مع أذان الفجر، هبط من سيارته. فهو يحتاج أن يتحدث مع خاله، فهو يتسم برزانة العقل والحكمة والقلب النظيف والدين. وما أن انتهوا من صلاة الفجر، جلس خلفه هاتِفًا: "تقبل الله يا خال." استدار وهو في يده مسبحته التي لا تفارقه أبدًا، هاتِفًا: "منا ومنكم صالح الأعمال، انت رجعت البلد امته يا مروان؟ "أنا مرجعتش، أنا جاي ليك مخصوص." سأله بتوجس هاتِفًا: "خير يا بني، قلقتني." تنهد بثقل، ثم سرد له ما سار معه منذ سفرهم. وأكمل:
"اللي مجنني أنها فاكراني مش عارف حقيقتها، فبتشتغلني. عاملة نفسها بتصلي وبتعرف ربنا." "طب ما وارد أنها تكون تابت وربك كبير، بعدين انت متعرفش حاجة عن التفاصيل." "تفاصيل إيه بس يا خال، بقولك عرفت اللي فيها. هي بتعمل كدا بس قدامي، أصل إزاي وهي عاملة ملاك كدا تعمل كدا. وبعدين المصيبة اللي عملتها دي ينفع معاها توبة." تنهد خاله قائلًا بجدية: "إيه يا مروان يابني مالك؟
كلنا معرضين للغلط يا بني وباب التوبة دايما مفتوح. يا مروان اللي يغلط يتوب وربُك اسمه الغفور الرحيم." ثم تابع: "هاتها هنا وسطنا يا بني، واضح أن الحمل تقيل عليك. وبدل ما تشيل ذنب إنك تجرحها بكلمة أو توجعها والزمام يفلت من إيدك والخير يتقلب شر. وبعدين أنتم اتجوزها وفي نيتك الستر عليها مش إنك تبقى جلاد عليها، دا المفروض أنت تعينها على التوبة مش أنت مؤمن بالله."
"ونعم بالله. متقلقش يا خال مش هأخلي زمام الأمور يفلت من إيدي. هأقوم عشان ألحق أروح، أنا هأبص على أمي ويادوب ألحق." وما أن نهض وابتعد خطوتين، أوقفه خاله متسائلًا: "هي اسمها إيه؟! قطب حاجبيه، ثم ارتخت ملامحه وهو يقول: "روان." ابتسم خاله، ثم أطرق رأسه هاتِفًا: "في رعاية الله يابني، في رعايته وحفظه." *** طالما كانت بداية أي حكاية اختيار، ونهايتها إجبار. أما هي، فكانت بدايتها إجبار ونهايتها إجبار.
بعد عودة عمار لأهله، بقت هي على حالها. تتجنب الاحتكاك به تمامًا. رمقت الشقة، ملابسه مبعثرة في كل مكان. نهضت تجمع ثيابه وترتب الشقة. ولجت إلى غرفته، فضربت أنفها رائحته. توقفت أمام فراشه تنظر إلى قميصه الأبيض، فتناولته لتشم رائحته، ثم ابتسمت: "البرفيوم حلو وخسارة في جتتك." "فى الخارج."
ولج من عمله ينظر إلى باب غرفتها. شعوره بالذنب يكاد يقتله. لم يغمض له جفن الأيام الماضية. فك أزار قميصه ووقف في الاستقبال عاري الصدر. عزم أمره، سيبدل ملابسه ثم يأخذها بجولة داخل الإسكندرية.
ولج يدفع الباب بحدة تزامنًا مع خروجها. فصرخت وهي تغطي وجهها بيديها. توسعت عيناه بصدمة. أسرع يديرها بهدوء لتواجهه، ثم أزاح يدها من على وجهها ومرر يده على وجنتها. كانت بشرتها ناعمة مخملية. لمس بيده النمش الذي كان دائمًا يُغريه لينظر إليها. أما هي، لمساته الدافئة، نظرات عيناه عن قرب، ورائحته جعلت الخدر يسري في جسدها. شعرت أنها لم تمتلك القوة. همس لها لأول مرة باسمها: "روان، انتِ كويسة؟ أنا مأخدتش بالي. مفتكرتش أنك هنا."
شعرت بشيء دافئ يسيل من أنفها. وضعت يدها على أنفها، وجدت الدماء تسيل من أنفها بغزارة. اقترب وهو مسرعًا يسألها بلهفة: "دا دم؟ انتِ كويسة؟ شعرت بدوار شديد برأسها، وقد أحست بإقتراب سقوطها. وبدأت تترنح وهي واقفة. وبالفعل، كادت تسقط لولا يدي مروان التي أسندتها، هاتِفًا: "روان، روان."
حمل جسدها الضعيف متوجهًا بها للمرحاض. أسندها بيد وفتح صنبور باليد الأخرى وبدأ يغسل أنفها من الدماء. ثم حملها ثانية ووضعها على مقعد، وجثى على ركبتيه أمامها. وكادت ترفع رأسها ليتوقف النزيف، فهمس لها بخوف: "مترجعيش رأسك لورا كدا غلط، خليكِ كدا لقدام."
وما أن أطرق رأسها، هبطت خصلات شعرها المبتلة من الماء على وجهها. كانت تنافس الليل في سواده. نهض واقفًا يلملمه ويده تمر بخصلات شعرها. فثقلت أنفاسه وغامت عيناه بمشاعر خنقت صدره. وبالأخير، رفعها للأعلى ككعكة. ثم جثى مرة أخرى على ركبتيه يسألها بلطف: "إنتِ كويسة؟! هزت روان رأسها بإيماءة بسيطة دلالة على كونها بخير، ليقول مروان بنبرة متوجسة: "بجد ولا ننزل المستشفى؟ "لأ بجد. أحسن."
كان يتطلع لكل أنثى بها. عنقها الأبيض المرمرى يتحداه ألا ينظر إليه. غرست أسنانها في شفتيها وهي ترتجف. فالجو شديد البرودة وهي ملابسها مبتلة. كانت مغرية وشهية حد الجحيم. نهض مسرعًا بارتباك. فهو بالنهاية رجل بشر وليس محصنًا. ألتقط معطفه ومد يده به لها. ثم خرج من الغرفة بارتباك. دقائق وكان يقف أمامها ومعه كوب بها ماء، فسألته: "ايه دا؟! "ميه بسكر، اشربيها عشان الدوخة."
تناولتها وهي تنظر لعيناه. ونبضات خافقها تزداد. لكن هذه المرة ليس خوفًا أو كرهًا. طالت النظرات بينهما وصمت العالم من حولهما. كان هادئًا مسالمًا عكس كل مرة. نظرت أرضًا وبصعوبة تلتقط أنفاسها هاتِفة: "شكرًا." ابتسم يسألها بمشاكسة: "دخلتي اوضتي ليه؟ أوعى تكوني ناوية تفجريني؟! لم تبتسم على مزحته. لكنه رفعت عينيها تنظر لطوله المديد والمنكبين العريضين. شعرت أنها قزمة بالنسبة له، فهتفت:
"أنا بس لميت الهدوم من الريسبشن وكنت بداخلها مكانها." "آه لو كدا تمام. طب أنا جعان أوى." رمقته باستنكار، فتابع هو: "جهزى هننزل نتغدا برا، لأنك اكيد مش هتقدرى تعملي أكل وانتِ دايخة كدا." "لأ لأ، أنا كويسة الحمدلله." فرك فروة رأسه قائلًا: "الله! اُمال مين اللي هوسني كل يوم عايزة أخرج. لا اجهزي بسرعة وخلينا نروح نأكل، أنا جعان اوى." ثم ابتسم بهدوء قائلًا بمغزى وبقع الدماء تلطخ أطراف قميصه:
"أنا محتاج أغير. لو مش هتخرجي خليكِ وأخرج أنا." اتسعت عينيها بصدمة. كان يقف عاري الصدر وهي تجلس أمامه دون أن تنتبه. كان يشبه ملكًا فرعونيًا بوقفته هذه. أخفضت بصرها ثم أجابته بتعلثم وهي تهرول للخارج: "غير براحتك، غير. أنا ماكنتش واخدة باللي." ***
تجلس معه في مطعم على البحر، وخمارها الرقيق يزيد جمال وجهها. تنظر للبحر بسعادة، بينما هو يتكئ للخلف على مقعده يطالعها بنظرات متفحصة. يتابع كل حركاتها ونظراتها. عيناه مثبتة على النمش الذي يملأ وجهها. ابتسمت وهي تنظر للبحر، ثم استدارت تنظر أمامه. تفاجأت من نظراته التي أربكتها وزلزلت كيانها. فأطرقت رأسها. فتحمحم متسائلًا: "هتأكلى أيه؟! هزت رأسها بالنفى هاتِفة: "لأ، أنا شبعانة."
"هو يعني مينفعش أقول حاجة من غير ما تعترضى." أجابته بسخرية وقد أخفت غضبها: "انت حابسني ومش عايزني أعترض. ومش فاهمة ليه واخد موقف عدائي مني؟ أطبق شفتاه على بعضهم حتى ابيضت هاتِفًا: "أنا نفسيتي مش مظبوطة عشان موت الله يرحمه ريان." أطرقت رأسها في حجرها وتمتمت: "الله يرحمه." نظر لها بتفحص. لا يبدو عليها الحزن على أخيه على الرغم مما كان بينهما. حاول كبح غضبه وسألها: "هتاكلي ايه؟ "بصراحة، أنا مش باكل سمك." رمقها باستنكار:
"في حد مش بيحب السمك؟ دا أكلي المفضل." أجابته بهدوء وهي تنظر للبحر: "بالهنا والشفا. أنا مش جعانة." في لحظة، استقام هامسًا: "قومي يلا بينا." أسدلت رموشها بحزن وهي تقول: "احنا ملحقناش." "قومي." "طب مش هتاكل؟ جذبها من يدها. ارتجف قلبها وتغيرت وتيرة خفقاته. يده كانت تضغط عليها لكن ليس بقسوة. بعد مرور عدة دقائق أخرى، كانوا يجلسوا في مطعم أخر على البحر أيضًا، لكنه مطعم للمشويات. نظرت له بإحراج:
"شكرًا، كلفت نفسك. أنا كنت هااكل لما أروح." رمقها بصدمة، ثم أجابها: "كلفت!! أوعى تكوني فاكرة إني مش بنزلك عشان الفلوس." وجدتها فرصة لتلطيف الأجواء بينهما. فعقدت حاجبيها هاتِفة بمشاكسة: "الصراحة، أنا متأكدة." "لأ طبعًا." وقف النادل يضع الطعام أمامهم. وما أن انتهى، رفعت بصرها إليه هاتِفة بعفوية: "شكرًا." بادلها بابتسامة قبل أن ينصرف هاتِفًا: "بالهنا والشفاء."
"وحشت نظراته وغضب يشع من كل جزء بجسده. عيناه توحي أنها تجاوزت الحد تمامًا. حدثها بنبرة تشبه فحيح الأفعى: "هو انتِ متعرفيش أنك لما يكون معاكِ راجل عينيكمتترفعش؟ واللّي كنتِ متعودة عليه قبلى انتهى. انتِ على ذمة راجل، فاهمة؟ لمعت الدموع بعينيها؛ دموع قهر تزورنا في أوقات غير مناسبة: "أنا أول مرة آكل برا وأُحرجت لما هو نزل الأكل فقولت كدا، يعني أنا مش متعودة على حاجة."
تقبض على كفها، تذم شفتيها لتكبح نفسها من البكاء والدموع تملأ عينيها. كل حركاتها زلزلت غضبه، فسألها بلطف: "يبقى لازم تتعودي. بس ليه أول مرة تأكلي برا؟ "مابحبش أكل الشارع بقرف منه." أنهت كلامها واشاحت بوجهها الجهة الأخرى. فتحمحم قائلًا: "المكان هنا نضيف، متقلقيش. وكلي بقى." "أنا عايز أروح." "تروحي!! أُمال مين اللي هوسني عايزة أخرج. أنا مش محبوسة." رمقته بطرف عينيها، ثم نظرت للبحر دون أي كلمة. فتابعه:
"تعرفي بقالي يومين مأكلتش. وجعان اوى. لو قمنا دلوقتي، ذنبي في رقبتك." ثغر ثغرها، ثم بدأت في تناول الطعام في صمت. تنهد مروان بخفة قبل أن يتناول الطعام مُغمغمًا: "الأكل طعمه حلو." لم ترفع عينيها هاتِفة: "اكلي طعمه أحلى." صمت مطبق. وكل منهما يلوك اللقمة في فمه. كانت تنظر إلى البحر، فتنهد هاتِفًا: "بحر إسكندرية يسحر، خصوصًا في الشتا." تناولت محرمة ورقية ومسحت يدها، ثم عدلت وضع حجابها هاتِفة: "دي حقيقة، شكله يخطف القلب."
ثم تابعت: "هو انت ليه يعني عايش هنا لوحدك؟ "أنا شغل أبويا كان هنا وجامعتي كانت في الإسكندرية. ولما تخرجت أبويا قال لي شيل انت بقى المسؤولية. ومن يومها بقت حياتي البحر والشغل." سألته بإندفاع هاتِفة: "يعني بحر وشغل بس؟ لعنت نفسها وأنبتها على استفسارها. نظر لها بعينين ثاقبتين، ثم أجابها: "شغل وبحر بس."
أطرقت رأسها تشعر براحة طفيفة. وبداخلها شيء لم يعجبها. أجابته رغم أنها كانت إجابة متوقعة. فهو يشبه دب العسل في تصرفاته الهوجاء. فمن تقبل به؟ ابتسمت بداخلها بسخرية. تناقض نفسها هاتِفة: الكثير يكفي. رموشه الكثيفة. فهو رغم أنه بشرته خمرية، إلا أنه يخطف الأنفاس. تحمحمت وهي تنفض هذه الأفكار قائلة: "طب بما أنك عزمتني على الغدا انهاردا، أنا عزماك بكرة." قهقه وهو يستند بمرفقيه على الطاولة الزجاج: "عازماني؟!
ابتلعت ريقها بتوتر. تنازع إرتباكها وتوترها أمام سطوة ضحكاته وحضوره القوي. هامسة: "أه." "وأنا موافق." قال جملته بهدوء وصوته الخشن كمن يقدم فروض الولاء والطاعة. *** في اليوم التالي.
بعد أن عاد من عمله، جلس على طاولة الطعام ينتظرها. وضعت أمامه الصحون وهي ترمقه بتحدٍ. أغمض عيناه ورائحة محشي ورق العنب تغزو خياشيمه بضراوة. رائحة ذكية. هجم على صحنه وأنهها في غضون دقائق. وضعت له الكثير في الصحن. وما أن انتهى، كان يتنفس بصعوبة. كانت تنظر لها بترقب متسائلة: "ايه رأيك؟! لم المكابرة. أجابها بكل صراحة: "مش حلو." قطبت حاجبيها وتهدلت أكتافها بحزن. فاسرع يقول: "جبار." ابتسمت بإتساع وهي تسأله ثانية: "بجد؟
"جدًا. وأنا بصراحة مش عارف كلت كل دا إزاي." أسدلت أهدابها وهي تقول: "بالهنا والشفا." شعرها الأسود الطويل المتهدل على جذعها والنمش الذي يملأ وجهها. هيئتها شهية مغرية. تنحنح مروان نافضًا عبث شيطانه. كيف يحدث ذلك؟ هو الذي عاف النساء! بنبرة صوت رخيمة أجابها: "شكرًا. تسلم ايديكِ."
نكزت رأسها بخجل. فهبطت إحدى خصلاتها وكأنها تشاركها خجلها. ونهضت مسرعة. كانت تقف في المطبخ تشعر باضطراب روحها التي تعبث طربًا من كلماته. لكنها حاولت أن تهدأ نفسها هاتِفة: "عادي، دا جوزك والمفروض دا اللي يحصل وأكتر. ياروان. إهدي إهدي." بعد قليل، أحضرت القهوة وتوجهت إليه تضعها أمامه. فنظر لها والصمت ثالثهما. فتناولها يرتشف منها. وكان ألذ كوب قهوة تذوقه بحياته. جعله يشعر بانتشاء. ثم سألها: "فين القهوة بتاعتك؟
"مش بشرب قهوة." "أُمال عملتي قهوة ليه؟! أجابته باستيحاء وهي تخفض رأسها: "اصلي بشمها كل يوم الصبح وبالليل وانت بتشربها. وعرفتانها كل يوم لازم." ارتعشت ابتسامة مروان. ثم نهض واقفًا: "تصبحى على خير." هكذا ببساطة يذهب لينام ويتركها. الحجر الصوان أرق منه. *** بعد ثلاث أسابيع.
تقف في المطبخ تحضر فطور هادئ. بيض وفول كما يفضله، والعديد من أنواع الجبن، وكوبايين. أحداهما شاي والآخر قهوة. كان يقف يراقبها وهي تعد الفطور بخفة. كانت ترتدي منامته الصفراء ذات حواف سوداء. لقد تعلق بوجودها معه. وكأن شيئًا خفيًا نادي عليها كي تلتفت للخلف بابتسامة هادئة. همست: "صباح الخير." "صباح النور. قولتلك مفيش داعي تتعبى نفسك في الفطار. أنا بفطر مع طه." "أنا متعودة اصحي بدرى أصلا وبفطر بدرى من قبل المستشفى."
"ليه دخلتي تمريض؟ عبست ملامحها وهي تجيبه قائلة: "دخلته بمزاجي وكنت حابه المجال." حفظ حركاتها عن ظهر قلب. أصبح يعلم متى تكون سعيدة أو متحمسة أو حزينة أو تشعر بالملل. فقط نظرة واحدة يستطيع فهمها. فتحمحم قائلًا: "دا سؤال عادي على فكرة." أجابته بحدة:
"لأ، مش عادي. كل شوية تلميحاتك أنها شغلانة مش كويسة. دا أنت ناقص تقول راقصة. على فكرة كلمة مهنة فيها الحلو والوحش. ومهنتنا دي أطهر وأبلغ مهنة. بس لكل قاعدة شواذ. ودول بقى أقلية بس. طلعت سمعة على المهنة كلها." هز رأسه بالنفى ليصحح فكرتها هاتِفًا: "الفكرة كلها أنا بس بعترض على مواعيدها. عشان بنت زيك ممكن تسهر وتبات برا." "ولما واحدة تبقى تعبانة بالليل وتروح المستشفى، هو الدكتور هيقعد طول الليل جنبك؟
إحنا اللي بنقعد وبندي العلاج. وفي الآخر يتقال دي يا عم ممرضة." ثم تابعت: "الفطار اهو. عن إذنك." مرت من جنبه لتجاوزه، لكنه أمسكها من معصمها، هامسًا أمام عينيه: "أنا مقصدتش حاجة غلط صدقيني. أنا عندي تحفظ على السهر بالليل مش أكتر." ثم تابع: "هو حد يحضر الفطار لحد وينكد عليه؟ ياروان." نزعت يدها هاتِفة: "أنا مش نكدية."
أنهت جملتها وأنصرفت من أمامه. فكان ينظر في أثرها. عينيها السوداء وشعرها الناعم المنسدل خلف ظهرها. تشبه زهرة تتفتح في مقتبل الربيع. لم يفكر بامرأة هكذا من قبل. همس وهو يحك مؤخرة رأسه: "لأ نكدية وربنا يستر من الجاي." *** "يعني إيه؟ مش هتفطر معايا؟ الجواز غيرك يا مروان." وكانت هذه كلمات طه. فأردف مروان: "سيب مارو اللي فيه مش في حد." ابتسم طه وهو يقول بخبث: "مالك ياض؟ أوعى تكون هنجت في أول الجواز وفضحتنا."
"ما تلم نفسك. دا انت أب والمفروض تكون عقلت." تنهد طه وهو يقول له: "وعلى سيرة الأب، روان بجد خلت عمار متعلق بالصلاة جدًا. ربنا يباركلها. دا غير الأذكار اللي حفظها. أنا بقيت مكسوف من نفسي وهو بيقول لي الحاجات دي كلها. بصراحة يابختك بيها. هو الكمال لله وحده بس هي عندها كل مقومات الزوجة." حاول مروان ضبط أعصابه، لكنه لم يفلح. فصرخ به: "ما خلاص بقى يا طه." توسعت عين طه بصدمة شاعرًا بالإحراج، ثم أجابه: "في إيه؟ متعصب ليه؟
دا أنا قصدي خير. ولا أنت دماغك راحت فين؟ هز مروان رأسه بالنفى: "عارف عارف. بس أنا أعصابي تعبانة شوية." صمت طه قليلًا، ثم قهقه بصخب وهو يقول: "أنتِ خلبوصة. بتغيري." جز مروان على أسنانه، فنهض يلملم أشياءه هاتِفًا: "تصدق إني غلطان. أنا ماشي. وأبقى شيل الشغل انت." *** "سمعت أذان الفجر."
نهضت مسرعة تقف خلف الباب تراقبه كعادتها في الأيام السابقة وهو يصلي. ابتسمت بسعادة عندما رأته يخرج من المرحاض ويمسح وجهه بالمنشفة ويتمتم بالأذكار. أغمضت عيناها وهي تضع يدها على قلبها الذي تتسارع نبضاته. لا تصدق نفسها كيف تنتظر وقت صلاته لتختلس النظر إلى عيناه التي أفقدتها صوابه. لكنه غامض بالنسبة لها. لكنها لا تنكر أيضًا شعورها بالأمان كلما كانت جواره، خصوصًا الأيام الأخيرة. كان يعاملها بلطف. ربما مشاعرها هذه احتياج ليست أكثر. فهو حتى اسمها لا يناديها به. تنفست بعمق، ثم فتحت باب الغرفة وخرجت. ليأتيها صوته الرخيم، محدثًا
إياها بهدوء: "صباح الخير، عاملة إيه؟! أمتعضت ملامحها. نفس السؤال السخيف. كيف حالها؟ كيف سيكون وهي تعيش مع دب العسل؟ تود أن تمد يدها كي تخنقه. عندما لم تجيبه، همس لها: "روان." كانت تتذوق حلاوة اسمها من بين شفتيه. تشعر أنها انقطعت عن الواقع وسحبها لعالم الأحلام هاتِفة: "صباح الخير، الحمدلله."
كان ينظر لإبتسامتها الناعمة مع الضوء الخافت. عبث صدره بسحرها كسحر أغنية قديمة لحنت على العود. احمرت خجلًا ثم تجاوزته تذهب للمرحاض. كالعادة، ترتدي عباءة مخملية ترسم مفاتنها ببراعة. غير عابئة بوجوده أو نظراته. وكالعادة، كان مدخل للشيطان. فابتسم بسخرية. كيف يفكر كالأبلة؟ لابد أنها تفعل كل ذلك لتوقعه في شباكها. بعد أن أنهى صلاته، سمع صوت هاتفه فتوجه ليجيب. ليجده خاله: "عامل أيه يا خال؟ "مالها أمي؟ "طب مسافة السكة."
خرجت من غرفتها وهي ترتدي إسدالها تسأله بفزع: "في إيه؟ مالك؟ "أمي تعبانة. إجهزي هننزل البلد." *** قاسية تلك الذكريات التي نحاول أن نمحيها، وهي تحارب كي تبقى معنا. أشرقت الشمس. وجدت نفسها تقف أمام باب ذلك البيت مرة أخرى. لا تدرى إلى أين تذهب أو ماذا تفعل. كل ما تشعر به غصة كادت تزهق روحه. بعد أن تقدم خطوتين، استدار يرمقها وهي تقف كالتمثال الصخري، فسألها بإستنكار: "واقفة عندك كدا ليه؟ يلا تعالي."
أومأت مقاومة غصتها ثم تحركت خلفه. هزت رأسها بقوة لتطرد تلك الذكرى وكى تمنع نفسها من الإغراق في التفكير. فتح مروان باب البيت ودخل بهدوء. وعيناه دارت بالمكان. فوجد خاله يجلس على أريكة خشبية في مقابل الباب. فاقترب منه مسرعًا يسأله بقلق: "مالها أمي يا خالي؟ "بخير يا بني الحمدلله. سكرها وطى فجأة. جِبنا الدكتور ودلوقتي بقيت أحسن. متقلقش." رمق خاله التي تقف خلفه منكسة رأسها والحزن يملأ عينيها. فابتسم بهدوء قائلاً:
"حمدلله على السلامة يا بنتي." "الله يسلمك يا خالى." تحرك مروان من أمامهم هاتِفًا: "ها أطلع أشوف أمي يا خال. عن إذنك." دقائق من الصمت الحزين قبل أن يقول لها: "تعالي يا بنتي أقعدي، واقفة ليه؟ هزت رأسها بإبتسامة هادئة لا تغادر وجهها طول فترة حديثهما. بعد لحظات، ربما دقائق، كان يهبط مروان من الأعلى هاتِفًا: "لقيتها نايمة، مرضتش أصحيها." "طب كويس. خد مراتك وعرفها طريق أوضتك وريحها من الطريق. ولما تصحى ابقى روح لها."
قلبها كان ينبض كالطبول الإفريقية من لفظه كلمة (مراتك) . أول مرة تستشعر حلاوة الكلمة. بينما هو كان يقف ينظر إلى خاله كعامود إنارة خرساني لا يتحرك. ابتلع ريقه هاتِفًا: "احنا هنسافر تاني أصلًا." "هتسافر تاني وتسيب أمك؟ أكيد محتاجالها. اطلعوا يا بني ريحوا في اوضتك وبعدين يحلها حلال." تنهد مروان وهو ينظر إلى خاله بلوم وعتاب. ثم وجه حديثه إليها: "تعالي معايا."
صخب من المشاعر العاتية تجتاحها. اصطبغ وجهها باللون الأحمر. فتوهج خديهها بالنمش خاصتها. أشاح مروان برأسه بعيدًا يعرض عن اضطراب روحه التي يعبث بها النمش الذي يملأ وجنتها وأنفها. ولجت للغرفة وهو خلفها. كانت توزع نظرها في كل زاوية. حتى تحمحم هو فاستدارت تنظر للأعلى وكأنها لا تستوعب الهيئة الضخمة الواقفة أمامها. أشاحت ببصرها عنه ولازالت تدور بعينيها في الغرفة كأنها تتحاور في دهاليز عقلها. فأجابها هو بصوت عالٍ:
"هنضطر نقعد في أوضة واحدة. هي مسألة يومين. نطمن على أمي وبعدين نمشي." "وليه؟! قطب حاجبيه مستنكرًا: "هو إيه اللي وليه؟! "ليه يومين ونمشي؟ ما تخلينا في البلد." "مش وقته الكلام دا. أنا هنزل تحت أروح أصلي مع خالي." *** بعد مرور ساعتين. خرجت من غرفتها لتذهب لغرفة والدته. فوجدتها تنظر للسقف. فابتسمت بهدوء وتقدمت نحوها هاتِفة: "عاملة إيه دلوقتي؟ "الحمدلله على كل حال. أهى أيام لحد ما أروح للغالي." قاطعتها وهي تربت على يدها:
"ربنا يبارك في عمرك ويخليكِ." دقائق وكان يدخل مروان وخاله وزوجته. وما أن ولج، نهضت واقفة. فاقترب مروان يقبل يدها: "كدا يا ست الكل تقلقيني عليكِ." "حمدلله على السلامة يا حبيبي." رفعت بصرها لزوجة أخيها هاتِفة: "جيتي ليه يا سعيدة؟ أنا عارفة إنك تعبانة وعذرك معاكِ." "هاجي لأغلى منك؟! اقترب زوجها يربت على كتفها هاتفًا: "معنديش أنا أغلى منكم." ابتسمت والدة مروان بوهن هاتِفة: "لأ، كلنا عارفين أن مفيش أغلى منها."
أطرق زوجته رأسها بخجل. التي بدت في عقدها الخامس. كانت روان تراقب ذلك الرجل وهو ينظر لزوجته بكل عشق. رفعت نظرها لمروان. هو لم ينظر لها كما ينظر ذلك الرجل لزوجته. رفع بصره ينظر إليها فتلاقت نظراتهما. لكن سرعان ما أطرقت رأسها بقلب مكلوم. كان خاله يراقبهما. فتنهد قائلًا: "سبحانه يا اختي بيحط الأسباب وبيؤلف بين القلوب في غمضة عين."
استأذنت تفر من أمامه متهدلة الكتفين بحر عينيه مرهق بعذاب أضناه. أما هو، عيناه كانت تراقبها يشعر بالعجز ولا يعلم ماذا يفعل. هز خاله رأسه بأسى. فابن أخته نظراته كالمتلهف الذي ينتظر حبيبته. *** في المساء. "مالك؟ " كانت هذه كلمات مروان وهو يسألها عن حالها. فهي تبدو على عكس طبيعتها في الأيام السابقة. أما هي، كانت تريد أن تصرخ به: لماذا يمقتها؟ يعاملها كالمنبوذة ولم يكمل زواجه بها؟ هل ينتقم لموت أخيه؟ لكن ما ذنبها هي؟
أغمضت عيناها وهي تجيبه بصوت متحشرج: "ماليش، بس قلة نوم." "طب نامي. تحبي أطفى النور؟ أنا هاكون هنا على الكنبة." حاولت كبح دموعها وهزت رأسها في صمت وتوجهت على الفراش وأنكمشت على نفسها. ثم دثرت نفسها بالأغطية. كان يرمقها بقلق. تبدو مريضة. ظل كما هو على جلسته. حاول أن يقاوم نفسه لكنه لم يقدر.
ونهض واقفًا يتحسس جبهتها خوفًا أن تكون حرارتها مرتفعة. ولم يقاوم نفسه ومد يده يتلمس النمش الذي بوجهه. ابتعد كمن لدغته عقربة وهو يتمتم مستغفرًا. هالته الملائكية ستجذبه إلى الفخ كما فعلت مع أخيه. *** مدت روان يدها بالصحن لحماتها. فازاحته هي بقسوة هاتِفة: "انتِ مابتفهميش؟ قولتلك مش عايزة حاجة من خلقتك. ولا ناوية تجيبى أجلى زي ابنى." توسعت عيناها بصدمة هاتِفة: "أنا، أنا؟ طب ليه كدا؟ وأنا مالي؟
"بلا مالي ومش مالي. خدي الأكل دا واطلعي برة، سيبيني في حالي." خرجت من عندها مندفعة وشعرها الطويل متهدل على جذعها وحجابها المهلهل حول رقبتها. وما أن رآها هو، جن جنونه. فسحبها من يدها كالماعز غير عابئ بتعثرها. وما أن ولج، صرخ بها بعصبية: "الهانم ماشية في البيت وفردة شعرها عادي؟ أجابته بحدة وداخلها يحترق: "عادي، هو البيت فيه مين أصلاً غيرك؟ صرخ بها وهو يقبض على معصمها:
"فيه خالى والبيت بابه مش مقفول. ممكن أي حد يدخل. عيال خالى، أي حد ييجي. انتِ عاملة تعرفي ربنا وكله تمثيل في تمثيل." ألم وقهر انتابها من معاملته الجافة. كلماته السامة جعلتها تنفجر. لم تعد تحتمل أكثر. خبطت على صدرها بحرقة ودموعها تسيل على وجهها هاتِفة بمرارة: "بتعمل معايا كدا ليه ها؟! بتعملوا معايا كدا ليه؟! انت اتجوزتني ليه؟! عشان تنتقم لموت أخوك صح؟ كنت موتني وريحتني. أحب أقولك أن دا قضاء وقدر وأنا ماليش ذنب فيه."
فقد سيطرته وانهارت حصونه أمام دموعها. اندفع يكتم شهقاتها بشفتاه ليمنعها من الكلام. أحاطها بذراعه يضمها إليه. مغمض عيناه متنفسًا رائحتها. شدد يده حول جسدها الرقيق. ويد الأخرى أزال حجابها وهو يمرر يده في خصلاتها. تفاجأت من فعلته. لكنها لم تستمر كثيرًا في صدمتها وتجاوبت معه. وبادلته القبلة بوجع. وما أن انتبه على وضعهما، انتفض كالملسوع بعيدًا عنها صارخًا:
"ابعدي عني ابعدي. كنت عارف أنك رخيصة وعايزة توصلي لكدا. ودا كل هدفك." *** "لأ ما أنا مش هسكت بقى. كدا الوقت بيجري مني وهتفضحت." "لكِ الكلمات قالتها الفتاة وهي تحدث ذلك الشاب الذي معاها. ثم تابعت تسأله: "أنت قولتلي أخوه جه البلد؟ "ايوة؟ "يبقى هو الحل في المصيبة دي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!