تضم ركبتيها إلى صدرها، تنتفض بألم والذكرى تجتاحها. وجع ينتشر بروحها وعقلها، طعنة مخزية في كبريائها وأنوثتها. هي بادلته قبلته ونسيت وضعهما الحقيقي. لحظة وما هو وضعهما الحقيقي؟! اغمضت عيناها وهي تكتم شهقاتها، تشعر باشمئزاز من نفسها. شعور الذل والهوان يجتاحها.
انهضت متوجهة للمرحاض. وقفت أمام المرآة تشعر أنها منبوذة. غسلت وجهها بالماء لكنها لم تستطع أن تقاوم انهيارها. جلست في أرضية المرحاض تبكي بكاء مرير، وجع طاحن بقلبها. ضاقت بها الحياة لتشعر أن العالم كله يرفضها، منبوذة. وكأن قدرها أن تبقى روح بلا مأوى. *** يشعر بإختناق بسبب ضعفه وبسبب جرحها. حمله ثقيل. مسح وجهه براحة يديه يشعر بالتعب. فمنذ أن توفى أخيه يشعر أنه في دوامة ولا يعلم متى الخروج؟!
لا يعلم كيف انقض على شفتاها هكذا. دموعها والنمش الذي بوجهها جعله كالسكير. سأله خاله وهو ينظر إلى ملامحه المجهدة: -مالك يا بني؟! كتم أنفاسه بقوة. يا لله هذا الكلام كيف ينطق به؟! ضاقت دنياه بما رحبت. -تعبان يا خال. تلك اللحظة كانت تهبط من الأعلى. شعر بها. رفع عينيه لها فتلاقت عيناه بنظرة زلزلت كيانه. ارتعدت أوصاله بعد أن كانت تجمدت لفترة. وما أن وقفت أمامه وهتفت: -أنا عايزة أروح عند أهلي. سألها مسرعًا بارتباك:
-هتروحي لأهلك ليه؟! ابتسم خاله وهو يهز رأسه ثم تدخل هاتفاً: -وما له يا بنتي تروحي لأهلك وتقعدي معاهم يومين. -لأ. أجابه خاله: -متقلقش، والدتك بقت بخير وهي تقدر تروح يا مروان. اسمع الكلام. روح وصلها وتعالى. وما أن خرجا من باب المنزل سحبها من يدها هاتفاً: -أنا مبحبش حد يلوى إيدي، فاهمة. المفروض كنتِ سألتيني أنا الأول.
نظرة عتاب تبقى أقوى من الكلمات. انطلقت من عيناها لصدره أحرقته بنيرانها. فنظر في عيناها. كانت كورقة ذابلة تهاوت من غصنها. فهمست بتقطع: -طلقني. كل إنسان منا على نفسه بصيرا. يعلم ما يجول فيه. مهما ادعينا العكس، أو أنكرنا المعلوم. جميعًا ضعاف أمام ما تخضع له قلوبنا. نعلم مواضع ضعفنا جيدًا. همس لها: -قدامي على العربية ولما ترجعي نتكلم. ***
كانت طوال الطريق منطوية عنه، تنظر بعينيها للناس التي تسير في الشوارع. تُرى هناك من يعاني مثلها؟ أهي الوحيدة التي تعاني في هذا العالم؟ أغمضت عيناها بحرقة. كان يراقبها وقلبه يرفرف بداخله كالطير المذبوح. وما أن توقفت السيارة هبطت منها مسرعة دون أن تلتفت إليه. يود أن يلحقها، لكن ماذا سيقول لها؟ خبط على المقود عدة مرات ثم انطلق بسيارته يسابق الريح. لا يعلم إلى أين يذهب؟!
قلبه يعتصر لألمها ولشعورها بالخزي. توقف بسيارته ثم استند برأسه للخلف على مقعد السيارة يشعر بثقل على صدره. ثم حزم أمره ونزل من سيارته وطرق الباب الذي أمامه. لحظات وكان يفتح له صديق أخيه المقرب: -مروان، حمدًا لله على سلامة. جيت امتى؟ -من يومين. اسمع يا رامي عايزك في خدمة. كدا بما إنك كنت قريب لريان الله يرحمه أكتر مني. -الله يرحمه. أؤمرني. تنهد مروان ثم حدثه بشيء من الارتباك:
-أنت تعرف عنوان المستشفى اللي كانت شغالة فيها الجماعة. سأله ببلاهة: -جماعة مين؟ -في إيه يا رامي مالك؟ ماتركز معايا. هتكون جماعة مين؟ جماعة مراتي. تحمحم رامي وهو يفرك رأسه ثم أجابه: -الصراحة مش فاكر قوي. بس أنا عارف المكان كدا بالشبه. تخاطيف. بس اديني كدا لحد بالليل وأنا هعرفلك العنوان بالضبط. ربت مروان على كتفه وهو يتحرك قائلاً: -طب متتأخرش عليا. استقل سيارته مرة أخرى متوجهًا للبيت. ***
-يا بت مالك من ساعة ما جيتِ قاعدة كدا. جوزك زعلك ولا حاجة. بس إزاي دا. كل اللي يقابلني يقولي يابختك بجوز بنتك. دا راجل ولا كل الرجالة. ابن حلال وطيب ويعرف ربنا. تلك الكلمات قالتها والدة روان. أما روان لم يكن ردها سوى دمعة، ثم أخرى، تلاها انفجار في البكاء. ضربت أمها صدرها هاتفة بتوجس: -يا بت مالك طمنيني عليكي. إيه العياط والحزن دا كله؟ أنا أمك. فضفضي وطمنيني. أجابتها روان من بين شهقاتها:
-يعني لو قولتلك عايزة أطلق هتقفي معايا وتساعديني. -طلاق!! طلاق إيه بعد الشر. والله دي عين ومسكتك من ساعة ما قولتي يا جواز. بعدين يا بت الراجل ومراته بيحصل بينهم كتير في أول سنة جواز وبعد كدا يولفوا على بعض. وإن كان زعق ولا شخط. اهو الرجالة كلها كدا والله. عين. أنا هقوم أجيب البخور وأبخرك.
ضاقت نظراتها والألم يتضاعف بداخلها. اغمضت عينيها بوجع وهي تسترجع تلك الذكرى. تتذكر أعين الجميع التي تشع غيرة وحسد بسبب زواجها. لا يعلمون كيف يعاملها. تمنت في هذه اللحظة أن تنهي حياتها، وتنحر شريان حياتها وتنتهي. لم تجد لأوجاعها مأوى وضاقت دنياها. استغفرت ربها سريعًا ونهضت مسرعة صوب المرحاض لتتوضأ وتصلي وتتضرع لخالقها. *** في اليوم التالي. وقف وسط الأراضي الزراعية يصرخ في العمال بحدة. حتى جاءه صوت من خلفه: -مروان.
استدار ليجده خاله. مضى نحوه: -عامل إيه يا خال؟ -بالراحة يا مروان مالك طايح في الكل. تنهد وهو يجلس بجانبه: -هما كانوا مش بيشتغلوا أصلاً. ودا اللي خلاني زعقت. جاء أحد العمال واضعًا أمامه القهوة. فتناولها مروان يرتشف منها. فتبدلت ملامحه هاتفًا: -شيلها، شيلها خلاص مش عايز. سأله العامل بحزن: -ليه بس دي رابع مرة أعملها. -البن طعمه مغير غير بتاع إسكندرية. ربت خاله على كتفه متسائلاً: -مراتك رجعت ولا لسه؟
-لسه. هي أصلًا طلبت الطلاق. ابتسم خاله وهو ينظر أمامه قائلاً: -طب يبقى جت منها وكدا تطلق ومهمتك تمت على خير. رمقه بإستنكار هاتفًا: -يعني إيه دا. لسه مكملناش كام شهر لما نتطلق. الناس تقول عليها إيه. -أنت كانت نيتك الستر ليها واهو عملته. وبعد كدا عاشروهن بالمعروف ودا أنت مش عارف تعمله يبقى تشيل نفسك ذنب ليه؟
-أنا هتجنن يا خال. إزاي تفرط في نفسها بالسهولة دي. طب ما ريان كانت نيته جواز ليه تفرط كدا. بقى دا يرضي ربنا اللي بتصلي عشانه ليل نهار. رفع خاله كتفيه بدليل عدم المعرفة هاتفًا: -الله أعلى وأعلم. بس أنت سألتها عن السبب. -لا طبعًا مش هستحمل أعرف حاجة زي كدا. -مش هتستحمل. أجابه بتوتر قائلاً وهو يقول عكس ما بداخله: -آه مش هاستحمل أسمع أن أخويا عمل كدا وهو بقى عند ربنا دلوقتي. مش هاستحمل أسمع الكلام. نهض خاله واقفًا
وهو يقول: -طب يا ابني ربنا بيقبل التوبة. وإذا كانت هي عرفت غلطتها وقررت تصلحه حقها فرصة. والحمد لله أنت عملت معاها كدا. دلوقتي تقدر تفارق مرتاح البال وربنا يجعله في ميزان حسناتك. انصرف خاله. فوضع رأسه بين راحتيه. حاول الابتعاد وأن لا يقع في شباكها. كما حاول التماسك وعدم النظر إليها. كم كان قاسيًا. كان يذكر نفسه أنه كان يريد رضا الله عليه، وستر مسلم. فقط كان يعذب نفسه ويجلدها. لكن هي من راودته بتصرفاتها الهادئة. ***
مر يومان. مر يومان ولم تأتِ. كل هذا الوقت منذ أن تركها أمام بيتها. حتى أنها لم تتحدث بكلمة. بل إحقاقًا للحق قالت إنها لن تعود ثانية. وعليه الإسراع في الطلاق. يقف الآن أمام بيتها يقنع نفسه أنها يجب أن تبقى تحت عيناه دائمًا. هي ليست أهلًا للثقة. فرك وجهه من صراعه الداخلي. حرب ضارية تنشب بداخله الآن. حزم أمره وهبط من السيارة متوجهًا نحو البيت.
بالداخل تجلس أمام الشرفة منكمشة على نفسها. وأمامها فنجان. لا تشرب القهوة وليس مزاجها بها. لكنها أدمنت رائحتها التي ترتبط به. فجأة أتفتح باب الغرفة. وكانت والدتها التي هرولت إليها هاتفة: -قومي يا بت اغسلي وشك كدا وظبطي نفسك. جوزك برا. -جوزي مين؟ -مروان يا منيلة. هو انتِ متجوزة غيره. شعرت بانتفاضة في قلبها ثم همست بألم: -جاي ليه. أنا مش عاوزاه. أنا عايزة أطلق. انقضت عليها والدتها تكمم فمها هاتفة:
-اخرسي، اخرسي يابت. بقى الراجل جاي وعايز ياخدك معاه. وبيقول إنه سابك على راحتك. بس كفاية كدا. بطلي عبط. قومي كدا ظبطي نفسك. ويحاولت السيطرة على دموعها دون جدوى هاتفة: -بقولك مش مرتاحة معاه ولازم أطلق منه. -دا كل البنات كانوا بيحسدوكي. بطلي هبل واستعيذي من الشيطان كدا. *** دقائق وكانت تقف امامه. مسحت دموعها تخشى الضعف أمامه. وضعفها هنا يعني خزى. تخشى النظر لعينيه. تخشى أن تخسر كبرياءها. عليها أن تكون أكثر حزم وقوة.
همست: -عايز إيه؟! وجاي من غير المأذون ليه؟! كانت عينيه تحدق بها بعمق عينيها الحزينتين. كانت تسرد ألف قصة وجع وقهر. مضى نحوها ثم مال هامسًا بنبرة رجولية خشنة: -هنروح البيت وهنتكلم هناك براحتنا. بدأ قلبها في النبض بجنون عندما مال هو عليها. رفعت عينيها ترمقه بنيران. فابتعد هاتفًا: -يلا بينا. ***
ذهبت معه في السيارة مرة ثانية، عاجزة عن الاختيار. الشعور بالخذلان والعجز كالعلقم يدمر كل شيء بداخلك. ظلت صامتة طول الطريق حتى وصلت وهبطت من السيارة تسبقه إلى الداخل. فأوقفها قائلًا: -روان. لم يكن فقط ينطق اسمها لكنه كان يشكو عذابه. نظرت لعينيه في صمت فتابع: -عايز أشرب فنجان قهوة. هزت رأسها وأولته ظهرها هاتفة: -ها أقول لحد في المطبخ يعملها. -لأ لأ. استدارت ترمقه بإستنكار فأردف بشيء من التوسل:
-لأ اعمليها انتِ. عندي صداع دماغي هتنفجر. محتاج فنجان مظبوط. كانت تتفحصه. شعره الأسود، رموشه الكثيفة، ملامحه الحادة وطوله المديد يتنافى مع نبرته الطفولية. حتماً سيصيبها بالجنون. هزت رأسها ثم توجهت للمطبخ. قبل أن تبدل ثيابها أعدتها ووضعتها أمامه. تناولها وهو يمرر الفنجان أمام أنفه ليستنشق رائحته في أنفه هامسًا: -تسلم إيديكِ. *** في المساء. -دا عنوان المستشفى يا مروان.
قبض مروان على ورقة بيده وهو يحاول ضبط أنفاسه هاتفًا: -تعبتك يا رامي. -ولا تعب ولا حاجة. بس خير. ربت على كتفه هاتفًا: -خير. *** ولج مروان للمشفى التي كانت تعمل بها روان ليسأل عن أخلاقها. لعله يجد بعض الكلمات التي تريح قلبه. وجد أحد الرجال يجلس في استعلامات المشفى. فاقترب يسأله بتوتر: -لو سمحت هو في ممرضة هنا كان أسمها روان. قطب الرجل حاجبيه ثم أجابه: -والله يا ابني في هنا كتير. أنا مباخدش بالي. غمغم مروان قائلاً:
-هي بتلبس خمار كدا ووشها فيه نمش. -آه عرفتها. خير عايز إيه؟ -معلش كنت حابب أسأل عن أخلاقها يعني. هز الرجل رأسه بأسف هاتفًا: -ربنا يستر على ولايانا. أنا مبحبش أجيب سيرة حد. تسارعت أنفاس مروان وجف حلقه وهو يسأله: -يعني إيه؟ -يعني اللي فهمته بالظبط. ولو سمحت بقي أنا عندي شغل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!