تحميل رواية «قدر» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى صباح اليوم التالى أستيقظت كعادتها مع أذان الفجر. وككل يوم تستيقظ و بداخلها أمل جديد و طاقة جديدة. وأيضاً ذكريات مؤلمة جديدة. صلت الفجر و غادرت غرفتها متوجهه إلى المطبخ فخلفها عمل كثير و أيضاً لابد من تجهيز الإفطار فجدها يعود من صلاة الفجر فى المسجد لابد أن يجد طعام الإفطار على طاولة الطعام الكبيره. كانت تفكر هل ذلك البغيض سيكون موجود على الفطار. ام أنها ستنعم بوجبة واحدة على الأقل من دونه. بدأت فى إعداد الطعام و فى نفس الوقت ترتيب بعض الأغراض حتى يبدوا المطبخ مرتب بعض الشئ. خرجت سريعاً من الم...
رواية قدر الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي
فى صباح اليوم التالى أستيقظت كعادتها مع أذان الفجر.
وككل يوم تستيقظ و بداخلها أمل جديد و طاقة جديدة.
وأيضاً ذكريات مؤلمة جديدة.
صلت الفجر و غادرت غرفتها متوجهه إلى المطبخ فخلفها عمل كثير و أيضاً لابد من تجهيز الإفطار فجدها يعود من صلاة الفجر فى المسجد لابد أن يجد طعام الإفطار على طاولة الطعام الكبيره.
كانت تفكر هل ذلك البغيض سيكون موجود على الفطار.
ام أنها ستنعم بوجبة واحدة على الأقل من دونه.
بدأت فى إعداد الطعام و فى نفس الوقت ترتيب بعض الأغراض حتى يبدوا المطبخ مرتب بعض الشئ.
خرجت سريعاً من المطبخ حين سمعت صوت جدها يناديها.
وقفت أمامه تنظر إليه ببعض التوتر و الخوف خاصة مع نظرة أصلان المتفحصه لها بجرئه مع تلك الإبتسامه المنتصرة التى تبغضها بشده.
زاد أحساسها بالقهر و الذل حين قال جدها أمراً.
"جهزت الفطار؟"
أومئت بنعم ليقول و هو يتحرك فى إتجاه طاولة الطعام.
"خلصى إللى وراكى فى المطبخ و أبجى تعالى أفطرى بعد أحنا ما نخلص."
تحرك أصلان خلف جده بعد أن نظرا لها نظرة شامتة.
كادت دموعها أن تغادر عينيها لكنها تمسكت بهدؤها الذى يأذى قلبها و روحها العصيه التى ترفض الأستسلام لهذا الذل و الهوان.
عادت بصمت إلى المطبخ تقوم بما كتب عليها القيام به يومياً.
و على طاولة الطعام كان أصلان ينظر إلى جده بتركيز شديد.
"شوف يا أصلان أنا عند كلامى تانى يوم ما تكتب على جدر تانى يوم كل الأملاك هتكون بأسمك."
"طيب و عمتى؟" قالها أصلان باستفهام ليقول جده بغضب.
"و من ميتا الحريم بيورثوا."
أومىء أصلان بنعم مع إبتسامة إنتصار.
حقيقة ها هو يحصل على كل شىء.
يومان يستمتع بجمال إبنة عمه و جسدها الشاب التى تخفيه عن العيون و أيضاً ليزيد من كسر روحها و يدهس كبريائها أسفل قدميه.
أنتهوا من وجبة الإفطار.
صعد الحج رضوان إلى غرفته و توجه أصلان إلى المطبخ لن يمرر موقف يستطيع فيه كسرها هبائاً.
ظل واقف عند باب المطبخ يتابع حركتها الواضح بها الألم و الإرهاق ثم قال.
"أحنا خلصنا فطار تقدرى دلوقتى تروحى تاكلى."
توقفت يديها عما تفعله و ظلت واقفه لبعض الوقت دون أن تنظر إليه ثم ألتفتت و هى تقول بثبات.
"عمرى ما أكلت بواقى حد … و لا عمرى هعملها يا أبن عمى."
رفع حاجبه الأيسر و عيونه تطلق شرارات الغضب و قال.
"هو أنتِ فاكره نفسك ليكى قيمه فى البيت هنا."
ضحك بصوت عالى و هو يكمل كلماته الجارحه.
"أنتِ و لا حاجه مجرد خدامة … الست مكانها تحت رجلين الراجل و مخلوقة بس علشان تلبى كل رغباتة … و لو أنتِ عندك شك فى ده دلوقتى آخر الأسبوع هتتأكدى."
و غادر على وجهه إبتسامة إنتصار مصاحبة لنظرة أحتقار جعلتها تود أن تقتله أو تقتل نفسها.
أغمضت عينيها و هى تهمس بصوت منخفض.
"ليه سبتنى و مشيت ليه أتخليت عنى … أنا ذنبى أيه ذنبى أيه ؟"
مرت أيام و أيام و كل يوم يتفنن أصلان فى كسر قلب قدر و زيادة بغضها له و كأنه كان يدرس بالخارج فن الحقد و الكره و عاد ليطبق كل ما درسه عليها.
حضرت عمتها و زوجها للترحيب بأصلان.
فهم كانوا فى العاصمه حين وصل إلى البلده و عادوا اليوم فقط.
جلست سناء مع قدر فى المطبخ لتعرف أخبارها و تطمئن عليها فليس بيدها شىء آخر سوا أن تستمع لحديثها و أيضاً مواساتها ببعض الكلمات التى لا تفيد بشيء.
هى تعلم ذلك جيداً و لكن ما بيدها شيء آخر غير ذلك فهى أبنتها التى لم تنجبها.
قصت على عمتها كل ما حدث و من داخلها كانت شعرت بالخوف خاصة مع كلماته (( أخر الأسبوع تعرفى )) ماذا كان يقصد … ماذا سيحدث لى … و نقلت ذلك الإحساس لعمتها التى قالت بهدوء فى محاوله منها لطمئنتها.
"معتقدش يقصد حاجه وحشه و لو على كلامه السخيف."
ربتت على كتفها و أكملت.
"أيه الجديد يا قدر … من أمتى أى راجل فى العيلة دى بيشوف الستات بشكل تانى غير إللى أصلان قاله."
أومئت قدر بنعم و هى تقول ببعض السخريه.
"صحيح و هو من أمتى أحنا فى نظرهم بنحس و لينا كرامة و مشاعر … من أمتى شافوا أننا لينا حق فى أى حاجه … أو أصلاً لينا حق الحياة."
كانت سناء تستمع لكلماتها و هى لا تجد كلمات تواسيها بها فقد عانت هى الأخرى من ظلم والدها حتى رزقها الله برمزى يعوضها عن كل ذلك الظلم و يسقيها الحب و الأهتمام و رأت معه السعادة و الأمان و الأحترام.
و لكن قدر … كُتبت لأصلان الذى لا يختلف عن والدها شيئا بل هو أسوء منه بكثير.
أنه لا يظهر حتى لها هى عمته الأحترام.
ظلت قدر صامته .. كذلك عمتها فكل منهم يعلم أن لا كلام يواسى و لا بيدهم شيء لتغير ما يحدث.
مرت أيام و أيام تشعر أن هناك شيء غريب يحدث.
نظراته لها شامته مستفزه.
و أيضاً لم يتوقف عن معاملته لها كخادمة حتى ذلك الصباح حين طلبها جدها أن تذهب إليه فى غرفته.
وقفت أمامه تنظر إليه بخوف.
خوف من نظرات جدها التى تجرحها دائماً و أيضاً خوف مما يريد قوله لها.
و كانت الصدمه حين قال بأمر و كأن ما يقوله ليس لها الحق فى رفضه أو قبوله.
"بكره كتب كتابك على واد عمك جهزى نفسك."
كانت صدمتها لا توصف جعلتها تفقد النطق حرفياً.
ظلت تنظر إليه و الدموع تتجمع فى عيونها.
الان كلمات أصلان تتضح.
و عقلها يفهم ماذا كان يقصد من كلماتها.
و ما ينوى فعله معها و نيته الواضحه فى كسرها و للأبد.
و لكن هل بيدها شيء لتغير ذلك الواقع التى تعيشه أو الذى ستعيشه مع أصلان.
أبداً لن تغير شيء.
و الغريب فى الأمر أن جدها لم يجد أن لها الحق أن تعلم بأمر زواجها بوقت كافى بل يخبرها أن غداً هو موعد عرسها.
و كأنه يخبرها أن تعد له نوع معين من الغداء غداً.
غادرت الغرفة بصمت بعد أن أومئت بنعم دون أن تنطق بكلمه.
فمن ستناقش و من تجادل و من الذى ستقف أمامه تدافع عن حقها.
هى أسيرة هذا المكان إلى الأبد و أسيرة هذه الحياة حتى يأذن الله بتبدل حالها.
كانت تسير فى طريقها إلى غرفتها تفكر فى كل ما مرت به من يوم ولادتها فى هذا البيت و إلى تلك اللحظه التى تغتال فيها كل أحلامها.
لم تكن سارحة و كانت تعلم جيداً أنه لن يترك تلك الفرصه تمر دون أن يظهر كم هو يحتقرها و أنه سينال ما يريده.
و بالفعل و جدته يقف بجوار باب غرفته التى تسبق غرفتها يستند إلى الحائط و يلف قدم على الأخرى و يمسك بين يديه حقيبه كبيره تعلم جيداً ما بداخلها.
نظر إليها دون أن يرفع رأسه و قال.
"فستانك يا عروسه … أحدث موديل … رغم أنى عارف كويس أنه مش هيليق عليكى لكن بما إنك هتنولى شرف إنك تكونى مرات أصلان الزيني يبقا لازم تكونى على المستوى المطلوب."
ظلت تنظر إليه بصمت ليكمل هو بأبتسامة تملئها الشماتة.
"أحسن حاجه عملها جدى أنه خلاكى خرسا … علشان أنا بحب الجوارى الهادية."
و ألقى الحقيبة أرضاً أسفل قدميها و تحرك يغادر بهدوء شديد و هو يدندن إحدى الأغانى الأجنبية التى يظن أنها لا تفهمها لكنها فهمت معانيها جيداً.
ليزيد داخلها الإحساس بالأحتقار و الكره لشخصه الذى لا تجد فيه أى شيء جيد و لو بسيط.
********************
كان يقف فى وسط أرضه بهيبته التى لا يخطأها أحد.
بهيئته التى لا تتغير الجلباب و العبائة و تلك العصا الأبنوس التى لا تغادر يديه أبدا.
عقله الراجح و قلبه القوى الذى لا يخجل من إظهار حبه لزوجته كان يجعل الجميع يحترمه رغم رفضهم لأفكاره.
فجميع رجال تلك البلده يشبهون الحج رضوان و أصلان فى التفكير.
كان يتابع العمال فى الأرض و عقله سارح فى تلك المسكينه التى لم ترى يوماً فى حياتها سعادة أو فرحة أو حتى إحترام.
أنتبه لصوت خلفه ألتفت ينظر إلى صاحب الصوت ليجده أحد أصدقاء والده رحمه الله و من كبار عائلته.
وقف أمامه ينظر إليه بإحترام ليقول الرجل مباشرة دون حتى إلقاء السلام.
"مش ناوى تتجوز يا رمزى و نشوفلك حته عيل من صلبك."
قطب رمزى حاجبيه بضيق و قال بهدوء.
"ما أنا متجوز يا عمى …. و ربنا يباركلى فيها."
"جوازة الشوم و الندامة … لا و أنت مش شايف نفسك … مش عارف عندك كام سنة دلوقتى هتستنا أيه و لأمتى."
قال الرجل كلماته بصوت عالى مقاطع كلمات رمزى التى توحشت نظراته و ضرب الأرض بعصاته و قال.
"جوازي و مراتى و إن ربنا يرزقنى بالخلفه أو لأ أمر يخصني أنا بس محدش له دخل بيه."
ثم أقترب خطوتان من الرجل و أنحنى يهمس أمام وجهه و قال.
"هو العيل ده هيشيل أسمك أنت و لا أسمى أنا."
شعر الرجل ببعض التوتر و القلق و قال بصوت مرتعش.
"أسمك أنت."
"يبقا أنت بتتكلم بصفتك أيه ؟" قالها رمزى و هو يعود ليقف باعتدال و عاد يضرب الأرض بعصاته و قال.
"خليك فى حالك و بدل ما أنت شاغل نفسك بخلفتى روح شوف إبنك بيعمل أيه … و لمه من الكباريهات."
و تحرك خطوتان ليعود بنظره إلى العمال بالأرض و أعطى ظهره للرجل الذى رحل دون كلمة أخرى.
و بعد عدة ثوانِ نفخ رمزى الهواء الذى بصدره بقوه و هو ينظر إلى السماء و ردد.
{رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ}
********************
عاد إلى المنزل و على وجهه إبتسامته التى ترتسم من تلقاء نفسها حين يراها.
تجلس فى بهو المنزل تتابع لعب أطفال تلك الخادمة التى تعمل لديهم.
يعلم ما بداخلها و لا يقل ألم قلبه عن ألم قلبها.
لكنه يثق فى قضاء الله و يرضى به.
أقترب منها و هو يضرب الأرض بعصاته لتنظر إليه بابتسامتها التى تجعل قلبه يضرب بقوه و كأنه شاب صغير يقع فى الحب لأول مرة.
وقفت تستقبله ليقترب منها يقبل جبينها و هو يقول بصوت هامس.
"وحشتينى."
لتتلون وجنتيها بالأحمر القانى خجلا ليتوجه هو إلى السلم صاعداً إلى غرفته.
لتلحق به و هى تقول.
"أخبار الأرض أيه ؟"
"كلها خير و الحمد لله … و شكل هدية السنادى هتكون غالية اوووى."
قال ذلك بصوت يحمل الكثير من المرح لتربت هى على كتفه و قالت بصدق.
"ربنا ما يحرمنى منك يا رمزى … ربنا يقدرنى و أسعدك و أقدر أحقق لك إللى بتحلم بيه."
أنتهت كلماتها على باب غرفتهم ليمسك يدها يدخلها إلى الغرفة و أغلق الباب و نظر إليها بعتاب و قال.
"وجودك فى حياتى نعمة كبيرة من ربنا …. و لازم أشكره عليها ليل نهار …. أى حاجه تانية كله بأوانه و كله نصيب."
كانت تنظر إليه و الدموع تتجمع فى عيونها لينحنى يقبل عينيها بحب يمسح تلك الدمعات بشفاهه فى نفس اللحظة التى سقطت عبائته أرضاً.
لتبادله أياها عاد يقبل جبينها من جديد و تحرك ليبدل ملابسه.
أنحنت تحمل عبائته و علقتها فى مكانها.
ثم أخرجت له جلباب مريح و توجهت إليه.
كان هو قد خلع حذائه و جلبابه و دلف إلى الحمام و حين خرج وجدها تقف أمامه و بين يديها الجلباب أخذه منها لتقول و هى تغادر الغرفة.
"عشر دقايق و الأكل يكون جاهز."
و أغلقت الباب خلفها ليعود يردد من جديد و هو يضع يديه فوق خافقه.
{رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ}
رواية قدر الفصل الثالث 3 - بقلم سارة مجدي
رواية قدر الفصل الرابع 4 - بقلم سارة مجدي
مر شهر، كانت سناء لا تفارقها، حتى رمزى كان بجانبهم يساعدهم بكل ما يستطيع. كانوا كل ليلة يجلسون يتباحثون ماذا ستفعل، وكيف ستبدأ في تحقيق ما تريد، وخلق الفرصة التي تجعلها على بداية الطريق. ولكن هل للقدر رأي آخر؟
استيقظ من نومه كعادته قبل أذان الفجر. اعتدل جالسًا وهو يردد بعض الأذكار، ثم نظر إلى سناء التي تغط في نوم عميق. ابتسم بحنان وهو يتذكر كلمات الرجل التي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.
أخذ نفسًا عميقًا واستغفر الله بصوت مسموع، وعقله يعيد عليه سنوات زواجه ورحلتهم الطويلة لدى الأطباء، وكلمات الطبيب التي ألمت قلبه وقلبها. لكنه أبدًا لن يتخلى ويفقد الأمل.
"حضرتك عندك بعض المشاكل وبشويه علاج المواضيع ممكن تتحل إن شاء الله... بس أنا مش عايز أقول إن الأمل كبير، إحنا هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا."
كلمات تذبح رجولته، تجعله يعود من جديد لإحساسه السابق بكم هي بعيدة وغالية، وأنه لا يليق بها.
طوال الطريق إلى البيت كان الصمت ثالثهما، ولكن كل منهم بداخله شيء مختلف. هي تشعر بالخوف والحزن على ألمه، وهو يفكر كيف سيتحمل فراقها.
حين وصلوا إلى البيت، لم تترك له الفرصة ليتحدث، بل ركعت على ركبتيها وهي تقول بدموعها:
"أقسم بالله راضية، ومش عايزة من الدنيا دي كلها غيرك. ولو في يوم قررت تسيبني يبقى تذبحني وتدفني أرحم ما تبعدني عنك. أموت بالبطيء."
ليجلس أمامها وهو يضمها بحنان، ودموع عينيه تتجمع وتحارب صلابته حتى تغرق وجنتيه، وهو يقول:
"أنتِ تاج راسي وست قلبي وست بيتي، ولو مكنتيش أنتِ يا سناء مش هيكون في غيرك في يوم. وقبل ما أذيكِ في يوم هكون ميت."
تبكي بصوت عالٍ وهي بين ذراعيه الحانية. انحدرت تلك الدمعة الأبية فوق وجنته وسالت حتى اختفت بين غابات ذقنه التي تزيد من وقاره وهيبته.
أغمض عينيه من ألم تلك الذكرى على ذكرى أخرى، حين ذهب إلى الطبيب بعد مرور سنة كاملة من العلاج ليبلغه أنه أصبح سليمًا تمامًا ويستطيع الإنجاب. ولكن، ولـ هذه اللحظة، لم يحدث، ولا يعرفون السبب.
استغفر الله بصوت مسموع، وكاد أن يغادر السرير ليصلي ركعتان لله قبل أذان الفجر، ليوقفه صوت سناء وهي تقول:
"ممكن تصلي الفجر هنا في البيت؟"
نظر إليها باندهاش، لتقول هي برجاء:
"وحشني إني أصلي الفجر وراك يا رمزي."
ليبتسم ابتسامة حانية وهو يقول:
"طيب يلا قومي اتوضي علشان نصلي ركعتين لله قبل الفجر."
لتنهض سريعًا وعلى وجهها ابتسامة صافية، خاصة وهي تقول:
"ثواني وأكون بين إيديك."
حين أغلقت باب الحمام، نظر إلى الأعلى وهو يردد بعد أن وضع يديه فوق خافقه:
{رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء}
انتهوا من أداء الصلاة. كانت هي تنظر إليه بابتسامة فخر وسعادة. ليبتسم ابتسامته المعهودة وقال:
"باين كده الحلو عاجب؟"
"أوي." أجابته سريعًا بابتسامة مشاغبة.
صمت لثوانٍ ثم قال:
"بكرة رايح أنا وقدر علشان نشوف الأرض."
"أنت مقتنع باللي هتعملوا معاها؟" سألته وعيونها ثابتة على عينيه.
لينظر إليها بثقة:
"دي أقل حاجة أعملها ليها، وبعدين هي مش بتعمل حاجة غلط، بالعكس بقى."
أخذت نفسًا عميقًا واقتربت منه أكثر وهي تقول:
"أنا عارفة أنها مش بتعمل حاجة غلط، بس أنا خايفة عليها. الناس هنا تفكيرهم زي أبويا الله يرحمه."
ربت على يديها المستريحة فوق فخذيه وقال:
"متقلقيش، أنا في ضهرها ومش هسمح لحد يمسها بكلمة."
أراحت رأسها فوق كتفه وقالت بحب:
"ربنا يبارك ليا في عمرك ويقدرني أسعدك."
ليبتسم بحزن وبداخله يردد نفس الدعاء دون انقطاع:
{رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء}
في الصباح، كانت تقف أمام قطعة أرض واسعة تصلح لذلك المشروع الذي سوف تبدأ به طريقها. وكان زوج عمتها يتشاور مع صاحب الأرض في ثمنها، حين سمع صوت شيء ارتطم بالأرض. لينظر خلفه ليجدها قدر. حملها سريعًا وعاد إلى البيت بعد أن طلب الطبيب. تجلس في سريرها تبكي بصمت بعد أن طلبت من عمتها وزوجها تركها بمفردها. لقد صفعها أصلان القلم الأخير قبل أن تستطيع الوقوف على قدميها. ترك لها أثرًا لا يمحى وجعلها تتذكر ذلك الأسبوع التي كانت فيه زوجة له بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولكنها لن تستسلم، لن تسقط، لن يعرف، وستحقق ما تريد.
في صباح اليوم التالي، غادرت غرفتها بكل إصرار وعزيمة ونزلت إلى الأسفل لتجد عمتها تجلس بجانب زوجها الذي يتغزل بها رغم كل تلك السنوات التي مرت على زواجهم. ورغم عدم إنجابهم للأطفال، حبه لها لم يقل، ولم يخجل يومًا من إظهار حبه واحترامه لها أمام الجميع.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تدعو لهم في قلبها، رغم ألمها أنها لم يكن لها نصيب في زوج كرمزي، رجل حقيقي كما تحمل الكلمة من معنى. أصدرت صوتًا بسيطًا حتى ينتبهوا لأقترابها منهم.
جلست بجانب عمتها التي فتحت لها ذراعيها بحنان كبير. قال رمزي بهدوء:
"أخبارك إيه يا قدر؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
"الحمد لله... هكون كويسة يا عمي."
ليبتسم لتلك الكلمة التي تقولها له، ومن داخله يشعر أنها تريد أن تقول له أبي. أومأ مع ابتسامة صغيرة حين قالت سناء:
"قدر... مش هتقولي لأصلان؟"
"لأ." قالتها قدر قاطعة وبصوت حاد.
أخذت عدة أنفاس متلاحقة ثم أكملت:
"أنا مبقاش في حياتي حد اسمه أصلان."
ثم نظرت إلى رمزي وقالت:
"خلصت يا عمي مع صاحب الأرض؟"
أومأ بنعم وقال مؤكدًا:
"هو مستني نحدد معاد توقيع العقود ومشوار الشهر العقاري."
غادرت مقعدها واقتربت منه قائلة:
"عمي أنت عارف إن أنا مفيش حاجة أملكها غير شوية دهب من بتوع أمي، وكنت مخبياهم من جدي وأصلان، ودول اللي هقدر أشارك بيهم معاك، والباقي مجهودي."
قطب رمزي حاجبيه ببعض الضيق وقال:
"إيه اللي بتقوليه ده يا قدر؟ المشروع كله بتاعك وأنا بس."
"لأ يا عمي... إحنا شركا... في الأساس أنا مش هعرف أعمل أي حاجة من غيرك، وأنت عارف كويس اللي هواجهه من أهل البلد." قالتها بإقرار.
ليومئ بنعم بتفهم. لتقترب سناء وهي تقول:
"أنا خايفة من أصلان، وكمان يا بنتي خايفة عليكي جدًا."
نظرت إليها قدر بابتسامة واثقة وقالت:
"لا يا عمتي متخافيش... أصلان مبقاش يخوفني ولا لازم يخوفك، ومش هسمح أنه يعرف حاجة دلوقتي. هو برا حياتنا تمامًا."
ثم نظرت إلى الأمام وقالت بثبات وقوة:
"أنا اسمي قدر وكل إنسان له من اسمه نصيب. ربنا مخلقنيش صفر على الشمال ولا عشان أعيش في ظل راجل، ولا خلقني عشان أتذل وأتهان. أنا هرسم قدري بإيدي، هبني نفسي وحياتي، مش هستنى حد ومش هكون تابع لحد. أصلان قرر يقتلني بالحي، بس أنا هعيش وهكون قوية وهحقق حلمي وهخلق قدري وهبقى الدليل اللي هتتمشي عليه كل بنت في البلد."
كانت سناء تنظر إليها بفخر وسعادة، وكذلك رمزي الذي لم يكن يومًا من هؤلاء الرجال اللي لا ترى النساء سوا خادمات. اقتربت منها سناء وضمتها بحنان وهي تقول:
"وأنا جنبك ومعاكي."
"وأنا كمان يا قدر... أنتِ مش لوحدك وهفضل في ضهرك لحد ما تحققي كل اللي أنتِ بتتمنيه."
لتبتسم قدر بسعادة وهي تحاوط بطنها بحركة حماية، تعد صغيرتها أن تصنع لها مستقبلًا لا يشبه ماضي وحاضر والدتها، فهي بداخلها تشعر أنها تحمل بأحشائها فتاة، ستحقق لها كل ما تتمنى. وكان يرتسم على وجهها ابتسامة صغيرة وبداخل عينيها إصرار وقوة كبيرة.
في صباح اليوم التالي، خرجت قدر برفقة زوج عمتها إلى صاحب الأرض التي ستقيم عليها مشروعها الأول، الذي سيجعل كل الفتيات قادرات على أن يكون لهن دخل خاص بهن، وتجعل لكل منهم شخصية ومكانة وصوت مسموع. هو بداية طريقها لخلق حياة جديدة لهن كما ستخلق لنفسها حياة جديدة. ومن بعده تستطيع أن تغير فكرة كل الرجال عن النساء، وأن النساء لم يُخلقوا هباءً أو لخدمة الرجال والإنجاب فقط. هي الزوجة التي تبني يد بيد مع زوجها، وهي الأم التي تربي وتخرج أبناء صالحين قادرين على تغيير العالم، وهي الأخت التي تصبح أم بعد الأم، وهي الابنة التي تكون سببًا في دخول والدها الجنة. قدرها الله فكيف يهينها البشر؟ ستكشف لهم أن كل رجل يظهر قوته على سيدة فهو ليس برجل، هو إنسان يشعر بالنقص ويغطي هذا النقص بإظهار قوته على من هم أضعف منه، كما كان يفعل أصلان معها. كان فاشلًا في دراسته، وحين وجدها متفوقة عليه كان الحل الأسلم له أن يقهرها ويمنعها عن حقها في إكمال دراستها. وحين وجد أن لها شخصية لا تخضع لا تنكسر، تعامل معها على أنها خادمة مكانها أسفل قدميه. وعندما لم يجد نظرة الانكسار في عينيها بل رأى التصميم على الحفاظ على كرامتها، قرر ذبحها والسير فوق جسدها وطبع أثر حذائه فوق دمائها وجسدها حين تعامل معها على أنها جسد رخيص لا قيمة له. لكنها لم ولن تنكسر، بل كل ما قام به جعلها أقوى وقادرة على الوقوف على قدميها ورسم قدرها بيدها. ولن تستسلم وستحقق ما تريد. أن ترى أصلان يركع أمامها أسفًا وترى في عينيه الانكسار والخزي والذل، يرجوها السماح، ولن تسامح.
كانت تجلس بجانب زوج عمتها صامتة تمامًا حتى قال الرجل:
"وأنت يا حج رمزي موافق على اللي بنت أخو مراتك عايزاه ده؟ من أمتى والحريم بيكون لهم رأي أو بنسمع كلامهم في حاجة؟ وكمان ماشي وراها، أجمد مش راجل أنت ولا إيه؟"
ليضرب رمزي قدمه بقوة وهو يقول:
"ألزم أدبك يا عوضين واحفظ لسانك. قدر بنت بـ 100 راجل، وأنا معاها خطوة بخطوة. وأنت شايف من وقت ما اتكلمت معاك هي ساكتة ومتكلمتش. كلمة تانية زيادة منك رد فعلي مش هيعجبك."
ليصمت عوضين لثوانٍ ثم قال:
"أنا موافق على البيع بس ليك مش ليا."
لتقف قدر وهي تقول:
"طبعًا باسم عمي رمزي هو صاحب المال."
لينظر إليها رمزي بلوم ثم قال:
"أخلص يا عوضين، خلينا نخلص من الموضوع ده."
وبالفعل ذهب معهم للمحامي الذي اتفق معه رمزي على الأمر، ومنه إلى الشهر العقاري للتسجيل. وها هم يقفوا فوق الأرض.
كانت قدر تنظر في كل أرجاء الأرض وهي تتخيلها مبنى كبير به الكثير من الآلات والفتيات التي تعمل عليها، وأناس يقفون عند الباب يريدون منتجاتهم. نظرت إلى عمها وقالت:
"هنبدأ أمتى؟"
"من دلوقتي."
وأشار لشيء خلفها لتنظر لما يشير لتجد العمال والمعدات اللازمة لبناء الورشة. ابتسمت بسعادة ونظرت إليه من جديد بامتنان وشكر. ليقترب منها وهو يقول:
"عايزك تطمنيني يا قدر، أنا في ضهرك ومعاكي، وهتحققي كل اللي بتتمنيه وبتحلمي بيه."
عادت إلى البيت سعيدة. لقد رأت بعينها أول خطوات حلمها يتحقق. لتصعد إلى غرفتها، ولأول مرة تأخذ هذا القرار. سوف تكتب كل شيء، سوف تسجل كل ما حدث معها سابقًا، وما سيحدث معها وتتركه لابنتها، حتى تتعلم مما حدث لوالدتها.
أخرجت تلك المفكرة التي اشترتها يومًا من دون علم جدها وأصلان، وبدأت تكتب بها كل شيء وبالتفاصيل التي لم تنساها يومًا.
***
وفي مكان بعيد، وبالتحديد داخل شقة فخمة في أرقى أحياء العاصمة، كان أصلان يجلس على الأريكة الكبيرة ممدًا قدميه أمامه باسترخاء، وبين يديه كوب به ذلك المشروب المسكر، يتمايل بهدوء مع نغمات الأغنية الشعبية الشهيرة مترافقة مع حركات تلك الفتاة التي ترتدي ملابس تكشف أكثر مما تستر، ووجهها المليء بمساحيق التجميل. وحين انتهت الأغنية جلست فوق ساقيه بدلال وهي تحرك الهواء بيديها أمام وجهها. ليقرب الكوب من فمها لتشرب القليل، ثم قالت:
"عجبك رقصي يا بيبى؟"
ليهمهم بنشوة ثم قال:
"جدًا يا بيبى... جدًا... معقول ما يعجبنيش؟ ده أنا حاسس إني هارون الرشيد."
لتقترب منه بدلال وتقبله بجرأة ودلال وهي تقول:
"أحلى هارون الرشيد. تعرف يا بيبى إن أنا من أول ما شفتك عند بابي في الشركة وأنا وقعت في غرامك."
ليضحك بصوت عالٍ وهو يقول مؤكدًا لكلماتها:
"أنا متأكد من ده لأني ليا سحر لا يقاوم."
ثم وقف على قدميه وهو يحملها بين ذراعيه، لتريح هي رأسها المثقل من المشروب المسكر وتوجه بها إلى غرفة نومه. وضعها على السرير برفق وأمسك بقدمها يخلع عنها حذائها. واقترب منها سريعًا، وغرقا معًا في ملذاتهما المحرمة.
***
مرت ثلاثة أشهر كانت من أصعب الأيام على قدر، من آلام الحمل المعروفة في تلك الفترة من الحمل. وبين محاولاتها المستميتة هي وزوج عمتها في إقناع رجال البلد بما يقومون به. ولكن إصرارها، وثباتها، وهي في تلك الظروف جعل الكثير يساعدها. وها هي اليوم تفتتح أول مشروعاتها.
مشغل الخياطة الخاص بها، والذي أصر رمزي على أن يكون اسمه: "لكل منا قدر". يحمل بداخله الكثير من الماكينات، وسبع فتيات وخمس شباب، غير الحارس. والإدارة مقتسمة بين قدر ورمزي.
سعى رمزي بكل ما لديه أن يجعل المحافظ هو من يحضر ذلك الافتتاح، رغم أن ذلك صعب جدًا، لكنه كان يعلم جيدًا بخطة قدر وما تسعى إليه. أنها تريد أن تحقق لابنتها ولجميع الفتيات في القرية ما لم تستطع تحقيقه لنفسها، من الحصول على جميع مراحل التعليم، وأيضًا الرعاية والاهتمام والحصول على كافة حقوقهم التي هدرت على يد جدها كبير البلدة منذ زمن طويل.
كانت تقف داخل المشغل تشعر بالسعادة والفخر. ها هي أول خطوات حلمها يتحقق. ها هو بداية الطريق التي رسمته في عقلها لسنوات، يمهد أمامها حقيقة أنه ينبئ بالكثير من التعب والألم، إلا أن الوصول إلى ما نتمنى يجعلنا ننسى كل هذا الألم.
دلف رمزي من باب المشغل، ليبتسم بعطف أبوي وهو يقول:
"مبروك يا بنتي."
نظرت إليه بابتسامة واسعة وهي تقول:
"الله يبارك فيك يا عمي. الفضل كله لحضرتك. من غير وقفتك جنبي أنا مكنتش هقدر أعمل كل ده."
"ده تعبك ومجهودك وأفكارك. أنتِ الأساس يا بنتي."
تلك الكلمة من جديد، التي تجعل قلبها يزهر سعادة وفرح. لتقترب منه وانحنت تقبل يديه باحترام وحب وقالت بصدق:
"أنا فعلاً لو أبويا كان عايش مكنش هيحبني ويقف جنبي بالشكل ده، يا بابا."
تتسع ابتسامة رمزي وهو ينظر إليها بعدم تصديق ويردد الكلمة خلفها عدة مرات. لتقول هي بمرح:
"يلا بقى يا بابا خلينا نروح البيت نجهز، ده المحافظ بذاته جاي."
ليتحرك معها والإبتسامة مازالت ترتسم على وجهه. ولم تكن سناء أقل منهم سعادة. أن زوجها يحقق نجاحًا كبيرًا مع ابنة أخيها، وأيضًا ترى تقاربًا كبيرًا بينهم. وهي تعيش مع قدر، رغم أنها تخطت العشرين عامًا، إلا أن إحساس الأمومة تجاهها وكأنها طفلة صغيرة في عامها الأول يغلب على قلبها المتعلق بها والذي حرم من ذلك الإحساس تجاه طفل من رحمها.
اجتمع الثلاثة على طاولة الطعام وكان الحديث الدائر بينهم عن سعادتهم بأول خطوات النجاح.
صعد كل منهم إلى غرفته حتى يستعدوا لاستقبال المحافظ. وكان رمزي قد أعد كل أركان الاحتفال بافتتاح المشغل بكل الأشياء المناسبة من فرقة شعبية مميزة وأيضًا بعض الأطفال الذي اشترى لهم ملابس موحدة يقفون على جانبي المشغل والبالونات الكبيرة المزينة باسم قدر، والأضواء المنتشرة في كل مكان، وسعادة الفتيات الذين أصبحوا من عاملات المشغل. كل شيء كما تريده قدر وأكثر.
***
وقفت أمام مرآتها تنظر إلى نفسها بفخر وسعادة. أول خطوات نجاحها. نظرت إلى هيئتها النهائية بفستانها الذهبي وحجابها البسيط وزينة وجهها التي لا تذكر. وأخذت نفسًا عميقًا وهي تدعو الله أن يوفقها فيما هو قادم.
رواية قدر الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي
واقفه بجانب زوج عمتها في استقبال المحافظ الذي أشاد بكل ما يراه.
أصدر المحافظ قرارًا بمساعدة قدر في كل ما تريد فعله في البلد. ذلك جعل الكثير من الرجال يتحمسون ليجعلوا بناتهم ينضمون للعمل مع قدر.
أعلنت قدر أنها ستقوم بتوسيع المشغل وعمل مشروعات أخرى. طالبت من المحافظ ببناء مدرسة للفتيات بها الثلاث مراحل حتى لا يجعل أمام الآباء أي اعتراض أو سبب لعدم إرسال بناتهم للمدرسة.
ابتعدت عن الجميع ووقفت في مكان هادئ نسبيًا، تتابع ما يحدث بعيون ضاحكة رغم تلك الدموع التي تملأها.
أخذتها أفكارها لأصلان وماذا سيكون موقفه إذا رأى ما وصلت إليه وما استطاعت أن تحققه من نجاح.
عند هذه النقطة، أخذت نفسًا عميقًا وعادت تقف بجانب المحافظ وقالت بهدوء:
"عايزة أستأذن حضرتك في زيارة علشان آخد موافقة على بناء المدرسة بعد ما أقوم بتوفير كل الشروط."
نظر إليها المحافظ بابتسامة عملية مشجعة وقال بصدق:
"بابي مفتوح ليكي في أي وقت."
ابتسمت بسعادة وها هي تخطو خطوة جديدة في طريق ما تريد.
وضعت يديها فوق بطنها المسطحة وقالت هامسة:
"خطوة كمان علشان خاطرك... بكرة هخليكي فخورة بيا وخلّيكي تحققي كل اللي مقدرتش عليه."
***
كان يقف أمام النافذة الكبيرة ينظر إلى الفراغ أمامه، لا يعلم لماذا وبعد تلك المدة يفكر فيه.
لا تريد أن تفارق مخيلته.
بالأمس وهو بين أحضان صافي التي لا تبخل عليه بأي شيء يريده، جسدها ومالها ومركز والدها. لكنه كان يتذكرها هي. على الرغم من أن ذكرياته معها لا تختلف كثيرًا عن كونه يغتصبها.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بقوة في محاولة بائسة أن يهدئ من نار قلبه وجسده اللذان اشتاقا لها وبقوة.
شعر بها تحاوط خصره من الخلف وهمست باسمه. لم يجيب، لكنها قالت بدلال:
"بابا مستنيك بكرة علشان تمضوا عقود الشراكة."
التفت لها دون أن يبتعد عن حصار ذراعيها وقال بسعادة:
"بجد يا بيبى؟"
ابتسمت بدلال وقالت وهي تريح رأسها على صدره العاري:
"بجد طبعاً... هو كمان متحمس جداً للشراكة دي لأنه بيحبك... بيحبك أوووى."
تحولت نظراته لسعادة كبيرة يملأها الغرور والكبر وهو يتذكر قدر. يلوم نفسه كيف يترك تلك الفتاة رائعة الجمال، صاحبة الحسب والنسب والمركز والجاه، من يجد بين ذراعيها كل ما يتمنى وأكثر. ويفكر في تلك الضعيفة التي، ورغم كونها ابنة عمه، إلا أنها لا تليق به ولا تليق لأكثر من أن تكون في حياته خادمة.
حمل صافي وعاد بها إلى الفراش، يبثها حبه ودلاله على ذلك الخبر الذي أسعده وبشدة. خطوته الكبرى في تحقيق أحلامه.
***
مرت الأيام والشهور، وكانت قدر تشعر بسعادة كبيرة وهي تحقق أحلامها. وترى عدد الفتيات داخل الورشة يزداد والورشة تتسع وتكبر. وأصبح لها ثلاث فروع في ثلاث أماكن مختلفة في البلد.
كانت تجلس خلف المكتب تباشر العمل حين دلف رمزي من الباب وهو يقول بسعادة:
"الموافقة على بُنا المدرسة صدر يا قدر."
وقفت تنظر إليه باندهاش وصدمة، لكن يرتسم على محياها سعادة كبيرة. ليقترب منها أكثر وهو يقول بفخر:
"حلمك بيتحقق يا قدر... قدرتي تكسري القيود والعادات القديمة."
كانت تستمع إليه وهي تتذكر الشهور الماضية وما حدث فيها.
بعد افتتاح الورشة بعدة أيام، وقف أحد رجال البلد والذي يقارب جدها عمرًا يقول بصوت عالٍ:
"خلاص البنات قلعت برقع الحيا ونزلت تشتغل... خلاص الرجالة هتلبس طرح وتقعد في البيت زي الحريم وبناتهم تصرف عليهم."
خرجت قدر تقف أمامه تنظر إليه باندهاش. وخلفها وقفت الفتيات التي تعمل بالورشة والشباب أيضًا وأهل البلد الذين استمعوا لصوت ذلك الرجل. ليكمل الرجل كلماته:
"الله يرحمه جدك... كان حاكمك... ومش عارف إزاي ابن عمك سايبك كده تعملي اللي على هواكي."
لتتحرك قدر خطوتين لتقف أمامه مباشرة وقالت بثقة:
"البنات مش عار... ولا قلعنا برقع الحيا... إحنا بنشتغل في مكان محترم له باب وكل اللي رايح واللي جاي شايف اللي بيحصل جوه ده غير شبابيكه الكبيرة. والرجالة ملبستش طرح، لا هما فهموا أن بناتهم نعمة كبيرة من ربنا مش عالة عليهم. هي زيها زيهم من حقها تتعلم وتشتغل. البنت هي نص المجتمع يا عمي وهي اللي بتجيب للدنيا النص التاني وهي كمان اللي بتربيه."
كان الجميع يستمع إليها وبداخلهم مشاعر مختلطة. النساء والفتيات يشعرون بفخر أن هناك واحدة منهم تسعى أن تكسر كل تلك القيود التي تلتف حول عنقهم. والرجال يفكرون في كلماتها التي ضربت أماكن الفهم في عقولهم. ومنذ ذلك اليوم بدأت الفتيات في التقدم للعمل معها.
عادت من أفكارها وهي تقول بسعادة:
"الحمد لله يا بابا... أنا فرحانة جداً جداً."
ثم اقتربت منه وقالت بأمتنان:
"لولا وقفتك معايا أنا مكنتش وصلت لكل ده."
ليرفع يديه يسكت سيل كلماتها وقال بإقرار:
"طول عمري شايف الظلم اللي طايل كل بنت وست في البلد هنا. وكل اللي قدرت أعمله أني أنقذ عمتك من كل الألم ده وأحميها وأكرمها."
ثم رفع يديه من جديد يشير إليها وأكمل قائلاً:
"إنتِ كنتِ مفتاح السر وكنتِ المفتاح اللي فتحنا بيه الأقفال المصدية واللي حررنا بيه كل البنات."
كلماته كانت كالبلسم الشافي على جروح روحها التي تمزقت طوال سنوات عمرها، وفتح أمامها أبواب الجنة لتحلق بها بحرية دون قيود.
***
يقف في مكتبه الجديد ينظر من النافذة الكبيرة إلى العالم أسفل قدميه. إنه يشعر أن لا أحد الآن أكبر وأهم منه. اليوم سيعلن خطبته الرسمية لصافي، واليوم يكون شريك لأكبر رجال الأعمال، إمبراطور المقاولات والهندسة، رجل الدولة الأول في التصدير والاستيراد.
انتبه لمن كان يقف خلفه بعدة خطوات يخبره عن مواعيد يومه.
التفت إليه وقال:
"خلاص يا نور مفيش دماغ أسمع كل ده وأحفظه. اتعود أن قبل كل معاد بنص ساعة تديني خبر وبس."
أومأ نور السكرتير الخاص به بنعم وقال بهدوء:
"أول مواعيد حضرتك بعد نص ساعة مع مهندسين الشركة، اجتماع مصغر للتعارف وتحديد خطة العمل."
غادر نور الغرفة.
عاد من تخيلاته وهو يأخذ نفسًا عميقًا وينمو بداخله إحساس قوي بالفخر والزهو والانتصار.
ليخرج هو هاتفه من جيب بنطاله. يود أن يتحدث إليها، أن يسمع صوتها الذي يحمل الكثير من الذل والهوان. يريد أن يشعر بها أسفل قدميه من جديد.
أغمض عينيه لثوان يتذكر ذلك الإحساس حين كانت تجثو على ركبتيها أسفل قدميه تخلع عنه حذائه وجوربيه ويشعر بملمس يدها الصغيرة على بشرة قدمه. يتذكر أيضًا حين كانت بين ذراعيه رافضة وكارهة، لكن ورغم كل ذلك كان لها مذاق مميز ومختلف.
ظل الهاتف فوق أذنه يستمع إلى الرنين ولكن بلا رد. نفخ بضيق وهو يسأل نفسه أين هي وكيف لا تجيب على اتصاله، كيف تتجرأ عليه بتلك الطريقة.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يتوعدها حين ينتهي من تثبيت قدمه في مؤسسة الصافي وخطوبته سوف يذهب إليها، يعيد تربيتها، ويعلمها وبالطريقة الأسوأ مقدارها وما هي خلقت لأجله.
رواية قدر الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي
يجلسون يتناولون وجبة الغداء بعد عودتهم من العمل ومتابعة إنشاء المدرسة. ليس إشرافًا، فالكل تحت إشراف الحكومة، لكن رمزي يهتم بتوفير كل ما ينقص لحظة بلحظة حتى يستطيعوا افتتاحها على العام الدراسي الجديد.
علا صوت الهاتف. كادت سناء أن تقف لتجيب، ولكن قدر أشارت لها أن تكمل طعامها، وأجابت هي.
لتلعن حظها الذي جعلها تستمع إلى صوته من جديد.
"أهلًا أهلًا يا بنت عمي ومراتي مع وقف التنفيذ."
لم تجب على حديثه الذي أصابها بالغثيان. لاحظ ذلك رمزي، فاقترب منها سريعًا. أشارت إليه بالصمت، هي لا تريد أن تثير شكوكه وأن يفكر في العودة الآن.
هي لا تريده أن يعرف بخبر حملها. هذا سوف يقضي على البقية الباقية من قوتها وكرامتها التي عادت تقويها وتبنيها.
عاد صوته البغيض من جديد.
"اتصلت قبل كده والهامش ردت. على العموم كله بحسابه."
ظلت صامته إلا من أنفاسها المتلاحقة أثر ألم قوي أسفل معدتها. جعلت سناء تقترب منها تضمها بحنان وهي تربت على ظهرها حتى تهدأ. ليكمل هو كلماته بابتسامة تشفي، خاصة مع صوت أنفاسها الذي يسمعه الآن أفضل من ألف أغنية حب.
"أنا بعت الأرض والمشتري هييجي بكرة يستلمها. قولي لأي حد من الرجالة اللي عندك يبلغ المزارعين."
جحظت عيناها بصدمة. ليكمل هو ببرود.
"كده فاضل البيت اللي أنتِ قاعدة فيه بس. أنا مش هبيعه. عارفة ليه؟"
زدادت سرعة أنفاسها، وضمتها سناء أكثر إلى صدرها. اقترب رمزي إليها، فهو يشعر أنها ستنهار قريبًا. ليقول أصلان غير منتبه لكل ذلك.
"علشان وقت ما نفسي تهفني كده على حتة مخلل، أجي آكلها وأمشي."
أغلق الهاتف بعد أن قال كلماته وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه. فبعد أن حصل على ذلك المبلغ الكبير من بيع الأرض، يستطيع أن يشتري المزيد من الأسهم ويصبح شريكًا رسميًا. لقد أبدل خطته، لن يعتمد على أسهم صافي الآن حتى يحصل على ثقة حسام رفعت، ولكنه يتوعده. سوف يأخذ منه كل ما يملك.
***
بالفعل، لن تتحمل أكثر من ذلك. لتخونها قدماها وكادت أن تسقط أرضًا، هي وعمتها. إلا أن رمزي أمسك بها وحملها سريعًا. ووضعها على الأريكة برفق. لتصرخ هي بألم. لينظر كل منهم إلى الآخر بخوف. ولكن رمزي كان الأسرع حين قال:
"غيري هدومك بسرعة على ما أجهز العربية."
وبعد عدة دقائق، كان الاثنان ينتظران في رواق المستشفى. يدعون الله أن يطمئنهم عليها. مرت عدة دقائق. القلق والخوف ينهش قلبهم. كانت سناء تجلس على إحدى الكراسي، لا يتوقف لسانها عن الدعاء والاستغفار. ورمزي يقطع الرواق ذاهابًا وإيابًا. تضرب عصاه الأرض بقوة وهو يدعو الله أن يطمئنه على من أصبحت ابنته. من جعلت لحياته قيمة وهدف. من جعلته يشعر بإحساس الأبوة.
كان من داخله يدعو على أصلان الذي تسبب في كل هذا. ويدعو للحج رضوان بالرحمة وأن يغفر له صنيع يديه من الكره الذي تركه خلفه.
مرت أكثر من نصف ساعة والتوتر والقلق يزداد. كان من وقت لآخر يربت على كتف سناء التي لم تتوقف عيناها عن البكاء.
وأخيرًا، فتح باب الغرفة وخرجت الطبيبة التي قالت مباشرة:
"أنا قولت قبل كده بلاش ضغط عصبي وإجهاد."
لتنظر سناء إلى رمزي الذي قال بهدوء:
"والله كان غصب عننا. المهم هي عاملة إيه دلوقتي؟"
"هي هتفضل معانا النهاردة نطمن على الضغط وعدم تكرار انقباضات الرحم."
أجابته بعملية. لتقول سناء:
"ممكن ندخل نشوفها؟"
"هي نايمة دلوقتي. النوم أفضل ليها عشان أعصابها تهدى."
أجابت سناء ثم غادرت. ليحاوط رمزي كتف زوجته وسار بها عائدًا إلى المكان التي كانت تجلس فيه وقال:
"إن شاء الله هتبقى كويسة."
"يا ترى قالها إيه وجعها أوي كده؟"
أخفض رأسه دون رد. فهو لا يستطيع تخيل ما قاله. ولكن هو متأكد أنه لن يغفر له فعلته. ولن يمررها له. ولكن ليطمئن على قدر أولًا. وبعدها لكل حادث حديث.
***
"هتنفذ امتى؟"
قالها أصلان بابتسامة واسعة بعد أن مد يديه بشيك لذلك الرجل الذي يجلس أمامه.
أخذ الرجل الشيك ونظر إليه بتعمق. ثم رفع عينيه إلى أصلان وقال:
"من بكرة. بس."
"بس إيه؟ لا أنا مش عايز أي تأخير."
قال أصلان بعد أن ضرب سطح الطاولة بقوة. ليقول الرجل موضحًا:
"حسام رفعت مش هين. ومش عايزينه يلاحظ شراء الأسهم عشان ميقفش لينا فيها."
ثم اقترب أكثر من أصلان وقال بصوت منخفض وكأن هناك من يسمعهم:
"خصوصًا أن الأسهم هتبقى باسمك أنت بس مش أكتر من شخص يعني."
ظل أصلان صامتًا يفكر في كلماته. ثم أومأ بنعم واعتدل مسترخيًا على الكرسي وقال بابتسامة:
"ماشي. خلينا نلعبها على الهادي. المهم أحقق اللي أنا عايزه. وهحققه."
قال الأخيرة بتحدٍ مصاحب لنظرة حادة وابتسامة ثقة.
***
فتحت عينيها ورمشت عدة مرات تحاول استيعاب أين هي وماذا حدث. حين اقتربت منها الممرضة وقالت بابتسامة بشوشة:
"حمد الله على السلامة."
"أنا فين؟"
قالتها ببعض التشتت. لاتجيبها الممرضة بنفس الابتسامة:
"في المستشفى. بس متقلقيش أنتِ كويسة."
"عايزة عمتي وجوز عمتي."
قالتها مقاطعة سيل كلمات الممرضة. لتومئ بنعم وغادرت الغرفة. لتدخل سناء بعدها بثوانٍ قليلة وهي تقول ودموعها تغرق وجهها:
"الله يسلمك يا عمتي."
"حمد الله على سلامتك يا بنتي."
قالها رمزي بحب أبوي صادق. لتقول هي بإحساس كبير بالأمان والثقة لذلك الرجل الذي أحيا قلبها كأب حانٍ حلمت به طوال حياتها.
"الحمد لله يا بابا. هبقى كويسة أكيد طول ما أنتوا معايا وجنبي."
ربت على قدميها بحنان. لتقول هي بصوت مرهق:
"أصلان باع الأرض والمشتري جاي بكرة يستلم."
لتظهر الصدمة جلية على وجه سناء والغضب على وجه رمزي. وبدأ صدره يعلو ويهبط بغضب شديد. ثم قال:
"أرض الزيني مش للبيع يا أصلان. مش للبيع."
وغادر سريعًا. لتنظر كل من قدر وسناء لبعضهما البعض بخوف وقلق.
رواية قدر الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي
يجلسون يتناولون وجبة الغداء بعد عودتهم من العمل ومتابعة إنشاء المدرسة. ليس إشرافًا، فهي بكاملها تحت إشراف الحكومة، لكن رمزي يهتم أن يوفر كل ما ينقص في التو واللحظة حتى يستطيعوا افتتاحها على العام الدراسي الجديد.
علا صوت الهاتف، كادت سناء أن تقف حتى تجيب، ولكن قدر أشارت لها أن تكمل طعامها وأجابت هي.
– أهلاً أهلاً يا بنت عمي ومراتي مع وقف التنفيذ.
لم تجب على حديثه الذي أصابها بالغثيان، ليلاحظ ذلك رمزي، فاقترب منها سريعًا لتشير إليه بالصمت. هي لا تريد أن تثير شكوكه، وأن يفكر في العودة، لأنه لا يريده أن يعرف بخبر حملها. أن هذا سوف يقضي على البقية الباقية من قوتها وكرامتها التي عادت تقويها وتبنيها.
عاد صوته البغيض من جديد.
– اتصلت قبل كده والهانم مردتش، على العموم كله بحسابه.
ظلت صامتة إلا من أنفاسها المتلاحقة أثر ألم قوي أسفل معدتها، جعل سناء تقترب منها تضمها بحنان وهي تربت على ظهرها حتى تهدأ. ليكمل هو كلماته بابتسامة تشفي، خاصة مع صوت أنفاسها الذي يسمعه الآن أفضل من ألف أغنية حب.
– أنا بعت الأرض والمشتري هيجي بكرة يستلمها، قولي لأي حد من الرجالة اللي عندك يبلغ المزارعين.
جحظت عيناها بصدمة، ليكمل هو ببرود.
– كده فاضل البيت اللي أنتِ قاعدة فيه بس، أنا مش هبيعه. عارفة ليه؟
زدادت سرعة أنفاسها وضمتها سناء أكثر إلى صدرها، واقترب رمزي إليها فهو يشعر أنها ستنهار قريبًا. ليقول أصلان غير منتبه لكل ذلك.
– علشان وقت ما نفسي تهفني كده على حتة مخلل، أجي آكلها وأمشي.
أغلق الهاتف بعد أن قال كلماته وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه. فبعد أن حصل على ذلك المبلغ الكبير من بيع الأرض، يستطيع أن يشتري المزيد من الأسهم ويصبح شريكًا رسميًا. لقد أبدل خطته، لن يستند على أسهم صافي الآن حتى يحصل على ثقة حسام رفعت، ولكن يتوعده. سوف يأخذ منه كل ما يملك.
***
بالفعل، لن تتحمل أكثر من ذلك، لتخونها قدماها وكادت أن تسقط أرضًا هي وعمتها، إلا أن رمزي أمسك بها وحملها سريعًا ووضعها على الأريكة برفق، لتصرخ هي بألم. لينظر كل منهم إلى الآخر بخوف، ولكن رمزي كان الأسرع حين قال.
– غيري هدومك بسرعة، أنا مجهز العربية.
وبعد عدة دقائق كان الاثنان ينتظران في رواق المستشفى، يدعوان الله أن يطمئنهما عليها. مرت عدة دقائق، القلق والخوف ينهش قلبيهما. كانت سناء تجلس على إحدى الكراسي لا يتوقف لسانها عن الدعاء والاستغفار، ورمزي يقطع الرواق ذهابًا وإيابًا، تضرب عصاه الأرض بقوة وهو يدعو الله أن يطمئنه على من أصبحت ابنته، من جعلت لحياته قيمة وهدف، من جعلته يشعر بإحساس الأبوة.
كان من داخله يدعو على أصلان الذي تسبب في كل هذا، ويدعو للحج رضوان بالرحمة وأن يغفر له صنيع يديه من الكره الذي تركه خلفهم.
مرت أكثر من نصف ساعة والتوتر والقلق يزداد. كان من وقت لآخر يربت على كتف سناء التي لم تتوقف عيناها عن البكاء.
وأخيرًا فتح باب الغرفة وخرجت الطبيبة التي قالت مباشرة.
– أنا قولت قبل كده بلاش ضغط عصبي وإجهاد.
لتنظر سناء إلى رمزي، الذي قال بهدوء.
– والله كان غصب عننا. المهم هي عاملة إيه دلوقتي.
– هي هتفضل معانا النهاردة نطمن على الضغط وعدم تكرار انقباضات الرحم.
أجابته بعملية، لتقول سناء.
– ممكن ندخل نشوفها؟
– هي نايمة دلوقتي، النوم أفضل ليها علشان أعصابها تهدى.
أجابت سناء ثم غادرت، ليحاوط رمزي كتف زوجته وسار بها عائدًا إلى المكان التي كانت تجلس فيه، وقال.
– إن شاء الله هتبقى كويسة.
– يا ترى قالها إيه وجعها أوي كده.
أخفض رأسه دون رد، فهو لا يستطيع تخيل ما قاله، ولكن هو متأكد أنه لن يغفر له فعلته، ولن يمررها له، ولكن ليطمئن على قدر أولاً، وبعدها لكل حادث حديث.
***
– هتنفذ إمتى؟
قالها أصلان بابتسامة واسعة بعد أن مد يديه بشيك لذلك الرجل الذي يجلس أمامه.
أخذ الرجل الشيك ونظر إليه بتمعن، ثم رفع عينيه إلى أصلان وقال.
– من بكرة.
– بس؟
– بس إيه؟ لا أنا مش عايز أي تأخير.
قال أصلان بعد أن ضرب سطح الطاولة بقوة، ليقول الرجل موضحًا.
– حسام رفعت مش هين، ومش عايزينه يلاحظ شراء الأسهم علشان ميقفش لينا فيها.
ثم اقترب أكثر من أصلان وقال بصوت منخفض وكأن هناك من يسمعهم.
– خصوصًا أن الأسهم هتبقى باسمك أنت بس، مش أكتر من شخص يعني.
ظل أصلان صامتًا يفكر في كلماته، ثم أومأ بنعم واعتدل مسترخيًا على الكرسي، وقال بابتسامة.
– ماشي، خلينا نلعبها على الهادي، المهم أحقق اللي أنا عايزه، وهحققه.
قال الأخيرة بتحدٍ مصاحب لنظرة حادة وابتسامة ثقة.
***
فتحت عيونها ورمشت عدة مرات تحاول استيعاب أين هي وماذا حدث. حين اقتربت منها الممرضة وقالت بابتسامة بشوشة.
– حمد الله على السلامة.
– أنا فين؟
قالتها ببعض التشتت، لاتجيبها الممرضة بنفس الابتسامة.
– في المستشفى، بس متقلقيش أنتِ كويسة.
– عايزة عمتي وجوز عمتي.
قالتها مقاطعة سيل كلمات الممرضة، لتومئ بنعم وغادرت الغرفة، لتدخل سناء بعدها بثوانٍ قليلة وهي تقول ودموعها تغرق وجهها.
– الله يسلمك يا عمتي.
– حمد الله على سلامتك يا بنتي.
قالها رمزي بحب أبوي صادق، لتقول هي بإحساس كبير بالأمان والثقة لذلك الرجل الذي أحيا قلبها كأب حانٍ حلمت به طوال حياتها.
– الحمد لله يا بابا، هبقى كويسة أكيد طول ما أنتوا معايا وجمبي.
ربت على قدميها بحنان، لتقول هي بصوت مرهق.
– أصلان باع الأرض والمشتري جاي بكرة يستلم.
لتظهر الصدمة جلية على وجه سناء والغضب على وجه رمزي، وبدأ صدره يعلو ويهبط بغضب شديد، ثم قال.
– أرض الزيني مش للبيع يا أصلان، مش للبيع.
وغادر سريعًا، لتنظر كل من قدر وسناء لبعضهما البعض بخوف وقلق.
رواية قدر الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي
يجلس على ذلك الكرسي منذ أمس. بعد أن جمع كل رجاله وأعاد توزيعهم على الأرض في انتظار ذلك المشتري المزعوم.
هو لم ير شيئًا جيدًا يومًا من ذلك الأصلان. هو يشبه الحاج رضوان كثيرًا، ولكنّه أيضًا لا يشعر بالانتماء إلى تلك الأرض، وإلا لما فكّر يومًا في بيعها.
أم هو يفعل كل ذلك حتى يضيق الخناق على قدر؟ هل وصل به الحقد والكراهية إلى تلك الدرجة؟ أن يُجرّدها من مصدر رزقها، والشعور بالأمان في وسط بيتها وأرضها.
هز رأسه بـ "لا" وهو يلوم نفسه على تفكيره. أي أمان وأملاك؟ فكل شيء بيده هو. وتلك المسكينة ما هي إلا مستقبل لكل أفعاله ونتائجها.
أخذ نفسًا عميقًا. سيقوم بالأمر. صحيح هو لن يُلقّن ذلك القذر درسًا، لكن على الأقل في المستقبل القريب، والقريب جدًا، ما سيفعله سيكون صفعة قوية على وجه أصلان. وكم يتمنى أن يكون موجودًا ليرى تأثير تلك الصفعة عليه.
انتبه من أفكاره على بعض الأصوات العالية ليرتفع حاجبيه بصدمة وهو يرى بعض رجال البلدة وشبابها، الذي يعمل معظمهم في الأرض، يقفون أمام بوابة قصر الزيني.
اقترب منهم وهو يرفع يديه ليوقف سيل كلماتهم الذي لم يفهم منه شيئًا، وقال:
خير يا رجالة، في إيه؟
ليقترب أحدهم، وهو أكبرهم سنًا، وقال:
سمعنا باللي حصل، وكلنا هنقف معاك. أرضنا ميخدهاش حد غريب.
ابتسم رمزي ابتسامة سعادة وفخر، وقال بصدق:
شكرًا يا رجالة. متقلقوش، الأرض مش هتروح لحد غريب. مش هقبل بده أبدًا. أنا عايزكم بس تروحوا على شغلكم. الأرض محتاجاكم، والورش والمدرسة. مش عايزين حاجة توقفنا.
لهمهم الجميع موافقًا، وبدأوا في التحرك والذهاب إلى عملهم.
ليضرب رمزي الأرض بعصاته، وبداخله يقسم على تلقين ذلك الأصلان درسًا لن ينساه يومًا.
***
كانت سناء تشعر بالقلق. لم يعد رمزي منذ خرج بعد إفاقة قدر.
كانت قدر تتابع حركتها من النافذة إلى باب الغرفة، ثم تجلس قليلاً وتعود، تتوجه إلى النافذة وإلى الباب.
طيب ما تتصلي بيه.
قالتها قدر بابتسامة مشاغبة، لتنظر إليها سناء ببعض الخجل، لتكمل كلماتها:
عمي راجل عاقل وهادي، متقلقيش عليه. هيتصرف بعقل.
جلست سناء على الكرسي القريب من سرير قدر، وقالت:
عارفة، ومتأكدة أنه قادر يحل أي موضوع بهدوء. بس غصب عني بقلق عليه وكأنه ابني. غصب عني بخاف عليه وكأنه حتة مني.
ابتسمت قدر ابتسامة حزينة، وقالت:
كان نفسي أحس الإحساس ده، أو حد يحسه ناحيتي. كان نفسي أحس إن في حد بيخاف عليا وكأني حتة منه.
شعرت سناء بالحزن والشفقة على تلك الصغيرة التي ظلمتها الحياة ولم ينصفها أحد. وقبل أن تقول أي شيء يواسيها، أكملت قدر قائلة بثقة:
بس أنا مش هحرم بنتي من الإحساس ده. هكون الظهر اللي تتسند عليه، والحضن اللي يساعها في كل حالاتها. هخلي أحلامها بوسع الكون، وأخليها قادرة تكسر كل القيود وتعيش زي ما ربنا قال، تاخد كل حقوقها وتعمل كل واجباتها.
ابتسمت سناء بمحبة، وربتت على كتف ابنة أخيها، وقالت بحب:
إن شاء الله يا قدر. أنتِ قدرتي تغيري كتير. قدرتي تفتحي عقول كتير وتغيري تفكير ناس كتير. مين يقول إن في ورش نسيج وإللي شغال فيها بنات؟ مين يقول إن في مدرسة بنات مخصوص بتتبني في البلد؟... أنتِ انتصرتي يا قدر.
لسه.
قالتها قدر بقوة غاضبة، واحتدت نظراتها وهي تكمل:
انتصاري الحقيقي أما أصلان يشوف بعينه إللي أنا عملته وحققته.
ظلت سناء صامتة تنظر إليها بشفقة ممزوجة بفخر وبعض الألم.
***
لم يطل انتظار رمزي لمشتري الأرض المزعوم، حين وصل أمام بيت الزيني. ترجل من سيارته، ينظر إلى ذاك الجمع من الرجال الواقف خلف رجل ذي هيبة يجلس فوق مقعد خشبي بهيبة لا يخطئها أحد.
تجمد الموقف لعدة ثوانٍ، يتبادل فيها الرجلان النظرات، حتى قال رمزي بهدوئه المعهود:
كرسي للضيف يا خلف.
ليتحرك شاب صغير الهيئة وأحضر كرسيًا خشبيًا ووضعه أمام رمزي، وابتعد ينظر إلى الرجل من جديد، حتى عاد إلى مكانه.
أشار رمزي إلى الضيف وهو يقول:
اتفضل اقعد، علشان في كلام لازم تسمعه الأول.
اقترب الرجل وجلس على الكرسي، ورمزي يتأمله. رجل أربعيني، صاحب مظهر مقبول، وأيضًا يبدو عليه الهدوء والرصانة. لم ير شرًا في عينيه أو استعدادًا لحرب يتوقعها، أو نظرة انتصار.
اسمعني كويس يا أستاذ، علشان نوفر على بعض الوقت والمجهود.
رفع الرجل عينيه ينظر إلى الرجال خلف رمزي، ثم عاد بنظرة إليه وهو يقول باستفهام:
هو أنا ليه حاسس إن في حاجة غلط؟ أو في مصيبة أو كارثة؟ أنا جاي أستلم الأرض اللي اشتريتها.
اقترب رمزي قليلاً من الرجل، حين استند بكوعيه على فخذيه، وقال بهدوء يصل حد البرود:
ما هي دي المصيبة. أرض الزيني مش للبيع.
أنا معايا عقود سليمة.
عارف، والبيع صحيح مية في المية، بس برضوا أرض الزيني مش للبيع.
قال رمزي كلماته بحزم شديد جعل الرجل يبتلع باقي كلماته.
عاد رمزي لجلسته الأولى، وأكمل قائلاً:
اسمع يا أستاذ، فلوسك اللي دفعتها هاتخدها، وفوقهم 100 ألف، وتعمل تنازل عن الأرض لأصحابها الحقيقيين.
قطّب الرجل حاجبيه، وقال بعصبية:
صح، بس الأرض برضوا مش للبيع.
وعاد لجلسته الأولى، ورفع يده يشير إلى الرجال خلفه:
بس أنا والرجالة بنقولك غلط. هتاخد فلوسك وفوقهم 150 ألف، وتعمل تنازل عنها دلوقتي.
ثم عاد يستند على فخذه، وقال بغمزة:
أصل أنت مش هتقدر تدخل الأرض، وأنت الأولى بالفرق، ولا إيه؟
وعاد يعتدل في جلسته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة انتصار.
ظل الرجل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم أومأ بنعم.
يقول رمزي بصوت عالٍ:
العقود يا متر.
ثم وقف وهو يشير للرجل أن يسير بجواره، وقال موضحًا:
هنروح لأصحاب الأرض علشان نخلص، متقلقش.
ثم وقف أمام الرجل، وقال:
هتمشي من هنا معاك فلوسك، وورق أرضنا معانا.
وارتسمت نفس الابتسامة المنتصرة على وجهه من جديد، وهو يفتح باب السيارة للرجل الذي صعد إليها دون أن يقول شيئًا.
فقد فرض رمزي بهيبته عليه الصمت فقط.
رواية قدر الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي
بدأ ذلك الشريك الخفي في شراء الأسهم… وشعور أصلان باقترابه مما يريد يزيد بداخله الثقة التي تجعله يتعامل بغرور كبير وثبات أيضًا. وكان يزيد من اهتمامه وحبه لصافي التي لم تبخل عليه يومًا بأي شيء: حبها وقلبها وجسدها ومالها…
كانت تأخذه معها في جميع التجمعات الكبيرة، وكانت دائمًا تعرفه على المسؤولين وكبار رجال الأعمال الذين بدأوا في التقرب منه والتودد له أملًا في نيل رضا حسام رفعت.
في نفس الوقت الذي كان فيه حسام يتابعه بتركيز شديد رغم نظراته الباسمة المحبة. وتقبل كل ما تفعله ابنته مع أصلان بصدر رحب، إلا أن ذلك الهامس بداخله الذي يخبره أن هناك شيء غامض خلف أصلان، رغم أنه تأكد بنفسه من صدق كلماته حين أخبره أن جده زوجه ابنة عمه دون رغبته وأنه تركها خلفه غير مهتم بها.
وفي الحقيقة صدمته تلك الصراحة… وجعلت عقله يفكر كثيرًا في صدق مشاعر أصلان لابنته، ولكن يبقى ذلك الحس بداخله الذي اكتسبه من سنوات عمله وخبرته يجعله مستمرًا في خطته ولن يتراجع يومًا، خاصة بعد زيارة الأمس والتي جعلته الآن يسخر كل حواسه لكشف الأمر.
***
طرقات على باب غرفتها، ثم دخول رمزي بهيبته المعهودة لتركض إليه سناء وبعيونها خوف شديد. ليربت على ظهرها بحنان. ابتعدت تنظر إليه، وقبل أن تقول أي شيء قال بصوت عالٍ بعد أن تأكد من أنهم يضعون غطاء رأسهم:
– اتفضلوا يا جماعة.
لتتراجع سناء إلى الخلف خطوتين، وقطبت قدر حاجبيها باندهاش.
ليدلف المحامي الخاص برزامي، وخلفه شخص غريب ورجلين يعرفهم جيدًا من رجال رمزي الأوفياء.
مد المحامي يده ببعض الأوراق لرمزي الذي اقترب من سناء وأشار لها على مكان في الورقة ووضع القلم في يدها وقال:
– امضي هنا يا سناء.
نظرت إليه ليومئ لها بعينه لتوقع بصمت. وحين انتهت أخذ الأوراق واقترب من قدر فعل معها المثل لتنفذ كلماته بصمت.
عاد يعطي المحامي الأوراق ونظر إلى الرجل وقال بابتسامة وقورة:
– هتروح مع المحامي وتخلصوا كل حاجة وتستلم فلوسك.
أومأ الرجل بصمت وتحرك خطوة ثم وقف ونظر إلى رمزي وقال:
– رغم عدم ارتياحي لكن أنت شخص كويس ومش هقول أي حاجة من اللي حصلت هنا لأصلان.
لتقع تلك الكلمات على قدر وسناء بالاندهاش والصدمة.
أغلق رمزي الباب ونظر إليهم وابتسم بوقاره المعهود وقال بعد أن رفع يديه يهدئ من قلقهم:
– هفهمكم كل حاجة.
وبدأ في قص كل ما حدث وما فعله مع الرجل الغريب حتى قال:
– والدي أرض الزيني كلها بقت ملككم النص بالنص.
لتشهق قدر بصدمة وجحظت عينا سناء. ظل هو صامتًا ينظر إليهم باندهاش فهو لم يتوقع رد فعلهم.
وكانت أول من خرجت من صدمتها قدر التي قالت:
– إزاي يا بابا… إزاي نص الأرض تبقى باسمي… مينفعش.
اقترب رمزي من سريرها وقال باندهاش:
– ليه مينفعش هو مش أنتي بنتي يا قدر والبيبي اللي جاي ده يبقى حفيدي.
أجابته والدموع تتجمع في عيونها:
– أيوه يا بابا… أنا بنتك وبنتي أنت جدها الوحيد بس أنت فلوسك.
أشار لها أن تصمت واقترب يجلس على الكرسي القريب منها وقال بابتسامة حزينة:
– أنا كل اللي بعمله ده نوع من أنواع التكفير عن الذنب الكبير اللي ارتكبته في حق سناء وفي حقك.
كانت سناء تتابع ما يحدث بصمت، ولكن عقلها يدور في دوائر الحيرة والصدمة وقلبها يعتصره الألم على ذلك الأب الذي لا يوجد أب مثله على وجه الأرض، لكنه بلا ولد. ولكن حين سمعت كلماته الأخيرة اقتربت منه وقالت ودموعها تغرق وجهها:
– ذنب إيه رمزي اللي عايز تكفر عنه… أنت أكبر نعمة في حياتي… ده أنت جنة مكنتش بحلم بيها نجتني من نار أبويا ودخلتني قلبك اللي حماني من كل حاجة وحشة في الدنيا.
أمسك يدها وأشار لها أن تصمت، ثم نظر إلى عيونها وقال بصدق:
– صحيح أنا اتعاملت معاكي عكس ما كان عمي رضوان بيتعامل… بس مقدرتش آخد حقك منه… مقدرتش أقف قدامه وأنقذ قدر من إيديه… مقدرتش أعترض على جوازها من أصلان… مقدرتش أقف لكل العقول اللي أتمنى منها الفهم وأقول بعلو صوتي إنكم مش عار ولا حاجة لازم نستخدمها ونرميها ولا أنتوا جواري اتخلقت علشان مزاج الراجل.
كانت قدر تستمع إليه وبداخلها قلب يتألم لحب لم تذقه يومًا وحنان لم تجربه وحلم بعيد لم ولن يتحقق يومًا.
أكمل رمزي كلماته غافلاً عن كل ما يدور بداخل تلك المسكينة:
– الأرض دي حقكم أنتو… أنا برجع الحق لأصحابه يمكن يشفع لعمي رضوان ويساهمه على اللي عمله.
انحنت سناء تقبل يد زوجها الذي سحبها سريعًا وضمه إلى صدره بحنان. لتسيل تلك الدمعة الحارقة فوق وجنتي قدر ويدها تحاوط بروز معدتها بحماية وخوف.
***
بعد مرور شهرين كان يقف أمام شريكه الذي ينظر أرضًا بخوف:
– يعني إيه؟ إحنا كنا بنشتري أسهم وهمية؟
ظل الرجل صامتًا دون رد وعيونه ثابتة على الأرض أسفل قدميه. يمسكه أصلان من مقدمة ملابسه وهو يقول بصوت عالٍ:
– رد عليا… يعني إيه أسهم وهمية… يعني إيه خسرت كل الفلوس… يعني إيه أنا مش شريك في مؤسسة الصافي… يعني إيه؟
أبعد ذلك الرجل يد أصلان عنه وقال بصوت عالٍ:
– الراجل اللي كان بيسهل لنا بيع الأسهم كان تبعه.
ابتعد أصلان خطوتين إلى الخلف وقبل أن يقول أي شيء سمع صوت يعرفه جيدًا يأتي من خلفه:
– محدش يقدر يقف قدام حسام رفعت يا أصلان.
التفت أصلان ينظر إلى حسام بغضب مكتوم ليكمل حسام بابتسامة واثقة فهو يعلم جيدًا تفكير أصلان لأين أخذه ويعتقد أنه يستطيع أن يضغط عليه بابنته صافي:
– صحيح بنتي عندي أغلى من كنوز الدنيا ومن أسهم الشركة كلها، لكن كمان هي عارفة ومتأكدة إني ممكن أشتري لها أي راجل هي عايزاه تتمنظر بيه شوية وبعد كده تسيبه لما تزهق، وأنت كنت نوع جديد عليها مش أكتر.
انتفخت أوداج أصلان غضبًا وحاول الاقتراب من حسام، لكن ذلك الواقف خلفه أمسكه بقوة وهو يقول بجانب أذنه:
– أهدى يا أصلان… أهدى هتجيب لنفسك مصيبة.
وكان حسام واقفًا في مكانه ثابتًا وواثقًا يضع يديه في جيب بنطاله بثقة.
عدل ياقة قميصه وقال:
– كل الفلوس اللي سحبتها من بنتي ترجعها وإلا…
ولم يكمل كلماته وغادر بعد أن رفع يديه بسلام مع ابتسامة انتصار تغلفها احتقار واستهانة.
كان صوت أنفاس أصلان يكسر ذلك الصمت الذي يحيط به، خاصة بعد أن تركه صديقه وغادر سريعًا خائفًا من أن تطاله يد أصلان وتبطش به.
نظر أصلان حوله فلم يجد سوى الخواء الفراغ… الوحدة وأيضًا خسارة كبيرة.
ظل على وقفته يحاول أن يجعل قلبه تهدأ نبضاته التي تتصارع داخل صدره.
نظر إلى سيارته وأخذ قراره سيعود إلى البيت الآن ويفكر.
لابد أن هناك حلول لكل شيء، وهو أصلان الزيني ولن يقف شيء أمامه.
رواية قدر الفصل العاشر 10 - بقلم سارة مجدي
تستمع إلى لوم عمتها التي تقف أمامها الآن وهي تضع يديها حول خصرها، خاصة بعد عودتهم من عند الطبيبة التي أخبرتهم أن قدر ضعيفة جداً، وأيضاً دخولها الشهر التاسع منذ عدة أيام قليلة، وأن هذا الجهد ليس في صالحها.
"من النهاردة هتسمعي كلامي، واللي هقوله بس هو اللي هيتنفذ."
"ضحكت قدر بصوت عالٍ في نفس اللحظة التي دلف فيها رمزي من الباب وهو يقول بعد أن استمع لكلمات سناء الموبخة: "اسمعي كلام عمتك يا قدر، ومتقلقيش على الشغل."
نظرت سناء إلى زوجها بسعادة وابتسامة واسعة ليكمل كلماته بعد غمز لها: "المشاغل المديرون فيها شايفين شغلهم كويس وأنا هتابعهم… وابني المدرسة خلاص قرب يخلص، وما كمل أسبوع بالكتير والوزارة تفتتحها."
كانت قدر تستمع لكلمات رمزي والدموع تتجمع في عينيها. وضعت يدها فوق بروز معدتها وقالت بثقة: "لولا وقفتك معايا يا بابا، أنا مكنتش عرفت أعمل أي حاجة… أنا مش قادرة أستنى لحد ما أشوف المدرسة بتتفتح والبنات بيدخلوها علشان يتعلموا فيها… وبنتي أما تكبر وتدخلها وكل الناس يحكولها أن المدرسة دي أمها هي اللي كانت السبب في بنائها في بلدنا."
جلست سناء بجانبها وضمتها إلى صدرها وهي تقول بفخر: "قدرتي يا قدر تغيري حال بلدنا من حال لحال… كسرتي الأقفال المصدية ورجعتي الناس لعقولهم وضميرهم."
نظرت إليها قدر وقالت: "مش لوحدي يا عمتي… أنا لو كنت لوحدي من غير بابا رمزي كانت البلد كلها قتلتني أو دفنوني حية."
جلس رمزي على الكرسي وهو يقول ببعض التأكيد: "أكيد مكنوش هيسبوكي في حالك، بس أنتِ قوية يا قدر ومحدش كان هيقدر يقف قصادك، أنتِ بتحاربي عشان بنتك وده أكبر دافع جواكي."
ابتسمت قدر لكلمات رمزي المشجعة والحنان والدفء التي تشعر بهم داخل ذراعي عمتها، وعقلها ينبئها أن هذه التسع أشهر الفائتة هي من أفضل أيام عمرها.
***
كان يدور حول نفسه كالأسد الحبيس… يشعر من داخله بنار حارق. ملايين الجنيهات ضاعت هباءً دون جدوى ودون أن تعود عليه بأي نفع.
ماذا يفعل؟ لقد حاول لعدة مرات الوصول إلى صافي، ولكن لم يستطع. وفي نهاية المطاف علم أنه قد تم إعلان خطبتها لإحدى رجال الأعمال وصديق مقرب لوالدها.
إذًا فكل الأبواب قد أغلقت في وجهه، حتى ذلك الرجل الذي صدق أنه صديقه اكتشف أيضًا أنه أحد أذرع حسام رفعت، والذي أرسل إليه تحذيرًا قوي اللهجة أن يبتعد عنه وعن ابنته، وألا يفتح لنفسه أبواب الجحيم، وأنه سوف يتركه يعمل كما يشاء. ولكن إذا اقترب منه أو من المؤسسة الخاصة به أو ابنته، سوف يجد ما لا يسرّه.
جلس على الأريكة الكبيرة وعلى وجهه غضب العالم. الشعور بالخسارة ليس بأمر هين، وهو لم يعتد على الخسارة. اعتاد طوال حياته أن تكون أوامره مطاعة، أنه فوق الجميع، وكان ماله يدعمه. أما الآن… ماذا سيفعل؟
لقد صرف كل المال الذي كان بالبنك، وأيضًا ثمن الأرض. لم يعد يملك شيئًا سوى تلك الشقة الكبيرة التي يسكن فيها.
وقف سريعًا وعيونه تلمع بفكرة سوف تجعله يحقق حلمه القديم، شركة الهندسة الخاصة به. لكنه وقف مكانه حين حضرت قدر إلى عقله. أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر في تبعات قراره، ولكن غروره وكرهه لها لم يسمح له ولو لثانية واحدة بالتفكير، وتحرك من فوره لتنفيذ ما يريد.
***
بعد مرور عدة أيام، غادرت سناء المطبخ متجهة إلى الهاتف الذي لم يتوقف رنينه. وحين أجابت، قطبت جبينها ببعض الضيق حين وصل إليها صوت أصلان السائل: "أنتِ مين؟"
ظلت صامتة لثوانٍ ثم قالت بصوت قوي: "أنا عمتك."
كان دوره في الصمت لعدة ثوانٍ: "كويس إنك أنتِ اللي رديتي عليا، الواحد مش ناقص قرف."
قطبت سناء حاجبيها بضيق وكادت أن تجيبه حين أكمل هو: "عرفي بنت أخوكي أني جاي آخر الأسبوع عشان هبيع البيت، عرفيها تشوف لها أي زريبة تقعد فيها لحد ما ربنا ياخدها وأخلص منها."
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا أصلان…. بيت إيه اللي تبيعه… بيت الزيني، أنت أكيد اتجننت."
قالت سناء معترضة ليصرخ بها بصوت عالٍ: "ده بيتي وأنا حر فيه… أنتِ أصلاً قاعدة في بيتي بتعملي إيه؟ عرفي بنت أخوكي اللي أنا أمرت بيه ومتدخليش في اللي ملكيش فيه يا… عمتي."
وأغلق الهاتف دون أن يسمح لها بالرد، وهي بالأساس لم تكن في حالة تسمح لها بالرد. هي تعلم أخلاق أصلان وتعلم تكبره وتجبره، لكن أن يصل به الأمر أن يبيع بيت والدها ويطرد زوجته، بعد أن أخبرهم رمزي أن أصلان قد سحب كل الأموال الموجودة بالبنك… وبدأ عقلها يدور في دوائر الحيرة والقلق. ماذا ستفعل وكيف ستخبر قدر بالأمر؟ وماذا سيكون رد فعل رمزي؟
***
صعدت إلى غرفة قدر وعقلها سارح في الأفكار… وكل ما يقوم به أصلان وتقارنه بما يقوم به رمزي. وبالأساس لا يوجد وجه تشابه في أي شيء، لكن هناك فروق… فروق كبيرة كفرق السماء والأرض أو الماء والنار، الجميل والقبيح.
طرق الباب وحين وصلها صوت قدر فتحت الباب ودلفت لتجد قدر تقف أمام طاولة الزينة تجفف شعرها وجسدها يحاوطه مأزر الحمام.
اقتربت منها سريعًا وهي تقول بلوم: "أخذتي حمامك لوحدك؟ أفرضى كنت اتزحلقتي أو دوختي."
ابتسمت قدر بسعادة لحنان سناء التي تتشربه منها كأرض عطشى جفت، وكل قطرة منها تحييها وتعيد إليها الحياة وتنبت أزهارًا ورودًا: "كنت حرانه أوي.. وحاسة أن التكييف مش عامل أي فرق في الأوضة."
نظرت سناء إلى المكيف وعادت بنظرها إليها وقالت: "الأوضة متلجة يا قدر.. إزاي مش حاسة بالبرودة دي."
رفعت قدر كتفيها بلا علم لتكمل سناء قائلة وهي تتحرك تغلق المكيف: "تعالى ألبسك هدومك عشان متبرديش."
بعد عدة دقائق تمددت قدر بإرهاق وقالت بابتسامة صغيرة: "أنا مش قادرة أتغدى دلوقتي، هنام ولما أصحى هبقى آكل."
ربتت سناء على كتفها وقالت بحنان: "ماشي يا حبيبتي ارتاحي ونامي."
وأعادت تشغيل المكيف ولكن بحرارة معتدلة وأغلقت الإضاءة وغادرت الغرفة. لن تخبرها… سوف تخبر رمزي أولاً وترى ما رأيه. ولكن قبل أن تتحرك شعرت بدوار قوي.
ظلت على وقفتها لعدة ثوانٍ وقد تصل لدقائق. وحين استعادت اتزانها نفخت بضيق وهي تقول ببعض الغضب: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أصلان، حرقت دمي وعليت ضغطي."
وعادت إلى المطبخ تباشر تجهيز الغداء حتى حضور رمزي.
***
على طاولة الطعام كانت شارده تعبث فقط بالطعام ولم تتناول شيئًا. كان يلاحظ حالتها الغريبة منذ عودته، ولكن انتظر أن تتحدث من نفسها، خاصة بعد أن اطمأن أن قدر بخير، لكنها لم تتحدث.
مد يديه يحتضن يديها المستريحة فوق طاولة الطعام لتنظر إليه باستفهام، ليقول هو ببعض القلق: "مالك يا سناء.. شكلك مش طبيعي… إيه اللي حصل؟"
أخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر إليه بخوف وقلق، ليقول بقلق أكبر وقلبه يخبره أن هناك شيء كبير قد حدث: "متوقفيش قلبي يا سناء، فهميني في إيه؟"
"أصلان اتصل النهارده."
قالتها سريعًا وكأنها تلقي بهم كبير من فوق كتفيها، ليقطب جبينه بغضب قائلاً: "مصيبة إيه المرادي اللي جاية من وراه؟"
ظلت صامتة تنظر إليه بخوف، ولكنها قالت باستسلام: "اتصل عشان يبلغ قدر أنه جاي آخر الأسبوع عشان يبيع البيت وأنها تشوف لها مكان تاني تقعد فيه."
كان رمزي ينظر إليها بصدمة واندهاش. ماذا يفعل هذا المغرور؟ وأين الحاج رضوان الآن؟ ليرى حفيده الذي باع كل شيء كان له يومًا ما… ليرى ذلك الحفيد الذي فضله على قدر… وهو يبيع وقدر تشتري، هو يهدم وقدر تبني، هو يخسر وقدر تفوز.
عاد من أفكاره ونظر إلى سناء وقال مستفهماً: "قدر عرفت؟"
هزت رأسها بـ "لا"، ليقول هو بعد أن أخذ نفسًا عميقًا ببعض الراحة وقال بأمر: "أنا هقولها."
أومأت بنعم وقالت: "بس…"
ولم تستطع إكمال كلماتها، ليربت على يديها برفق وهو يقول بحنان مليء بالثقة والأمان: "متقلقيش… أنا موجود وهقف له ومش هسمح أبدًا ليه أنه يأذي قدر أو يهد اللي هي بنته."
انحنت تقبل يديه بحب واحترام وقالت بصدق خالص من قلبها: "ربنا يبارك لنا في عمرك يا رمزي."
ابتسم لها بحنان وقبل رأسها بحب واحتواء وقال بابتسامته الحنون: "ويبارك ليا في عمرك يا قلب رمزي."