الفصل 9 | من 23 فصل

رواية قضاء ونصيب الفصل التاسع 9 - بقلم دنيا آلشملول

المشاهدات
19
كلمة
5,771
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

أخذ منهم السعي من القسم للمستشفى اليوم بأكمله. ولم تكف مريم خلال تلك الفترة عن الاتصال به. ليأتيها في كل مرة صوت إسلام يخبرها بوجوده، إما بغرفة الأشعة أو في التحقيق. ويأتيه ردها في كل مرة بأن يطمئنها حالما ينتهوا. صدح أذان المغرب ليتنهد جود بداخل السيارة متمتمًا: "اطلع يابني على أول مسجد خلينا نصلي." مروان: "ماشي يا عم حاضر.. أنت برضو مصمم على موضوع مرواحك المصنع ده؟

يعني مفيش حاجة هناك يا جود.. مجرد رماد وأنا مفكرتش لا أبيع الأرض ولا أستغلها.. فـ ليه عايز تروح؟ جود بتنهيدة: "بس وديني وشاكر أفضالك.. أنا ياسيدي عايز أروح." مروان: "ماشي يا كبير رجلي على رجلك." إسلام مُنهيًا هذا الحوار: "بقولكوا إيه انتوا الاتنين.. فضولي أم السيرة دي وانجز شوية يا عم مروان خلينا نلحق المغرب جماعة عشان أروح آآكل.. أنا واقع من الجوع.. وست زفتة محلفاني ما ناكل بره المفترية." جود بضحكة:

"تصدق خسارة فيك الأكل اللي زمانهم عملوه ده." إسلام: "يا عم جعان يا عم.. كنا كلنا أي لقمة حتى.. لكن كده حرام بطني لزقت في ضهري." مروان: "اطمن يا جود عليه الله يكرمك." إسلام وهو يضربه على كتفه: "لم نفسك جتك البلا." ضحك الجميع قبل أن يصف مروان السيارة ويترجلوا منها مؤدين صلاة المغرب. ومن ثم ذهبوا لأحد المحلات القريبة من المكان ليجلب كل منهما شيئًا لزوجته. وقف جود أمام محل الهدايا ينظر إليه في تفكير ومن ثم تحدث بهدوء:

"أنا عايز أروح مكتبة يكون فيها دواوين." نظر مروان وإسلام لبعضهما والابتسامة غزت وجهيهما وهما ينظران له. جود بتعجب: "إيه يا جماعة مالكوا.. عايز أشتري ديوان أو رواية لمريم.. يعني أنا في إسكندرية شفتها يابتسمع يا بتقرا دواوين أو تقرا روايات.. فبفكر يعني أجبلها حاجة بتحبها بس مش أكتر." ازدادت ابتسامة إسلام وهو يربت على كتفه:

"أنت أصلاً يا حبيب قلبي مبتجبش لمريم هدايا غير دواوين وكتب.. دا حتى لما جيت تتقدملها.. البشر الطبيعي بيدخل بجاتوه.. بورد.. بشوكولاتات.. إلا أنت داخل علينا بشنطة فيها سلسلة دواوين للشاعر اللي بتحبه مريم." ضحك جود بخفة وهو يتمتم: "بتتكلم جد والله." إسلام وهو يشاركه الضحك: "آه والله زي ما بقولك كده." جود: "طب كويس.. يلا اشتروا وودوني اشتريلها روايات."

دلفوا لمحل الهدايا وجلب كل منهم شيئًا تحبه زوجته وغادروا لشراء روايات من أجمل مريم وبعدها عادوا للمنزل. *** كن قد انتهين من تجهيز الطعام وتوضيب المنزل. وجلسن معًا يتحدثن في أمور عديدة. وآخر شيء تحدثت فيه أروى هو أن تحاول مريم أن تفاجئ جود بشيء ما يكون مميزًا. والآن هن جالسات يفكرن في هذا الشيء. لتتحدث شهد بصياح: "لقيتهاااا." أروى وهي تلقي عليها الوسادة: "بطلي أم جنانك ده.. فزعتيني." ضحكن عليها لتتحدث شهد أخيرًا:

"بصي يا مريم يا أختي الحق ميزعلش.. أنتِ في الفترة الأخيرة كان الله في عونك طبعًا بعد اللي حصل ومريتي بيه.. وعارفة إنه مكنش سهل أبداً عليكي.. بس فعلاً الموضوع غيَّرك تماماً.. بقيتي هادية بشكل مبالغ فيه.. مش هي دي مريم اللي كانت بتملا المكان روح وبهجة.. مش دي مريم اللي كانت لما بنقعد سوا تختار أنشودة حلوة وتغنيها بصوتها الجميل وتفرحنا.. مش دي مريم اللي كانت بتتنطط هنا وهناك.. عارفة إن الزعل بيغير حاجات كتير وبيهد

الواحدة منا.. بس.. بس جود خلاص رجع والحمد لله.. فلازم مريم كمان ترجع.. ترجع لشغفها ولمرحها وتنطيطها.. ترجع لطفولتها تاني.. ترجع تفتح فيسبوك وتقرفنا دواوين.. ترجع تتصور صور مجنونة وتبعتهالنا في جروب الواتس وتهزر.. لازم مريم اللي قفلتي عليها دي تفتحي لها تشم الهوا تاني.. انتي قلتي إن جود اللي خد خطوة ناحيتك بعد ما انتي اديتيله الإشارة الخضرة.. لكن يا مريم جود مش هيفضل كتير ياخد منك إشارات وينفذ.. لأنه بكل بساطة أقل رد

فعل منك ممكن يفسره بحساسية شوية.. تفكيره ممكن يوصل إنك ندمتي أو ما شابه.. فلازم انتي كمان تاخدي خطوة تجاهه.. ووريه مريم اللي عشقها.. وريه مريم التلقائية المرحة.. شوفي كنتي بتعملي إيه في بداية جوازكم وكان بيضحكه أو بيخليه يفرح أو بيجننه بالمعنى الأصح وارجعي اعمليه تاني.. انتي قدرتي تنعشي حبك في قلبه.. ودلوقتي جه الوقت إنك تنعشي ذاكرته عشان يشوف مريم بقى ويفتكر كل اللي كان بينهم.. خديله خطوة وجننيه بأفعالك وتصرفاتك..

مش مجرد إشارات.. فهماني؟

كان الجميع ينظر إليها فاغري الفاه. بينما هي وزعت أنظارها بين ثلاثتهن وتحدثت وهي ترمش عدة مرات: "إيه يا جماعة مالكوا متنحين كده ليه؟ أروى: "شهد اللي بتتكلم دي ولا حد تاني؟ شهد: "إيه يا بت في أي؟ .. أنا قلت حاجة غلط؟ رقية: "غلط إييي بس غلط إييي... انتي عقلتي امتى يابت انتي؟ شهد بضحكة: "إيه يا جماعة خضتوني مش كده." مريم بابتسامة: "لا بجد عقلتي امتى؟ شهد بضحكة: "المهم عقلت." مريم بتنهيدة:

"كل كلامك تمام أوي والله وانتي صح وعندك حق.. بس مش عارفة.. خايفة من رد فعله.. خايفة يفهم تصرفاتي غلط." شهد بنفي: "جود بيحبك ومش هيفهم غير إنك بتحبيه وبترجعي وردة مفتحة تاني وهو قريب منك." مريم بتنهيدة: "متشكرة أوي يا بنات.. انتوا بجد ونعم الأخوات." شهد وهي تنفض الغبار الوهمي عن كتفيها: "عارفين عارفين لا داعي للتصفيق." ضحكن جميعًا قبل أن يصل لمسامعهم صوت السيارة التي اصطفت بالخارج. لتتحدث أروى:

"أنا هقوم أتصل ببابا وحمايا أشوفهم اتأخروا ليه عشان زمان الشباب راجعين والجوع قارصهم." شهد: "وأنا هقوم أغسل لـ ملك عشان لعبت كتير وزمانها مغبرة دلوقتي.. وهغسل لأريج برضو." مريم منادية: "وليد.. يلا حبيبي غسل إيدك عشان بابا وعمه وخالو جم." ركض وليد لتلك الصنبور في إحدى جوانب الحديقة ونظف يديه ونفض ثيابه كما عودته مريم. ومن ثم خرج ركضًا للبوابة تحت نظرات مالك المسلطة عليه منذ أن غادر الرجال.

يركز في كل حركة من وليد.. وكل إيماءة.. عقله الصغير صور له شيء واحد فقط كي يكون هو مركز الاهتمام لا وليد.. ألا وهو التقليد. بقي في مكانه يراقب ركض وليد تجاه البوابة ليتلقفه جود أولاً ويرفعه للأعلى ومن ثم يقبله بحب وهو يداعب وجنتيه. ليقترب إسلام ويجذبه من وجنتيه وهو يتمتم: "يخرااشي قلبوظ يا شيخ." جود وهو يضرب يد إسلام: "إيدك لاقطعهالك." إسلام بضحكة: "لا يا عم محتاجها.. أروح آكل في خدود ريجو." قفز وليد إلى

مروان الذي تلقاه بضحكة: "قلب عمك." جود بابتسامة: "مبسوط أوي لعلاقتك بيه." مروان وهو يقبل وجنة وليد: "لأ هو الواد يتحب أساساً." دلفوا جميعًا. ولكن انتبه جود لِمالك الجالس بمفرده هناك يتابعهم في صمت. أنَّب نفسه لأنه بعيد عن ابن أخيه.. رغم أن أخاه قريب جداً من طفله. تركهم يدلفون.. وذهب تجاه مالك الذي وقف بهدوء. ليتحدث جود بابتسامة: "إزيك يا لوكا." مالك: "الحمد لله." جود بابتسامة تتسع:

"اممم.. طب قرب هنا.. قولي ليه مجتش تسلم علينا بقا لما جينا من بره؟ مالك بنفس الهدوء: "مفيش." اقترب جود ليحمله ولكنه استشعر عدم رغبته في ذلك فأنزله أرضًا وتحدث بهدوء: "طب يلا يا بطل.. خلينا ندخل ناكل." قاطعه صوت من خلفه يتحدث ببكاء.. ولكنه بكاء سعيد: "حمد الله على سلامتك يا بني.. ألف ألف حمد الله على سلامتك." رمش جود عدة مرات وخمن سريعًا كونها والدة مريم. لتقارب الشبه بينهما فتمتم بابتسامة ودودة: "الله يسلمك يا بركة."

اقتربت واضعة يدها على وجنته ليستشعر حنانها على الفور قبل أن تتمتم: "والله وحشاني منك أوي كلمة يا بركة يا حبيبي.. ربنا يبارك لك ويبعد عنك كل مكروه يارب." ابتسم جود بهدوء قبل أن يأتي صوت والد مريم من خلفها يتمتم: "أوعي بقا يا أم إسلام خليني أسلم على ابني." ابتسم جود لكلمته فاقترب منه واحتضنا بعضهما بهدوء ووالد مريم يتمتم له بالدعاء. وقلب جود يرفرف سعادة لكونه يمتلك عائلة كهذه. أتاه صوت معشوقته تتمتم:

"أهلاً يا ماما أهلاً يا بابا.. اتفضلوا." دلف والداها لتقدم مريم سفيان لجود الذي صافحه بهدوء وابتسامة متمتمًا: "انت شكلك كده مش شبه إسلام.. دي أمنية بتمناها من ربنا." ضحك سفيان قبل أن يتمتم: "لأ يا باشا متقلقش.. حمد الله على سلامتك يا جوز أمي." رمش جود عدة مرات لتضحك مريم وهي تضرب سفيان على كتفه بخفة: "ده أفظع من إسلام يا جود.. يعني ربنا يكون في عونك من الآخر." سفيان بهدوء: "بس أنا بعتبرك أمي بجد." مريم

وهي تقرص وجنته بأناملها: "وانت ابني مش أخويا يا عمري." جود بحمحمة: "أنا هنا على فكرة." سفيان بضحكة: "أنا عن نفسي داخل." ألقى جملته ودلف للمنزل. ولم يتبق بالحديقة سوى جود ومريم التي تنظر له بابتسامة. تذكرت حديث شهد.. فقررت أن تعمل به. اقتربت بهدوء وقامت بضم ياقتي قميص جود برفق وهي تتمتم: "حمد الله على سلامتك يا جودي." جود بحاجب مرفوع: "جودي ده اسم بنت.. متدلعنيش تاني." ضحكت بخفة وهي تتمتم: "خلاص هقولك يا قدري."

صوت يتردد في عقله. "خلاص هقولك يا قدري." "خلاص هقولك يا قدري." رمش عدة مرات قبل أن يتنهد بهدوء وهو يتمتم: "انتي ناديتيني بيه قبل كده؟ مريم بابتسامة: "يوم كتب كتابنا.. كنا قاعدين بنشرب شاي وبنتفق على شكل حياتنا سوا.. وانت قلتلي يا مريمتي بياء الملكية.. وأنا قلدتك بقا وجيت أحطلك ياء الملكية قلب اسم بنت.. فقولتلك خلاص هقولك يا قدري." قبلته جود في جبينها بهدوء وهو يتمتم: "يديمك ليا يا أجمل قدر."

ابتسمت بهدوء قبل أن يقدم لها تلك الحقيبة التي يحملها بيده. مريم بفرحة: "إيه ده؟ جود: "متفتحيهاش دلوقتي.. خليها لبليل." قبلته في وجنته وهي تتمتم: "يخليك لقلبي يا كل قلبي.. يلا تعالي الأكل جاهز زمانك واقع من الجوع." وبالفعل دلف معها وقلبه يضرب بعنف من حركاتها البسيطة التي تثير جنونه. *** انتهوا من تناول الطعام وها هم يجلسون إلى أرضية الحديقة يتمازحون في جو مبهج يمتزج فيه ضحكات الكبار مع الصغار.

كان جود يُقلب نظره بينهم ويرى السعادة التي تحاوطهم. يرى هالة النور التي أنعم الله عليهم جميعًا بها. حينما جعل للقدر كلمته في تجميعهم واتحادهم هكذا. يشعر بالدفء والحنان والبهجة والراحة والهدوء. لكنه يخشي كثيرًا من مستقبل مجهول. مستقبل يُخبئ بين ثناياه مفاجآت لكل فرد منهم. لكنه يقسم بداخله.. سيبذل قصارى جهده كي يحافظ عليهم يدًا واحدة وكيانًا واحدًا وروحًا واحدة.

سيبذل كل ما بوسعه كي تبقى تلك العائلة موحدة ولا يغزوها أي رياح خارجية لتدمر جمعهم. لكنه لم يكن يضع في الحسبان أبداً أن هذه الريح ستنشأ من قلب هذا الكيان. نفض الجمع وعاد كل لمنزله. بداخله رضا تام عن كونهم عائلة واحدة متماسكة رغم كل شيء. لا يغزو قلب أحدهم حقدًا أو غلاً. فقط الحب هو كل شيء. عدا هذا القلب الذي من المفترض أنه قلب بريء لا يعلم من الحقد شيئًا. ربما لأنه لا يزال طفلاً فالبراءة تسيطر على قلبه الصغير.

لكن ستُعلمه الأيام والمواقف. وسيأخذ الدرس قاسيًا جدًا إن لم ينزع تلك المضغة عن قلبه ويلقيها بعيدًا جدًا. دلف لغرفتها بعدما نام وليد أخيرًا. جلست إلى الفراش بعدما بدلت ثيابها لمنامة بنفسجية يحتل الجزء الأمامي منها صورة توم وجيري. وتضع خصلاتها داخل هذا المشبك الذي حرر بعض الشعيرات فوق جبينها ليعطيها مظهرًا ساحرًا. فتحت الحقيبة بحماس لتجد بها رواية "قواعد جارتين"، "دقات الشامو". وكذلك ثلاثية مملكة البلاغة.

ووجدت معهم علبة كحليه صغيرة وأخرى أكبر. نظرت له في تساؤل ليرفع كتفيه بهدوء لتبتسم وهي تُخرج العلبتين على الفراش. فتحت الكبيرة أولاً لتجد طوق شعر على شكل نجوم عبارة عن سيرين بينهما مسافة صغيرة فارغة وتنتشر النجوم على كل سير بانتظام تاركة فراغ بين كل نجمة وأخرى. كان فضي اللون.. وله بريق لامع جذاب. نظرت له بفرحة كبيرة وهي تنظر لجود بعيون دامعة لتأتيها نبرته الهادئة: "شوفي الباقي عشان هاخد الحضن إجمالي."

ضحكت برفق وهي تخرج من نفس العلبة بنسيتي شعر فضيتين قمتهما على شكل نجمة لامعة. ابتسمت باتساع وهي تفتح العلبة الأخرى لتجد بها خاتم رقيق جدا فضي مقسوم من الأعلى بحيث تكون في إحدى أطرافه نجمة صغيرة والطرف الآخر نجمة كبيرة تأتي من خلفها نجمة أخرى صغيرة. ويتكور من الجوانب بشكل أنيق أعطاه مظهر خاص جذاب. انعقد حاجباها وهي تُخرج آخر شيء من العلبة الصغيرة. ومن ثم نظرت لجود في تساؤل: "إيه ده؟ جود بتفكير:

"اممم.. تقريباً دي بتتلبس هنا." أنهى جملته وهو يشير على معصم يده. لتنفي هي وهي ترفع إحدى حاجبيها متمتمة: "ده خلخال." جود بعدم فهم: "يعني إيه؟ مريم: "خلخال يا جود خلخال." جود: "أيوه ماشي عرفت اسمه خلخال.. بس برضو يعني إيه؟ مريم: "ده بيتلبس في الرجلين." جود وهو ينظر لها عاقداً حاجبيه ثم تنهد بهدوء وأخذ الأشياء جميعًا من أمامها ووضعها في الحقيبة وجلس إلى الفراش ناظراً إليها:

"بيتلبس في الرجلين بيتلبس في الدماغ أنا ليا حضن فين هو." مريم بضحكة رقيقة: "استغلال ده يعني؟ جود بابتسامة: "أي مسمى تحبيه حطيه.. المهم أخد اللي ليا." ابتسمت بهدوء ليفتح ذراعيه لها لتدلف هي إلى بيتها الذي بُني بين ذراعيه فقط لها. لينعم بدفء قربها.. ويذهب لنعيم حلاله الخاص معها. *** توالت الأيام وإجراءات بطلان الوفاة تمت.

كما تم فتح التحقيق من جديد بعدما أُثبت أن جود قد تعرض لفقدان ذاكرة رجعي ويحتاج فقط للمتابعة والأمل في عودة ذاكرته كبير. كما تم عمل فحص للجثة مجددًا وتبينت النتائج. وقد أُثبت تزوير النتائج سابقًا. ولكن الطبيب الذي أخرج تلك التقارير قد تُوفي منذ عام ونصف بـ ماس كهربائي. نزل جود للشركة مع مروان وإسلام وقد وجد ترحيب كبير من الجميع وفرحة لعودته لم يكن يتخيل بأن يراها بأعين أناس لا يقربونه شيئًا.

وقد عرف بمكان المصنع القديم وقرر الذهاب إليه. وقد فعل. تحرك في المكان بتفحص. لا يعلم لمَ تلك الانقباضة في صدره. ولمَ هذا الصداع الذي يداهمه. ينظر للمكان بأعين ثاقبة. لقد كان ينتوي بناء مسبحٍ هناك. وهنا كان ينتوي بناء مكان خاص للاعبي كرة القدم. وهناك مكان للعب السلة. أجل وهنا كان مكتب من سيدير المكان وقد قرر سابقًا هويته. هناك كان ينتوي بناء غرف لتبديل الملابس وبجوارها دورات مياه.

دلف للمبنى وبدأت الرؤيا تضح شيئًا فـشيئًا. هنا كان يقف والمهندس بجانبه ويخبره بالمكان الأنسب لبناء ساحات الرياضة. هنا ارتشف كوب قهوة قدمه له عامل كان يتجاوز عمره الأربعين وقد تحدث معه لبعض الوقت وعلم ظروف معيشته الصعبة وقد قرر أن يعمل هذا العامل هنا بعدما ينتهي من تحويل هذا المكان لساحة رياضية للشباب فقط. صعد للأعلى فوق الدرج المتناثر فوقه الأخشاب التي تحولت لكومة رماد تتناثر بفعل الرياح هنا وهناك.

وصل لتلك الشرفة التي تطل على المكان بالخارج. كانت هناك ومضات تأتي وتذهب سريعًا مخلفة صداع بداخل رأسه. وعقله يردد في تتالي دون توقف. "متتأخرش كتير عليا.. عشان بتوحشني أوي." "بعملك الأومليت يا قدري.. وبعدين ابعد شوية.. دلوقتي وليد ينطلك هنا ويقولك بابا إيب." "ماما فلاولة." "بس يا جود.. بتعلم إيه للواد."

"أنا من أسعد ما يكون.. طول عمري بدعي ربنا بالعوض والخير.. والنهارده اتأكدت إنك كل العوض وكل الخير.. أنا بحبك أوي يا جود." "انت هتمشي دلوقتي؟ "وقد تعاهدنا على السير معا." "وأنا كمان بحبك يا جودي." "خلاص هقولك يا قدري." "لو اتعصب عليكي في أي وقت متزعليش منه.. هو قلبه أبيض ولما بيحس بغلطه بيصلحه بأكتر طريقة مرضية في الكون.. وبما إنك بتحبي البسكوت فهو ماشاء الله ميتوصاش بقا." "ربنا يخلينا لبعض يا حبيب قلب أخوك."

"انت هتبقى زوج أخت متعب أوي." "جود بيه انزل من عندك." "ماس كهرباااا." "حرييييق." "اخلوا المكاااان." "بقي انت ياحيلتها تحبس ابني أنا." "انت فاكر نفسك مين." "خلصوا عليه." جلس جود إلى ركبتيه أرضًا يوقف كم الألم الذي أحاط برأسه وأخذ يتنفس بسرعة. هاجمته جميع ذكرياته في لحظة. ل يعود لأرض الواقع من جديد. فتح عينيه الداميتين من شدة الألم الذي بدأ يخف تدريجيًا. ولكن ألم صدره لكل ما عاناه هو وما عانته مريم وما عاناه مروان.

ألم يكاد يفتك بقلبه. الآن فقط يستطيع بكل قوة أن يأتي بحق هذين العامين من أعين ذاك المختل. *** كان يأخذ المكتب ذهابًا وإيابًا وفي يده الهاتف يُعيد الاتصال مرة بعد مرة ويكاد قلبه يخرج من مكانه بسبب قلقه. أين يمكن أن يكون قد ذهب؟ لماذا لا يجيب على هاتفه؟ هاتف إسلام أخيرًا الذي أجاب على الفور: "مش فاضي خالـ.." ابتلع باقي حروفه وهو يستمع لصوت مروان الذي يتحدث بنبرة قلقه متوترة: "جود مش في مكتبه ومبيردش على التليفون."

إسلام: "خير يارب.. أنا هتصل بمريم حالاً أسألها ممكن رجع البيت وعمل الفون سايلنت ولا حاجة ونام." مروان: "وافرض مروحش.. مريم مظنش أعصابها هتستحمل." إسلام: "برضو محلولة هخلي أروى تكلمها وتعرف بطريقتها... اهدي بس واستعيذ بالشيطان.. أنا طالعلك اهو." وبالفعل صعد إسلام بعدما هاتف أروى وطلب منها مهاتفة مريم ومحاولة معرفة إن كان جود هناك أو لا دون أن تشعر مريم بشيء.

وبينما هما واقفين ينتظران رد جود على اتصالات مروان فإذا بهاتف إسلام يعلن عن اتصال من أروى التي أخبرته أن جود لم يعد للمنزل ولكن هاتفته مريم منذ نصف ساعة وقد أرسل لها رسالة أخبرها فيها أنه مشغول الآن. أغلق إسلام مع أروى ونظر لمروان بعدم فهم متمتمًا: "باعت رسالة لمريم من نص ساعة قايلها إنه مشغول." مروان وقد خطر المصنع القديم على تفكيره أول شيء فتحدث بخفوت: "المصنع.. جود أكيد راح المصنع." إسلام: "طب ليه؟ مروان:

"عشان أنا بقالي فترة بخلع منه عشان موديهوش هناك.. مش عايزة يشوف المكان ده تاني عشان خايف نفسيته تتعب أو حاجة.. بس شكله عرف العنوان من الورق الخاص بيه هنا.. إسلام مش قدامنا غير إننا نروح لـ.." لم يتمم عبارته حينما فُتح الباب ليطل من خلفه جود. ركض مروان تجاهه: "إيه يابني مبتردش على تليفونك ليه؟ .. أنا كنت هموت من القلق." ابتسم له جود بهدوء مربتًا على كتفه بخفة وهو يتمتم:

"أنا كويس يا بابا متقلقش.. والفون تقريباً سايلنت من الصبح وفي العربية أصلاً." مروان بحذر: "هو انت كنت فـ.." جود بتنهيدة: "آه.. كنت في المصنع.. انت كنت بتتوه عن موضوع إنك توديني.. فـ أنا اعتمدت على نفسي وروحت." إسلام: "مروان مكنش عايزك تعيش حالة صعبة بعد ما تشوف المكان يا جود.. هو قلقان عليك بس." جود بتنهيدة: "عارف يا إسلام.. عارف.. بقولكوا إيه.. مش واحشكوا الشاي بالبسكوت." نظر له مروان لعدة ثواني قليلة ليبتسم جود

بهدوء قبل أن يتحدث مروان: "انت.. انت رجعتلك الـ.." صمت وهو يرى إيماءة جود الهادئة. ليبتسم مروان باتساع وتنهيدة ارتياح خرجت منه ليقترب محتضنًا جود بقوة وهو يربت على ظهره متمتمًا: "ألف حمد الله على سلامتك يا حبيب أخوك.. ألف حمد الله على سلامتك." جود مربتًا على ظهره بخفة: "تسلم لي يا غالي ويديمك سندي وقوتي."

ربت مروان على كتف جود ليلتفت جود إلى إسلام الذي ينظر لهما بابتسامة ويفتح ذراعيه ليذهب إسلام ضاحكًا واحتضن صديق دربه متمتمًا: "حمد الله على سلامتك يا صحبي ويا أخويا ويا جوز أختي." جود بابتسامة: "تسلم يا إسلام والله تسلم." "يلا بقا نطلب الشاي بالبسكوت." جلسوا جميعًا بينما يبدو التردد على وجه مروان. لكنه حسم أمره أخيرًا وتحدث بخفوت: "جود.. انت عارف مين اللي عمل كده؟ جود بهدوء: "عارف يا مارو... وهمشي كل حاجة قانوني."

مروان: "طب.. طب هو مين اللي عمل كده؟ جود بابتسامة: "ناوي تقلبها غم يعني.. يا عم فوكك بس.. واحنا الحمد لله مع بعض وده الأهم." مروان بتنهيدة: "وربنا ما يحرمنا من بعض يارب." *** دلف لمنزله آخر اليوم مُنهك القوى. لتقابله ابتسامتها التي تهب له الحياة وتهون عليه مرارة الأيام. جود بابتسامة: "وحشتيني." مريم وهي تحتضنه بحب: "وانت كمان وحشتني أوي." وليد من خلفها: "وأنا عايز أقوله وحشتني برضو."

ضحك جود بخفة وهو يميل إليه ويرفعه للأعلى تحت ضحكات وليد المرحة. وقبله بخفة ليدلف بهدوء جالسًا إلى مقعد الصالة ووليد بجانبه يخبره عن كل شيء حدث بتمرين السباحة وما حدث بالحضانة كذلك. فهما صديقان لا أب وابنه. جود بتنهيدة وهو يحتضنه بحب: "ربنا يوفقك في كل حياتك يا حبيب أبوك." قبله وليد قبل أن يغادر سريعًا إلى غرفته يتمم واجباته. بينما جلست مريم بجانبه بابتسامة: "شكلك تعبان النهارده." جود وهو يقربها من أحضانه:

"بالعكس.. أنا النهارده ارتحت أوي الحمد لله." مريم وهي تمسد صدره: "ربنا يريح قلبك حبيبي." جود بابتسامة: "إيه ده انتي في حضني.. ابعدي شوية لوليد ييجي يقول بابا إيب (بابا عيب) رفعت مريم رأسها إليه وأغرورقت عينيها بالدموع ليومئ جود بعينيه مؤكدًا ما فهمته. ارتمت بأحضانه وقد خانتها دموعها وهي تتمتم: "ألف حمد الله على سلامتك... ألف الحمد لله على سلامتك يا كل دنيتي."

قبل رأسها بهدوء وشدد على احتضانها قبل أن يتنهد بصوت عالٍ يُخرج عبء عامين عن قلبه. حتى تحركت بهدوء لتحضر سفرة العشاء الصغيرة خاصتهم. *** توالت الأيام حتى أتى اليوم الذي دلف فيه جود لمكتبه وقد أتاه مروان وإسلام بعدما هاتفهما. مروان: "أنا مش فاهم انت ليه مخلينا بعيد عن القضية دي.. في إيه يا جود؟ جود بابتسامة: "كل الحكاية ببساطة إن القضية خلصت.. هنفتح فيها كلام ليه بس." مروان: "خلصت؟!! .. خلصت إزاي يعني؟

.. وخلصت على إيه؟ .. وليه مقلتليش يا جود.. هو إحنا مش أخوات؟ جود: "إيييي يا عم قطر ملوش سواق.. اهدي كده بس.. إحنا أكتر من أخوات وانت عارف.. كل ما في الموضوع إن الراجل اتوفى.. ووفاته كانت حادثة بشعة.. يعني أخد جزاءه.. وعشان كده محبتش أفتح الموضوع لأنه دلوقتي عند ربنا.. فخلاص ربنا يسامحه بقا." مروان: "لأ إله إلا الله.. وخلصت على إيه؟ جود بتنهيدة:

"القضية اتقفلت بعد ما أثبتوا إن الماس اللي حصل في المصنع كان بفعل فاعل.. وده اللي اعترف بيه واحد من رجالة الراجل ده.. أصلاً هو اللي جالي واعترفلي بكل حاجة هنا.. عشان كده أنا رحت المصنع اليوم إياه.. فاكر؟ مروان بإيماءة: "أيوه يوم ما افتكرت." جود بتأكيد:

"فعلاً.. هو بقا قالي على كل اللي حصل وإن الراجل ده كان رجل أعمال ليه شغل معايا وأنا كنت معطله عن مراده اللي الله أعلم كان إيه وتقريباً خسر وحب ينتقم.. فمكنش قدامه غير إنه يطعني في المصنع عشان عارف إن كل أحلامي واقفة عليه.. وبعدها لما خدوني رجاله من هناك واتعرضت للي اتعرضتله.. قالهم يخلصوا مني.. بس سبوني في الصحرا.. وده اعتبره تدبير ربنا عشان يلاقيني الحاج محمود.. أما الراجل بقا فـ اتوفى من أربع شهور في حادثة صعبة جدا وقعد فترة في عمليات وعناية ودخل غيبوبة لحد ما اتوفى.. الله يرحمه بقا.. بس ياعم."

مروان: "والقضية خلصت على إيه؟ جود: "ولا عايز أعرف.. أنا ليا صديق معرفة عادية يعني في القسم وعرف الحوار وكان بيتكلم في تعويض ومش تعويض وأنا قلت العوض عند ربنا وقلتلهم قولولي المطلوب مني أعمله عشان أقفل الصفحة دي خالص.. واتقفلت الحمد لله." مروان بتنهيدة: "الحمد لله.. ودلوقتي؟ جود بابتسامة:

"دلوقتي خد بعضك وروح جبلنا بسكوت عشان نفسي رايحة للبسكوت بالشاي.. عما أراجع مع إسلام شوية في الميزانية عشان نبدأ نخطط تاني لحلم المستقبل." مروان وهو يتحرك للخارج: "دا أنا ومريم كمان مبقيناش بناكل البسكوت بالشاي قدك." ضحك جود بهدوء ليغادر مروان. بينما نظر جود تجاه إسلام الذي ينظر له بشك. جود عاقداً حاجبيه: "إيه؟ .. بتبصلي كده ليه؟ إسلام: "مستنيك تحكيلي الحقيقة اللي مقولتهاش لمروان." جود بتنهيدة:

"مكنش ينفع أقوله يا إسلام.. هيشيل نفسه الذنب وهو ملوش ذنب." إسلام: "إيه اللي حصل؟ جود بتنهيدة طويلة: "فاكر عمر اللي كان خطف شهد؟ أماء إسلام ليتابع جود:

"أبوه.. عشان أنا اللي كنت بجري في إجراءات قضية الخطف وكده هو فكرني أنا اللي بيني وبين ابنه عداوة.. ولما اتحكم على ابنه بسبع سنين.. وهو مقدرش يعمله أي حاجة.. فحب ينتقم.. بعت ناس يراقبوني وقدر يعرف بموضوع المصنع.. فكلف ناس تعمل ماس كهربا بحيث إنه يبان حادث طبيعي ومجرد ماس كهربا ونشبت من بعده حريق بسبب السفنج اللي كان في المكان.. وبعدها خطفوني من هناك ووقع واحد من رجالتهم مغمي عليه بسبب حاجة وقعت على دماغه.. وقتها خرجوا متعلقاتي وبدلوها معاه.. ودي كانت الجثة اللي سلموهالكم على إنه أنا.. بعد ما قدر أبو عمر يزور التحاليل هو والدكتور اللي اتوفى ده.. قعدت تحت إيد رجالتهم فترة لحد ما بقتش شايف.. وآخر حاجة سمعتها منه "بقي انت ياحيلتها تحبس ابني أنا؟

.. انت فاكر نفسك مين؟ ".. بعدها سمعته بيقولهم "خلصوا عليه".. هنا بقا واستسلمت وفقدت الوعي ومفقتش غير في المستشفى." إسلام بتنهيدة: "والراجل مات فعلاً؟ جود بتأكيد: "مات فعلاً من أربع شهور في حادث سير.. وعرفت إنه كان حادث بشع جداً.. ربنا يرحمه." إسلام: "ودلوقتي؟ جود بتنهيدة: "ودلوقتي الموضوع هيموت.. بينا." إسلام بتأكيد: "مات ياصاحبي خلاص." جود:

"عايزين بقا نشوف موضوع الميزانية ده ونشوف إزاي هنقدر نوفر فلوس عشان نبني نادي رياضي للشباب." إسلام بابتسامة: "انت عارف الموضوع ده هياخد مننا كام سنة؟ جود بابتسامة: "ده مشروع مستقبل.. ياخد زي ما ياخد.. واصلاً ده للعيال.. فعلى مهلنا خالص." إسلام بابتسامة: "والله انت دماغك دي ملهاش حل." جود بغمزة: "أعجبك." ضحك كلاهما.. ضحكة صافية.. من القلب خرجت وإلى القلب وصلت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...