كان يرتدي تيشيرتَه السماوي فوق بنطاله الجينز أسود اللون مع حذائه الرياضي ويمشط شعره للأعلى كوالده تمامًا. ألقى نظرة سريعة على نفسه قبل أن يتحرك حاملًا هاتفه، وقد عزم على محاولة كسب مالك. خرج لتقابله مريم بابتسامة واسعة، وأخذت تربت على صدره بحنان وهي تتمتم: "ربنا يحميك ويحفظك يا حتة من قلبي." قبل يدها بهدوء وهو يتمتم: "ويقويكوا يا رب. خدوا بالكوا إحنا معتمدين عليكوا الليلة." ضحكت مريم بهدوء وهي تتمتم:
"حاضر حاضر ما تقلقش. كل حاجة هتبقى تمام." جود من خلفهم: "طبعًا هتبقى تمام طول ما إنتي إيدك فيها." وليد ببلاهة: "هي إيه دي؟ جود وهو يضربه بمؤخرة رأسه: "الصواني." وليد: "آه. يا راجل مش تقول كده. طب أنا هسبق أنا لحسن شكلك عايز تقول لماما حاجة." ضحك جود بينما تحرك وليد ليقترب جود من مريم ومرر أصابعه فوق وجنتها بهدوء متمتمًا: "ما تتعبيش نفسك كتير." مريم بابتسامة:
"ما تقلقش عليا حبيبي. إنت خلي بالك من نفسك. ربنا يحميكم يا رب." اقترب جود ليطبع قبلة على جبينها، لكن قاطعه صوت وليد: "دي كلها كلمة يا بابا. ده لو أنا كان زماني خلصت مقال مش كلمة." ضرب جود يديه معًا وهو يتمتم بغيظ: "يا ابني إنت حد مسلط أهلك عليا! وليد ببراءة مصطنعة: "ليه بس يا بابا ده أنا جاي عشان مصلحتك، لحسن نتأخر بس." ضحكت مريم وهي تدفع جود تجاه الباب ليخرج وهو يتمتم لها:
"أنا أعرف إن الواد بياخد طباع أبوه أو طباع أمه. إلا ابنك واخد طباع خاله الرخم." مريم بضحكة: "بصراحة كده يا جود الموضوع ده تخليص حق، عشان ما كناش بنهني أروى وإسلام على قعدة." ضحك جود وهو يتحرك للخارج ملقيًا لها قبلة في الهواء لتفعل مثله، ومن ثم غادر لتعود هي وتبدأ في تجهيزات ما سيحتاجونه للعشاء. صفقت بحماس وهي ترى والدها يخرج لأول مرة بحلة رسمية. إسلام بابتسامة: "طالع عبيط مش كده؟ أروى وأريج: "دي آخر شياكة."
ضحك إسلام وهو يفتح ذراعه لتذهب له الاثنتان. أروى وهي تدفع أريج من كتفها: "أنا الأول." أريج وهي تنظر لها بغيظ: "بتزوقيني يا ماما. طب أهو." قفزت إلى عنق والدها من الخلف وحاصرت خصره بقدميها ومالت برأسها إلى رأسه، ليضحك إسلام وهو يحاول إنزالها: "انزلي يا مجنونة البدلة هتكرمش. يا بت انزلي." أريج: "أنا اللي هاخد الحضن الأول. غير كده لا." إسلام وهو يغمز أروى: "خلاص إنتي الأول."
قفزت أريج ليأخذها إسلام محتضنًا إياها، ومن ثم قبل رأسها بهدوء وتركها لتنظر لأروى وهي ترفع رأسها للأعلى في انتصار. ولكن أروى لم تُعرها اهتمامًا واقتربت من إسلام ليحتضنها بقوة مستنشقًا خصلاتها وتمتم في أذنها: "إنتي الأولى في كل حاجة يا عمري كله." ابتسمت أروى برضا ليجفلهما صوت أريج: "إيه يا بابا. وراك ميعاد يا حبيبي. كفاية." إسلام بمكر: "اللي بيتحضن التاني بيبقى حضنه أكبر." أريج بغيظ: "وربنا ماااشي."
ضحك كلاهما ليتحرك إسلام متجهًا إلى النادي، بينما دلفت أريج تستذكر دروسها وأروى ارتدت ثيابها لتذهب إلى مريم لتبدأ معها في إعداد الأطعمة الخاصة بالعشاء. خرج من غرفته مرتديًا قميصه النبيتي المخطط بخطوط كحلية، والذي يُدخله ببنطاله الجينز الكحلي، وتأتي فرقة شعره من الجانب الأيسر. تعطر وأخذ هاتفه وخرج ينتظر والده الذي خرج بحلة رسمية كحلية، وشهد خلفه تنفض غبارًا وهميًا عن كتفيه. نظر له مروان نظرة سريعة وهو يتمتم: "جاهز؟
مالك: "آه." خرجت ملك وقبلت والدها متمتمة: "زي العسل زي عادتك. خلي بالك من نفسك يا رمضااان. أوعى حد يجيب واحدة كده ولا كده لتعاكسك ولا حاجة." شهد وهي تضربها على كتفها: "لمي نفسك." مروان بضحكة: "براحة ع البت." شهد: "مش سامعها يا مروان. قال واحدة قال." مروان بضحكة أكبر: "لا لو سمحتي هي قالت واحدة تيجي مع واحد وتعاكسني. ما قالتش واحدة وسكتت." شهد بغيظ: "بترفع ضغطي مثلًا يعني؟ مروان وهو يقبل وجنتها:
"ولا حد يقدر يا قمر. ده أنتي الأساس والباقي إيه يا ملك؟ ملك بضحكة: "زلط في كياس." شهد: "آه آه كلوا بعقلي حلاوة." مروان: "قلبك أبيض يا دودو." اقتربت ملك وطبع مروان قبلة على وجنتها. كل ذلك تحت نظرات مالك الذي لم يشارك في هذا المزاح، بل لم يطالبه أحدهم بالمشاركة، وما الفرق، هو لا يُطلب منه المشاركة في أي شيء على أي حال. أجفلته يد ملك التي التفت على عنقه من الخلف وهي تتمتم: "شيلني حبة زبيب." مالك:
"انزلي يا ملك بطلي جنان." ملك: "شيلني وهسكت." مالك بضيق: "القميص يا ملك اعقلي." استشعرت ملك نبرة الضيق في صوته فابتعدت في هدوء، ليلحق هو بوالده. وقد كانت شهد بغرفتها في هذا الوقت تستعد للذهاب إلى مريم، بينما بقيت ملك مكانها تتنهد بضيق. لماذا لا تتمازح هي ومالك؟
صديقاتها يخبرنها بأن إخوانهم الصبيان يتجادلون معهم طوال الوقت وأحيانًا يمرحون، ويتحدثون عن مغامراتهم مع إخوانهم كثيرًا. حتى والدتها يشاكسها أخوها معاذ حينما يعود من سفره ويأتي لزيارتهم. دائمًا ما تمتلئ جلستهما بالمشاكسات، معاذ يضربها وهي تعضه، معاذ يحملها عن الأرض ويركض بها وهي تجذب خصلاته. الكثير من الأشياء التي تفتقدها في مالك الصامت طوال الوقت، أو مفتعل المشاكل مع هذا وذاك منذ أن كان في الابتدائية.
تذكر حينما كانا في الصف السادس الابتدائي، أتت إليها إحدى الفتيات ركضًا وأخبرتها أن مالك يتعارك مع أحد الفتيان وقد جرحه، وحينما وصلت ملك للمكان عنفها لحضورها، وكان الشجار بسبب سؤال سأله مُدرِّس المادة لمالك ولم يستطع الإجابة فرفع ذاك الفتى يده وأجاب، فانقض عليه مالك ضربًا في وقت الاستراحة. كما أنها تذكر شجاراته الدائمة مع ابن عمه وليد.
تذكر ذاك اليوم الذي خرج من باب المنزل وبيده سكين وقام بشق قطع كبير في نعل حذاء وليد. وتذكر أيضًا أن وليد لم يتحدث بل طلب من ملك أن تُلقي بذاك الحذاء بعيدًا وسيخبر والديه أنه لا يعلم أين ذهبت فردة حذائه، وسيقتني آخر. ولم يخبر أحدًا بما فعله مالك.
العديد من المواقف تذكرها وقد حاولت مرارًا وتكرارًا أن تتقرب إليه أو تحاول معرفة سبب تلك الأفعال، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل. كما أن صمت وليد في كل مرة يتسبب مالك بضرر له فيها، لم يجدِ سوى العديد من المشاكل له من مالك الذي لا يكف عن محاولاته هذه. وتعلم جيدًا أيضًا أن تلك الهدية التي جلبها لأريج لم تكن سوى افتعال مشكلة جديدة مع وليد، لكن ما لا تفهمه حقًا هو لماذا تحدثت أريج مع مالك بلطافة في ذاك الوقت؟
لقد راقبت عينا وليد وعلمت أن الغيرة تنهش قلبه، لكن لماذا فعلت أريج ذلك؟ هي تعلم بحب وليد لأريج، لكن أريج جيدة في إخفاء مشاعرها وجيدة أيضًا في التحوير عن المواضيع ببراعة. تنهدت باستسلام للأمر الواقع، ولكنها لن تكف عن المحاولة. اجتمع الجميع في مكتب مروان بداخل النادي تاركين العمال بالخارج يزينون المكان ويرتبونه كما اتفقوا. مروان بابتسامة حينما دلف جود ومن خلفه وليد: "حمد الله على السلامة. إيه يا عم وليد الشياكة دي."
وليد بضحكة: "إيه ده أنا ما كنتش شيك قبل كده ولا إيه؟ ضحك الجميع وجلس جود إلى المقعد وبجانبه وليد بعدما صافح مروان وخاله إسلام كذلك، واقترب ليصافح مالك لكنه لاحظ وضعه ليديه في جيبه فـ اكتفى بإيماءة خفيفة دون أن يرد مالك عليها. مروان بهدوء موجهًا حديثه لجود: "بص يا عم. إنت تاخد إسلام وتطلعوا تجيبوا هدايا المدربين. ووليد هياخد مالك وسفيان ويجيبوا هدايا المتدربين والعمال. طبعًا إحنا اتفقنا عليهم. تمام؟
"أنا ههتم بالوضع هنا وأشوف اللازم. بس حاولوا تنجزوا عشان موضوع نقل الأكل هنا هياخد وقت معانا." وليد بحماس: "طب يدوب بقى. يلا يا خالو يلا يا لوكا. عايزين حاجة يا رجالة؟ مروان بضحكة: "سلامتك يا كبير." غادر وليد ومعه سفيان ومالك الذي يرغب وبشدة في لكم وليد الآن.
وصل الشباب حيث متجر بيع أدوات كرة القدم من ملابس وميداليات واستارزات وغيرها. وقد اهتم سفيان بكل شيء يخص كرة القدم، في حين اهتم وليد بما يخص السباحة. ومن المفترض أن يهتم مالك بشيء ما، لكنه يكتفي بوقوفه أمام السيارة واضعًا يديه بجيب بنطاله منتظرًا إياهم حينما يخرجون من المتاجر التي يصلون إليها، فهو لا يدري أي شيء عن الرياضة، وبعيد كل البعد عن ميولات الرياضة.
وقد فهم سفيان الأمر وقرر أن يساعد مالك قليلًا ويشجعه على الانضمام لإحدى الرياضات. لقد رآه عدة مرات وهو يلعب السلة منفردًا، وقد شعر وقتها بأنه يلعبها فقط ليخرج طاقة لا أكثر. فاعتزم على أن يجعله أحد لاعبي السلة المحترفين داخل هذا النادي. كان ينتقي النظارات الخاصة بالسباحة مع وليد، فتحدث بهدوء: "وليد. عايز أسألك عن حاجة." وليد باهتمام: "إيه هي؟ سفيان: "مالك. هو دايما منطوي وساكت كده؟ وليد:
"يا عم قول الحمد لله إنه ساكت." سفيان: "إشمعنا؟ وليد بتنهيدة: "مالك يا إما ساكت يا إما بيتخانق معايا على أي حاجة وكل حاجة." سفيان: "طب ليه؟ إنتوا المفروض ولاد عم يعني وقريبين من بعض." وليد بتنهيدة: "المفروض يا خالو. بس أهو النصيب بقى. مالك ما بيحبنيش ومعرفش إيه السبب." سفيان بتفكير: "أممم. طب إيه شكل خناقاتكوا مثلًا؟ وليد: "هي مش خناقة بمعنى الكلمة يعني هو زي مضايقة كده." سفيان: "برضه زي إيه؟ يعني احكيلي موقف مثلًا."
وليد بتذكر: "في مرة كنت بلعب كورة وبضربها في سور البيت عندنا، وبعدين دخلت الحمام وخرجت لقيتها مخرومة بسكينة. ومرة تانية قطعلي نعل الكوتشي من تحت. أممم دايما بيحاول يعاند مع مراد صاحبي وبيستغل إني ما برضاش أدافع عن مراد عشان طبعًا ابن عمي فبسكت لحد ما مراد ينسحب. قبل كده وإحنا صغيرين شوية ضرب ملك عشان ما تلعبش ولا تتكلم معايا. ومرة بهدل حمام السباحة زبالة وأنا بلبس في الأوضة عشان كان عارف إني طالع أتدرب."
ديما بيعترض على رأيي. تابع بسخرية دون أن ينتبه لحديثه: حتى أريج راح جاب لها هدية عشان ينرفزني. صمت حينما علم حقيقة ما تفوَّه به، وتمنى أن يضرب رأسه بالحائط لغبائه، لكن ما هوَّن الأمر قليلًا كون سفيان تحدث دون تعليق: مستحيل تكون غيرة مش كده؟! وليد عاقدًا حاجبيه: غيرة؟! .. غيرة من مين وعلى إيه؟ سفيان وهو يربت على كتفه: بعدين نتكلم في الموضوع ده.. يلا عشان نصلي الضهر جماعة في المسجد بقى.
وبالفعل غادر ثلاثتهم للصلاة، ومن ثم أنهوا ما ينقصهم وعادوا للنادي مجددًا. كان كل شيء جاهز تقريبًا والجميع مشغولون في الترتيبات.
بدأ الحفل البسيط بالفعل، كانت بوابة النادي مزينة بأضواء بسيطة تتدرج بين الأزرق والأخضر والأبيض، وتمتد فروع الأضواء على شكل ثنائي من سور لآخر، كما تتزين عوارض كرة القدم باستيكرز جميع النوادي والفرق بلا استثناء، والموائد تحتل منتصف ملعب كرة القدم، وتتراص بالتصاق بجانب بعضها فظهرت كأنها طاولة واحدة طويلة، مغطاة بمفرش أبيض، وتتراص أطباق الفل البيضاء فوقها بانتظام، وكان مظهر الطعام شهي للغاية، والذي يتنوع ما بين مكرونة
بالبشاميل، وطواجن بطاطس بالفراخ والأرز والسلطة والطحينة والخبز، وزجاجات المياه بجانبها أكواب تتراص في تتالٍ فوق المائدة، كان كل شيء بسيط للغاية ومبهج في ذات الوقت، فكان الحماس في الحديث والضحك يسيطر على الأجواء، وبمجرد انتهائهم من العشاء تم توزيع الكانزات وجلس الجميع في حلقة كبيرة وبدأوا يتحدثون وكأنهم أصدقاء ولا مكان للحرج أو الغرابة بينهم، من يراهم يظنهم عائلة، هم بالفعل عائلة، عائلة رياضية مترابطة هدفها تقوية
الجسم وتنشيط العقل وإظهار الموهبة.
تم تسليم الهدايا تحت امتنان الجميع والدعوات التي صاحبت جود ومروان وإسلام، وعادوا للجلوس والضحك من جديد.
شعر مالك بالاختناق بين كل هذا الحشد من الانسجام، وعدم قدرته على الانسجام مع الجميع كما يفعل وليد الذي يمتدح فيه مدرب السباحة كل فنية وأخرى، وذاك الذي يناديه بـ "ليدو" ويتضاحكان بالأيدي، وذاك الذي يطلب المساعدة منه في شيء ما، وذاك الأخير الذي يطلب منه أن يأخذا صورة معًا، وقبل الحفل مروان لم يكف عن أخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة، جود لا يكف أبدًا عن النظر له بفخر وحب، سفيان يرافقه ويضاحكه كلما اجتمعا، ذاك الـ مراد يبقى معه كظله.
ضحك بسخرية، لقد اتصل مراد بوليد فوق الخمس مرات اليوم، واتصالاته إما يسأله إن كان قد أدى صلاته في وقتها أو يذكره بالاستغفار لمئة مرة بين كل صلاة وأخرى.
وأريج كذلك، يعترف لنفسه أنه لا ينظر لها أكثر من كونها فتاة تقربه ولو من بعيد، لكن فكرة أنها تحب وليد دونه تجعله يكاد يجن، وفكرة أن وليد كذلك يحبها ولا يطيق ذرعًا أن يتعرض لها أحدًا أو أن يحادثها أحد، تجعل لذة التحدي تزداد بداخله لكسبها وكسر عين وقلب وليد بها، حينما يضع نفسه في مقارنة مع وليد لا يجد نفسه من الأساس، حتى إنهم يجعلون وليد هو قائد اللعبة حينما يجتمعون من أجل الأسئلة الدينية، هو من يسأل وهو من يضع النقاط وهو من يحدد الهدايا.
وفوق كل هذا والدته شهد، إنها تحمل من البسكوت الذي يأتي به مروان كلما ذهبت إلى بيت عمه جود من أجل وليد الذي ورث حب البسكوت عن أمه وعمه، هل هناك ما هو أكثر سخرية من هذا؟! هذا المكان يشعره بالضجر، الاختناق، الحقد على كل شيء. انسحب مالك بهدوء وشعوره بالوحدة والكره لوليد يزداد يومًا بعد يوم ويكاد يختنق.
وصل حيث ملعب السلة، قام بخلع قميصه ووضعه فوق إحدى المقاعد ونزل للملعب بحماس، وأخذ يركض بالكرة ضاربًا إياها أرضًا بقوة ومن ثم إمساكها ويرتفع عن الأرض فجأة ويضعها داخل السلة، كرر فعلته أكثر من مرة ليجفله صوت سفيان الذي تحدث بابتسامة: مش بطال. مالك عاقدًا حاجبيه وهو يلتقط أنفاسه السريعة ويزيل العرق عن جبينه: هو إيه ده؟
سفيان: لعبك في السلة مش بطال، بس من أخطاء اللعبة اللي بتُحتسب على اللاعب إنك ترمي الكورة في السلة بعنف. مالك بلامبالاة: أساسًا أنا بفرغ طاقة ما بلعبش، ومليش في اللعبة من أصلها. سفيان: غريبة! مالك: هي إيه دي اللي غريبة؟
سفيان: يعني.. لما تحب تفرغ طاقة بتفرغها في السلة.. يعني عندك القدم مثلًا ودي أفضل كمان عشان بتحسسك إنك بتضرب بقوتك وإنك متحكم ومسيطر.. عندك السباحة ودي بتخليك واثق إنك هتوصل قبل الوقت المحدد وتحقق رقم قياسي.. وتثبت لنفسك إنك قادر. في كتير رياضات.. اشمعنى السلة اللي حبيت تفرغ فيها الطاقة؟ لم يجد مالك ما يجيب به لأنه لا يمتلك الإجابة من الأساس.
فتابع سفيان: أقولك أنا.. ده اسمه ميول.. كل واحد فينا عنده ميول لحاجة معينة.. يعني مثلًا أنا ميولي للقدم.. بلاقي نفسي فيها.. هي أكتر حد بيستحملني.. وركز في "حد" دي.. أنا بتعامل مع الكورة على إنها شخص.. بتستحمل غضبي لما أروح أشوطها وأنا متعصب.. بتستحمل نرفزتي لما بكل غل أضربها عالية.. بتستحمل أخطائي لما أجي أشوطها عشان أسجل هدف وتيجي في العارضة.. عشان كده ميولي ليها جامد.. هي أكتر حاجة لقيت نفسي فيها.
أنا في الأول كنت زيك كده.. ما كنتش عارف بشجع كورة ليه.. وطبعًا في فرق بين إني أشجع وإني ألعب.. يعني أنا شجعتها.. ولاعب نرفزني خلاني نزلت الملعب وبدأت ألعب.. كان اللاعب ده سبب عشان يؤكد لي إن ميولي لعب مش مجرد تشجيع.. وأديني أهو. أنت بقى مش محتاج تلاقي ميولك لأنه جواك.. أنت تقريبًا ما بتفرغش طاقة غير في السلة.. فجرب تحس معاها بكل المشاعر.. الغضب.. العصبية.. الحب.. الهدوء.. جرب مش هتخسر حاجة.
مالك وقد شغله حديث سفيان حقًا، لكنه رفض إظهار ذلك فتمتم وهو يلقي بالكرة بعيدًا: الموضوع خد أكبر من حجمه.. ده مجرد وقت بضيعه. قفز سفيان لداخل الملعب وتحدث بتحدي: تتحداني؟ مالك: أتحداك في إيه؟ سفيان: خمس رميات حرة. مالك وهو يقلب عينيه: أنا تعبت خلاص.. مش عايز. سفيان: أنا ميولي قدم على فكرة مش سلة.. فما تخفش أنا في السلة مش قد كده برضو. مالك بضيق: ومين قال إني خايف.. أنا بقول تعبت.
سفيان: براحتك.. بس خليك فاكر أنت اللي رفضت التحدي. أخرج سفيان هاتفه وهاتف وليد. سفيان بهدوء: وليد.. عايزك في ملعب السلة.. محتاج أفرغ طاقة ومالك رفض التحدي.. تعالى أنت ونعمل تحدي. كان مالك قد استمع لما قاله سفيان وغلت الدماء في عروقه، فتحدث بتلقائية: أنا ما رفضتش التحدي.. أنا قلت تعبت.. فعادي ننزل تحدي وقت تاني. سفيان بنفس الهدوء: طيب خلاص طالما مشغول مع الناس خليك.. سلام. أنزل سفيان الهاتف ونظر
لمالك بهدوء ومن ثم تمتم: أممم.. طيب أنا هنا كل يوم.. وأنت؟ مالك: عادي باجي وقت ما بيجي لي مزاج. سفيان: خلاص.. وقت ما يجي لك مزاج كلمني ونبدأ التحدي.. بس ياريت خلال الأسبوع ده.. عشان بعد كده هكون في تدريب لأني عندي ماتش مهم. ضرب الكرة بهدوء عدة مرات في الأرض ومن ثم ألقاها لمالك الذي التقفها بسرعة، ليغادر سفيان تاركًا مالك ينظر للكرة ويعيد التفكير فيما قاله سفيان عن الميول منذ قليل.
هل كان يعني أنه إن تدرب قليلًا وخاض مباريات بها قد يصبح ذو اسم لامع في عالم السلة مثلما أصبح سفيان ذو اسم لامع في عالم كرة القدم؟ برقت عينا مالك ببريق التحدي، سيخوض لعبة السلة وسينتمي لهذا العالم، ولن يكون وليد وحده من يمتلك مهارات وميول.
لقد أصاب سفيان الهدف ببراعة، يعلم هذا جيدًا، وهذه ليست سوى البداية، هو من الأساس لم يهاتف وليد، بل فعل ذلك عمدًا ومثَّل مهاتفته لوليد كي يرى ردة فعل مالك، وقد كانت كما ظن، وتفكيره بمالك في محله، إنها الغيرة، وما أسوأها من صفة.
كانت تجلس فوق مقعد بالحديقة وتضع أمامها طاولة صغيرة وتخط داخل وريقات أجندتها الصغيرة عبارات تعشق تسطيرها، فهي لا تجد نفسها إلا بين الورقة والقلم، لا تشعر بنشوة كنشوة الكتابة والحث على الزيادة، تكتب ما بين قصائد لا تكتمل للنهاية، وخواطر تفتقد الحلول، وتسطر معاني المشاعر بين السطور باحترافية مصدرها مجهول، كأنها ولدت من رحم الكتابة، كأن القلم والورقة قد تم صنعهما خصيصًا من أجلها، تمتلك مكتبة بغرفتها بعرض نصف حائط تمتلئ بالكتب والأوراق والأجندات الملئية بكتابات من نسج حروفها، وها هي آخر كلمات قد سطرتها الآن قبل أن تستمع لصوت السيارات بالخارج تعلن عن وصول الرجال.
وضعت القلم فوق الأجندة ودلفت للداخل سريعًا كي ترتدي حجابها قبل دلوفهم وأخبرت الجميع بعودتهم. في حين دلف جود بعدما طرق عدة طرقات على الباب الخارجي ودلف، ليجد مريم قادمة من الداخل إليه، استقبلها بحب لتأتي من خلفها أروى وتستقبل إسلام وشهد التي استقبلت مروان، في حين ذهبت ملك تجاه مالك الذي فوجئ بها تحتضنه متمتمة بحماس: احكي لي كانت عاملة إزاي الحفلة؟ .. اتصورتوا؟! .. الأكل كان حلو؟
.. على فكرة أنا عملت خلطة الطحينة لوحدي محدش ساعدني فيها.. دوقتها؟ .. عملتها حرة عشان عارفاك بتحبها فيها حرارة.. يلا احكي لي. كان مالك يرمش بسرعة وهو يراها تتعلق بذراعه وتسأله عن التفاصيل بشغف، كهرباء سرت في عروقه عندما احتضنته، وعادت وهي تحتضن ذراعه هكذا، كأن هناك شيئًا بداخليهما ينجذب لبعضه بعضًا، أين كان هذا الشعور لعشرين عامًا؟ تحمحم مالك ودلف معها وهو يتمتم: هاحكي لك حاضر.
بقي وليد مع سفيان بالحديقة ينظران تجاه مالك الذي دلف مع ملك. سفيان بهدوء: كده البداية سليمة.. لازم نجمعه بنصه التاني عشان إحساسه بالنقص هو اللي عامل مشكلة. وليد بهدوء: مش فاهم دماغك يا خالو.. يعني كلمت ماما وخليتها تديك ملك تكلمها وقلت لها تقابل مالك بالحضن وتسأله بشغف عن أحوال اليوم.. طب ما هو كده ممكن يحس بالتغيير. سفيان: خليك أنت كده.. حلوف صحيح.
ضحك وليد ليدلف سفيان، فتحرك وليد ليدلف خلفه لكن جذب انتباهه تلك الأجندة فوق الطاولة، فأخذته خطواته إلى هناك، رفعها بين يديه، وأخذت عينيه تجول فوق السطور وبريق غريب يلتمع بعينيه وضربات قلبه ازدادت علوًا، كلمات بسيطة نسجت.. دمرت كيانه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!