كانت تُطل عليهما بفستان فضفاض سكري من قماش التول ويتزين من الركبة للأسفل بورود متفرقة حتى نهاية الفستان تتجمع الورود بكثافة. بكمين واسعين ينتهيان بإسورة يد مزينة بالورود. ويعلوه خمار فضي ساده. ووجهها مُشرق بادٍ عليه الوقار. بقي نظره معلق بها وهي تفرك يديها معًا في توتر. وليد: واقفه ليه يا ماما تعالي. بابا قال هيروح معانا. أنا مبسوط أوي.
أنهى حديثه وهو يحتضن جود بحب. لتبتسم مريم لهما بعيون تلتمع حبًا. أملًا. شوقًا. راحة. أمان. تلتمع بكل المشاعر التي يجب أن تكون. جود بابتسامة: هو. هو انتي هتفضلي تحلوي كل يوم عن السابق لحد امته؟ مريم بابتسامة ووجنتين حمراوتين: انت اللي عيونك حلوين بزيادة. جود بتنهيدة: اقعدي يا مريم. جلست بجانبهما في صمت تام. وليد بهدوء: بابا. إحنا ينفع ننزل البحر ده؟ جود بابتسامة: ينفع طبعًا مينفعش ليه.
وليد: طب أنا عايز أنزل بحر وعايز أعوم زي مراد صاحبي. جود: يااه. بس كده. إن شاء الله هعلمك السباحة بعد ما نرجع. أومأ وليد بابتسامة رضا ثم استند برأسه وظهره إلى صدر أبيه. نظر جود تجاه مريم ليجدها تنظر لهما في ابتسامة. ابتسم لها هو الآخر ومد ذراعه لها لتقترب إلى أحضانه واضعة رأسها على كتفه. جود بهدوء: مريم. مريم: هممم. جود: أنا بتمنى بجد إني أرجع أفتكر. بس لو مفتكرتش. الحياة هتمشي زي ما كانت؟
مريم بابتسامة: إن شاء الله تفتكر. ولو مفتكرتش. إحنا سوا والحياة هتمشي عشان إحنا سوا. قبل جود رأسها بهدوء وبداخله ألف وعد ووعد صامت. وقف الجميع استعدادًا للعودة. ليقترب الحج محمود من جود معطيًا إياه ملف صغير. جود بعدم فهم: إيه ده يا حج؟ محمود بهدوء: ده يا بني التقرير الطبي بتاعك. الدكتور اللي عالجك اداهوني من يومها وكان بعد معاناة طويلة عشان الموضوع ما يوصلش الشرطة. هتحتاجه.
جود: أيوه بس. ده تقريبًا هيضرك وهيضر الدكتور.
محمود بابتسامة: ربنا ما بيرضاش لا بالظلم ولا بالوجع لحد. وانت يابني شوفت كتير وجه الأوان ترتاح في بيتك مع مراتك وابنك. التقرير معاك أهو. وأنا فهمت مروان هيعمل إيه عشان يبطل شهادة الوفاة. لازم تكون حريص ومفتح كويس وتفضل جنب أخوك وإيديكوا واحدة. عشان مجرد ما شهادة الوفاة تبطل هينكشف أمرك وإنك عايش. واللي حاول يقتلك المرة الأولى هيحاول تاني. وفي نفس الوقت مش لازم حد يعرف إنك فاقد الذاكرة. واتأكد إن حقك راجع.
جود بابتسامة: جمايلك زادوا أوي يا حج محمود. ومش عارف إزاي هردهم. محمود بتكشيرة: نفسي تعاملني زي باقي أهلك. أنا اعتبرتك جزء من بيتي ليه مش عايز تفهم. احتضنه جود بقوة متمتمًا: ربنا يسعدك ويفضل بيتك عامر بحسك انت ورحمتك يارب. رحمة من خلفه وهي تبكي: هحكي لمين دلوقتي على قصتي أنا ومحمود وهسهر مع مين لما يتأخر. جود وقد رفرفت عيناه بالدموع: طب ليه البكا بس.
رحمة وهي تقترب منه: هفضل أدعيلك من قلبي والله يابني. وإياك تنسانا. وابقى تعالي من وقت للتاني. جود بتأكيد: وهو كذلك. خلي بالك من نفسك ومن الحج. ودعهما بابتسامة وقلب مفطور لفراقهما. دائمًا ما تصنف لحظات الفراق ضمن قمم الأوجاع. لما لا. فقلبك بمن تفارقه معقود وروحك بقربه تحلق فرحًا. والفراق ينتشل كل ما هو جميل ليبقي على الذكريات التي تؤلم أكثر مما تُسعد.
وصلوا جميعًا حيث منزل جود أولًا. لينزل جود من السيارة ناظرًا حوله بإعجاب تام للمنزل المتواضع. وشعر بالألفة حقًا وكأنه ليس بغريب عنه أبدًا. إسلام بابتسامة: نورت بلدك وبيتك وحياتنا كلها من تاني يا باشا. جود بابتسامة جانبية: أخيراً قلت حاجة عدلة. ضحك مروان الذي قدم إليهما وهو يتمتم: الألش هيضيعك يا لوما. تستاهل. إسلام بضحكة استخفاف: ها ها ها ظريف يا خفة انت وهو. جود بهدوء: متشكر أوي بجد. إسلام عاقدًا حاجبيه: على إيه؟
جود: يعني. عشان متفهم وضعي و. وباقي عليا. وكمان عشان رغم إني أصلاً مش فاكرك إلا إنك بطبيعتك معايا مش متصنع مثلاً أو بتتعامل بحذر. إسلام: وانت إيش عرفك إنها طبيعتي أصلاً. جود بغيظ: عشان أنا بعرف أعاين دم الناس الرخمة كويس أوي. يا أخي دا أنت فصيل.
ضحكوا جميعًا في حين تصافح الجميع لتدلف مريم حاملة وليد الذي يغط في نوم عميق. بينما يحمل جود الحقائب ودلف خلفها. نظر حوله لتلك الصالة المرتبة ذات الدهان الأصفر الهادئ الذي يبث روح البهجة في النفس. وتلك المقاعد كمونية اللون مع تلك المنضدة في المنتصف والتي يعلوها مزهرية نجوم لا ورود. تلك النوافذ الكمونية مع الستائر الكمونية التي يتداخل معها الأصفر من الحواف. تبدو أنيقة وهادئة ومتواضعة وبسيطة للغاية.
خرجت مريم من غرفة وليد لتقطع تأملاته. ليبتسم لها بهدوء ومن ثم نظر للحقائب أمامه وهو يتمتم: اا. أدخلهم فين؟ مريم بابتسامة: قلبك دليلك. جود: قلبي كان دليلي فعلاً ودلني عليكِ. لكن قلبي هيدخلني الأوضة إزاي بالله عليكي؟ ضحكت مريم بخفة وهي تتمتم: إحساسك يا عمنا. يلا وريني إحساسك هيوديك فين. جود بهدوء: والله يا مريم يا أختي إحساسي حالياً عايزني أروح الحمام. ضحكت مريم قبل أن تؤشر
له على دورة المياه متمتمة: طب ادخل هناك الحمام. وأنا هدخل الشنط. وهجيب لك هدوم عشان تاخد شاور.
أومأ جود بابتسامة ومن ثم دلف لدورة المياه وأغمض عينيه بقوة وهو يتنفس بسرعة. لا يعلم ما الذي يجب أن يحدث الآن. أو كيف سيتصرف. أو كيف سيتعامل الآن. تنهد بضيق لهذه الحيرة وهذا الضياع الذي يحياه الآن. حسناً هي زوجته. وتحبه وهو أحبها من جديد أو هكذا يظن. فالحب بالقلب لا بالعقل. وهي أنعشت حبها بقلبه من جديد. رغم أنها لم تفعل شيئاً يذكر ولكن تكفي ابتسامتها ويكفي صراخها ألماً لفراقه. تكفي لمعة عينيها حينما يغازلها بكلمات بسيطة. تكفي طيبتها وتصرفاتها التلقائية البريئة.
أفاقه من أفكاره طرقات على الباب. وصوتها الرقيق: جود. الغيار بتاعك معايا. تنهد بهدوء قبل أن يفتح الباب ويأخذهم منها بابتسامة لتتحدث مجددًا: أجهز عشا؟ أومأ جود بصمت لتغادر هي إلى المطبخ بينما ابتسم بهدوء بعدما أغلق الباب متممًا في نفسه: التلقائية مفيش أحسن منها. كل حاجة هتيجي لوحدها. مفيش داعي للتوتر. ده هي البنت ومش متوترة. لازم أتعامل طبيعي. هي مراتي وأم ابني وحبيبتي. طبيعي.
أنهى حمامه ليخرج مجففاً خصلاته وهو يلقي نظرة داخل المطبخ ليجدها قد أعدت العشاء. مريم بهدوء: تعال يلا أنا خلصت ومستنية بس البيض يتسلق. امممم. هدخل آخد حمام سريع وأخرج يكون البيض خلص. آه واللبن على البوتاجاز. أرجوك أوعى يفور ويتقلب على البوتاجاز زي كل مرة. ضحك جود بخفة وهو يتمتم: حاضر هحاول ويا رب ما أخيب ظنك.
ابتسمت بخفة وهي تركض للغرفة. أحضرت ثيابها ودلفت لدورة المياه. أنهت حمامها سريعًا وخرجت لتجده بجانب اللبن ينظر إليه في ترقب. ضحكت في داخلها وهي تقترب بهدوء: ها. إيه الأخبار. جود بهدوء: الحمد لله مفارش. لم يتمم حديثه وهو ينظر إليها مرتدية تلك المنامة التي تصل لما بعد الركبة بقليل بنصف أكمام وتضع المنشفة فوق شعرها. رمش عدة مرات قبل أن ينتبه لصوت مريم: حاسب أطفي.
التفت سريعًا مغلقًا مفتاح الموقد ثم استدار لها متمتمًا: الحمد لله مفارش. مريم بضحكة: هتتسجل في التاريخ. جود وهو يحك مؤخرة رأسه: هو أنا كنت بفوره كل مرة بجد؟ مريم: أيوه. وكل مرة تقول لي والله واقف بقالي ساعة ويدوب بلف وشي قام فاير. ضحك جود بخفة وهو يتمتم: طب الحمد لله أهو مفارش بقى. مريم بابتسامة: طب يلا اقعد وأنا هقشر البيض وأولع على الشاي.
وبالفعل جلس جود بهدوء إلى المنضدة التي تأخذ حيزًا من إحدى جوانب المطبخ وموضوع فوقها عشاء بسيط لهما. نظر إليها وهي تتحرك بحرية. وقضم شفته السفلية بغيظ وهو يتمتم في نفسه: مش هينفع كل شوية أبصلها بصدمة كده. لازم أتعامل طبيعي. دي مراتي. مراتي. مراتي. تنهد بهدوء حينما جلست أمامه وبدأ في تناول طعامهما بهدوء ومن ثم خرج جود ليجلس في الصالة حالما تأتيه بكوب اللبن بالشاي خاصته. جلست في هدوء بجانبه وهي تناوله كوبه: اتفضل.
أخذه جود بابتسامة من يدها متمتمًا: شكراً يا قمر. مريم بابتسامة: ناوي على إيه؟ جود بتنهيدة: مش عارف يا مريم. مجرد إني مش عارف. بس مروان قالي إنه هيجي لي الصبح نطلع على القسم عشان نفتح التحقيق من تاني. وبعدها هنروح المستشفى عشان نطلع تقرير يؤكد إني فاقد الذاكرة. والباقي على الشرطة بقى. مريم بهدوء: إن شاء الله ميحصلش غير كل خير. جود بتمني: يارب بجد يارب. ترددت مريم قليلاً لكنها حسمت أمرها وتحدثت بهدوء: جود.
نظر لها في تساؤل من نبرتها المتسائلة تلك. لتتابع هي بهدوء حذر: انت. يعني. إحنا اا. جود بهدوء: قولي يا مريم. مريم بتنهيدة: انت حاسس بحاجة ناحيتي؟ وضع جود كوبه فوق المنضدة ثم التفت إليها وأمسك يدها بين
راحتي يده وتمتم في هدوء: من أول مرة لمحتك فيها وأنا كل كياني صرخ باسمك. أول مرة مشفتكيش لأنك كنتي في حضن إسلام بس وقتها قلبي كان واجعني أوي وأنا سامع عياطك. ولما إسلام كلمني عنك وطلبت أشوفك وجتلي الأوضة. واترميتي في حضني. وقتها حسيت إن حضنك مكاني وحضني مكانك. كل ذرة في كياني صرخت باسمك انتي. إحساس الدفا في القلب وإحساس الأمان وإحساس الراحة وكأنك كنتي بتدوري على حاجة بقالك فترة طويلة ومش عارفة أصلاً إيه هي وفجأة
لقيتيها. إحساس إنك رجعتي لمكانك بعد طول غياب. إحساس الفقد اللي اتبدد لما قلت لك تعبان ورجعتي حضنتيني. إحساس الراحة في النوم بجد لأول مرة من سنتين عشان قلبي اطمن بوجودك. كل حاجة يا مريم حصلت في الفترة دي أثبتت لي إن أنا مُنتمي لمكان واحد بس. وهو حضنك. حضنك يا مريم. ولو هفقد الذاكرة مش هيكون لي مكان غير حضنك. أنا بعترف إني في أسبوع واحد وقعت في حبك من تاني. لا لا. هو حبك انتعش في قلبي وزاد.
أنهى حديثه بتنهيدة وهو يمرر أصابعه فوق وجنتها التي تسيل فوقها الدموع بصمت لتتحدث هي بهدوء: تعرف إننا حبينا بعض من غير ما نشوف بعض؟ جود عاقدًا حاجبيه: إزاي؟
مريم بابتسامة: كنت في مرة في جروب ديني وقابلني بوست ليك وعجبني أوي كلامك. وبدون شعور لقيت نفسي جوا بروفايلك. وفجأة إيدي جت بالغلط على اللايك عندك وأنا زي اللي لدغتها عقرب شلته بسرعة وقفلت الجهاز ونطيت من مكاني مرعوبة وأقول يارب يارب ميكونش فاتح ولا يشوفه يارب. مكنتش أعرف إن ربنا مرتب لحبنا بالطريقة نفسها لأنك كنت قاعد وقتها بتكلم عميل وشفت اللايك وقمت داخل انت كمان على بروفايلي. فضلنا ندخل بروفايلات بعض كل فترة. لحد
ما انت قلت لمروان عني. ومروان أصر إنه يدور عليا ويجمعنا. وعرف إني أخت إسلام اللي في الوقت ده كان صاحبك أكتر من محاسب في الشركة. واتقدمت لي ياسيدي بقى. ووقتها أنا كنت هموت من الفرحة ومن تدبير ربنا بجد اللي جمعنا بدون معاد أو سابق معرفة.
كان جود يستمع إليها وقلبه يضرب أكثر وأسرع وابتسامته تزداد وعقله يعمل سريعًا كأنه يتوقع ما ستقوله قبل أن تنطق به وبالفعل وجد نفسه ببساطة قد خمن كل ما قالته قبل أن تتفوه به. ومن دون سابق إنذار جذبها جود إلى أحضانه لتستكين بين ذراعيه وهي تتمتم براحة واطمئنان افتقدتهم منذ زمن: بحبك. بحبك أوي. عاد عقله كأن هناك صدى صوت بداخله يردد من جديد: "وأنا. وأنا بحبك. بحبك أوي يا جود. بحبك أوي."
"وأنا. وأنا بحبك. بحبك أوي يا جود. بحبك أوي." "وأنا. وأنا بحبك. بحبك أوي يا جود. بحبك أوي." أغمض عينيه بقوة يحاول التحكم في هذا الصداع الذي يداهمه كل فترة وأخرى. شعرت مريم بتصلب جسده وضغطه عليها. فاعتدلت بهدوء وأمسكت برأسه بين يديها بهدوء: جود. في حاجة تعباك؟ .. قولي مالك؟
فتح جود عينيه بهدوء ونظر لعمق عينيها. يرى الحب. يرى الخوف. يرى الشوق واللهفة. يرى الأمان. يرى بيته. مخبأه. أمانه. حمايته عن الدنيا وما فيها. لماذا ذاك الحاجز بينهما؟ .. ألا يكفي عامان من الفراق والألم والتيه؟ .. ألا يكفي عامان من العذاب والبُعد والضياع؟ .. كفي!!! .. فليذهب أي فاصل وأي مانع عنها للجحيم. هي له وهو لها. ليسترجع كل ذكرياته معها. لطالما كان قلبه دليله إليها فلتحيا روحه هي الأخرى بقربها.
تحدث ببحة خفيفة: مريم. اا. انتي. أنا عايز. اا. عايز. مريم بإيماءة وقد فهمت ما يود قوله: جود أنا مراتك.
كانت جملتها بمثابة الإشارة الخضراء له كي يستعيد روحه الهاربة منه. كي يستعيد أنفاسه التي سُلبت لا إراديًا عنه بإبعاده عنها. كي يُعيد إليها هي الحياة. يُعيد إليها الأمان والحب. يُعيد إليها الدفء الذي افتقدته. يُعيد لها ويستعيد معها كل المشاعر التي تكونت بقلبيهما لسبعة أعوام من عمريهما معًا. ولتسقط جميع الحصون ويسقط التعقل وأهلاً ومرحباً بالقلب والمشاعر التي تتجه للحلال. وفقط الحلال بكل ما فيه من جمال خاص وخالص.
أخذ يمرر أصابعه بهدوء داخل خصلاتها التي تنتشر بحرية فوق صدره ناظرًا لسقف الغرفة في شرد تام. جميع تلك المشاعر التي ينتقل إليها تباعاً عاشها قبلًا. يشعر بذلك. كما أن تلك الومضات التي تُصيب رأسه بالصداع قد داهمته كثيراً لكنها لم تمنعه عنها. بل كانت كإشارات لردود أفعال تخصها وحدها. تنهيدة ارتياح خرجت من بين شفتيه ليقبل رأسها بهدوء قبل أن يستسلم معها لسلطان النوم. كانت تتوسد صدره والصمت يعم الغرفة ليقطعه
صوتها الهادئ في تساؤل: تفتكر هيرجعوا زي الأول مع بعض يا إسلام؟ إسلام بهدوء: وليه لأ؟ .. حبيبتي جود مشاعره لسا جواه. لسا بيحس بيها. آه مش فاكر بس هيفتكر أنا واثق من كده بأمر الله. زائد إن مريم اللي أنا وإنتي نعرفها كويس مش هتسمح أبداً للحصون تتبني بينها وبينه. لأنه باختصار قدرها. ولأن روحها فيه. هو بس محتاج شوية وقت وانعاش مشاعر وذاكرة. وأنا ومروان هنفضل معاه لحد ما كل حاجة ترجع لطبيعتها تاني. وجود يرجع لنا من جديد.
أروى بتنهيدة: ياااارب يا إسلام يارب. إسلام بابتسامة ماكرة: بقولك إيه يا رورو يا قلبي. أروى بابتسامة لعلمها جيداً أن تلك النبرة في صوته غير مريحة بالمرة: قول يا حبيبي قول. إسلام: أنا كمان محتاج لإنعاش مشاعر. ضحكت أروى برقة وهي تتمتم: انت محتاج إنعاش مشاعر؟!! .. ده انت عندك مشاعر تتوزع هنا وهناك وهتفيض كمان. إسلام بضحكة: طب خلاص تعالي أديكي حبة مشاعر. آهو الأقربون أولى بالمعروف برضو.
ضحكة رقيقة خرجت بهدوء لتصمت بعدها شهرزاد عن الكلام المباح. تنفس الصبح. وأشرقت الشمس تُعلن عن يوم جديد. وبداية جديدة. ومواجهة للماضي الذي تم نسيانه. والمحاولة لعودة الذاكرة للانتقام ممن تسبب في أحداث تلك الشروخ والتصدعات. استيقظ بهدوء يتحسس الفراش بجانبه ليجده فارغاً منها. وفي ثوان دار عقله بما حدث ليلة أمس. وبدأت الأفكار الغبية تغزو عقله. تُرَى هل ندمت؟ .. هل شعرت به شخص آخر غير جود لذلك ندمت؟
.. هل أخطأ في التسرع بشيء كهذا؟ .. العديد من الأسئلة تضرب جدار عقله. ولم يقطعها سوى طرقات خافتة على الباب ليأذن جود للطارق بالدلوف. وليد ببهجة: صباح الرضاااا. قال جملته وهو يقفز إلى والده محتضناً إياه. جود بابتسامة: حبيب قلبي البطل. صباح كل حاجة حلوة في الدنيا وأولهم ضحكتك. وليد: ماما جهزت الفطار وحضرتك لسا لا صحصحت ولا صليت. يرضي ربنا ده؟
جود بضحكة: لا طبعاً ميرضيش ربنا. وبأمر الله من النهارده أنا وانت هنصحى نصلي الفجر سوا. وليد وهو يصفق يديه معاً: يا سلاااام. ده هيبقى أحلى حاجة. يلا بقا قوم صلي عشان نفطر.
قبّله جود بهدوء ليركض الصغير للخارج وتدلف بعده مريم بابتسامة مشرقة ووجه مبهج للغاية. ترتدي تلك البيجامة الخفيفة التي يغطي بنطالها الفضي لما بعد الركبة بجيوب كحلية مع ذاك التيشيرت النص كم الكحلي ذو الكلمات الإنجليزية الفضية اللامعة من الأمام بزونط فضي يتدلى خلف ظهرها بنعومة وترفع خصلاتها بعشوائية. هل اللون الكحلي جذاب أم أنه أصبح جذاباً حينما ارتدته هي؟!! مريم بابتسامة: صباح الرضا حبيبي.
حسنًا حسنًا. هل هي سعيدة الآن؟!! .. أليست نادمة كما كان يفكر منذ قليل؟!! .. لحظة فقط. هل نادته بـ حبيبي الآن؟!! .. آخ يا إلهي إن بقي يحلل كل شيء هكذا بالتأكيد سيصاب بالجنون. أفاق على يدها التي وضعتها بهدوء فوق كتفه: انت كويس؟ .. لو تعبان قوم صلي ركعتين وارتاح تاني شوية. نظر لعمق عينيها يقرأ منهما أي شيء دون الحب والسعادة لعودته. لكنه لم يجد. لمَ تأنيب النفس إذًا؟
.. لماذا يجلس هكذا يحلل كل حرف منها وكل فعل يصدر عنها ويفكر ألف مرة في ردود أفعالها أو أفعاله؟ .. لماذا لا ينتشلها لأحضانه مخبرًا إياها أنه يعشقها حد الجنون. وقد جُن بالفعل بها. إنها تفقده صوابه. رغم هدوئها وردود أفعالها البسيطة والتلقائية. تفقده صوابه. شعرت مريم بتخبطه لكنها لم تستطع معرفة ما يدور بعقله تحديداً. لذلك خمّنت هي وقد صدر رد فعلها رداً قاطعاً على حيرته تلك حينما اختطفت
قبلة سريعة وهي تتمتم: سوري بس لازم آخد فاتح شهية. يلا غياراتك في الحمام. متتأخرش عشان أنا ووليدو واقعين من الجوع. خرجت بهدوء تاركة إياه في صدمته. هل حقاً بهذه البساطة سلبت قلبه في لحظة. سلبت عقله في أقل من ثانية. إنها. إنها تمثل خطراً على جميع حصونه.
ابتسم بهدوء وقد اطمأنت نفسه قبل أن يتحرك دالفاً لدورة المياه وبعدها أتم الصلاة ومن ثم جلس ثلاثتهم يتناولون طعامهم في جو مبهج أضفاه وليد بكلماته وحماسته وهو يتحدث عن صديقه مراد ومغامراتهما معاً. انتهوا من تناول الإفطار لتتحدث شهد بتساؤل: النهاردة الجمعة. كل مصالحكم هتكون شغالة ولا إيه؟
مروان بهدوء: مش عارف. ربنا يسهل. المهم هتيجوا أوديكوا عند مريم تقضوا معاها اليوم النهارده. وإسلام كمان كلمني من شوية وقال إنه رايح لهم. وأنا وإسلام هنروح مع جود. شهد: ماشي. هلبس العيال ونروح على طول. يا ملك يا ملك. تعالي حبيبتي شيلي معايا الحاجة دي.
أتت ملك بابتسامة وحملت مع والدتها الأطباق ورتبوا كل شيء سريعاً ومن ثم ارتدي مالك ملابسه بمفرده رافضاً المساعدة من والدته كالعادة. وساعدت شهد ملك في ارتداء فستانها لتستعد هي الأخرى وغادروا متجهين لمنزل جود. وصلا بعد وقت ليس بالطويل. ليجدوا وليد وأريج يركضون بالحديقة ويلعبون وصوت ضحكاتهم تُسعد من يسمعهما. مروان بابتسامة: وحشتوني الكام ساعة دول يا عيال. أتى وليد ركضاً إلى مروان الذي حمله سريعاً مقبلاً
إياه بحب: عامل إيه يا بطل؟ وليد بفرحة: الحمد لله. بابا وعدني هيوديني أتعلم السباحة من بكرة. فرحان أوي. مروان وهو يقبله من جديد: يسعدلي الحلو يارب. يلا كملوا لعب وخد ملك ومالك واوعوا تعوروا نفسكوا. ركضت ملك مع أريج في حين نظر وليد تجاه مالك كي يأتي الآخر معه. لكن تحدث مالك ببعض الضيق: لا أنا مش عايز ألعب. مروان: براحتك يابابا. يلا هندخل.
وبالفعل دلف مروان وبجانبه شهد. وقبل أن يتحرك مالك ألقى نظرة ساخطة على وليد. فحتى بعد عودة والده لا يزال هو محور الاهتمام. لم يحدث أي تغيير سوى زيادة المهتمين بوليد فرداً. تحرك مالك في ضجر لينظر وليد في أثره بحزن. لا يعلم لمَ لا يحبه مالك. أو لماذا يتعامل معه بجفاء هكذا. إنه لا يود سوى أن يكونا صديقين فقط. ولكن هيهات. فلم تبدأ الكراهية بعد يا صغير. لا تزال الطفولة تُسيطر على قلبيكما الصغير.
كانت تقف بالمطبخ تُعِد الشاي من أجل الرجال. وشهد وأروى تتحدثان عن أمور مختلفة وتضحكان بهدوء. أروى: مريومة إيه رأيك نطبخ صينية رقاق النهارده؟ مريم بتفكير: والله فكرة. أنا اتصلت على بابا وماما وقالوا هييجوا آخر النهار عشان جود. لأن سفيان في تدريب الكورة النهارده. وانتي كلمي أبوكي وأمك يا أروى. وشهد كلمي معاذ ورقيه. خرجوا جميعًا من المطبخ حيث الصالة لتجلس كل منهما بجانب شريك حياتها. إسلام بصوت خفيض
وهو يغمز لأروى بعينيه: بطلي تحلوي يا بت بقا. اعمل فيكي إيه. أروى وهي تلكزه في كتفه: بس ليسمعوك. إسلام بابتسامة: طب ما يسمعوا. جود وهو يلقي الوسادة التي كانت بجانبه على إسلام: يا عم احترم نفسك شوية. إسلام بغيظ: أنا مش عارف إيه مشكلتك معايا. انت يابني عندك عقدة في اسمي مثلاً؟ .. لو عندك قول مش هزعل والله. ضحك الجميع
على طريقته لتتحدث مريم: تعرف يا جود. انت تقريباً مكنتش بتهنيهم على قعدة. يا بتاخد إسلام يا بتسلطني آخد أروى. يا أما تفضل تتكلم في الشغل عشان تخليه ميكلمهاش واحنا قاعدين. إسلام: شفت الشر اللي انت فيه. شفت؟ جود بضحكة: وانت لسا شوفت شر. قوموا بقا يلا. يدوب نمشي عشان نلحق صلاة الجمعة كمان.
إسلام وهو يضرب كفيه معاً: لا إله إلا الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ما أنا كنت متنيل في بيتي وقاعد أحب براحتي. إيه اللي جابني أنا. جاي لقدري وعملي الأسود. أوعى يابنتي كده. أنا شكلي عامل ذنب كبير وربنا بيخلصه في بلوة زي ده. ضحك الجميع على تذمره ومن ثم استقل ثلاثتهم سيارة مروان ذاهبين لقدر جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!