ومن ثم أنزلها مروان على الأرض وهو يتمتم بابتسامة انتصار: كده خالصين. تركها متجمدة مكانها وغادر بابتسامة واسعة. استفاقت شهد أخيرًا ووضعت أطراف أصابعها على شفتيها وهي تتمتم: الاستغلالي.
وضعت حقيبة الدقيق على الطاولة وركضت خلفه. لم يكن قد وصل للمقعد بعد، حينما تشبثت بعنقه من الخلف وقامت بلف قدميها على خصره وهي تعض أذنه متمتمة: يا استغلالي، يا استغلالي هموتك. ضحك عليها مروان وهو يدور بها حتى استطاع أن يحكم قبضته عليها وأدارها إليه وهو يتمتم: شكلك ليكي حق عندي وجاية تاخديه، وأنا مش معارض. شهد وهي تضربه على صدره بحرج: أنت مهزأ أوي على فكرة. أمسك مروان بكفيها وقربها منه وهو يتمتم: صحاب؟
شهد بتوتر: آه.. أه... صحاب. ابتسم مروان بهدوء ومن ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها وذهب يتمم ما كان يفعله، في حين ركضت هي للغرفة تستجمع شتات أمرها وتهدئ ضربات قلبها الثائرة.
وبعد مرور قرابة الشهر من مشاكستهما لبعضهما واستغلال مروان الدائم لمواقف احتياجها له، قررت هي ذات ليلة أن تعلن له عن عدم رفضها لخوض حياة زوجية مستقرة، بعدما رأت منه تقبل تام لحياة جود ومريم، وعدم تحدثه عنها بكثرة إلا إذا تطلب الأمر. لا يجب أن تبقى بعيدة عنه، عليها أن تسكن روحه، عليها أن تجعله جزءًا منها، هو بحاجتها كما تحتاجه هي الأخرى، فما المانع في البدء من جديد، لتسكن هي قلبه بدلًا من غيرها، هي أحق به وبقلبه وهو كذلك.
قامت بتجهيز عشاء بسيط وأغلقت الأضواء إلا من ضوء هادئ، وارتدت فستان سواريه أسود اللون بأكمام تصل لما بعد الكوع شفافة ضيقة ويسقط أحد كتفيه مظهرًا عنقها وكتفها بوضوح، مع طوله المناسب الذي يصل للأرض، بحزام فضي من الخصر، ونقوش الفستان تتداخل مع القماش مكونة أوراق أشجار متناسقة، وقامت بترك العنان لخصلاتها وتكحلت بعناية ووضعت ملمع شفاه بالكاد يظهر.
نظرت لنفسها برضا تام قبل أن تخرج في انتظاره، ولم يمر الكثير من الوقت حتى سمعت طرقته على الباب ومن بعدها دلوفه تحت تعجبه من الضوء الخافت بالمكان وكأنه بالكاد ضوء شمعة. مروان بقلق: شهد؟!! .. شهد!! سمع صوت يأتي من المطبخ ليمد يده كي يفتح مقابس الكهرباء ومن ثم تحرك بهدوء تجاه المطبخ وهو ينادي بقلق: شهد!! أجفله خروجها من المطبخ ممسكة بطاسة بين يديها متمتمة: أنت مين، وعرفت مكاني إزاي؟
رمش عدة مرات وعقله لا يستوعب شيئًا، طلتها هذه بالفستان، خصلاتها المنسابة بسحر على كتفيها، وقفتها الغريبة المستعدة للقتال، مسكتها للطاسة، حركة حاجبها الأيمن. لم يتمالك نفسه حينما تذكر ذاك المشهد في كارتون "روبانزل"، حينما دخل "يوجين" للبرج الذي تسكن فيه وقامت بضربه بالطاسة ومن ثم قامت بربطه في المقعد بواسطة شعرها وحينما استفاق سألته: أنت مين؟ .. وعرفت مكاني إزاي؟
ضحك أكثر وقد علم أنها تفعل مثل الكارتون، يا إلهي لقد تزوج من طفلة. شهد بابتسامة: يييه.. كده بوظت المشهد؟! مروان بعد أن هدأ قليلًا: أنتِ يا بنتي مجنونة؟ شهد: لا... بس بستقبلك. مروان بضحكة: كده بتستقبليني؟ .. بت أنتِ شاربة حاجة؟ شهد بدلال: هو أنا عشان بستقبل جوزي أبقى شاربة حاجة؟! مروان بانتباه: جوزك؟ شهد بابتسامة خجولة: مروان أنا معنديش مانع نعيش حياتنا الزوجية زي أي زوجين. مروان: بس.. بس أنا.. أنتِ...
شهد مقاطعة: أنا بعفيك من وعدك ليا يا مروان، وبقولهالك أنا عايزة أعيش حياة زوجية معاك زي أي اتنين، أنت عايزني ولا لا؟ مروان باندفاع: طبعًا عايزك. ابتسمت في خجل ليتمتم مروان بخفوت: طب وقلبي يا شهد؟ شهد بهدوء: أنا هحاول أخلي قلب جوزي ليا أنا وبس، زي ما جوزي قدر إنه ياخد قلبي ويخليه ليه هو وبس. مروان بذهول: قصدك.. قصدك إيه؟ شهد بهدوء: مش جعان؟ .. أنا مجهزة العشا. مروان بهدوء: لا.. أنا.. أنا عايز أفهم قصدك.
شهد بتوتر: قصدي اللي أنت فهمته يا مروان، بس أنت مش مجبر إنك.. قاطعها مروان باقترابه منها وجذبه لها محتضنًا إياها بقوة. تفاجأت في بادئ الأمر ولكنها حاوطته بعدها بهدوء وابتسامة متوترة تعلو ثغرها، ومن هنا بدأت حياتهما كزوجين طبيعيين جدًا، لأول مرة وسيحاولان تعويض بعضهما، كما تعاهد كل منهما بداخله. أفاقها من شرودها صوته الحاني: رحتي لحد فين؟ شهد بابتسامة: بفتكر أول يوم لينا مع بعض كأي زوجين.
مروان بضحكة خفيفة: وطبعًا افتكرتِ لما نطيتيلي من المطبخ زي الهبلة عشان تثبتيني زي روبانزل. ضحكت شهد وهي تتمتم: مفيش أحلى من حياة الكارتون. مروان وهو يقبل رأسها بحب: مفيش أحلى منك أنتِ في الحياة. ابتسمت شهد قبل أن تتوسد صدره مجددًا لتذهب في سبات عميق. ليبتسم هو بهدوء.
نعم لقد أحبها، ربما ليس الحب الذي أحبه لمريم ذات يوم، لكنه يعترف الآن أنه إن تم تخييره بينها وبين العالم بأكمله، فسيختارها هي. مريم حب مدفون، لم يستطع نزعه، ولكنه استطاع التعايش معه كحب مستحيل، لكن شهد وهبت له البهجة والسرور، وهبت له قطعتين من روحه، وهبت له الحب والحنان، قامت بدور الأخت والصديقة، والآن الزوجة والأم، إنها كل شيء له، كل شيء. ابتسم برضا تام قبل أن يذهب في سبات عميق هو الآخر.
تحركت بخفة من جانبه ودلفت لدورة المياه وبيدها اختبار الحمل، وتدعو بداخلها أن يمن عليها الله بقطعة منه تملأ حياتهما، فهي منذ خمسة أعوام وهي تعالج الرحم لوجود مشاكل به ككونه رحم مقلوب بسبب عيب خلقي منذ الصغر ومصاب بالانتباذ الباطني وكذلك بعض المشكلات الأخرى والتي تصعب عليها الحمل، وقد انتهت فترة علاجها منذ حوالي الشهرين. نظرت للاختبار بأمل كبير لكنه قد خاب، لم يأذن الله بعد، تألمت بداخلها ولكنها تنهدت بهدوء وهي تتمتم بالدعاء من قلبها.
خرجت بهدوء لتجده يجلس إلى الفراش ونظر لها بابتسامة اختفت حينما وجد عينيها حمراوين. معاذ: رقية مالك؟ .. أنتِ تعبانة؟ رقية بابتسامة: لا.. هو عشان كنت نايمة حبيبي بس. معاذ بشك: متأكدة؟ رقية وهي تجلس إلى جانبه محتضنة إياه: أه حبيبي.. جعان أجهزلك أكل؟ معاذ وهو يحيطها إليه ويقبل رأسها بحب: لا يا قلبي مش جعان.. نكمل نوم؟ أومأت رقية بهدوء ولكن قاطعهما صوت هاتف معاذ الذي أعلن عن اتصال. رقية: مين هيتصل في نص الليل كده؟!!
معاذ وهو ينظر للهاتف: هيكون مين غير الرزلة. رقية بضحكة: حبيبتي.. طب والله وحشتني.. هات أنا هرد. وبالفعل أجابت رقية ليأتيها صوت مروان: ساعة عما ترد.. إي نايم في العسل بسلامتك؟ احمرت وجنتاها وازدردت ريقها وهي تعطي الهاتف لمعاذ الذي ضم بين حاجبيه: إي يا بت مال وشك قلب ليه كده؟ أمسك الهاتف وأجاب بهدوء: ألو. مروان: إي يا بني في إي؟ معاذ: أنت قلتلها إي يخربيتك؟ مروان بعدم فهم: هي مين دي؟ معاذ: رقية اللي ردت عليك فكرتك شهد.
مروان: أوبس.. طب الحمد لله إني مقلتش غير العسل. معاذ: عسل؟ ضحكت رقية بخفة، ليتابع مروان: آسف معلش حصل لبس.. اعتذرلها نيابة عني. معاذ: ما علينا.. إشمعنا متصل من تليفون شهد؟ .. تليفونك فين؟ .. وشهد فين؟ .. وإشمعنا متصل في آخر الليل كده؟
مروان: إي يا عم.. خزان أسئلة واتفتح.. أهدى على نفسك شوية.. فوني فصل شحن وحطيته ع الشاحن ومفتحتوش ومش عايز عشان مش عايز وجع دماغ.. وشهد بتبص ع العيال.. أما بقى بكلمك ليه فده عشان أقولك تعمل حسابك إن فيه طلعة إسكندرية الأسبوع الجاي كله. معاذ: مين طالع؟ مروان: أستغفر الله يا ربي.. هيكون مين يعني.. أنا وأنت وإسلام وأخته. معاذ: تمام تمام.. هشوف ظروفي بكرة وأرد عليك.
مروان: لا أنت مش هتشوف ظروفك.. أنت تظبط ظروفك عشان أنت طالع من غير كلام كتير.. يلا أسيبك بقى تنام وأنا شهد جت أهي وبتسلم عليك.. يلا سلام. أنهى كلماته وأغلق الهاتف لينظر معاذ للهاتف بيده في صدمة: ده قفل من غير حتى ما أرد. رقية بضحكة: عادته ولا هيشتريها. معاذ: على رأيك... أممم بيقولوا هنطلع إسكندرية الأسبوع الجاي كله عشان نغير جو. رقية: فعلًا.. وخصوصًا مريم محتاجة تغير جو جامد.
أخذها معاذ إلى أحضانه متمتمًا: ربنا يصبر قلبها يا رب. توالت الأيام وأتت الليلة التي تسبق سفرهم. اجتمع الجميع بمنزل مريم في تلك الليلة، لم ينم الأطفال لكونهم على علم بسفرهم، ومتشوقون جدًا لتلك الرحلة. كان وليد يجلس في الحديقة الصغيرة أمام المنزل وبجانبه أريج ويلعبان بالمكعبات، حينما دلف مالك ومعه ملك من باب الحديقة ومن خلفهم شهد ومروان. ركضت ملك في تعثر تجاه وليد وأريج التي استقبلتها بحب وهي تتمتم: جيتوا هيييه..
ملك بابتسامة: هنسافر الصبح ماما قالتلي.. هنروح بحر وهنروح جنينة وهنروح كتير حاجات حلوة. أريج بحماس: هيييه. مالت شهد وقبلت وليد ومن ثم أريج وفعل بالمثل مروان الذي حمل وليد متمتمًا: وحشتني يا بن الغالي. وليد: أنت مش بتيجي يا عمي. مروان بابتسامة: حقك عليا يا قلب عمك.. انشغلت الفترة اللي فاتت بس إن شاء الله هجيلك على طول.
أومأ وليد برضا لـينزله مروان أرضًا ويدلف للداخل تاركًا ملك التي انسجمت مع أريج في اللعب، بينما يقف مالك واضعًا يديه في جيب بنطاله كعادته وينظر تجاه وليد بنظرات خاوية. اقترب وليد بهدوء متمتمًا: يلا نلعب كلنا؟ مالك هازًا كتفيه: ماشي. جلس أربعتهم يلعبون معًا في جو مليء بضحكات الصغار، في حين تجهز الفتيات كل ما يلزمهم بالداخل، ويجلس الرجال يتحدثون عن خط سيرهم.
وقد أخبرهم مروان كونه قد طلب استئجار شقة هناك، وقد ساعده أحد السماسرة ووجد له مطلبه بسعر مناسب. تحرك الجميع. إسلام وبجانبه أروى، ومريم في الخلف بجانبها وليد وأريج. وفي سيارة أخرى. مروان وبجانبه معاذ، وفي الخلف رقية وشهد ومعهم ملك ومالك الذي كان يشعر بضجر وسخط تام بسبب وجود وليد مع أريج في سيارة واحدة.
توقف الجميع في استراحة ما، ودلفت الفتيات للمسجد الموجود بالاستراحة وأتموا صلاة الفجر، وكذلك الرجال الذين انتهوا من تأدية الصلاة وأحضروا إفطارًا من أجل الجميع وعصائر معلبة للأطفال. جلست شهد في السيارة وأخذت تنظر حولها، يشعرها هذا المكان بالخوف كثيرًا، وبسرعة خطرت ببالها ذكرياتها حينما اختطفها عمر. الجو الذي ما بين الفجر وطلوع النهار، حينما حاولت الهرب منه واستعادها. مرت جميع ذكرياتها في تلك اللحظة.
حينما كانت تجلس في صالة المنزل وطُرِق الباب عدة طرقات خفيفة، ذهبت وتساءلت عن الطارق ليأتيها صوت فتاة ما.
فتحت شهد بهدوء وقبل أن تفهم شيئًا غابت عن الوعي نتيجة رش أحدهم لشيء ما بوجهها، واستفاقت بعدها لتجد نفسها في شقة صغيرة، لا تعلم لمن تكون، يديها مربوطتين، وهناك قطعة قماش موضوعة بين أسنانها، أخذت ترمش عدة مرات وهي تشعر بهذا الصداع الذي يكاد يفتك برأسها، أخذت تنظر حولها بذعر، حتى سمعت صوت الباب يُفتح، ركزت مع الباب لتجد عمر يطل عليها وبيده حقيبة طعام صغيرة، ابتسم لها بهدوء وهو يتمتم: "أخيرًا يا شهد."
بدأت شهد تئن بألم، تشعر بدوار يداهمها، غثيان صعب السيطرة عليه. اقترب ووضع الطعام على الطاولة ومن ثم اقترب وفك القماش عن فمها بهدوء. شهد وهي بالكاد تلتقط أنفاسها: "عـ عـ عايزة اسـ استفرغ." لم تتمم جملتها فإذا بها تستفرغ فجأة وهي تميل للأمام بوهن ووجه شاحب، تلتقط أنفاسها بصعوبة والدوار يداهمها. عمر: "أنتي تعبانة؟ شهد وهي تهز رأسها: "أنا.. أنا فين؟ .. عايز منـ مني إيه؟ عمر بتنهيدة:
"سؤال غريب يا شهد.. أنتي ناسيه أنك كنتي ليا أنا الأول؟ .. ناسيه أنك فضلتِ مروان عليا؟ .. هههههه.. اتجوزتيه رغم أن قلبه مع غيرك.. أنتي ماعندكيش كرامة أوي كده؟ .. قبلتِ تتجوزي واحد قلبه وعقله مع مرات أخوه.. وعادي كده؟ .. لا وبتداري عليه كمان!! .. وفوقها عايشة مبسوطة وأنتي مجرد سد خانة؟ .. ههههه والله ما حصلتِ سد خانة حتى." شهد وهي تنظر له بوهن بادٍ جليًا على وجهها: "أنت.. أنت عايز إيه؟
اقترب عمر بهدوء وحملها تحت تذمرها الواهن، وتقدم بها إلى الأريكة في منتصف الصالة وأجلسها بهدوء، ثم ذهب وأحضر حقيبة الطعام التي جلبها وجلس أمامها وتمتم بهدوء: "عايز إيه؟! ...
اممم.. ممكن أكون عايزك مثلًا.. عشان أنتي كنتي ليا أنا الأول.. أو ممكن أكون عايز أنتقم من مروان عشان أعرفه أن اللي بعوزه باخده مهما عدى الوقت.. أنا سبتك كل المدة دي غصب عني.. لو مش الشغل اللي بعتني أبويا بره عشان أنجزه.. كنت خدتك من زمااان أوي.. من قبل حتى ما تكوني جنبه في الكوشة.. بس السؤال اللي محيرني دلوقت.. يا ترى أنتي مراته فعلًا ولا... صمت لثوانٍ وهو ينظر لها بتفحص لترمش عدة مرات في خوف، ليتابع هو: "لمسك؟
ازدردت شهد ريقها بخوف وهي تشهق بخفوت، ليتابع عمر: "هناكل وأنزل أجيبلك دوا يفوقك.. وبعدها نشوف الموضوع ده." قرب من فمها الطعام، لتستفرغ مجددًا وهي تسعل بقوة وتضغط على عينيها من الألم، وعاد الدوار إليها مجددًا، لكن هذه المرة لم تحتمل، وفقدت الوعي، لينتفض عمر بسرعة وقام بحملها إلى الغرفة وفك يديها وقام بإجراء مكالمة ما على الأغلب.
وبعد فترة فتحت عينيها بهدوء لتجد نفسها في غرفة ما ولكنها تشعر بتحسن بسيط، رمشت عدة مرات تحاول تذكر ما حدث، فشهقت بفزع حينما وجدت عمر أمامها. شهد بخوف: "أنـ أنت بتعمل إيه هنا؟ .. أ أ أنا.. أنت.. عايز إيه؟ عمر بابتسامة جانبية: "حمد الله على سلامتك يا.. يا مدام شهد." انتابها الذعر وهي تستشعر نبرته الساخرة، نظرت لنفسها بخوف لكنها بملابسها ولا شيء تغير، فنظرت له مجددًا ليتابع:
"كده الانتقام هيبقى حلو أوي.. أنتي واللي في بطنك كمان." وضعت شهد يدها تلقائيًا على معدتها وبدأت في العودة للخلف ببطء، والذعر قد تمكن منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!