تحميل رواية «قدر» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى صباح اليوم التالى أستيقظت كعادتها مع أذان الفجر. وككل يوم تستيقظ و بداخلها أمل جديد و طاقة جديدة. وأيضاً ذكريات مؤلمة جديدة. صلت الفجر و غادرت غرفتها متوجهه إلى المطبخ فخلفها عمل كثير و أيضاً لابد من تجهيز الإفطار فجدها يعود من صلاة الفجر فى المسجد لابد أن يجد طعام الإفطار على طاولة الطعام الكبيره. كانت تفكر هل ذلك البغيض سيكون موجود على الفطار. ام أنها ستنعم بوجبة واحدة على الأقل من دونه. بدأت فى إعداد الطعام و فى نفس الوقت ترتيب بعض الأغراض حتى يبدوا المطبخ مرتب بعض الشئ. خرجت سريعاً من الم...
رواية قدر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة مجدي
فى صباح اليوم التالى كانت البلد كلها على قدم وساق لتجهيز والاستعداد لاستقبال المحافظ ومندوب من وزارة التربية والتعليم وبعض المسؤولين لافتتاح أول مدرسة للبنات فى البلد.
وهو أيضاً حضور معرض كبير للملابس. وكل هذا تم بجهود ذاتية من قدر ورمزى وبعض الرجال الأغنياء. وبيد أبناء البلد أجمعوا.
كانت هى أيضاً تستعد فى غرفتها وكأنها عروس، واليوم هو يوم عُرسها. اليوم تحقق حلمها، اليوم الخطوة الأهم فى حياتها والنجاح الذى أوشك أن يكون حقيقة ملموسة.
أخذت نفسًا عميقًا وهى تبتسم بسعادة ووضعت يدها فوق بروز معدتها وقالت:
– وسعادتي الكون مش هيساعها يوم ما أشوفك داخلة المدرسة ويوم ما تدخلي الجامعة وتحققي كل إللى بتحلمي بيه.
أغمضت عيونها لثوانٍ وذلك الألم يتكرر من جديد. لا تعلم هل ستلد اليوم.
رفعت عيونها إلى السماء وهى تتمنى من الله أن يمر هذا اليوم فقط بخير وأن تظل واقفة على قدميها حتى يتم الافتتاح على خير.
طرقات على الباب أخرجتها من أفكارها وأبتسمت حين طلت عمتها من الباب وهى تقول بابتسامتها الحنون:
– جاهزة يا قدر؟
أومأت قدر بنعم لتقول سناء بحنان:
– حلمك اتحقق يا قدر. قدرتي يا بنتي. النهارده يومك.
اتسعت ابتسامة قدر وعيونها تشع بنظرة فخر وثقة وأمل في حياة قادمة أفضل. ومن داخلها قوة كبيرة قادرة على مواجهة أي شيء وكل شيء.
ربتت سناء على كتفها وهى تقول:
– أنا هسبقك ومتتأخريش. رمزي بعت لنا العربية من بدري.
– حاضر نازلة وراكي على طول.
أجابتها قدر لتغادر سناء بهدوء. وتوجهت قدر إلى السرير ومدت يدها تحت وسادتها وأخرجت مذكراتها وفتحتها وكتبت:
"اليوم باب جديد تفتحه والدتك على مصرعيه. اليوم تحقق والدتك نجاح جديد. اليوم تثبت من جديد لوالدك أنها قادرة على مواجهة الجميع وتحقيق النجاح وأن الحياة بأكملها لم تتمكن من كسرها ولم يتمكن هو."
أغلقت المذكرات وأعادتها إلى مكانها ووقفت أمام المرآة من جديد تأكدت من هيئتها ثم غادرت الغرفة.
مباشرة إلى السيارة ومعها عمتها.
~~~~~~~~~~~~~~~
وصلت السيارة أمام المدرسة ووجدت هناك عمها يقف بهيئته المهيبة والتي تجعل الأنظار تتجه إليه مباشرة وتحترمه بشدة.
وفي نفس اللحظة علت أصوات السيارات تنبئهم لحضور المسؤولين.
وقفت قدر جوار رمزي وبالجهة الأخرى وقفت سناء بفخر بزوجها الذي كسر قيود كل النساء والفتيات، وبابنة أخيها التي وقفت أمام عقول أكلها الجهل والتقليد الأعمى والتفاخر الكاذب بالذكورية التي لم يكن لهم يد أو دخل في أنهم خُلقوا ذكورًا.
وصل مندوب من وزارة التعليم والمحافظ واستقبلهم رمزي بثقة وقوة وثبات وتوجهوا لمكان وقوف قدر. الذي نظر إليها المحافظ بفخر وقال:
– أحيكِ يا مدام قدر. حقيقي كلنا فخورين بيكي.
ابتسمت قدر بسعادة كبيرة وقبل أن تجيب المحافظ قال مندوب الوزارة:
– حقيقي لو كل الناس فكرت زيك كان البلد دي اتغير حالها واتبدل وبقت من أكتر الدول تقدم.
خفضت رأسها بخجل وهى تقول:
– يا جماعة أنا عملت كده علشان شوفت الظلم والقهر وجربته وكمان عارفة قيمة الست ومكانتها وقدراتها.
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
– خلينا نفتتح المدرسة ونشوفوا كمان المعرض إللى مجهزينوا وإللى كله من شغل أهل البلد.
تحرك الجميع معها في نفس اللحظة التي اقترب فيها رمزي من أذنها وقال:
– استعدي للمفاجأة.
نظرت إليه بحيرة واندهاش ليبتسم وهو يسير بجانب المحافظ بهيبته دون أن ينتبه أحد لما حدث منذ لحظات.
اقتربت قدر منهم وبين يديها علبة من القطيفة وبداخلها المقص ومدت يدها بها أمامهم.
ليقول مندوب الوزارة:
– أنتِ إللي هتقصي الشريط. وده قراري أنا وسيادة المحافظ.
نظرت إليهم بصدمة ليشجعها رمزي بعينه وصفقت سناء بسعادة لتمسك قدر المقص وقصت الشريط في نفس اللحظة التي سقطت فيها تلك الأوراق من فوق لافتة المدرسة مصاحبة لتصفيق جميع أهل البلد.
وأيضًا شهقات متتالية بسعادة حين نظرت إلى اللافتة غير مصدقة لما تراه.
اقترب رمزي منها وقال بصوته الرخيم:
– مدرسة قدر الابتدائية للبنات. مفاجأة.
كانت الدموع تغرق وجه سناء التي تتابع ما يحدث بسعادة كبيرة.
ظلت قدر تنظر إلى اللافتة غير مصدقة لكل ما يحدث. سعادة وفرحة. ثقة وقوة. إحساس يشبه من كان يتسلق جبل شاهق ووصل إلى قمته أخيرًا يلتقط أنفاسه وأيضًا يستمتع بانتصاره.
نظرت على رمزي والدموع تسيل من عينيها وقالت:
– أنا مش عارفة أقول أيه؟
– متقوليش حاجة يا قدر. أنتِ تستحقي ده. أنتِ رمز دلوقتي لكل البنات.
كلمات رمزي جعلت ابتسامتها تتسع بسعادة وثقة ونظرت إلى المحافظ ومندوب الوزارة وكل الوفد المرافق وقالت بثقة:
– اتفضلوا علشان تشوفوا كل تجهيزات المدرسة.
لم يكن أي أحد من الموجودين يلاحظ ذلك الواقف على مسافة لا بأس بها يتابع ما يحدث بعيون جاحظة وصدمة وعدم تصديق.
~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان الجميع سعيد من المستوى الذي تم تجهيز المدرسة بها وأيضًا الشغل الخاص بالمشاغل. والإتقان وكأنه شغل مصانع كبيرة وسنوات طويلة من الخبرة.
انتهت الزيارة واستلمت الوزارة المدرسة حتى يتم تجهيزها والاستعداد للعام الدراسي الجديد وأيضًا حتى تخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم بالكامل.
صعدت قدر وسناء إلى السيارة وجلس رمزي في الكرسي الأمامي.
كانت قدر من وقت لآخر تشعر بألم قوي أسفل بطنها وأيضًا في ظهرها ولكنها كانت تتحامل على نفسها حتى تصل إلى البيت.
أوقف السائق السيارة في مكانها المعتاد. وترجلوا جميعًا من السيارة.
وحين وصلت قدر إلى باب البيت الداخلي وقفت تخلع حذائها وهي تقول ببعض المرح:
– رجلي خلاص اتفرمت. أنا مالي أنا ومال الجزم دي. مالها الكوتشيات مش فاهمة.
لتضحك سناء وهي تقول:
– هتقابلي المحافظ ومندوب الوزارة بالكوتشي ياقدر.
– وأقابلهم بالبكيني كمان. طالما الهانم نسيت إن ليها زوج والمفروض أنها تستأذن منه قبل حتى ما تتنفس.
توقفوا جميعًا بصدمة ينظرون إلى أصلان الذي يجلس على إحدى الكراسي الكبيرة يضع قدم فوق قدم بخيلاء ينظر إليها بغضب شديد رغم أن عيونه ثابتة على بروز معدتها الواضح.
كان رمزي ثابت وصامت ينظر إليه بقوة رغم أن سناء كانت ترتجف خوفًا. ليس من أصلان ولكن على قدر التي تنظر إلى أصلان بثبات وهدوء.
ظل الوضع ثابت كما هو لعدة دقائق. حتى تحركت قدر خطوتين ووقفت أمامه ثم ألقت حذائها أرضًا وقالت بقوة:
– جوز مين إللي أخد أذنه قبل ما أتنفس؟ الراجل إللي يوم اتجوزني اغتصبني. إللي فضل أسبوع كامل يعيد اغتصابه ليا كل يوم. إللي كان كل هدفه في الحياة أنه يشوف نظرة انكسار في عيني ويحس أني مذلولة تحت رجله. الزوج ده يا ابن عمي المفروض يكون حنون. راجل ليا مش عليا. يهمني سعادتي يهمني أني أكون دائمًا بخير ومبسوطة. ربنا مخلقش الست علشان تكون خدامة عند الراجل. ولا جارية لشهواته ونزواته. ربنا خلقنا وكرمنا وخلانا باب من أبواب الجنة لأبونا ولولادنا.
كان يستمع إليها والغضب يرتسم على ملامحه. يزداد. يلاحظه رمزي الذي اقترب بهدوء من مكان وقوفهم فهو حقًا لا يضمن رد فعل أصلان الآن والذي كان سريعًا في الحقيقة.
حين رفع يديه حتى يصفعها ولكن يد رمزي كانت الأسرع وأمسك يديه وهو يقول بقوة:
– هو أنت لسه فاكر أنها قدر القديمة الضعيفة؟ لا يا أصلان. قدر اتغيرت وأنا في ظهرها.
ودفعه إلى الخلف بقوة لدرجة أنه كاد أن يسقط أرضًا. وقبل أن يتوازن كانت قدر تصرخ بصوت عالٍ وهي تمسك معدتها وتغرق الأرض أسفل قدميها بمياه كثيرة ودماء.
لتصرخ سناء وهي تركض إليها تدعمها. والتفت رمزي حتى يحملها ليوقفه أصلان لينظر إليه رمزي بغضب.
وقال:
– إيدك عنها. قبل ما تفكر تلمسها يا أصلان لازم تواجهني أنا الأول
رواية قدر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة مجدي
وصل الجميع إلى المستشفى.
مباشرة دخلت قدر إلى غرفة العمليات.
وقف الجميع بالخارج في حالة قلق.
كان أصلان يشعر بالحيرة وعدم الفهم.
كيف هذا؟ هل قدر حامل في طفل منه هو؟ أم أنها أخطأت؟ ولكن مع من؟ وعمتها وزوجها يحوطانها طوال الوقت كما رأى.
وإذا كانت أخطأت، كيف تجاهل أهل البلدة هذا الخطأ؟ كيف وضعوا يدهم في يديها وحدث كل هذا التغيير خلال تلك الشهور البسيطة؟ كيف يكون هناك مدرسة باسمها؟ ورجال على درجة من المسؤولية في الدولة يأتون إليها ويحتفون بها بهذه الطريقة، يقدرونها ويتعاملون معها باحترام شديد.
كان يشعر أن عقله يكاد ينفجر.
اقترب من عمته في نفس اللحظة التي ابتعد فيها رمزي قليلاً ليجيب على اتصال هاتفي.
وقف أمامها.
حين رفعت عيونها إليه قال:
– إيه اللي بيحصل ده؟ قدر حامل من امتى؟ وإيه اللي أنا شوفته في البلد ده؟
وقفت سناء تنظر إليه بقوة.
تعلم جيداً أنه ضعيف.
هي الآن تفهم أنه يشبه بالون الهواء، من أبسط شيء يمكن أن يختفى وكأنه لم يكن موجوداً يوماً.
– عرفت أنها حامل بعد سفرك بأسبوعين.
ومن قبلها كانت اتفقت مع رمزي على فتح أول مشغل.
وقفت قدام رجالة البلد كلها وخلتهم كلهم يطاطوا قدامها.
والمشغل بقوا اتنين وتلاتة وليهم منافذ بيع.
وليهم شغل للعاصمة.
وأخذت الموافقة على بناء مدارس للبنات.
وجهزت كل حاجة للمدرسة، الزي والشنط وكل لوازم أي بنت داخلة المدرسة.
والنهاردة كان افتتاح المدرسة الابتدائي.
وأخذت موافقة ببناء مدرسة إعدادي وثانوي.
قدر قدرت تكسر قيودك وقيود جدك.
خرجت من القفص اللي كنتوا حابسينها فيه يا أصلان.
قدر النهارده غير قدر بتاعة زمان اللي سبتها مرمية هنا على أساس سايب جارية قاعدة مستنية سيدها وقت ما يحن ويتكرم عليها إنه يجي يطلع عليها.
قدر رسمت قدرها بإيدها وقدرت وحققت وانتصرت يا أصلان.
كانت الصدمة ترتسم على وجهه وهو يرى نفسه صغيراً فعلاً أمام ما قامت به قدر خلال تلك الشهور وما قام هو به.
هي أصبحت صاحبة شأن في بلدها التي كانت لا تراها من الأساس.
وهو خسر ماله وسمعته وكل شيء.
وجاءت الضربة الأخيرة من سناء حين اقتربت منه أكثر وقالت:
– أنت فاكر الأرض اللي أنت بعتها يا أصلان؟ أنت عارف هي ملك مين دلوقتي؟
جحظت عيناه وزاد سرعة تنفسه لتضرب سهمها الأخير في قلبه.
– باسم قدر واسمي.
نصها ليها ونصها ليا يا ابن أخويا.
أرض الزيني اللي فرطت فيها رجعت لأصحابها الأصليين يا حفيد رضوان الوحيد.
قالت الأخيرة بصوت ساخر.
كان رمزي يقف في إحدى الممرات الجانبية بعد أن أغلق هاتفه.
حين لاحظ اقتراب أصلان منها، لكنه ظل واقفاً مكانه حين وجدها قوية ثابتة قادرة على مواجهة أصلان بقوة ودون خوف.
وكانت ابتسامة الفخر ترتسم داخل عينيه بوضوح.
ظل الموقف ثابتاً.
كل من سناء وأصلان يتبادلان النظرات.
أحدهم شامته والأخرى مصدومة.
حينها اقترب رمزي منهم ووقف بجانب سناء وقال:
– وبيت الزيني لو لسه مصر على بيعه أنا هشتريه منك لأنه في الأساس بيت قدر وسناء.
نظر إليه أصلان بتشتت وبعض التوهان.
وابتعد دون أن يجيب على كلمات رمزي.
جلس على إحدى الكراسي المنتشرة في الرواق.
وعيونه ثابتة على باب غرفة العمليات.
التي كانت بداخلها قدر تصارع الألم وأيضاً الحياة.
***
ظلت سناء على وقفتها تلتقط أنفاسها المتلاحقة.
وذلك الدوار اللعين يعود إليها من جديد.
ولكن هذه المرة استطاع الانتصار عليها وسقطت مغشياً عليها بين ذراعي زوجها.
الذي ظل يصرخ بصوت عالٍ على أي شخص يساعده.
ليقف أصلان سريعاً ويحملها من بين ذراعي رمزي وتحرك بها في اتجاه إحدى الغرف وهو يقول:
– شوف أي دكتور بسرعة.
ليتحرك رمزي سريعاً وهو ينادي:
– دكتور... دكتور حد يلحقنا... حد يساعدنا.
وفي تلك اللحظة ظهر أمامه طبيب يقول ببعض الغضب:
– صوتك يا أستاذ أنت في مستشفى.
ليمسكه رمزي من ملابسه وهو يقول:
– مراتي... الحق مراتي.
ليقطب الطبيب حاجبيه وهو يقول:
– هي فين؟
أشار له رمزي على الغرفة ليركض إليها الطبيب وخلفه رمزي.
وحين دلفوا إلى الغرفة خرج أصلان وعاد ليجلس مكانه من جديد.
ظل رمزي يتابع الطبيب وهو يعاين سناء.
والقلق ينهش قلبه.
ومرت الدقائق عليه بطيئة ومخيفة.
وحين نفذ صبره اقترب خطوتين وهو يقول:
– طمني يا دكتور... مراتي مالها؟
نظر إليه الطبيب وقال بابتسامة صغيرة:
– هو حضرتك خايف كده ليه؟ طبيعي يحصلها كده.
– يعني إيه طبيعي؟
أقترب منه الطبيب وقال بابتسامة واسعة:
– أسعد لحظات حياتي وأنا ببلغ أي راجل إن مراته حامل.
مبروك المدام حامل.
ظل رمزي ينظر إليه بصمت.
وكأنه لم يستمع إلى ذلك الخبر الذي تمناه طوال حياته.
وكأنه لم يستمع أن الله استجاب إلى دعائه.
وأنه لم يحرمه من أن يكون له طفل.
يكون قطعة منه ومن سناء.
إن الله كافأهم على صبرهم وإيمانهم به.
ورضاهم بما قضى لهم.
وها هي جائزته مرضية بالشكل الذي لم يتخيلوه يوماً.
– مراتي مالها؟
قالها ببعض الصدمة.
ليقول الطبيب بابتسامته الواسعة:
– حامل.
حضرتك هتبقى أبو.
ربت على كتفه وغادر الغرفة.
ليتوجه أصلان إليهم ليجد رمزي يسجد أرضاً ويقول بصوت عالٍ وباكياً:
– الشكر لله... الشكر لله... الشكر لله.
رفع رأسه من الأرض ليرى أصلان.
ليركض إليه وهو يقول بسعادة:
– سناء حامل يا أصلان.
حامل وأخيراً ربنا رزقنا بطفل وأخيراً كافأنا على صبرنا بكل الخير.
ظل يدور حول نفسه بتوهان وأصلان يتابعه بعدم استيعاب واندهاش.
أخرج رمزي هاتفه من جيب جلبابه.
وبعد عدة ثوانٍ قال بصوت عالٍ:
– اذبح ثلاث عجول يا إبراهيم ووزعهم على أهل البلد.
وكل الغلابة اديهم ٢٠٠ جنيه مع اللحمة.
ابني جاي في الطريق.
هبقى أب يا إبراهيم هبقى أبو.
أغلق الهاتف وعاد يدور حول نفسه.
ولكن عينيه وقعت على سناء التي تنظر إليه بزهول ودموع عينيها تغرق وجهها.
وعيونها تسأله صدق كلماته.
ليقترب منها سريعاً وجلس على ركبتيه بجوار سريرها وقال:
– أيوه يا سناء.
أنتِ حامل.
ربنا بيرضينا يا سناء.
قبلنا قدره وكفائنا هو بعظيم فضله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
((قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)))
وأنتِ لا كنتي عاقر ولا أنا بلغت من الكبر عتي.
لم تتمالك سناء نفسها وهي تضع يديها فوق معدتها تتحسسها برفق.
وبدأت في البكاء بصوت عالٍ وهي تقول:
– الحمد لله... الحمد لله... اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
ليضمها رمزي بقوة وهو يردد معها.
ودموع عينيه تغرق كتفيها كما تغرق دموعها كتفيه.
لم تتوقف الصفعات عن ضرب مفاتيح الإدراك لدى أصلان.
الذي يرى أمامه أشياء كان طوال حياته عينيه لا تراها وقلبه لا يشعر بها.
كيف يرى شخص كرمزي.
بهيبته ومكانته وعمره يبكي كالأطفال هكذا.
وكيف يتعامل مع زوجته بتلك الطريقة الراقية.
كيف يضمها بحنان.
كيف فقد كل قوته الجسدية حين سقطت بين يديه مغشياً عليها.
كيف كان يقف أمام الطبيب خائفاً وكأنه طفل صغير.
أخطاء يقف أمام والده بخوف.
كيف يشعر هو الآن بالقلق على تلك القابعة بداخل غرفة العمليات منذ أكثر من ساعة ولا يعلمون ما حالتها.
غادر الغرفة.
وتلك المرة لم يعد ليجلس على الكرسي.
بل اقترب من باب غرفة العمليات ووقف أمامه ينظر إليه.
وصوت صرخات قدر يصل إليه يخلق داخله إحساس بغيض.
يريد أن يصدم رأسه به أن يحطمه أن يفتحه الآن.
يدلف إليها.
كيف هذا ولماذا؟
منذ متى يشعر بتلك الأحاسيس؟
ومنذ متى يرى قدر بتلك الأهمية التي تجعله الآن يود أن يدخل إليها يضمها ويواسيها.
يمسك يدها كما رأى زوج عمته يفعل منذ قليل.
هل سيسعد بذلك الطفل القادم كما سعد رمزي؟
هل يشكر الله ويسجد له من السعادة؟
الله.
ومتى تذكر الله؟
متى شكره على شيء أو دعاه في يوم؟
متى وقف بين يديه يصلي بصدق؟
دائماً كان يصلي رياءً جوار جده في المسجد حتى يقول الناس أنه يصلي في المسجد فقط.
أو أخرج من ماله ما يستحقه الفقراء والمساكين.
متى نطق اسمه بخشوع ومتى خاف منه؟
وهو فعل كل ما هو محرم.
شرب الخمر.
وتعامل بالربا.
وزنا.
ماذا تبقى من المعاصي لم يفعله؟
ظلم وسرق.
واغتصب وزنا.
ماذا بقي؟
نظر من النافذة التي على يمينه إلى السماء.
ولم يستطع أن يستمر بالنظر.
شعر أن قلبه يرتجف.
وجسده يرتعش.
وما هذا؟
هل ما يسيل فوق وجنتيه الآن هو الدموع؟
هل أصلان الزيني يبكي الآن خوفاً من الله؟
وخوفاً على قدر؟
هل أصلان الزيني يبكي؟
ظل هذا السؤال يتردد بداخله.
وعقله يصور له مشاهده وهو بين أحضان العاهرات.
وهو يغتصب قدر ويهينها.
وهو يأمرها أن تخلع عنه حذاءه.
أن لا تجلس لتتناول معه الطعام.
حين وصفها بالجارية.
حين تركها بمفردها بعد موت جدها.
حين باع أرض عائلته.
حين قرر العودة ليخرج فيها غضبه من فشله وخسارته.
ليجدها ناجحة ومتفوقة واثقة وقوية.
جلس أرضاً واحتضن ساقيه بذراعيه ووضع رأسه بينهم.
وبدأ في البكاء بصوت عالٍ.
جعل رمزي يترك سناء ويذهب إليه.
يرتسم على وجهه الصدمة وعدم التصديق.
هل ما يراه حقيقة؟
أصلان يبكي.
لا أنه ينتحب.
ماذا حدث وكيف هذا؟
جلس بجانبه ينظر إليه بحنان ليقول أصلان من بين دموعه:
– شماتان فيا؟
ابتسم رمزي بحنان وهو يقول:
– أعوذ بالله من الشماتة في حد.
أنت كنت في ضلال.
ظلمت كتير.
ويمكن تكون عملت حاجات كتير غلط.
بس بما أن دموعك نزلت.
لو قلبك حس بالخوف.
لو بدأت تحس أن فاتك كتير يبقى فيك أمل.
وباب ربنا مفتوح يا أصلان.
عمره ما قفله ومنتظرك ترجعله يا أصلان.
ابكي وأنت واقف بين إيد ربنا.
استغفر وقوله تبت يارب تبت ومش هرجع تاني.
كان أصلان يستمع إليه ودموع عينيه تغرق وجهه وقال:
– هو ممكن يقبلني فعلاً.
أنا عملت كل حاجة وحشة ممكن تتخيلها.
وإللي عملته في قدر.
ربت رمزي على كتف أصلان ثم وقف ومد يده له ليقف هو الآخر.
وقبل أن يقول له أي شيء فتح باب غرفة العمليات وخرجت الطبيبة بملامح لا تفسر.
قال رمزي بقلق:
– خير يا دكتورة.
طمنينا.
ظلت تنظر إليهم ثم قالت:
– مبروك مدام قدر جابت بنت زي القمر.
وثوانٍ والممرضة هتجبها لحضراتكم.
كان أصلان صامتاً تماماً ينظر إليها بعيون باهتة لا روح فيها.
وآثار الدموع تغرق وجنتيه.
ولكن رمزي كان يشعر بالقلق والخوف.
فقال ببعض العصبية:
– المهم قدر.
أخفضت الطبيبة رأسها وقالت:
– حالة مدام قدر مش مستقرة.
واحنا نقلناها العناية المركزة.
بس هي طالبة تشوفكم كلكم رغم أن حالتها لا تسمح بالكلام.
تحرك رمزي سريعاً ليحضر سناء في نفس اللحظة التي خرجت فيها الممرضة تحمل بين يديها الصغيرة ووضعتها بين يدي أصلان وهي تقول:
– مبروك ما جالكم.
وغادرت سريعاً.
لينظر إلى الصغيرة بزهول وصدره يعلو ويهبط بسرعة شديدة.
وهو يرى وجهها الصغير ويديها الصغيرة التي تضعها على وجنته.
لتنهمر دموعه من جديد.
وبداخله يشعر أن قلبه يمتلئ بحب تلك الصغيرة التي لم يرى عيونها حتى الآن.
لكنها فتحت فمها الصغير تتثاءب.
ليضمها إلى صدره وهو يبكي بصوت عالٍ.
كانت سناء تشعر بالصدمة مما ترى أمامها.
أن ما يحدث أمامها معجزة لم يتخيلها أي منهم يوماً.
ابتسم لها رمزي وربت على كتفها وهو يقول:
– يلا علشان نطمن على قدر.
وسار بهدوء وهي بين ذراعيه.
ووقف أمام أصلان وقال:
– قدر طلبتنا يا أصلان يلا.
بيننا.
تحرك خلفهم وعيونه ثابتة على وجه الصغيرة التي أثرت عيونه وقلبه.
دخلوا جميعاً الغرفة لقدر التي كانت في حالة من التعب والإرهاق ما جعل قلوبهم تتألم.
همست سناء باسمها.
لتفتح عيونها بصعوبة.
وأول من وقعت عليه عينيها هو أصلان.
ظلت تنظر إليه وعلى وجهها ابتسامة لم يفهما رمزي أو سناء.
– قرب يا أصلان.
قالتها بصوت واهن ضعيف لكنه سمعه جيداً.
وأقترب بالفعل ووقف ينظر إليها.
وهي عيونها ثابتة على ابنتها وقالت من جديد:
– قربها مني.
جلس على طرف السرير وقرب الصغيرة منها.
لترفع رأسها قليلاً وتقبلها قبله عميقة.
وأغمضت عينيها وهي تملأ صدرها من رائحتها الرائعة.
فتحت عيونها ونظرت إلى أصلان وقالت:
– أنا فوزت يا أصلان.
وأنت خسرت.
أنا اسمي اتكتب فوق مدرسة للبنات وفوق ثلاث مشاغل وأنت اسمك مبقاش حد في البلد فاكره.
أنا كسرت كل القيود.
كل القيود اللي أنت كنت مكتفني بيها.
قدرت في وقت قصير أفتح كل الأبواب اللي قفلتوها في وشنا لسنين.
صمتت لثوانٍ تحاول التقاط أنفاسها ثم قالت:
– بنتي جت الدنيا وأبوابها كلها مفتوحة عشانها.
مش عارفة ليه مش خايفة عليها.
عيونك مكسورة والدموع ملياها.
مش شايفه فيها الغرور بتاع زمان.
أصلان الزيني بقى أب لبنت.
بنت أمها.
هتلاقيها قوية زي مش ضعيفة.
بنت قدر يا أصلان.
أقتربت سناء وقالت والدموع تغرق وجهها:
– بلاش كلام يا قدر وارتاحي.
ابتسمت قدر بوهن وهي تقول:
– لازم أتكلم يا عمتي.
لازم أتكلم.
عادت بنظرها إلى أصلان وقالت:
– أنا مش هوصيك على بنتي.
وعارفة أن بابا رمزي وعمتي مش هيسمحوا ليك إنك تأذيها.
رغم أني من جوايا حاسة إنك مش هتقدر تعمل كده.
عيونك بتقول كده.
أخذت نفس عميق بصعوبة ثم قالت:
– تحت مخدتي في أجندة.
دي لبنتي.
اديهالها.
بتاعتها.
أقترب رمزي وقال بهدوء رغم ذلك الخوف المرتسم داخل عينيه:
– قدر.
ارتاحي يا بنتي.
– ما أنا هرتاح يا بابا.
أغمضت عيونها لثوانٍ ثم فتحتها وقالت:
– أنا مقدرتش أشكرك يا بابا على كل تعبك ومجهودك واستحمالك لكل المواقف الصعبة.
شكراً من قلبي.
ربت على قدمها بحنان وهو يقول:
– أنتِ بنتي يا قدر وده واجب عليا يا بنتي.
ابتسمت بإرهاق.
لتقترب سناء منها وهمست بجانب أذنها:
– أنا حامل يا قدر.
اتسعت ابتسامة قدر ونظرت إلى رمزي وقالت:
– يا بخته بأب زيك وأم حنونة زي عمتي سناء.
أقترب منها أصلان وهو يقول:
– ممكن تسامحيني يا قدر.
لم تجيبه بشيء.
بل مال رأسها قليلاً فقط ونظرت إلى ابنتها من جديد.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
ليعلو صوت ذلك الجهاز الموصول بقلبها يعلن عن توقف القلب.
لترتجف الأجساد بصدمة.
حين اقتحمت الطبيبة الغرفة والممرضين.
وبدأوا في محاولة إنعاش القلب وإعادتها إلى الحياة.
إلا أن القدر قد قال كلمته الأخيرة.
وأعلن أن مهمة قدر في هذه الحياة قد انتهت.
أحتضن رمزي سناء بقوة وهي تصرخ بقوة وتنادي باسمها.
ودموع عينيه تغرق وجهه الرجولي.
– قدر.
أمسكي بنتك.
قدر أنا مش هقدر أصونها وأحافظ عليها.
قدر قومي بلاش تنتقمي مني بالشكل ده.
قدر أنا مش حمل العقاب ده.
قومي.
جلس أرضاً على ركبتيه وأمسك يديها وهو يقول:
– قومي.
قومي وأنا هطلقك.
قومي وأنا مستعد أبوس إيدك ورجلك قدام البلد كلها.
أهو أهوو.
تحرك في اتجاه قدميها وبدأ يقبلها عدة قبلات وهو يقول والدموع تغرق عينيه.
– قومي يا قدر وأنا هفضل الباقي من عمري أعتذر منك وأنا إللي هبقي خدامك.
قومي يا قدر بلاش تشيليني ذنب جديد.
قومي يا قدر أبوس رجلك قومي.
عاد يمسك يديها من جديد وهو يقول:
– مش عشانك قومي عشان قدر الصغيرة.
قومي يا قدر أبوس إيدك.
أنا ندمت.
واتكسرت.
بعلنها اهو قدام الكل.
أنا خسرت وأنتِ إللي فوزتي يا قدر.
غلبتيني.
قدرتي عليا.
كسرتي غروري.
قومي يا قدر قومي.
وبدأ في هز جسدها بقوة حتى بكت الصغيرة بخوف.
ليصرخ بصوت عالٍ:
– قومي يا قدر البنت بتعيط.
قومي مش هعرف أسكتها ولا هعرف أربيها يا قدر.
قومي قومي.
اعتدل يضمها إلى صدره وبينهم ابنتهم التي مازالت تصرخ بصوت عالٍ.
يرافقها صوت بكاء والدها الذي انتبه لكل أخطائه.
لكن بعد فوات الأوان.
رواية قدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة مجدي
خرجت كل البلد وتجمعت أمام المستشفى حين وصل إليهم خبر وفاة قدر.
بين صدمة وعدم تصديق، وانهيار جميع نساء وفَتَيات البلد.
وسط كلمات كثيرة عن أن السبب خلف موتها هو أصلان.
إلا أن خروج أصلان برفقة رمزي من باب المستشفى، وبين ذراعيه ابنته، جعل الصمت يخيم على الجميع.
خاصة حين قال أصلان والدموع تغرق عينيه:
– قدر ماتت بعد ما قدرت تغير كل الحاجات الغلط إللي كنا كلنا مصدقينها.
قدر ماتت بعد ما زرعت بذور النور، بعد ما فتحت كل أبواب الحق والنور والصح.
صمت لثوانٍ ثم نظر إلى الصغيرة وقال:
– أنا أصلان الزيني بعترف قدامكم بكل أخطائي، بعترف بغروري وغبائي، بعترف إني ظلمت قدر، بعترف إني طلبت منها إنها تسامحني.
وبيتعهد قدامكم كمان على إني أكمل كل اللي هي بدأته.
بتعهد إني أعمل مع بنتها كل اللي هي اتحرمت منه، وكل بنات البلد.
رمزي كان ينظر إليه بعدم تصديق. ورغم سعادته بموقفه، إلا أنه لم يستطع مسامحته على كل ما عانته قدر منه. صحيح سيكمل معه ما بدأته قدر، إلا أن كل ما كان شاهدًا عليه من ظلم وقع على قدر بسبب أصلان سيظل واقفًا بينه وبين أصلان. وأيضًا لن يبتعد عن الصغيرة.
كانت جنازة قدر كبيرة، كبر ما قامت به من تغيير واقع مؤسف وأفكار نابية أكل الدهر عليها وشرب.
الدموع والدعاء لم يتوقف حتى انتهى كل شيء.
وكل ذلك وأصلان يحمل الصغيرة بيد، وباليد الأخرى يحمل نعش زوجته التي لم يكن لها يومًا زوج، بل كان قيدًا كبيرًا استطاعت أن تكسره وتحطم غروره ووضعته أسفل قدميها.
وهذا ما يستحقه. هو يعلم ذلك، ويعلم أيضًا أن عليه التكفير عن كل ما حدث قديمًا.
بدأت الناس بالرحيل، وأصلان على وقفته أمام شاهد قبرها.
ينظر إليه بصمت، لكن من داخله هناك ألف صوت يتحدث.
صوت يصرخ أن تسامحه، وصوت آخر يرجوها أن تعود، وصوت آخر يصرخ به يخبره أنه ظالم.
جلس أرضًا وأراح الصغيرة الغارقة في نوم على قدمه.
ونظر إلى القبر وقال غير منتبه لوجود رمزي وسناء حتى الآن:
– زمان يوم ما اتولدتي كنت أنا عندي سبع سنين. كنتي حلوة أوي يا قدر، كنت شبه الملائكة. كنت بقعد جنبك بالساعات أمسك إيدك وألمس خدك. لحد يوم جدي دخل الأوضة ولأول مرة يضربني بسببك. فضل يزعق فيا ويقولي: "إنت راجل، والراجل قلبه ما يبقاش حنين. عمك الخايب بعد كل سنين جوازه دي رايح يجبلنا العار، يجبلنا بنت جاب خدامة، مش كفاية عمتك".
كنت بسمعه وأنا مش فاهم حاجة، وإيه المشكلة إنك بنت.
ساعتها مسكني من دراعي وسحبني لحد سريرك وشالك بإيد واحدة وحطك على الأرض وقال لي بغضب: "ده مكانها، أي بت مكانها تحت رجلك، إنت فاهم؟".
هزيت راسي آه وأنا كل جسمي بيترعش خايف عليكي من نومة الأرض. وهو عمال يتحرك خايف يدوس عليكي بالغلط.
لكن... لكن إللي حصل إنه... إنه.
لم يستطع إكمال حديثه، لكنه ضم الصغيرة إلى صدره بقوة وهو يكمل بصوت باكي:
– لكنه داس عليكي بالقصد. حط رجله فوق بطنك وقال لي: "شايف هي فين تحت رجلي؟". ونزل رجله من عليكي وقال لي بأمر: "ارفع رجلك ودوس عليها". مقدرتش أعمل كده، بس هو صرخ فيا إني أدوس عليكي. وقتها كنت خايف وأنتِ بدأتِ تصرخي. وعمي ومرات عمي جم على صوت صريخك. مرات عمي مستحملتش المنظر ووقعت من طولها. وعمي فضل واقف ساكت، عينيه ثابتة على رجلي اللي دايسة على بنته اللي لسه مكملتش كام يوم. ومش في إيده حاجة يعملها بسبب جبروت جدي اللي مكنش حد يقدر يقف قدامه.
سناء كانت تستمع إلى كلمات أصلان بصدمة وعدم تصديق. كل ذلك الماضي، كانت دائمًا تسأل نفسها كيف كره أصلان قدر ولماذا. ولما غادر أخوها البلد دون عودة. وكيف توفت زوجته فجأة ودون مقدمات.
رمزي كان يشعر بالزهول. هل هناك حقد وغل وغضب إلى تلك الدرجة؟ ولا يستطيع استيعاب كره الحاج رضوان للبنات بتلك الطريقة البشعة.
نظر إلى زوجته وبدأ يتخيل هل حدث معها نفس الشيء حين ولدت. هل قال عليها عار؟ ووضعها أسفل قدميه بتلك البشاعة ودون أن يشعر ضمها بشدة إلى صدره بخوف.
انتبه لكلمات أصلان من جديد:
– من يومها وكل يوم جدي كان يعمل نفس الحركة. يجيبك ويحطك تحت رجلي ويقولي: "علشان تتعود إنها خدامتك، وإن مكانها تحت رجلك". زرع جوايا كرهك. ومع مرور الأيام والسنين، كنت كل ما أذيكي بأي شكل جدي يكافئني. مرة فلوس، ومرة العجلة اللي كنت عايزها. ومرة لبس أشكال وألوان، ومرة الموتوسيكل اللي كنت بحلم بيه. والعربية والبعثة. أحلامي كلها مجابة. كنت كل يوم أتفنّن في أذيتك. جدي زي ما قتل أحلامك، قتل الطفل الطيب البريء اللي جوايا. دفن حبك اللي اتولد مع أول مرة شوفت فيها عيونك البريئة، وخلق الكره والغضب والاستغلال.
ضم ابنته أكثر إلى صدره وهو يقول:
– سامحيني يا قدر. سامحيني. وأنا أوعدك إني هكمل كل اللي أنتِ بدأتيه. هعمل مع بنتي كل اللي أنتِ اتحرمتي منه وكل اللي أنتِ كنتِ بتحلمي بيه وبتتمنيه. هكون ليها الأب والسند والأمان. هكون ليها مفتاح لكل الأبواب المقفولة. هفتخر ببنتي وهفرح بيها. اطمني يا قدر، اطمني.
ظل صامتًا ينظر إلى القبر بعيون شديدة الحمرة من أثر البكاء.
حاول رمزي أن يتمالك نفسه سريعًا. واقترب من أصلان وجلس بجانبه وقال:
– قوم يا أصلان. كده غلط على البنت الصغيرة.
– اسمها قدر.
قالها أصلان بإقرار. ليبتسم رمزي ابتسامة صغيرة حزينة وهو يقول:
– قوم علشان خاطر قدر. البنت ما تستحملش كل ده.
وكأنه عاد إلى وعيه. نظر إلى الصغيرة بقلق ثم أومأ بنعم.
وقف على قدميه واقترب من شاهد القبر ووضع يديه عليه وهو يقول:
– أوعدك يا قدر إني أعيش كل اللي جاي من عمري أكفّر عن كل ذنوبي وأخطائي في حق ربنا وحقك. وأوعدك إني أحافظ على قدر الصغيرة بعمري.
***
ظلت سناء واقفة مكانها بين ذراعي زوجها تتابع خطوات أصلان الواهنة. ثم نظرت إلى رمزي بحيرة وقلق. ليربت على كتفها بحنان وقال بهدوء:
– جهزي ببرونة قدر. أنتِ محتاجة ترتاحي.
أومأت بنعم وتحركت تنفذ ما قال. وبعد عدة دقائق كانت تدلف إلى غرفتها.
استقبلها هو باحتواء وحنان وأخذها مباشرة إلى الحمام. ساعدها في أخذ حمام دافئ.
وها هي تسكن صدره الحاني.
– أنا خايفة أوي يا رمزي.
– من إيه يا سناء؟
نظرت إليه وقالت بتأكيد:
– أصلان.
أومأ بنعم وقال ببعض الشرود:
– أنا النهارده اتفاجأت بكل اللي حصل. كلام أصلان واللي الحج رضوان كان بيزرعه فيه. أنا حقيقي مش قادر أصدق كره الحج رضوان للبنات.
صمت لثوانٍ ثم قال:
– أنا مش قادر أفهم كل اللي حصل النهارده ولا قادر أستوعب صدمة أصلان وكل اللي حصل معاه النهارده. صدمة موت قدر محدش فينا قادر يستوعبها. البلد كلها حزينة عليها.
تبكي سناء وهي تقول:
– يا حبيبتي يا بنتي. يا حبيبتي. أنا مش قادرة أصدق. عاشت عمرها كله مقهورة وماتت صغيرة من غير ما تلحق تتهنى وتفرح بنجاحها ولا تفرح ببنتها.
ربت على ظهرها وهو يقول:
– متقوليش كده يا سناء، حرام. كل شيء مكتوب وده قضاء الله.
أومأت بنعم وهي تقول:
– ونعم بالله.
خيم الصمت عليهم لثوانٍ. كل منهم عقله سارح في أفكاره وما يشغله.
نظر إليها لعدة ثوانٍ ثم ناداها بصوته الحاني:
– سناء.
نظرت إليه باستفهام ليقول باستفهام:
– هو الحج رضوان كان بيعمل معاكي إيه وأنتِ صغيرة؟
تجمعت الدموع في عينيها وهي تقول:
– مكنش بيعاملني أصلًا. كنت نكرة بالنسبة له زي أي كرسي في البيت لا بيحس ولا بيتكلم.
نظرت إليه وقالت بألم:
– عارف يا رمزي عمره ما طبطب عليا. عمره ما اهتم يجيب لي هدوم. كنت بشوفه ديمًا بيفضل أخواتي عليا. كل اللي يطلبوه أو اللي حتى مطلبوهوش بيكون موجود عندهم وأنا أبسط الحاجات محرومة منها. حتى قدر لما كانت لسه بيبي وكانت تعيط كان ممكن يضربها علشان كده كنت على طول ببعدها عنه.
شهقت بصوت عالٍ أثر بكائها وأكملت قائلة:
– يوم أنت ما اتقدمت علشان تخطبني. هو وافق واتفق معاكم وخلص كل حاجة من غير أنا ما أعرف. ويومها كنت فاكرة إن الدنيا لسه عايزة تظلمني وكنت فاكرة إنك زيه.
ابتسمت من بين دموعها وقالت:
– بس ربنا حب يهاديني بهدية كبيرة ونعمة عايشة فيها عمري كله.
ضمها بحنان وظل يربت على ظهرها. غلب النوم عينيها بين ذراعيه وفوق صدره الحاني.
وظل هو يربت على ظهرها وعقله يفكر في كلماتها ويتصور كيف عاشت وما كان إحساسها يوم زواجها منه.
أغمض عينيه بألم ولم يجد ما يقوله سوى:
– الله يرحمك يا حج رضوان ويغفر لك كل ذنوبك وأخطائك وظلمك.
***
دخل أصلان الغرفة وأغلق الباب خلفه. وظل ينظر إلى أركانها لعدة دقائق يتخيل قدر بها، كيف تتحرك فيها ومكان نومها.
وقعت عيناه على علاقة الملابس وذلك الثوب الخاص بها المعلق هناك.
تحرك ليضع الصغيرة النائمة في منتصف السرير وتوجه إليها يمسك ذلك الثوب من فوقها.
وقربه من أنفه وأغمض عينيه وهو يملأ صدره برائحتها التي اشتاق إليها.
عاد ليجلس على السرير وبين يديه فستانها يذكر نفسه بوجهها الملائكي يوم مولدها.
وكيف كانت تنظر إليه بعيونها الصغيرة وتُبتسم لحركات وجهه المضحكة.
أغمض عينيه لتسيل تلك الدمعة فوق خده وهو يتذكر كل ما كان يقوم به معها. حتى يرضى جده. وما كان يحدث بعيدًا عن عينيه كان يتفاخر به أمامه حتى يرى الرضا يرتسم على ملامحه.
رفع عينيه ينظر إلى صغيرته ليبتسم رغماً عنه. وتذكر حديث قدر عن مذكراتها. فمد يديه أسفل الوسادة وأخرجها وقربها إلى فمه وقبلها عدة قبلات. ثم وضعها بجانب الصغيرة وبالجهة الأخرى منها وضع فستان قدر وتحرك إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا.
لم يتأخر. وقبل أن يعود إلى صغيرته أحضر سجادة الصلاة الخاصة بقدر ووقف بين يدي الله يصلي.
كان يقرأ الآيات التي يتذكرها ودموع عينيه تغرق وجهه. وحين يسجد كان يدعو الله أن يغفر له ذنوبه، أن يتقبله، أن يجعله أبًا جيدًا لابنته، أن لا يحرمها من كل ما حرمت منه أمها. أن يقدره أن يكمل مسيرة قدر. يبكي ويدعو. ويعد الله أن يتغير، أن لا يعود إلى ما كان عليه مرة أخرى. أن يكون لابنته الأب الحامي والحاني. الأمان والحماية.
حين انتهى من صلاته جلس سريعًا على السرير وفتح المذكرات وبدأ في قراءتها.
كان يبكي بقهر وهو يرى خط يديها المرتعشة تصف يوم حاوط عنقها يريد قتلها. ويوم قرر أن يحرمها من إكمال دراستها. ليغمض عينيه وهو يقول:
– والله كان غصب عني. كان غصب عني. كان لازم أبقى مميز عند جدي. كان لازم يكون شايفني الراجل اللي هو عايزه. أنا آسف يا قدر، أنا آسف.
أخذ نفسًا عميقًا لعله يهدئ من شهقات بكائه ثم عاد يكمل باقي مذكراتها.
حين كانت تراه يشتري ملابس جديدة وحين تطلب شيئًا يرفض جدها بشكل قاطع ويحضر لها ملابس قديمة من خزانة جدتها ويلقيها لها أرضًا وهو يأمرها بأن ترتدي هذه الملابس ولا تطلب شيئًا آخر.
أغمض عينيه بألم ثم فتحهما وعاد ليقرأ كلماتها وإحساسها حين سافر ليكمل تعليمه وحين عاد ويوم تزوجها وانتهك حرمة جسدها بوحشية وعنف وغضب. وحين توفي جده ويوم غادر.
كل الألم النفسي التي شعرت به طوال حياتها وكل الخوف والقلق. كل الكره الذي كان يسكن قلبها تجاهه وتجاه جدها. وحزنها من أبوها الذي تركها وهرب. إحساسها بالأمان بجوار زوج عمتها وحنانه وتشبيهها له أنه مثال للرجل الحقيقي التي تحلم به كل فتاة أن يكون حبيبها أو أخيها أو والدها. هو المثال والقدوة الذي يجب أن يتبعها ويقتدي به كل الرجال.
رفع عينيه عن المذكرات ونظر إلى ابنته وهو يعدها بصمت أن يكون الأب التي تفتخر به طوال حياتها ويكون لها الصديق والصدر الحاني والداعم لها بكل خطوات حياتها.
أخذ نفسًا عميقًا وعاد من جديد يقرأ كلماتها.
طريق كفاحها وكيف استطاعت تغيير العقول المتحجرة الصدئة وكيف حاربت طواحين الهواء حتى استطاعت إثبات قدراتها ونيتها الطيبة في جعل كل النساء يستطعن أخذ حقهن من تلك الحياة الظالمة.
أغلق المذكرات وهو ينتبه لصوت الصغيرة التي استيقظت من نومها وتريد طعامها.
اقترب منها يحملها بين يديه بحنان وقبل جبينها وهو يقول:
– جعانة يا صغيرة. حاضر يا حبيبة بابا أنتِ بس تأمري.
وأحضر الببرونة الخاصة بها وضمها إلى صدره وبدأ في إطعامها الحليب برفق.
***
في صباح اليوم التالي كانت سناء رغم انشغالها بجميع النساء الموجودات في المنزل لتقديم واجب العزاء، إلا أن عقلها بأكمله مشغول بالصغيرة. الذي يرفض والدها تركها ولو لحظة واحدة لدرجة أنه الآن يجلس في سرادق العزاء وهي بين ذراعيه.
كان رمزي ينظر إلى أصلان وبداخله يفكر: سبحان الله يهدّي من يشاء ويضل من يشاء. يعز من يشاء ويذل من يشاء.
هذا أصلان الذي لم يهتم لأحد يومًا. الذي أنهى أيام العزاء حين وفاة جده وغادر دون أن ينظر خلفه.
الآن هو حزين. عينيه تمتلئ بالدموع. يحتضن ابنته دون أن يهتم لكلمات الناس ونظراتهم المندهشة.
يداعبها بيديه ويرسل أحد العمال ليحضر لها وجبتها من الحليب في موعدها.
حين انتهى العزاء وعادوا الرجال إلى المنزل، وقفت سناء أمام أصلان وقالت:
– هات البنت علشان تعرف تنام. متقلقش عليها أنا هخلي بالي منها.
اقترب أصلان خطوة من عمته وأحنى رأسه يقبل رأسها أمام نظرات رمزي الزاهلة وصدمة سناء التي جحظت عينيها بعدم تصديق، خاصة حين قال:
– متقلقيش يا عمتي. أنا مخلي بالي منها. وبعدين أنتِ حامل دلوقتي والمجهود غلط عليكي. عايزين أخ أو أخت قدر تلعب معاهم.
وتحرك ليصعد إلى غرفته وهو يقول:
– تصبحوا على خير.
– مش هتتعشى يا أصلان؟
قالها رمزي مستفهماً لينظر إليه أصلان ويقول بابتسامة صغيرة:
– مش جعان يا عمي. تصبحوا على خير.
وصعد إلى غرفته. ومثل الليلة الماضية وضع الصغيرة في منتصف السرير ودلف إلى الحمام ثم وقف بين يدي الله يصلي ويستغفر ويعلن توبته وندمه. ثم يقرأ مذكرات قدر وبضع آيات من الذكر الحكيم. ثم يأخذ الصغيرة بين ذراعيه وينام.
مرت عدة أيام لم يختلف حاله عن الأيام الأولى حتى ذلك اليوم الذي وقف فيه أمام رمزي وقال:
– عمي أنا عايز أكمل معاك كل اللي قدر بدأته.
كان رمزي ينظر إليه بشك وتفحص ليقول أصلان موضحًا:
– عارف إنك مش مصدق كل التغيير اللي حصل. لكن إنك لا تهدّي من أحببت والله يهدّي من يشاء.
ابتسم رمزي ابتسامة صغيرة ليكمل أصلان كلماته:
– أنا مش هكون مكان قدر، ربنا يرحمها. اعتبرني مساعد ليك، متطوع، خدامك وتحت أمرك.
قطب رمزي حاجبيه بضيق ليكمل أصلان قائلاً بتوسل:
– أنا عايز أكمل اللي هي كانت بتحلم بيه. يمكن ده يكفّر ولو جزء بسيط من اللي عملته فيها. عايز حلمها يكتمل، واسمها كل الناس تعرفه. عايز بنتي لما تكبر الدنيا كلها تشاور عليها وتقول: "بنت قدر أهي". دي بنت قدر.
اقترب خطوة من رمزي وأمسك بيده بتوسل:
– أرجوك يا عمي. أنا هبقي من إيدك دي لإيدك دي. هكون موجود بس علشان أنفذ اللي تأمرني بيه.
ربت رمزي على كتف أصلان وقال بهدوئه المعهود:
– يا ابني أنا فخور بيك وإنك رجعت لربنا ولعقلك. يمكن اتأخرت لكن إنك تتوب وترجع للصح حتى لو متأخر أحسن من إنك تفضل في ضلالك.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء أكمل قائلاً:
– ده مالك ومال بنتك. وأنت أولى الناس إنك تديره. هفهمك كل حاجة ماشية إزاي وأنت أكيد قد المسؤلية.
وبالفعل من اليوم التالي ترك أصلان قدر عند سناء رغم أن قلبه يرتعش خوفًا عليها. ويشعر أن قلبه وعقله لا يفكرون سوا بها. إلا أنه كان يسير خلف رمزي كتلميذ نجيب يريد أن يتعلم كل شيء وأن يحصل على رضا المعلم في النهاية.
كان جميع أهل البلد يشاهدون حالته. جسده الهزيل وذقنه النامية. التزامه بأداء الفروض في المسجد. الابتعاد عن أي مظهر من مظاهر التفاخر والرياء. معاملته مع جميع الناس بتواضع وبساطة. وأيضًا اهتمامه بابنته. واحترامه الواضح لزوج عمته وعمته أيضًا.
متابعته لبناء المدارس وتقديم المساعدة لكل فقير محتاج وتكفل بأكثر من فتاة حتى تستطيع دخول المدرسة.
***
بعد مرور أربع سنوات. كان يسير جوار ابنته التي ترتدي الزي المدرسي. ويحمل هو عنها حقيبتها. لتقول الصغيرة:
– أنا هروح مدرسة ماما.
يبتسم بسعادة وهو يقول مؤكدًا للمرة التي لا يذكر عددها:
– أيوه يا قدر. المدرسة باسم ماما وهي اللي كانت السبب في بنائها.
تصفق الصغيرة كما كل مرة يخبرها بنفس الجملة وتقول من جديد:
– وكمان على اسمي.
ليضحك بصوت عالٍ وهو يقول:
– أيوه على اسمك. لأن اسمك زي اسم ماما.
وقفت الصغيرة ووضعت يدها حول خصرها وقالت:
– فين مصروفك يا سي بابا؟
لينحني أمامها ويمد يديه لها بورقة مالية وقال باحترام:
– هو أنا أقدر أنسى مصروف الآنسة قدر؟
أخذت المال من يديه وسارت جواره بهدوء حتى وصلت إلى ذلك البيت الصغير الذي يسبق المدرسة بعدة أمتار فقط. واقتربت من الباب ووضعت المال من أسفله كما شاهدت والدها يفعل أكثر من مرة.
كان يتابع حركتها وما قامت به بذهول وعدم تصديق. حين رفعت عيونها إليه ابتسمت وقالت:
– مصروفك بيعمل تده.
لينحني ويحملها ويقبل أعلى رأسها ووجنتيها وهو يقول:
– أنتِ أشطر بنوتة في الدنيا وربنا بيحبك أوي وماما فرحانة بيكي أوي.
ابتسمت الصغيرة براءة وبدأت في مداعبة شعيرات ذقنه حتى وصلوا إلى المدرسة. ودعها بعدة قبلات وأعاد عليها نصائحه بأن تنتظره داخل المدرسة وأن لا تغادر بمفردها أو بصحبة أي شخص مهما كان سواه هو فقط. أومأت بنعم وأشارت له بالسلام ودخلت إلى المدرسة.
وجد قدميه تأخذانه إلى قبرها. وقف هناك يقرأ الفاتحة ثم بدأ يقص عليها كل ما حدث. وكيف تم فتح مصنع نسيج صغير يحمل اسمها. وكيف أصبح لهم محل كبير للملابس الجاهزة من عمل المصنع والمشاعل. وأن تم افتتاح المدرسة الإعدادية والعمل على قدم وساق في المدرسة الثانوية أيضًا.
طمأنها على ابنتها. وأنه ما زال على العهد الذي عاهده لها يوم وفاتها حين رآها في الحلم وحلف لها أنه لن يتراجع عن طريقها ولن يعود إلى ضلاله القديم.
***
توجه إلى المصنع مباشرة ليجد يحيى ابن عمته يقف بجوار والده الذي يتابع كل شيء بنفسه داخل المصنع. اقترب منه وحمله وهو يقول:
– إزيك يا بطل أخبار الشغل إيه؟
– وحش أوي يا أصلان.
رفع أصلان حاجبيه باندهاش مصطنع وقال:
– وحش أوي ليه يا باشمهندس يحيى؟ وأنت سكت لما لقيت الشغل وحش؟
ضحك رمزي على ذلك الحوار الطفولي الذي يدور خلفه. وعادت ضحكته حين قال ولده:
– الألوان وحشة والمتن باهت.
– يا خبر! كل ده لا الأمر ده ما يتسكتش عليه.
أجابه أصلان بجدية ولم يتمكن رمزي من تمالك نفسه ليكمل أصلان باستفهام:
– طيب وأنت رأيك إيه يا هندسة؟
– معرفش. بس الوضع مش أطمن.
ليضحك أصلان بصوت عالٍ وهو يضم الصغير ويقبله بسعادة:
– والله أنت سكر كده وأنا بحبك أوي.
نظر إليه رمزي وقال بمرح:
– مناقشة قوية وهادفة الصراحة.
ليحاول أصلان كتم ضحكاته في نفس اللحظة الذي قال يحيى بهدوء:
– أنا أكبر اتجوز.
ليرفع أصلان عينيه مباشرة إلى عيون رمزي الذي ابتسم بوقار وقال:
– المهم هي توافق عليك يا ابني.
فهم أصلان ما وراء كلمات رمزي لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
– اكسب قلبها بالحب والاهتمام والخوف عليها. اكسب احترامها بتقديرك ليها وتفهمك واستيعابك لمشاعرها. واحترم عقلها. ساعتها هتكسب قلبها وساعتها هتوافق عليك.
كان الصغير ينظر إليه بعدم فهم ليبتسم ابتسامة واسعة ويقبل جنته وأعاده يقف جوار والده الذي ينظر إلى أصلان باحترام.
لقد تعلم أصلان الدرس. فهم واستوعب وآمن. ولن يعود لضلاله القديم.
***
في إحدى الليالي وبعد أن غطت قدر في نوم عميق. أخذ أصلان مذكرات قدر الذي حفظها عن ظهر قلب. فهو يقرأها يوميًا منذ وفاتها وحتى تلك اللحظة.
حفظ كلماتها. وشعر بها. متى كانت تضحك ومتى كانت تبكي. ومتى ارتعدت يديها بحزن.
نظر إلى ابنته التي تتوسط سريره وأخذ نفسًا عميقًا وأمسك القلم وعند الصفحة الأخيرة بالمذكرات كتب:
"تألمتي حبيبتي ولم أكن بجوارك يومًا أخفف عنك، بل كنت سببًا في عذابك وألمك ودموعك. الاعتذار لم يعد له معنى يا قدر. لن يعيدك لي، ولن يعد الزمن لأغير كل ما حدث، لأقف في وجه جدي وأعترض على كل ما قام به. لكن أعدك أن أكون الأب التي تستحقه ابنتي. أن لا أبخل عليها يومًا بحبي وحناني ودعمي. أن أظل بجانبها طوال حياتها. الملجأ المفتوح دائمًا لدموعها وشكواها وضحكتها. أن لا أبخل عليها بمالي. أن أزرع بداخلها القوة وأنها قادرة على التحدي والوقوف في وجه المصاعب والحياة. أن أكون دائمًا لها لا عليها. قدر، كان طلبك الأخير أن أعطي تلك المذكرات لابنتنا لكنني لم أستطع فعل ذلك. لا أريد أن أشوه صورتي في عيونها. لا أريد أن أخسرها. لا أريد أن ترى أصلان القديم. أعتذر منكِ حبيبتي لكنني سوف أفعل مثلك. أكتب أنا أيضًا مذكراتي وأضعهم سويًا. وحين آتي إليكِ ستجدهم هي. لكن بعد أن أكون أنهيت رسالتي معها وكفرت عن ذنبي في حقك. أنا آسف وأعلم أن كلمة اعتذار لن تكفي لكنني لن أتوقف عن قولها لك كل ليلة."
أنهى كلماته وأغلق المذكرات وتوجه إلى الخزانة يفتحها وفتح تلك الخزانة الصغيرة التي اشتراها منذ يومين فقط ليضع بها تلك المذكرات وأيضًا اشترى أجندة مشابهة للخاصة بقدر حتى يكتب بها كل ما بداخله ويقص على ابنته كل ما حدث ويحدث وما سوف يحدث.
فتح أول صفحة بالمذكرات وكتب بها:
"إلى ابنتي الغالية قدر"
وبالصفحة الثانية كتب:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ *وَ أَنْذِرَ النَّاسُ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ». «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ». ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [الْبَقَرَةُ: 160] ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النِّسَاءُ: 27]"
وبالصفحة الثالثة بدأ يكتب كل ما كان يحدث قديمًا.
***
بعد مرور خمس عشر سنة كان يجلس كل من رمزي وسناء وأصلان على طاولة الطعام يتكلمون في بعض الأمور الخاصة بالعمل. حين اقترب منهم يحيى وجلس مكانه بغضب. لينظر إليه الجميع باندهاش. ولكن دخول قدر العاصف وهي تقول بغضب:
– أنا مش بقلل منك يا يحيى. أصلاً مينفعش أعمل كده. بس متنساش إن أنا اللي بدير المشغل وأنا أكتر حد فاهم أموره والدنيا ماشية فيه إزاي. وأكيد مش هسمح إنك تيجي تعدل عليا وقدام العمال.
كان الجميع يتابع ما يحدث بصمت. فهذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها الاثنان أمام بعضهما البعض مثل الديوك.
– أنا مش بعدل عليكي يا قدر. أنا بس كنت بتناقش معاكي. لكن متقلقيش من النهارده أنا مش هتكلم معاكي في أي حاجة. ولا حتى هخاف عليكي.
وتحرك ليصعد إلى غرفته ليوقفه صوت أصلان الذي ناداه بصوت عالٍ. ليعود ويقف أمامه بصمت.
ليقف أصلان ويواجه ابنته التي توترت عينيها ليقول:
– كلنا بنحترمك وبنحترم قراراتك في الشغل. بس كمان أنتِ لسه صغيرة وممكن يكون في حاجات متخديش بالك منها. وبعدين زي ما أنتِ عايزة الناس تحترمك لازم أنتِ كمان تحترميهم.
– أنت حقك تزعل من قدر ومن الموقف اللي حصل. لكن أبدًا أوعى تقول إنك مالكش دعوة بيها. أنا بطمن في وجودك جنبها يا يحيى. أنت صمام الأمان ليها وأنا مش موجود جنبها.
– ومين قال لحضرتك إني هتخلى عن مسؤولياتي. صحيح أنا أصغر منها بكام شهر. لكن أنا راجل وعارف واجباتي كويس وحقوقكم كلكم عليا.
أجاب على كلمات أصلان ليبتسم الجميع ويشعرون بالفخر به.
لتقول قدر بصوت هادئ:
– أنا آسفة يا يحيى مقصدش اللي حصل.
خيم الصمت لعدة لحظات حتى تحرك يحيى ليجلس مكانه من جديد وهو يقول:
– طيب يلا اقعدي كلي أكيد مأكلتيش حاجة طول اليوم كالعادة.
ليجلسوا جميعًا يتناولون الطعام. ولكن أصلان كان يفكر:
"بنتك كبرت يا قدر. كبرت قوي. وبقت زي ما أنتِ كنتي بتحلمي. الله يرحمك يا قدر وأنا آسف يا حبيبتي."
تمت.