بعد صلاة العصر كانت صبا واقفة أمام غرفة ضحى تطرق الباب عليها. صبا: يا بنتي افتحي والله ما هعملك حاجة. ضحى: لا، انتي بتضحكي عليا عشان أفتح. صبا: يا بنتي بقالي ساعة واقفة على الباب، والله ما هعملك حاجة. خلصي عشان نذاكر. ضحى: طب احلفي. صبا: والله ما هعملك حاجة، افتحي بقى. ضحى: طب أبيه مصعب هنا؟ صبا: والله ما هنا، راح يصلي ومجاش من ساعتها. ضحى وهي تفتح الباب بهدوء وتضع يدها على وجهها بخوف: انتي حلفتي؟
صبا: تعالي يختي مش هلمسك عشان حلفت. ضحى: هو أنا عملت لك حاجة؟ صبا: لا أبدًا، يلا أصل انتي هتشليني. هو إنتي لابسة إسدال الصلاة ليه؟ ضحى: كنت بصلي ومقلعتوش عشان لو أبيه مصعب جه أكون جاهزة لدخول المستشفى على طول. صبا: هههههه مش للدرجة دي يعني، ممكن نطلب لك دكتور. ضحى: مش انتي يا صبا يا حبيبتي هتحوشي عني؟ صبا: معرفكيش. مصعب من الخلف بغضب: أيوه كده، سيبهالي بقى. ضحى بصريخ: أعاااا يا ماما! ووقفت خلف صبا. مصعب: وسعي يا صبا.
صبا تلتفت وضحى تلتف معها ولم تتركها. مصعب: ضحىييي تعالي. ضحى: ليه؟ هو أنا مجنونة عشان أجي؟ مصعب: بقى كده، ماااشي. وهرول تجاهها فقذفت صبا عليه وهرولت إلى غرفة أبيها. صبا وهي تتمسك بمصعب كي لا تقع: ااااه يا ضحى يا غبية. مصعب وهو يسندها: حااااسبيني. نظرت صبا إليه فوجدته ينظر إليها، فنظرت إلى الأرض بخجل. مصعب وهو ينظر إلى خجلها: شكلك حلو أوي وانتي مكسوفة.
ازداد خجل صبا أكثر، فتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها بسبب الخجل الذي تمر به، وكادت تبكي فاحمرت عيناها. مصعب: إيه دا؟ خلاص خلاص، انتي هتعيطي؟ أهدي، أهدي. صبا بخجل شديد: ممكن تسيبني؟ فكان مصعب مازال ممسك بها ولم يتركها. مصعب: بس أنا مرتاح كده. صبا وهي على وشك البكاء: بس أنا مش مرتاحة، أرجوك وسعني.
تركها مصعب بعدما قبل جبينها وذهب إلى غرفة أبيه كي يرأف بحالها، فهو يعلم أنها خجولة للغاية. أما صبا فظلت تنظر إلى أثره بصدمة، ثم أدركت ما حدث فشهقت بخجل وذهبت إلى ضحى لكي يذاكروا دروسهم. ذهبت ضحى إلى غرفة أبيها ووقفت خلفه. عثمان باستغراب: عملتي مصيبة إيه وجاية تستخبي؟ ضحى: خبيني يا بابا بسرعة، أصل الوحش جاي ورايا. عثمان: انتي عملتي إيه لأخوكي؟ ضحى ببرائة مصطنعة: معملتش حاجة يا بابا. سمعت صوت مصعب من الخارج ينادي
عليها فتمسكت بأبيها قائلة: الحقني يا بابا. عثمان: إيه يا مصعب؟ فيه إيه؟ بتتخانق مع أختك ليه؟ مصعب بغضب: اسألها هي عملت إيه. عثمان: عملتي إيه لأخوكي يا ضحى؟ ضحى: معملتش حاجة يا بابا، ده أنا كنت بهزر. مصعب: وأنا كمان ههزر معاكي دلوقتي. عثمان: هي عملت لك إيه؟ قص عليه مصعب ما حدث بغضب، فنظر عثمان إلى ضحى بابتسامة، فهو يعلم أنها تفعل هذا لكي تقربهم من بعضهم، وقال: الله عليكي، بنت أبوكي صحيح.
مصعب: انت بتشجعها يا بابا بدل ما تزعق لها؟ عثمان بحزم مصطنع: بس يا ضحى، مينفعش تعملي كده في أخوكي برضه. ضحى: أسفة. مصعب: لا والله، لأوريكي. ضحى: يا بابا خليه يمشي بقى عشان عايزة أروح أذاكر مع صبا. عثمان: خلاص يا مصعب خليها عليك انت المرة دي. مصعب وهو ينظر إليها بتوعد: بس كده، حاضر يا بابا. ثم نظر إلى ضحى بابتسامة قائلاً: يلا روحي ذاكري. ضحى: مش مرتاحة لك. عثمان: ولا أنا الصراحة. مصعب: كده كده أنا خارج تاني أصلاً.
وتوجه للخارج. خرجت ضحى من خلف أبيها، فنظر إليها بابتسامة قائلاً: ده عايز ينفخك ههههه، أوووعي تظهري قدامه لوحدك، أصل مش هيسيبك ههههه. ضحى: الله يبشرك يا حاج، أنا هروح أذاكر مع صبا، أصل تموتني. ذهبت ضحى إلى صبا فوجدتها ممسكة بالمصحف تقرأ وردها بصوتها العذب، فظلت تستمع إليها حتى انتهت. صبا: ده كله يا ضحى؟ ضحى: على ما عرفت أهرب من جوزك. صبا: اه صح، انتي إيه اللي عملتيه ده؟ وفي الآخر بتزوقيني عليه، انتي فظيعة والله.
ضحى بغرور: شكراً شكراً. صبا: طب يلا يختي نكمل مذاكرة عشان اتأخرنا. انتهى اليوم وأتى مصعب في المساء، وامتنعت ضحى وصبا عن العشاء، فالأولى لم تذهب خوفاً من أخيها، والأخرى خجلاً منه. في صباح اليوم التالي كان جالسًا في غرفة مكتبه يراجع بعض الأوراق الخاصة بالعمل، حتى دخلت إليه ابنته والذكرى المحببة إليه من زوجته الراحلة. لمار: يلا يا بابا هنتأخر على الحفلة وهيخلوا واحدة تانية ترقص مع علي.
عمار بصدمة: هو ده اللي انتي خايفة منه؟ مش عايزة واحدة تانية ترقص مع علي؟ لمار: أيوه طبعًا، عشان علي يرقص معايا أنا بس. عمار: انتي عندك كام سنة يا بت؟ لمار: خمسة ونصف. عمار: ما شاء الله، والله عرفت أربي. لمار: يلا بقى قوم البس، انت رغاوي أوي. عمار: رغاوي؟ يلا يا حبيبتي بعد إذنك هقوم ألبس. لمار: بس بسرعة، متتأخرش، أنا هروح ألعب مع تيتة على ما تخلص. عمار: ماشي يا فندم.
ذهبت الفتاة إلى الخارج، فنظر إلى أثرها قاصدًا قائلاً: لا ونعم التربية يا عمار، عرفت تربي. ضحى: بصي يا صبا، أنا مش مذاكرة دلوقتي، كمان نص ساعة، أنا لسه صاحية من النوم، حرام عليكي. صبا: انتي بقالك ساعة تقولي كده. ضحى: مش احنا خلصنا المادة امبارح؟ صبا: وفيه مادتين كمان لسه متراجعتوش حضرتك. ضحى: ما احنا ذاكرناهم قبل كده كام مرة. صبا: يلا يا ضحى. ضحى: ماشي يختي، يلا أذاكر إيه دلوقتي. صبا: يلا نذاكر الثقافة.
ضحى بتذمر: يلا. في الشركة كان ذاهبًا إلى مكتبه فناداه يوسف قائلاً: تأخير ربع ساعة. مصعب: بقولك إيه يا يوسف، مش طالبه دلوقتي خالص، أنا صاحي من النوم مصدع. يوسف وهو يدلف وراءه إلى مكتبه: بص من الآخر كدا، أنا هاجي عندكوا أتغدى النهارده، شئت أم أبيت. مصعب: محدش قالك قبل كده إنك رخيم وبارد ومعندكش دم؟ يوسف يفخر: ياااه، متعدش يا جيمى. مصعب: عمار فين؟ مجاش لسه؟ يوسف: مش هو قالك امبارح إنه مش هييجي عشان حفلة بنتهم.
مصعب: اه صح، نسيت. يوسف: ركز يا جيمى. مصعب: انت مستفز أصلاً وأنا متضايق منك. خد الورق ده يا أستاذ، شوف اللي حضرتك عملته. يوسف: عملت إيه؟ مصعب: خد بص كده، مش المفروض الورق ده انت راجعته؟ أخذ منه يوسف الأوراق وتأملها قائلاً: إيه ده؟ إزاي مخدتش بالي من النقطة دي؟ مصعب: يوسف، الشغل مفهوش هزار. يوسف: الورق ده أنا راجعته وصححته، مش ما اللي خلصته أصلاً، الورق التاني لسه في مكتبي، أنا مبعتوش ليك، دي النسخة القديمة.
مصعب: اومال مين جاب ده هنا؟ يوسف: معرفش والله، اسأل السكرتيرة. استدعى مصعب السكرتيرة واكتشفوا أنها أخذتها بالخطأ وتم حل المشكلة. مصعب: يا ريت بعد كده تنتبهي، لأن غلطة زي دي ممكن تودينا في داهية. السكرتيرة بدلع: آسفة يا فندم. مصعب: اتفضلي على مكتبك. يوسف بغرور: شوفت بقى إن الغلط مش عندي، يا أبو نسب، هتروح امتى بقى عشان أجي معاكم؟ مصعب: امشي يلا من هنا، ده انت بااارد. خرج
يوسف من المكتب وهو يقول: مش مهم، السكرتيرة هتقولي. وبالفعل أخبرت السكرتيرة كي تخبره عند مغادرة مصعب. في مكان واسع وبه بعض الزينة والأشكال الكرتونية المسلية للأطفال، كان واقفًا بجوارها يشاهد ابنته وهي تقوم بعمل استعراض، متمنيًا وجود زوجته معه في هذه المناسبة، فقال: وحشتيني أوي. كانت واقفة بجواره، فظنت أن الحديث لها، فقالت بحدة: نععع. عمار بحرج: آسف جداً، مش قصدي عليكي والله. سارة بابتسامة حرج: ماشي. في الفيلا
صبا: يلا الظهر أذن، قومي نصلي. وقامت هي وضحى وأنهوا صلاتهم. ضحى: بصي يا صبا، هو ينفع حد يعدي قدام حد وهو بيصلي، ولا لازم يحط حاجة قدامه، ولا إيه؟ أصل الموضوع ده أنا متلغبطة فيه. صبا: بصي، العلماء قالوا إنه يجب للمصلي لو كان منفردًا أو إمامًا أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه، وتمكنه من الخشوع في أفعال الصلاة، وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه." ضحى: اها، طب لو حد عدى ده حرام عليه؟ صبا: قالوا إن اللي بيمر بين يدي المصلي آثم، ولو لم يصل إلى سترة، وذلك إذا مر قريباً منه، واختلفوا في حد القرب. قال بعضهم: ثلاثة أذرع فأقل، أو ما يحتاج له في ركوعه وسجوده. وقالوا: الأصح عند الحنفية أن يكون المرور من موضع قدمه إلى موضع سجوده.
ضحى: طب هو ينفع لو أنا بصلي وحد عدى، أدفعه بإيدي؟ صبا: لا خلاف بين الفقهاء في أن للمصلي أن يدفع المار من إنسان أو بهيمة إذا مر بينه وبين سترته أو قريباً منه، لما ورد فيه من أحاديث، منها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان."
ضحى: طب هو لو حد عدى خلاص، تبقى كده الصلاة بقت باطلة؟ صبا: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مرور شيء بين المصلي والسترة لا يقطع الصلاة ولا يفسدها، أياً كان، ولو كان بالصفة التي توجب الإثم على المار، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم." واستثنى الحنابلة الكلب الأسود البهيم فرأوا أنه يقطع الصلاة، وعليه فمرور شخص من أمامك أو طفل لا يبطل الصلاة.
ضحى: اسم الله عليكي يا صبا، ده أنا كنت متلغبطة خالص والله، بس الحمد لله فهمت. صبا: يلا الحمد لله إنك فهمتي كده، يلا نكمل مذاكرة بقى. ضحى: ماليش دعوة، احنا مش بنذاكر فترة الظهر. صبا: الساعة لسه اتناشر ونص. ضحى: إيييه؟ لسه؟ صبا: بصي، احنا فاضل أنا في الفصل أصلاً، شوية نكملهم وخلاص، ونبقى نكمل بعد العصر الباقي. ضحى: اه نكملهم ونلعب. صبا: إيه؟ أنا ألعب معاكي تاني؟ ده أنا حرمت.
أكملوا دراستهم حتى أتت إليهم فجر وأخبرتهم بالنزول لأسفل لتناول الغداء. ضحى: لا يختي مش نازلة، أبيه مصعب هيموتني. فجر: مش هياكل معانا أصلاً لأن هو... ضحى لم تعطها الفرصة لكي تكمل جملتها ونزلت إلى الأسفل مسرعة وهي تقول: مش تقول لي من بدري، ده أنا هموت وأكل. وعندما وصلت عند سفرة الطعام وجدت مصعب واقفًا أمامها، فقالت بصريخ: يا ماما! أعاااا يا فجر يا كذابة!
وهرولت إلى الأعلى مرة أخرى، ولم تأخذ بالها من ذلك الذي لم يقدر على التنفس من الضحك عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!