أنهى وضوءه وخرج ليجدها قد وضعت المصلي أرضًا وتنتظره ليؤمها للصلاة. تحرك بهدوء وبدأ الصلاة وهي خلفه، وبعد أن انتهى التفت بوجهه لها يود معرفة ما يمكنه فعله بعد ذلك. ليجدها تمد يدها اليمنى له. نظر ليدها عاقدًا حاجبيه لتبتسم في هدوء متمتمة: "مش هتسبح على ايدي عشان ناخد الثواب سوا؟ رمش سريعًا في ابتسامة واسعة وهو يتمتم: "آآ... أكيد طبعًا." أمسك بيدها لتتسرب القشعريرة وتدب في أوصاله من جديد. ما الذي تفعله به بحق الله؟
أخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء، وبدأ يسبح على يدها بهدوء وهي تراقبه بشوق كبير. شوق يحتل كل خلاياها، شوق لكل شيء به ومنه. لا تريد شيئًا أكثر من أن يأخذها بين أحضانه، تستشعر حنانه ودفء قلبه. انتهى ورفع نظره إليها ليجدها تحدق به في صمت وشرود وعينيها تلمعان بالدموع. تنهد بتعب وتمتم بخفوت: "آآ... هنعمل إيه؟ مريم بابتسامة هادئة: "جعان؟ تحب نخرج نفطر؟ جود بهدوء: "آآ... بصراحة لا مش جعان.. بس ممكن آكل لو إنتي جعانة."
ازدادت ابتسامتها قبل أن تتحدث مجددًا في حماس كي ترفع عنه هذا الجمود: "طب خلاص وأنا كمان مش جعانة.. إيه رأيك نقعد ونحكي لبعض اللي حصل معانا طول الفترة اللي فاتت؟ نظر لها لثوانٍ قليلة قبل أن يتحدث: "أنا محصلش معايا حاجة أحكيها.. إنتي إيه بقى؟ مريم ولا تزال على حماسها: "ماشي أنا موافقة أحكي.. مستعد تسمع."
أومأ تباعًا وقد جلس متربعًا كي يستمع لما ستقوله. يود معرفة كل شيء، ربما يستطيع تذكرهم. حتى هذه اللحظة مشاعره هي التي تقوده، أما عقله فلا يسعفه لأي شيء أبدًا. بدأت مريم تتحدث في هدوء:
"حياتي كانت عبارة عن وليد اللي بيصحى الصبح بعد ما أكون خلصت الشقة توضيب.. نصلي سوا ونفطر.. وبعدها بيبدأ يروح حضانته.. لحد الضهر بكون جهزت أكل.. وبروح أجيبه ونرجع نتغدى.. وبعدها نذاكر شوية وننام شوية.. بعد العصر كده بقى.. يا إما أروي عندي بـ أريج.. أو شهد عندي بملك ومالك.. لحد الليل ما يهل.. لو شهد عندي مروان بييجي يقعد معانا شوية وبعدين ياخدهم ويرجع بيته.. ولو أروي فـ نفس النظام بس باختلاف إن ممكن إسلام يبات معايا
بعياله لو قررنا نسهر.. الجمعة بقى بنتلم كلنا.. أنا ووليد.. إسلام وأروي واريج.. مروان وشهد ومالك وملك.. معاذ ورقيه.. أوقات بنقضي اليوم في الحديقة اللي كنت وديتني ليها يوم كتب كتابنا.. وأوقات بنروح الڤيلا عند رقيه ومعاذ وده زاد بعد ما اتوفى والد رقيه.. وأوقات تانية بنقضيه عند بابا في البيت.. ده كل اللي بعمله بروتينية بعد.. بعد غيابك."
جود ببحة: "هو.. يعني هو.. آآ... مريم مقاطعة: "جود.. خد راحتك واتكلم واسأل.. أنا هنا عشانك.. ليك ومنك وبيك." نظر لها مطولًا قبل أن يتحدث بهدوء: "هو إيه اللي حصل في اليوم اللي أنا.. اللي أنا المفروض إني.. يعني إني.. اختفيت فيه يعني وكده." مريم بتنهيدة:
"كان يوم طبيعي زي أي يوم بنصحى فيه سوا الصبح.. إنت هزرت معايا أنا ووليدو شوية وبعدها لبست وقلت إنك هتتأخر شوية عشان هتعاين المصنع القديم لأنك عايز تبدأ في مشروع للمستقبل مع إسلام ومروان.. بعد ما خلصت شغلك كلمتني و.. وقلتلي إنك وحشتني.. وبعدها قلتلي إنك.. بتحبني.. وأنا رديت عليك إني بحبك بس وقتها اتفتحت في العياط لأن قلبي كان طول اليوم مقبوض وإحساس الخوف مالي كياني.. وقتها إنت قلقت لما سمعتني بعيط.. وقلتلي مالك.. بس
ده كان آخر شيء تقوله.. لأن وقتها سمعت زي صعقات كهربا أو سلوك شبطت في بعض وعملت قفلة وبعدها دربكة جامدة والخط قطع.. حاولت كتير أتصل تاني وكان مقفول.. ولما كلمت إسلام وجالي كنت انهرت وفقدت الوعي.. ولما فُقت عرفت إن المصنع اتحرق وكل شيء فيه أصبح رماد.. رماد زي اللي قلبي أصبح فيه من بعدك."
أخذت شهيقًا طويلًا وزفرته بهدوء مع كلماتها وهي تتابع: "عرفت إن الجثمان في المشرحة وإن مروان مقدرش يتعرف على الشكل لأن كل شيء كان فحم تمامًا.. فعملوا تحاليل وأثبتوا إن الجثمان ومروان بتتطابق تحاليلهم.. فترة التحاليل كنا عايشين على أمل إن الجثمان ميكونش.. ميكونش... أغمضت عينيها بألم، ثم تابعت:
"ولما التحاليل طلعت كل الأمل اللي كان جواهم انطفى.. بس أنا مكنتش حاسة زيهم.. كنت موجوعة ومتألمة وبموت بس مش حاسة إنك خلاص مبقتش موجود.. في حاجة جوايا رفضت تصدق.. بس سايرتهم في كل كلامهم وعشت.. عشت أستناك وأدعي ربنا كل يوم يجمعني بيك.. ويطمن قلبي بيك وعليك.. خفت أقولهم إحساسي عشان الدكتور اللي عالجني بعد الحادثة قالهم إنها حالة نفسية.. وخفت ميصدقونيش ويحاولوا يعالجوني.. وأنا مكنتش عايزة كده.. فخبيت أملي جوا قلبي وبيني وبين ربي.. وربنا ميخيبش ظني فيه.. مخيبش أملي ورجائي.. أنعم عليا برؤياك من جديد."
كان ينظر لها في ألم، ضعف، قلة حيلة. ماذا عليه أن يفعل الآن؟ هل يجذبها لأحضانه ويكسر كل هذا الخوف؟ أم يبقى كما هو ساكن لا يملك أي ردة فعل؟ قاطعت هي حيرته باقترابها منه ليفتح ذراعيه لا إراديًا كأن ذراعيه يعلمان أنه مكانها هي. دلفت إلى أحضانه ودفنت رأسها في عنقه بقوة ليشدد هو عليها ينعم بهذا الدفء والأمان، الحب والراحة، السكينة والهدوء.
بقيا هكذا لوقت لا يعلمانه حتى أجفلهما طرقات هادئة على الباب. ليتحرك جود ويرى من بالباب. فإذا به إسلام. إسلام بغمزة: "الوقت غير مناسب ولا إيه؟ جود بجانب عينه: "واضح إنك رخيم." ثم أدار رأسه لمريم وتابع: "رخيم مش كده؟ أومأت مريم تباعًا وهي تضحك في خفوت ليتحدث لها إسلام في سخط:
"الله يرحم أيام ما كانت تحصلك مصيبة تيجي جري وتقولي اسلاااام عايزة حضنك وتعيطي وتتشنهفي.. ثم أدار رأسه لجود متابعًا: "والله يرحم أيام ما كنت تيجي تقولي إسلام إسلام مريم بتحب أكل إيه.. إسلام إسلام مريم بتحب تشرب إيه بعد الأكل.. إسلام إسلام إسلام.. ودلوقتي بقيت رخيم.. ماشي يا بشوات تتردلكوا إن شاء الله." جود: "الحمد لله إني مش فاكر." مريم بضحكة: "طب ادخل بس يا إسلام بدل الوقفة دي." إسلام:
"لا يا ختي متشكر.. اللمة بره.. أنا جيت أقولكوا بس لو حابين تشاركونا." جود: "جايين إن شاء الله." غادر إسلام ليستدير جود إليها متمتمًا في هدوء: "أنا ليا غيارات في الكافيه.. هروح أغير وآخد شاور سريع.. بس مش عارف أجلكوا فين." مريم بابتسامة: "هستناك هنا ونروح سوا." أومأ بابتسامة واسعة قبل أن يغادر الغرفة. وضعت يدها على قلبها في راحة وأغمضت عينيها وقد قررت أن تصلي ركعتي شكر لله.
أنهى حمامه سريعًا ثم خرج ليقابله محمود بابتسامة واسعة. جود بهدوء: "أنا مش لاقي كلمة واحدة توفيك حقك والله يا راجل يا طيب." محمود بابتسامة: "كون بخير يا ابني وسعيد.. وده كل اللي أنا عايزه منك." اقترب جود منه واحتضنه بقوة متمتمًا: "ربنا يديم فرحتك برحمتك وميحرمكوش من بعض أبدا." ربت محمود على ظهره مؤمنًا على دعائه.
اتجه لغرفتها، وطرق بهدوء عليها لتطل عليه بأجمل ابتسامة قد رآها يومًا. حورية صغيرة، ملاك بريء، تظهر بنعومة ورقة بالغة في هذا الفستان الطويل البنفسجي اللون والذي يتزين بنجوم بيضاء تملؤه. ينزل باتساع من الخصر للأسفل بحيث يصنع هالة دائرية حولها إن استدارت حول نفسها. ويعلوه خمار أبيض ملفوف بعناية ويصل طوله حتى الخصر ومن أسفله بونيه بنفسجي اللون. وتكحلت بعناية فبرز لون عينيها المائل للإخضرار. يا إلهي إنها تود أن تفقده صوابه. هل عليه أن يقع في حبها من جديد؟
إنه يحبها حقًا يثق في ذلك لما شعر به تجاهها منذ أن رآها ومنذ أن لامست وجنته الليلة الماضية. لكنه يسقط في بحر عشقها من جديد، ولا مانع لديه إن غرق به كذلك. تحمحمت مريم بهدوء حينما طالت نظرته إليها. فانتبه سريعًا ورمش عدة مرات قبل أن يتمتم بهدوء: "طالعة تجنني."
تدرجت وجنتاها بحمرة خفيفة جعلت ابتسامته تزداد وهو يقدم يده لها لتنظر له بعيون ترفرف فرحًا ومن ثم مدت يدها له سريعًا ليجذبها بهدوء ويذهبا حيث الباقون ويديهما ممسكة ببعضها. وفي داخلها ألف شكر وامتنان لتلك السيدة التي أرسلت لها تلك الملابس مع إحدى العاملات هنا. كانوا يجلسون جميعًا في ترقب، وبالأخص مروان الذي ينتظر قدوم أخيه بفارغ الصبر. ركضت أريج تجاه مريم ما إن لمحتها، وأمسكت بفستانها متمتمة ببراءة: "ليدو فين؟
ابتسم جود لها وهبط لمستواها ومد يده لها متمتمًا: "طب أنا منفَعش عمّا ليدو ييجي؟ نظرت له بعدم فهم ليتابع: "أنا بابا ليدو." وضعت يديها الصغيرتان على فمها بمفاجأة وهي تشهق في براءة وقد توسعت عينيها الملونة وهي تتمتم: "بابا ليدو بجد؟ أومأ جود وهو يكتم ضحكته لتركض الصغيرة عائدة إليهم وذهبت تجاه مالك مباشرة. وعلى الفور علمت أروى أن أريج ستتحدث بما لا يحمد عقباه. فتحركت بسرعة تجاه أريج التي وصلت لمالك وأخذت تتمتم:
"بابا ليدو جه.. هو راجل." أخرجت لسانها له ليتحرك مالك ويدفعها للخلف في غضب لتدفعه أريج بدورها. بيديها الصغيرتين صارخة في وجهه: "انت وحش." تحركت شهد هي الأخرى وفضت هي وأروى الشجار بينهما. بينما يجلس الرجال عاقدي الحاجب لا يفهمون ما يحدث. تحدثت أروى بهدوء: "ريجو إحنا مش اتفقنا إننا هنعتذر من لوكا.. ينفع اللي عملتيه ده؟ شهد مقاطعة حديثها: "هو اللي بدأ وزقها يا أروى تعتذر على إيه.. مالك اعتذر حالًا من أريج." أروى:
"شهد بعد إذنك ممكن تسيبيهملي.. أنا هتصرف معاهم." عقدت شهد بين حاجبيها لتضغط أروى عينيها معًا فتركت شهد مالك وعادت لمجلسها بينهما. أخذت أروى مالك وأريج وتحركت بعيدًا بعض الشيء. وقف معاذ واقترب من جود واحتضنه بود متمتمًا: "حمد الله على سلامتك يا باشا." ابتسم له جود في هدوء لتتحدث مريم: "ده معاذ توأم شهد مرات مروان." عقد جود حاجبيه لثوانٍ يرتب جملتها في عقله. ليتحدث بهدوء: "مروان أخويا؟ أومأت مريم بابتسامة. ليتابع جود:
"وشهد مرات مروان؟ أومأت مريم. ليتابع مجددًا: "وده معاذ أخو شهد التوأم اللي هي مرات مروان أخويا؟ أومأت من جديد ليضحك جود بخفة متمتمًا وهو يفرك مؤخرة رأسه: "الحمد لله العقل لسه شغال وبيستوعب." ضحك معاذ وهو يضربه على كتفه متمتمًا: "لسه دمك زي العسل والله." جود بابتسامة: "باين كده." تحركوا تجاه البقية لتشير مريم بهدوء:
"دي رقيه.. مرات معاذ.. ودي شهد مرات مروان.. والقمر اللي قاعدة جنبها دي ملك بنت مروان.. واللي مع أروى هناك ده.. مالك توأم ملك." كان يعرفهم عليهم واحدًا تلو الآخر. وكلما أشار لأحدهم يومئ له بابتسامة ويبادلونه مثلها مع التحمد لله على سلامته. نزل جود أرضًا وأشار لملك. لتحرك ملك بهدوء تجاهه. احتضنها بابتسامة وتمتم وهو يزيل خصلاتها عن عينيها: "ملك.. اسمك جميل أوي." مريم بابتسامة: "إنت اخترت اسمها هي ومالك."
نظر لها جود لتومئ مؤكدة على حديثها ليبتسم متمتمًا: "كويس... اممم.. طيب بما إن أريج دلعها ريجو.. ووليد دلعه ليدو.. ومالك أكيد لوكا.. فإنتي بقى دلعك هيبقى حاجة مختلفة تمامًا." ملك بحماس وهي تصفق يديها معًا: "إيه؟ جود بتفكير لم يدم سوى ثوانٍ فقط قبل أن يتابع: "ملاك." ابتسمت ببراءة وهي تتمتم: "بابا بيقولي يا ملاك." نظر جود تجاه مروان الذي تحدث بهدوء: "إنت برضو اللي مدلعها ملاك." كشَّر جود وجهه وهو ينظر لمروان بسخط:
"إنت ملكش أي دور كده خالص.. بابا على الفاضي.. اسمهم أنا اللي مسميهم.. ودلعهم أنا اللي مدلعهم.. ووليد ابني مدلعاه بنت إسلام.. اللي لغتني ولغت أبوها.. يا حلاوة يا ولاه." ضحك الجميع بصخب ليجلس جود ومريم أرضًا على الشاطئ معهم. تحدث إسلام بعبث: "بس إيه يا مريم.. طالعة تجنني." تحولت نظرات مريم إلى جود مباشرةً. لقد قال نفس الجملة منذ قليل فقط. ابتسم لها جود بهدوء. ليتحمحم إسلام متابعًا:
"أنا مقلتش كده عشان تقعدوا تسبلوا يا جماعة.. ثم تابع بمزاح وهو ينادي: "بت يا أروى تعالي هنا عايز أسبِّل." ضحك الجميع عليه ليتحدث جود: "والله نظرتي فيك ما خابت.. رخيم رخيم يعني." على الجانب الآخر، وقفت هي بينهما في جانب بعيد بعض الشيء عنهم وتحدثت بهدوء:
"عايزاكوا بقى تعرفوا حاجة مهمة يا قطاقيط.. أريج ومالك.. انتوا أخوات.. وانت يا مالك لازم تخلي بالك من أريج عشان إنت راجل ولازم الراجل يخلي باله من أخته.. وانتي يا أريج لازم تحترمي أخوكي عشان أخوكي يحترمك وكمان هو الكبير واحنا قلنا بنحترم الكبير.. صح ولا غلط." أومأ الأطفال في هدوء لتتابع أروى: "إحنا كلنا عيلة.. انتوا بتشوفونا إحنا الكبار بنتخانق؟ نفي الطفلين لتتابع أروى في هدوء:
"عشان إحنا عيلة ولازم نكون إيد واحدة ونخلي بالنا من بعضنا.. دلوقتي يا لوكا حبيبي.. ليدو باباه موجود زيك بالظبط.. باباك موجود وبابا ريجو موجود.. كلنا زي بعض وكلنا أخوات.. ممنوع حد يزعل التاني.. اتفقنا؟ أومأ الطفلين لتتابع بابتسامة: "ودلوقتي يلا يا ريجو اعتذري من لوكا." أريج: "آسفة يا لوكا." أروى: "وانت كمان يا مالك هتعتذر من وليد لما ييجي.. تمام؟
أومأ مالك بصمت. لتقبلهما بهدوء. ليأتيها صوت إسلام مناديًا، لتاخذهما وتتحرك تجاههم. مضى أكثر من ساعة والجميع يتحدثون ويضحكون معًا والأجواء سعيدة للغاية. ووجود يشعر حقًا بالانتماء لهم. يشعر بدفء يجتاح خلاياه بقربهم. تلك الحورية بجانبه وضحكتها الرقيقة الكافية بأن تودي بقلبه لبحور عشقها ألف مرة في الدقيقة. وذاك الأجدب المسمى بأخاه.. لما هو لطيف وحبوب لهذه الدرجة. أووو يا إلهي هل وقع في حبه هو الآخر؟ ماذا؟
أجل إنه يحبه ففي عروقهما نفس الدماء. كيف لا يحبه. وذاك السخيف إسلام.. إنه لا يكف عن مغازلة زوجته كل فنية وأخرى بصوت خافت ومن ينظر لهما يعلم أنها مغازلة بسبب تدرج وجنتيها. لماذا هو ضحوك هكذا ويحب المزاح ويضفي أجواء مرحة للمكان. ذاك الـ معاذ.. لمَ لا يكف هاتفه عن الاتصال؟ يا إلهي زوجته على وشك أن تقتله. ابتسم بخفة لأفكاره. إنهم حقًا نعمة ومشاعره تجاههم قوية. كأن قلبه يسحبه لا إراديًا تجاه كل فردٍ منهم.
قاطع حديثهم جميعًا صوت الحاج محمود الذي صدح عن بعد وهو يتحدث: "تقبلوا كبار السن ولا القعدة شبابي بس؟ تحدث مروان وهو يتحرك مرحبًا به: "إزاي بس دا إنتوا الخير والبركة يا حاج." ترك وليد يد السيدة رحمة وركض تجاه جود وهو ينادي بصوت عالٍ: "بابااا." تحرك جود لا إراديًا ورفعه عن الأرض وأخذ يقذفه للأعلى ووليد يضحك بصخب. ثم أنزله جود وتحدث في أذنه بهدوء: "يلا نشوف مدى سرعتك؟ وليد بتفكير: "ماشي."
وقبل أن يتحدث جود ركض وليد من أمامه وهو يتمتم بضحكة صاخبة: "الحقني بقى." جود: "يا بكاااااش."
ومن ثم ركض خلفه. حتى أمسك به وايضًا بقي يرفعه للأعلى وضحكات وليد تصدح بالمكان. مما جعل الجميع ينظر تجاههما بارتياح وسعادة وابتسامة. إلا عينين صغيرتين تقدحان حقدًا على وليد الذي يأخذ اهتمام الجميع. والآن أُضيف للجميع واحد.. وهو والده الذي لن يتركه بعد الآن وسيضحك دائمًا بصخب كما يفعل الآن. كانت تلك الأفكار هي نفسها الدائرة داخل عقل مالك الصغير الذي لم يستطع أن يحب ابن عمه. أو ربما لم يحاول من الأساس. وإن شبَّ على كراهيته فسيشيب أيضًا على كراهيته.
كاد الليل يسدل ستائره. حينما تحدث مروان قائلًا بحماس: "إيه رأيكم نطلع سفاري؟ نظر له جود بسخط: "سفاري بالعيال دي؟ مروان: "اعتبروني متكلمتش." الحج محمود: "بصوا لا تقولولي هنروح ولا منروحش.. إنتوا تقوموا بالصلاة على الحبيب كده معانا عشان نروح ناكلنا لقمة حلوة من إيد البناويت الحلوين دول ورحمة.. ونقعد قعدة رجالة ونسهر للصبح لو عايزين.. والبنات انشغلوا بالعيال لحد ما يناموا واعملوا اللي يحلالكوا." إسلام بسرعة:
"والله فكرة ملهاش مثيل.. أنا موافق." مروان بجانب عينه: "إحنا متأجرين بيت.. ولا ناسي." الحج محمود: "والله ما يحصل.. تتأجروا وأنا موجود؟ .. ما تتكلم يا جود يا ابني." جود بابتسامة: "أتكلم أقول إيه بس يا حج محمود." محمود: "إياك تفتح موشح كل مرة.. عشان ردي واحد.. إحنا أسرة واعتبرناك مننا ولسا مننا وهتفضل مننا.. ولا أناا ورحمة مش قد المقام." مروان بسرعة: "لا طبعًا يا حج العفو.. دا إنتوا الخير والبركة." محمود بابتسامة:
"ربنا يحفظكم لشبابكم يارب.. ودلوقتي بينا على شقتكم دي عشان نجيب حاجتكم وتدفعوا إيجار اليوم ده وشكرا على كده." نظر مروان تجاه جود ليومئ له جود بعينه. ابتسم مروان بحب. وأخيرًا معه أمانة من جديد.
وبالفعل تحرك جود وإسلام ومروان ومعاذ إلى المنزل ليجلبوا متعلقاتهم من هناك. بينما ذهبت الفتيات مع رحمة والحاج محمود. وبعد فترة من الوقت.. كان الجميع يلتفون حول مفرش كبير موضوع فوقه أطباق الطعام بنظام ويتناولون طعامهم في جو يملؤه البهجة والسعادة. وكل دقيقة وأخرى ينظر جود لمريم ويتابعها بتدقيق. إيماءاتها.. ابتسامتها.. ضحكتها.. حركة شفتيها وهي تتحدث.. يا إلهي إنه حقًا يقع في عشقها من جديد.
كان يتأملها بشرود لينتبه حينما لكزه إسلام. جود: "إيه يا رخيم." إسلام بضحكة: "والله رخيم دي طالعة منك زي العسل.. بس يا عسل بطل تبص على أختي وتتأمل فيها كل دقيقتين ها." جود بابتسامة جانبية: "مراتي وأنا حر." إسلام وهو يقلد نبرته: "مراتي وأنا حر.. أمال مين اللي نصبنا زعق على طبلية حسب الله امبارح ومش فاكرك ومش فاكرها.. داهية لتكون حبيتها تاني! جود بتنهيدة: "هو فعلًا كده." ثم ضحك بخفة وهو يتابع:
"أو قلبي أصلًا منسهاش.. دا أنا شفتها على الشط وهي بتعيط في حضنك وأنا قلبي كان بيتقطع عشانها.. وأما شفتها قلبي مكنتش قادر أسيطر عليه.. عيني مش قادر أبعدهم عنها.. تفتكر أنا كده بقع في الحب م الأول.. ولا الحب أصلًا موجود بس هي بتنعشه؟ صمت جود لثوانٍ ينتظر رد إسلام. وحينما لم يأتِه الرد نظر إليه ليجده واضعًا يده على وجنته وينظر له بعيون مسبلة وشفاه مبتسمة وهو يتمتم: "وإيه كمان؟ نظر له جود بغيظ ثم دفع وجهه وهو يتحدث بسخط:
"قاعد بتكلم مع عاهة يا ربي.. الدنيا خلصت مبقاش غيرك أسأله على مشاعـ... لم يتمم جملته لأن إسلام قد كمم فمه وهو يتحدث لجميع الناظرين إليهما: "مشاريع يا جماعة مشاريع.. هو كان بيتكلم معايا في مشااااريع.. صح يا جود.. صح؟ أومأ جود وهو يبعد يد إسلام عنه ومن ثم نظر لمريم التي تنظر له بابتسامة. ليسترخي وجهه تمامًا من جديد. فانفجر إسلام ضاحكًا على تحول ملامح جود السريعة. جود وهو يضع الخبز من يده: "لآآه إنت مبتجيش بالأدب."
تحرك إسلام راكضًا وركض جود خلفه تحت ضحكات الجميع. لتحرك أريج وهي تجذب وليد من يده متمتمة في طفولة: "يلا يلا نجري زيهم." تحرك معها وليد وبدأت تركض هي خلف وليد. ليعود لهما إسلام وجود وبدأوا يمزحون مع الصغيرين. بينما يجلس مالك بجانب شهد في صمت وعيونه معلقة على وليد الذي يرفعه والده تارة ويدغدغه تارة ويركض خلفه تارة أخرى وعينيه تقدح غيظًا. بينما قد استسلمت ملك للنوم منذ وقت طويل.
قُضيت السهرة بين ضحك ومزاح وذكريات يتعمد مروان وإسلام التحدث عنها. شعور جود بالألفة والانتماء يزدادان. حبه لمريم يعود كما السابق بل بجنون أكبر. قربه من وليد وصل لدرجة غير معقولة. فوليد يرفض النوم مع والدته والبقية ويذهب للنوم بجانب جود. وطوال الوقت يرافقه.
في حين أن مالك يرفض تمامًا أن يلاعبه أحد كالأطفال. لا يحب أن يُحمل. لا يحب أن يُعامل كطفل صغير. يكره تلك اللحظات التي تجمع جود ووليد أو وليد وأريج. أريج التي لا تعطيه ذرة اهتمام. كما أنها دائمًا ما تسأل عن وليد. مرت الأيام تباعًا لتأتي ليلة الأربعاء. الليلة التي تسبق ليلة عودتهم للقاهرة من جديد. جلس جود أمام الشاطئ وبجانبه وليد الذي لا يبتعد عنه أبدًا. ينظران للبعيد جدًا. والهدوء يحوم حولهما. تحدث وليد بهدوء:
"بابا بكرة هنرجع البيت؟ توتر جود لسؤال صغيره. فهو منذ الصباح وهو يفكر إن عاد ما الذي سيحدث؟ ماذا عن من أذوه؟ يخشي أن يحاولوا مجددًا ولكن تكون هذه المرة في طفله لا هو. وفي جانب آخر من تفكيره.. كيف سيتعامل مع مريم؟ نعم هم يضحكون ويمزحون. يجلسون ويتحدثون. تنام على كتفه أحيانًا. لكن الأمر لا يتعدى ما تم ذكره. وذلك لكون الفتيات ينمن في غرفة والرجال في أخرى. كيف ستكون طبيعة علاقتهما؟ زجر نفسه وهو يتحدث بسخط مع نفسه:
"علاقة إيه يا غبي اللي بتسأل على طبيعتها وشكلها.. دي مراتك." ليعود للتفكير مجددًا. وإن يكن.. كيف سيأخذ الخطوة الأولى معها؟
لقد حاول في تلك الفترة أن يجمع داخل خلايا عقله كل شيء تحبه هي وتميل إليه. وجدها تميل للدواوين بكثرة. لا تكف عن سماعهم أو قراءتهم. البسكوت بالشاي والذي كان حديث سهرة كاملة. وقد ذكروا كثيرًا من المواقف التي تخص الشاي بالبسكوت. ويالها من مواقف. فقد شعر بأنه عاش شيئًا كهذا فعلاً. بل إنه كان يأخذ نفس ردود الأفعال التي كان يفعلها سابقًا. وهم يخبرونه بأنه نفس رد الفعل. أخرجه صوت وليد من دوامة أفكاره من جديد:
"بابا إنت مش عايز تيجي معانا؟ نظر له جود سريعًا ليتحدث بهدوء: "لا طبعًا حبيبي هاجي معاكم." وليد: "أمال ليه زعلان؟ جود بتنهيدة: "عشان بعدت عنكم كتير أوي يا وليد." وليد: "بس ماما قالتلي إنه كان غصب عنك." جود بابتسامة: "فعلًا كان غصب عني.. وانتوا لو مكنتوش جيتوا هنا اسكندرية.. مكنش زماننا قاعدين كده دلوقتي." وليد: "بس ماما كانت عارفة إننا هنقابلك هنا." جود عاقدًا حاجبيه: "عارفة إزاي؟ وليد ببراءة:
"وإحنا جايين في العربية سألتها هنشوفك امته وقالت بعد شوية... وحقيقي مش كذبت عليا.. أصلًا ماما عمرها ما كذبت عليا.. وأنا شفتك الأول قبلها كمان." جود بابتسامة: "طب وانت عرفتني إزاي بقى؟ وليد: "أنا عارفك." جود: "عارفني منين بقى؟ .. أنا لما سبتك كنت لسه نونو." وليد: "صورك كتيييير على تليفون ماما.. إنت وهي وإنت وأنا وإحنا كلنا.. وكل يوم نتفرج عليهم مع بعض." ابتسم جود وهو يقرب وليد منه محتضنًا إياه واخذ يفكر في مريمته...
التي تفاجئه كل يوم بشيء جديد عنها. قاطعهما صوتها الذي جعل الابتسامة تتسع أكثر ليطالعها فاغرًا فاهه ناظرًا إليها بعينين متوسعتين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!