قالت روان جملتها الاعتراضية وهي تخلع خمارها وترميه أرضًا. صرخ بها والدها قائلًا: -ومين طلب رأيك أصلًا؟ أنتِ حقك تحمدي ربنا إن حد بص لك أصلًا بعد السمعة اللي هتطلع عليكِ. غصة مريرة في حلقها، قلبها يحترق، تشعر بالذل والهوان. -سمعة إيه؟! بعدين مين قال لك إني عايزة أتجوز؟ أنا بصرف على نفسي ومش محتاجة لحد. -أنتِ ما حدش مالي عينيك؟ هتذلينا على الكام قرش اللي بتجبيهم؟ وبعدين مش كانت حجتك تاني عيل طايش وبيشرب؟
دا بقى حتى السيجارة مش بيشربها وبيصلي الفرض بفرضه. اعملي حسابك كتب الكتاب الجمعة الجاية. اتسعت عيناها وشهقت بصدمة قائلة: -هو غصب؟ ما كفاية المرة اللي فاتت. لو أصريت أنا هرب صدقني. انقض عليها يقبض على خصلات شعرها ويجذبها بعنف قائلًا: -تهربي وتجيبي لي العار؟ دا أنا أموتك وأخلص منك. تدخلت والدتها تفلت خصلات شعرها من يد والدها قائلة: -خلاص أبعد أنت وأنا هاتكلم معاها. روح شوف كنت رايح فين. انصرف وهو يتمتم. فاقتربت
والدتها قائلة بعتاب: -كده يا روان؟ دا كلام يتقال برضه وتجيبي لنا العار، وتوقفي حال إخواتك؟ والله دي عين وصابتنا، ربنا يهديكِ. دا عريس ميتعيب. تتطلع إليها في صمت دون أن تنطق، وكأنها تسألها أين مشاعر الأبوة. ردت عليها كمتهم يائس من الحياة باكتاف متهدلة وظهر منحني: -ماشي، وذنبى في رقبتكم لو حصل لي أي حاجة. حتى لو محصلش أنا ذنبي في رقبتكم. *** بعد أسبوع.
تنهد بثقل. ذلك المشهد لا يغادر عقله، لا يتوقف في صحوته ونومته. موت أخيه بين ذراعيه يعذبه. هو يفعل كل ذلك أملًا في خالقه ليتقبل توبة أخيه. فرك فروة رأسه، لكنه ابتسم بهدوء عندما قابل رفيق أخيه. رفيق عمره، فحدثه قائلًا: -عامل إيه يا رامي؟ -بخير. من ساعتها وأنا مش مصدق ومش عايش. ابتلع غصة بحلقه والدموع زادت حرقة، هاتفًا:
-الله يرحمه يا رامي. مش هاوصيك على أمي يا رامي. أنا لازم أنزل إسكندرية عشان شغلي، وأنت بس هتخلي بالك من أمي لو تعبت. تقولي وهى في واحدة بتيجي تساعدها في البيت. خيم الحزن عليه قائلًا: -بتوصيني على مين؟ دي أمي يا مروان. أنت هتكتب الكتاب دلوقتي؟ هز رأسه بالإيجاب: -مستني خالي هيجيب المأذون وهنكتب على طول ونطلع. -وصلوا يا مروان.
أوفى الداخل يجلس المأذون بين مروان وأبيها. تحدث عن أهمية الزواج، وكيفية إقامة علاقة صالحة ومراعاة الزوجة، وبعض النصائح. رفعت روان نظرها نحوه، وجدته يبتسم بسخرية. انتفضت من داخلها رياح عاتية تنتزع ثباتها. شرع المأذون في مراسم عقد القرآن. وبالأخير وضع الدفتر أمامها. تضرعت لله في سرها. ثم أمسكت بالقلم ونقشت حروف اسمها في الرقعة البيضاء. دقائق وكان المأذون يقول: -بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
أغمضت عيناها. فهل مصيرها سيكون الزواج ثم الإنجاب فقط من شخص لا يرغبها ولا هي تريده، كحال الكثير من الزيجات؟ وقف في الخارج ينتظرها ليأخذها معه شقته بالإسكندرية. اقترب منه خاله وهو يمسك مسبحته الخشبية، ثم نظر للأرض قائلًا: -أنت مشيت في طريق بإختيارك. أوعى ثم أوعى تعمل خير يتقلب عليك شر. قطب حاجبيه وهو ينظر إليه. فتابع خاله وهو يرفع بصره إليه:
-طبعًا أي كلمة هتقولها غلط أو تحاول تكسرها. الثواب كله ضاع، ومش بس كدا لأ، هتشيل ذنب. خد بالك. *** شعرت فجأة بكفه التي سحبتها. تجمدت كأنها لوح خشب. سارت خلفه بصمت حتى وصلت لسيارته. وفتح لها باب السيارة لتجلس، ثم أغلق الباب خلفها. بعد مرور نصف ساعة، كان مروان يضغط أكثر على دواسة الوقود مضاعفًا سرعته لدرجة خطرة، غير عابئ بالمخالفات التي سجلها. تحكم في المقود بإحدى قبضتيه وكفه الأخرى يفرك مقدمة رأسه.
أما هي، غمامة سوداء غشت عقلها طوال الطريق. تفكر في مصيرها المجهول. لم تفق من غمامتها سوى أمام المبنى الذي به شقته. صعدت. وما أن فُتح الباب، صدمت من هيئة الشقة. غير نظيفة، تحوي تراب كثيف وشبكة عنكبوت وبقايا طعام فوق الأثاث. منظرها مقزز. وملابس مبعثرة في كل مكان. رفعت يدها تضعها على أنفها. رائحة كريهة تملأ المكان. ظلت تتطلع له تارة وللشقة تارة أخرى. ثم همست بذهول: -إيه القرف اللي أنت جايبنا فيه ده؟
رمقها بإستنكار. هل يثير منظر الشقة نفورها وإشمئزازها؟ ولم يثر إشمئزازها ما فعلته مع أخيه قبل عقد القرآن؟ أجابها بخشونة: -الشقة كانت مقفولة.
تركها وغادر الشقة دون أن يعطيها أي اهتمام. أما هي، بحثت في الغرف عن غرفة لتنام بها. ثم حملت حقيبتها معها وأغلقت الباب خلفها. وأخرجت بعض الملابس المريحة وبدأت بتغييرها. ثم غطت شعرها واضطجعت على الفراش. تدثرت بكل الألحفة والبطانيات المفروشة تناشد الدفء. فهذه الشقة المقززة وهذه الغرفة النائية. تشعر بالضعف. خناجر من الألم تنغرز في جوفها، تشعر بالعجز. حاولت أن تغمض عينيها ولو دقيقة واحدة. عقلها سيجن من كثرة التفكير. وبالفعل غفت ولم تشعر بنفسها.
*** -ما قولتلك يا طه أمي هي اللي أصرت عليّ. تلك الجملة قالها مروان لصديقه طه الذي أجابه مستنكرًا: -يعني اتجوزت اللي كانت هتكون مرات أخوك عشان أمك أصرت؟ طب ما طول عمرها بتصر إنك تتجوز. أفف بضجر قائلًا: -ما خلاص يا طه. هو حوار اتزفت واتنيلت وخلاص. إيه أخبار الشغل؟
-اللهم لا شماتة بس أنا شمتان إنك اتهببت واتنيلت. بالنسبة للشغل متقلقش. طول الفترة اللي فاتت تمام ونزلت معايا مها الشغل كله عشان مصلحة الشغل. يعني ورايا في البيت وفي الشغل. تثاءب ثم ارتشف آخر رشفة من قهوته قائلًا: -والله مها مظلومة معاك أنت وابنك. المهم هاروح أنام وأجيلك بكرة. سلام. تمتم طه بامتعاض: -أديك اتنيلت زي ما بتقول. كلها كام شهر وهتصدق كلامي. ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه، ثم نهض منصرفًا في صمت. ***
ثلاثة أيام مرت. ثلاث أيام بلياليها حبيسة غرفتها لا تغادرها إلا بعد أن يطرق هو الباب هاتفًا لها بأنه أحضر طعامًا في الخارج ووضعه على الطاولة. كانت تنظر أن ينصرف لتخرج وتأخذ الطعام وتدخل غرفتها ثانية. لم يصدر منها أي رد فعل، فقط متعبة، كارهة للحياة.
نهضت من على الفراش محاولة استجماع قوتها ولتتخلص من ضعفها. هي وافقت على الزواج وانتهى الأمر، وعليها تقبل حياتها الجديدة. جلبت هاتفها وشرعت في تشغيل القرآن عليه. وبدأت في تنظيف الشقة. جذبت الستائر المتسخة لتضعها في الغسالة. استغرقت اليوم بأكمله في تنظيف الشقة. عانت كثيرًا. ثم اتجهت للمرحاض لتنظف نفسها هي الأخرى. وما أن انتهت، توجهت إلى خالقها كي تصلي العشاء. ودعت الله كثيرًا ورجته أن يزيح ثقلها ويريح قلبها.
قبل دقائق، دلف مروان للشقة. واحتلت الدهشة ملامح وجهه وهو يرى الشقة نظيفة ورائحتها فل وياسمين. اقترب من غرفة المعيشة وجدها تصلي. وقف يراقبها. أنهت صلاتها واستدارت، ووجدته أمامها واقفًا. يتبادلان نظرات. وكل ما يرواده أن ملامحها البريئة المشعة هي التي غوت أخيه كي يقع في الخطأ. أبعد نظره عنها وهو يتمتم مستغفرًا. ثم حدثها وهو يوليها ظهره: -الأكل عندك بره. وعندما لم يضف أي كلمة أخرى، سألته بتوتر بالغ: -أنت مش هتتعشى؟
-لأ، كلي أنتِ. ابتعلت ريقها بإحراج قائلة مسرعة: -طب مافيش داعي. أنا بعمل أكل، يعني ممكن أطبخ. بس لو في طلبات. كان يستمع وهو موليها ظهره، هز رأسه ومضى في طريقه. ***
ممددة على الفراش. طريقته تضربها بقسوة. هزت رأسها بقهر. كيف تلومه وهي لم تستطع أن تنقذ نفسها من هذه الزيجة. لم يغمض لها جفن. ظلت شاردة في السقف حتى سمعت أذان الفجر. فاستقامت لتصلي واتجهت للحمام لتتوضأ. لكنه فاجأها وهو يخرج من الحمام ويتمتم بالأذكار. إذ أن الأضواء كانت خافتة بعض الشيء. حدق بها بعينيه حادتين. لكن ظلمة الغرفة لم تتيح له الفرصة لتتمعن في ملامحها. فسألها: -رايحة فين؟ -هاصلي؟ ضحك بسخرية وهو يقول: -تصلي؟
سبحان الله! -ليه يعني؟ أنا طول عمري ببقى سهرانة وبصلي الفجر. أجابها بمغزى: -طبعًا مش ممرضة وتبقى سهرانة برا البيت. حاولت أن تدقق في ملامحه لتدرك مغزى حديثه. لكنه تجاوزها مسرعًا. وقفت مكانها وانفاسها تضيق. *** في صباح اليوم التالي. خرجت من غرفتها. وجدت على الطاولة جميع أغراض البقالة، ومختلف أنواع الفاكهة. نفخت بنفاذ صبر وحملت الأكياس وتقدمت نحو المطبخ ترص المشتريات في الثلاجة. وأسرعت في تحضير الطعام بكل همة.
في المساء. وضعت العشاء على الطاولة وقامت بتغطية الطعام. وكانت تنتظر عودته خلف باب غرفتها. وما أن التقطت صوت أقدامه، سمعت أيضًا باب غرفته يغلق. خرجت على أطراف أصابعها. وجدت الطعام كما هو. شعرت بجرح غائر بكرامتها من تجاهله لها.
يوم تلو يوم، بدأت حالتها النفسية تسوء أكثر. شعرت أنها حبيسة في هذه الشقة. فهو يقفل الأبواب عليها. غضب عارم. هي ليست جارية. ظلت تنتظره فوق الأريكة. مرت ساعة والأخرى وهي تنتظره. وبالأخير رأته يدخل من الباب. رمقها بإستغراب. لكنه لم يعقب. ألقى السلام فقط ومر إلى غرفته. لكنها أوقفنه بصوتها العالي قائلة: -أنت استنى هنا. انقبض فكه وقبض على أصابعه حتى ابيضت مفاصل يدها. استدار وهو يسألها من بين أسنانه: -أنتِ بتكلميني أنا كده؟
حدقت به بشراسة ثم أجابته بسخرية: -هو في حد هنا غيرك؟ -أنتِ اتجننتِ. وقفت أمام وجهه الغاضب تصرخ به: -ممكن أفهم أنت حابسني هنا ليه؟ هو أنا في سجن؟ بتقفل عليا ومنعني من النزول ليه؟ ممكن أفهم؟ نظر لها بنظرات مشتعلة ثم أجابها بشراسة قائلًا: -لأني مش بثق في واحدة زيك. صدمت من كلماته ولم تتوقع ردة هذا. فصرخت بجنون: -واحدة زى أنا؟ واحدة زى أنا؟ أنت اتجننت؟
أنا يتحلف بأخلاقي. وأكبر دليل جريكم أنت وأخوك الصايع ورايا. ولأني عارفة تربيتكم أنا اللي كنت برفض. انقض عليه يلوي ذراعها خلف ظهرها قاصدًا أن يؤلمها. هاتفًا بعصبية مفرطة: -أخويا الله يرحمه. اياكِ تجيبي سيرته على لسانك. فاهمة؟ فاااهمة. أما بالنسبة إني اتجوزتك فأنا عشان أستر عليكِ. تأوهت بألم وهي تسأله: -تسترى عليا أنا؟ صدره يعلو ويهبط من فرط الغضب وسرعة أنفاسها أجبرته على قول ذلك. فدفعها بحدة قائلًا:
-أمي قالت محدش هيقبل بيكِ في البلد. اتجوزك وأستر عليكِ. بس يكون في علمك أنا مش زي أخويا. وأي غلط مش مسموح. وتقعدي هنا وأنتِ حافظة لسانك. دفعه بحدة لترتمي على الأريكة خلفها. أصبحت كشظايا البلور المكسور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!