الفصل 9 | من 18 فصل

رواية قدر و وصال الفصل التاسع 9 - بقلم هدير ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
2,690
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

والندوب بقلوبهم لا تشفي أبدًا بل تشاطرهم، وتظل الأحزان حية معهم. واقفون يشاهدون تسجيلات الكاميرا بذلك المول وعلاء معهم الذي جاء فور معرفته بالأمر. يصبون كامل نظراتهم على ذاك المقطع الذي جاء بقدر تتحدث معهم، فرمقهم علاء قائلاً: _بتقولكم إيه هنا. ردت شقيقته قائلة: _قالت أدخل هقيس دي وانتي يا وصال روحي مع رهف لقسم الأطفال نقيلها حاجة عشان نكسب وقت، وأنا قولت إني هروح مع وصال بس.

صب نظره مرة أخرى أمامه فشاهد مغادرة الفتيات ودخول قدر لقياس قطعة الملابس. ولم يدم بضع دقائق حتى خرجت امرأتان يرتدين النقاب الساتر لوجههن، وإحداهن تسند الأخرى التي تبدو كالمتغيبة. هتفت وصال قائلة: _إيه اللي بيحصل ده، مش قدر هي اللي كانت جوة مين دول. بسط علاء كفه أمام وجهها وصاح قائلاً: _اسكتي، نفهم الباقي.

لم تعِر وصال لحديثه أدنى انتباه، بل نظرت مرة أخرى تشاهد القادم، فوجدوا العاملة منشغلة مع إحدى الزبائن، وخرجت المرأتان من الباب الزجاجي ليجدوا شابًا آخر منتظرهم بكرسي متحرك، ووضعوا عليه المرأة المتغيبة عن الوعي. هدر علاء قائلاً: _أنا كده فهمت كل حاجة. وتابع بغضب تفاقم بين جوانحه: _بس اللي مش قادر أفهمه إزاي تسبوها لوحدها. ردت أميرة قائلة: _إحنا مكناش نعرف إن ده اللي هيحصل. غمغم هو بحنق: _واهو حصل.

امتعض وجه وصال وهتفت: _اللي حصل حصل، هنعمل إيه دلوقتي. أجابها علاء: _لا انتو مش هتعملوا حاجة، أنا اللي هعمل. صوت بكاء طفولي صدر بجانبهم ولم يكن غير لرهف التي تمتمت بخوف على شقيقتها قائلة: _هو كده قدر مش هترجع تاني ومش هشوفها زي بابا وماما. مال علاء بجذعه واضعًا كفيه على كتفيها وقال بنبرة لينة: _امسحي دموعك، مش عاوزك تخافي من حاجة، وأوعدك قدر هترجع تاني. نظرت له رهف قائلة: _طيب رجعهالي بسرعة عشان أنا خايفة من غيرها.

هز علاء رأسه ونزع يده من عليها وقال مغادرًا: _السواق برة، ارجعوا على البيت فورًا. وغادر دون أن يستمع لردهن. خوف عظيم دب في بدن قدر، هي لا تعلم أين هي، كل ما تراه هو ظلام حالك، يلفها من كل جانب؛ أثر القماش المغطي عينيها. استمعت لصوت خطوات تتقدم منها وشعرت بيد أحدهم ينزع القماش من عينيها فأرتجفت وارتعدت أطرافها وخفق قلبها بقوة وعنف وترقرقت الدموع بعينيها. انقشعت الغشاوة من عينيها، ورفعت نظرها بوجه الرجل وقالت

بجزع بعدما تعرفت عليه: _انت؟! "اطلع أنت يا عماد دلوقتي" أتاها هذا الصوت البغيض، وانتظرت أن يتنحى عماد جانبًا، فكان واقفًا أمامها يمنع عنها رؤية من خلفه، فأتسعت عينيها بصدمة وتأكدت من ظنونها وتفوهت بأعين متسعة: _انت عاوز مني إيه، وإزاي قدرت توصل لي؟ وثب قائمًا من أعلى كرسيه وتقدم بخطاه نحوها ووضع كفه يفك الحبال التي ألتفت على يداها وقال وهو يأخذ نفسًا عميقًا: _انتي هنا عشان أنا عاوز كده. فصاحت هي غاضبة:

_يعني إيه كلامك ده؟! فك وثاق يدها ولم يتفوه بشيء، فاستقامت هي واقفة وقالت: _أنا بعمل إيه هنا، وأنت عاوز مني إيه. عقد ساعديه أمام صدره قائلاً: _دخلتي مزاجي، وسامح مدكور مفيش حاجة بيعوزها إلا ما بياخدها. حاولت أن تخرج صوتها هادئًا لتقول: _لو سمحت سيبني أمشي من هنا، أنا مفيش بيني وبينك حاجة، ووجودنا عند اللي اسمها وداد دي كان صدفة، أنا مش زي البنات اللي بتجيبهم. _عارف، واقعدي مكانك.

انصاعت لكلماته وجلست ليأتي هو بكرسيه ويجلس أمامها مباشرةً. تحدثت هي مرة أخرى قائلة: -أنت عايز إيه. رد هو بوقاحة: -عايزك. أحتل الذعر ملامح وجهها وقالت: _لو حاولت تقرب مني، صدقني مش هتردد ثانية أقتل نفسي. لتنصدم من جملته عندما قال: -انتي هنا هتكوني مراتي، مرات سامح المدكور. فهتفت قائلة: _بتقول إيه يا جدع أنت، مرات إيه دي. وثب سامح فجأة ومال بجزعه عليها مستندًا بيده على أيدي الكرسي الخشبية، فعادت هي للوراء كرد فعل منها.

ضيق عينيه وتبسم بمكر قائلاً: _اللي مش هاخده منك بالحلال، هاخده في الحرام، والقرار ليكي. أغمضت قدر عينيها بقوة وتساقطت دموعها تلهب وجنتيها، لقد عاد القدر ليلطمها بشدة بطامة أخرى ستقتص من روحها، وخوف عظيم دب ثنايا قلبها. عاد هو جالسًا على كرسيه وقال بنبرة باردة: _الورق جاهز، ناقص بس أمضتك ياعروسة. خرجت الأحرف من جوفها مرتجفة قائلة: _سيبلي وقت أفكر. قهقه هو ساخرًا ليقول:

_وماله يا عروسة هسيبلك وقت، بس اعرفي إنك مش هتقدري تهربي من هنا، الأفضل ليكي توافقي. ألقى كلماته تلك وغادر صافعًا الباب خلفه، فانتفضت هي باكية. عند علاء. جالسًا على مكتبه في قسم الشرطة يشاهد باقي تسجيلات الكاميرا الذي استطاع الحصول عليها من المول، ليشاهدهم وهم يضعوها بداخل السيارة وما إن تحركت حتى استطاع رؤية أرقامها من الخلف ليسجلها هو. وصوت طرقات على الباب قاطعت ما يفعله، فهتف: -أدخل. دلف شاب بزي رسمي وأدى التحية

العسكرية وقال باحترام: -تحت أمرك يا علاء بيه. فقال علاء برسمية: _خد يابني رقم العربية ده عاوزك تتابع كل تحركاتها وتعرفلي هي فين. أخذ الشاب منه الورقة وغادر المكتب، فجلس هو متكئًا بظهره على كرسيه. علا رنين هاتفه فجذبه من أعلى الطاولة، وتلقى المكالمة. تحدث بصوت أجش: _ألو ياهشام. هشام: _أيوة يا علاء، الراجل اللي أنت كلفتني بمراقبته هو دلوقتي نزل اسكندرية. أغمض علاء عينيه وأخذ نفسًا عميقًا وقال:

_تمام يا هشام، تمام، هو كده جه لقضاه. تحدث هشام: _أول ما عرف قعد فين بالظبط هبلغك، أنا عينت واحد يكون وراه، ويعرف كل تحركاته. علاء: _تسلم ياهشام معروفك ده مش هنساه. هشام بمرح: _لا معروف ولا حاجة، ولو عاوز ترده يبقى أول ما أنزل اسكندرية تعزمني على الغدا ياسيدي واتردت أهي. ابتسم علاء قائلاً: _طبعًا ده أنت تنور. هشام: _طيب يا حبيبي السلام عليكم، معطلكش أنا. رد علاء السلام وانهى المكالمة وألقى هاتفه على الطاولة بعشوائية.

عند قدر. كفكفت دموعها ووثبت قائمة ليجذب نظرها تلك الغرفة الراقية وألوانها المتناسقة الجميلة وأثاثها الفاخر. أقتربت من الفراش وتمددت عليه، حتى آتاها صوت طرقات على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، فدلت أمرأة في ريعان شبابها تحمل صينية عليها بعض من أصناف الطعام فأقتربت تضعها أعلى الطاولة الصغيرة التي كانت تتواجد أمام الأريكة وقالت: _سامح بيه بيقولك كلي كويس، ياهانم. احتدت نبرة قدر قائلة:

_مش عاوزة حاجة تقدري تاخدي الأكل ده وتمشي. اجابت العاملة: _كل الأوامر اللي عندي إني أسيبلك الأكل وامشي، عن إذنك ياهانم. ألقت جملتها تلك وغادرت. فزفرت قدر برفق وتمددت مرة أخرى على الفراش. وعلى القرب من غرفة قدر دلفت العاملة لغرفة أخرى، بعدما استأذنت للدخول فقالت بتريث: _سامح بيه، الأكل وصل للهانم. كان واقفًا ينظر للأسفل من نافذة غرفته ويوليها ظهره وتحدث قائلاً: _قالت حاجة. ردت العاملة:

_اتعصبت وقالت إنها مش عاوزة حاجة. استدار هو وقال: _تمام، روحي أنتي دلوقتي وشوية وابقي اطلعي شوفيها، كلت ولا لأ. _تحت أمرك ياسامح بيه. غادرت العاملة الغرفة ليتذكر هو ما حدث حتى جاء بها إلي هنا. عودة إلى الوراء. بعد مغادرته من عند وداد كان في طريقه ليعود لمنزله فتحدث قائلاً: _عماد، اقف على جمب عاوزك تعرفيلي البنات اللي عند وداد هيروحوا فين خليك وراهم.

انصاع المدعو عماد لأوامره، فهبط من السيارة عائدًا إلى حيث أمره رب عمله، كان معه على اتصال دائم، فأخبره أنهم تحدثوا مع صديقة لهم يطلبون منها المساعدة، فبعثت لهم بشاب أقلهم، وظل هو خلفهم حتى جاء اليوم الثاني. فقام بالاتصال به وهو يراهم مغادرين المنزل مع إحدى الفتيات. عماد: _ألو ياسامح بيه، البنات دلوقتي خارجين مع واحدة تانية، وحاليًا وقفوا قدام المول. فأتاه الرد من سامح قائلاً:

_دي فرصتك ياعماد، عاوزك تخطف قدر وتجيبها لحد البيت. _تحت أمرك يا سامح بيه. أنهى معه المكالمة، ليقوم بمهاتفة صديقه لمساعدته، فلم يمضي كثيراً حتى جاء شاب وقاموا بتنفيذ خطتهم لاختطاف قدر. تائهة وحيدة هي دون صديقتها ولو فتحت صدرها لوجدت قلبها يصرخ ألمًا، على فراقها؛ فالصديق للصديق وطن، إن غاب الآخر، تلفك الغربة من كل جانب. جالسة وصال وعينيها غرقتان بنهر من الدمع. وبجانبها أميرة تربت على كتفها برفق، وقالت:

_مفيش داعي للخوف ده كله يا وصال إن شاء الله هترجع. حدجتها وصال بنظرات عاتبة واردفت بصوت متحشرج أثر البكاء: _يعني إيه مفيش داعي للخوف يا أميرة، قدر مش صحبتي وبس لا هي كمان أختي، وأظن لو كان عندي أخت كنت هحب قدر أكتر. وارتفعت شهقاتها واسترسلت وهي تضع وجهها بين كفيها: _قدر بالنسبالي كل حاجة هي جنتي على الدنيا. تلألأ الدمع بأعين أميرة وقالت بنبرة نادمة:

_أنا آسفة يا وصال، حقيقي مش قصدي، أنا بس كنت عاوزة أهديكي، إحنا يمكن منعرفش بعض غير من يوم، بس يعلم ربنا إني حبيتكم. هزت وصال رأسها عدة مرات واستقامت قائلة: _أنا مش هفضل قاعدة كده كتير، أنا هروح أدور عليها بنفسي. أمسكت أميرة رسغها وقالت: _تروحي فين بس يا وصال استهدي بالله هنلاقيها أكيد، قعدي أنا هرن على علاء أشوفه وصل لأيه. في الأعلى.

كانت رهف جالسة أعلى الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهم بيدها الصغيرة وصوت شهقاتها مرتفعة. وفي تلك اللحظة كانت والدة علاء تمر من أمام الغرفة فطلت من الباب برأسها ورق قلبها للصغيرة فدلت للداخل وجلست أمامها. أحست رهف بها فرفعت رأسها تناظرها وكان عندها علم بما حدث مع قدر. فتحدثت "أُلفت" والدة علاء، قائلة برفق: -بتبكي ليه ياحلوة. زمت رهف شفتيها وقالت: _ماما ماتت، ودلوقتي قدر مش عارفين هي فين. أقتربت منها أُلفت

وضمتها لصدرها وقالت بحنان: _متقلقيش ياحبيبتي أختك هترجع، ابني علاء ظابط شاطر وهيعرف يرجعها. _طيب ولو معرفش يرجعها؟ هكذا تفوهت الصغيرة بتساؤل حائر. فردت أُلفت: _وإحنا ليه نحط الاحتمال ده في دماغنا، وأزاحت دموعها بإبهامها وتابعت: _بدال ما نقعد نبكي، خلينا ندعي لـ قدر، أنتي مش عارفة إن ربنا قادر على كل شيء. هزت الصغيرة رأسها وقالت:

_أيوة قدر علمتني لو وقعت في مشكلة أفضل أدعي ربنا يحلهالي، وأنا دلوقتي هروح أتوضأ وأصلي وأدعي لقدر ترجع بسرعة. شقت ابتسامة بسيطة ثغر أُلفت وقبلت الصغيرة من جبهتها قائلة: _برافو عليكي يلا، روحي أعملي كده. عند نجلاء. كانت بغرفتها جالسة تتحدث بالهاتف، والعاملة تسترق السمع من الخارج. نجلاء: _أيوة يا سيد عملت إيه. أتاها صوت سيد غاضبًا: _انتي ياست انتي، شكلك عاوزة توديني فداهية. صاحت نجلاء قائلة:

_ما تتكلم عدل ياراجل أنت، إيه اللي حصل لده كله؟! صاح سيد قائلاً: _اللي حصل إني وصلت قدام البيت اللي عطيتني عنوانه لا حد دخل ولا خرج سألت شخص كان ما عدي ده بيت مين قالي بيت المقدم علاء. أجابته بمكر قائلة: _وانت خايف من إيه. هتف هو بغضب: _ده حكومة، يعني فيها سجن، مش بعيد يكون فيها إعدام أصلًا. أجابته ساخرة: _ليه قاتل قتيل، متخفش أوي كده، أنت كل اللي عليك تاخد قدر وتختفي وخلصنا. غمغم سيد بغموض قائلاً:

_تمام، كله يهون فدا الحب. قهقهت نجلاء وقالت: _حب! طاب اقفل طيب. وبالفعل لم يطل سيد الحديث معها ونهى المكالمة. مازال علاء بمكتبه، وطرق بابه، فسمح للطارق بالدخول، فدلف العسكري وهو يقول: _قدرنا يا فندم نحدد آخر مكانين للعربية. هتف علاء، بلهفة: _قول بسرعة فين. العسكري: _بعد خروجها من المول، وقفت عند فيلا رجل الأعمال سامح المدكور، وبعدها اتحركت للجراج. غمغم علاء بتعجب وخفوت: _سامح المدكور! العسكري: _أيوة يا فندم.

_تمام روح أنت دلوقتي. خرج العسكري، ثم علا رنين هاتف علاء، فألتقطه واجاب بصوت غليظ: _ألو يا أميرة. أميرة: _أيوة يا علاء موصلتش لحاجة، عاوزين نطمن. علاء بتريث: _متخفيش بلغي وصال ورهف قدر هتكون في البيت قبل بكرة الصبح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...