الفصل 44 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
25
كلمة
927
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

ركضت الهِرَّة ميمي بين الحقول المخضرة، وأشعة الأصيل تصبغ القرية بلون محمر شاحب، ونسمة ريح توشوش أعواد الذرة الحُملي بأكواز يابسة. وعلى سطح النهر حتى الضفة الأخرى يسري لون فضي تخترقه

فلوكة صياد يغني بموال: "من صغر سني وأنا شعري شاب". ومرت على فلاح متعرق يجلس على مؤخرته واضعًا يده خلف رأسه، وزوجته تقرب منه صحن جبن أبيض. وكانت تمر من خلال قناية الماء برشاقة وتقفز فوق حوائل الفحاير كمُهرة سباق. قطعت المسافة كلها بنفس واحد حتى وصلت المنزل النائي، تسلقت الجدار وقفزت من خلال الكوة المتعلقة بالسقف الواطي داخل الدار الذي كان خاليًا ولا أثر لأي حياة فيه. مسحت ميمي البيت كله ثم خرجت لتقف تحت شجرة الصفصاف الكبيرة ولعقت الماء الجاري الساقع، وظلت هناك حتى غابت الشمس ولم تظهر المرأة. وكانت ميمي تفكر في كيمو واكا وكيف ستكون نظرته نحوها عندما تعود خائبة في أول مهمة أوكلت إليها.

وشردت نحو الحقول بأسى وظلام الليل يطبق بمخالبه السوداء حتى سمعت: "الله أكبر". كانت المرأة أمام المنزل تصلي مستقبلة الكعبة، وفي وجهها بريق سطع فوق ذرات الظلال. كيف ظهرت فجأة؟ سألت ميمي نفسها. وكانت المرأة تقرأ القرآن بصوت طرب وقور فيه شجن حزين، وميمي تراقبها برهبة وأمل. أنهت المرأة صلاتها وجلست بعد أن مسحت وجهها بيديها. فقالت: اقتربي يا ميمي!

وتعجبت الهِرة، كيف تستطيع المرأة محادثتها بلغتها. مشت ميمي بخجل واستقرت بين يدي المرأة التي ربتت على جسدها. ميمي: أنتِ تعرفين لغتي؟ المرأة: كله بأمر الله يا ميمي. وقالت ميمي: أنا واقعة في ورطة، لست أنا وحدي، لكن كيمو واكا معي. ابتسمت المرأة. فقالت: كيمو واكا؟ وما العلاقة التي تربط كيمو واكا بهرة جميلة مثلك؟ قالت ميمي بخجل: أنتِ تعرفين كيمو واكا، لذلك أرسلني لطلب مساعدتك.

المرأة: ربنا اللي بيساعد الكل، احنا مجرد أسباب يا ميمي. روت ميمي للمرأة ما حدث داخل القصر وكيف أن كيمو واكا متأكد أن صاحب القصر حي، وأن الرصاصة انحرفت عن مسارها بزاوية قطرها 7 من 221 درجة، هكذا يقول كيمو واكا، إنه يشعر به في داخله. ابتسمت المرأة، نظرت نحو السماء، كان القمر لم يظهر بعد. فقالت: سنتحرك بعد قليل. قالت ميمي بخجل: هل يمكنني أن أسبقك؟ كيمو واكا مجروح ويحتاج من يعتني به. لا مانع، قالت المرأة.

انطلقت ميمي تركض وهي لا تزال تفكر كيف هذه المرأة تفهم لغتها وتتحدث معها. لما وصلت ميمي وجدت كيمو واكا قاعد على الأرض يلعق جرحه. وحلت ليلة أخرى على ديلا، في مكان آخر لا تعرفه، ترى خدمًا وحشمًا وتسمع كلامًا، تأكل وتشرب بلا عناية وتنام عندما يطلب منها. وكان محسن الهنداوي يفكر كيف أن هذه المرأة فقدت روحها، وهل يستطيع الحب أن يفعل ذلك؟ أن يجعلنا جسدًا بلا روح؟ وكيف بإمكانه أن يجعل المياه تسيل مرة أخرى داخل ديلا.

كان يظنها نزوة، يرغب بدهسها وينتهي الأمر، فلماذا يشعر أن يفقد شيئًا ما؟ وكان يتخيل ديلا تضحك وتتفاعل مثل أي أنثى أو حتى ترفض وترغب بالهرب. وتخلى للحظة عن طبيعته السادية وشعر بالشفقة عليها، فصعد درجات السلم حيث غرفة ديلا فوجدها جالسة فوق السرير شاردة بعيدًا عن الفيلا وناسها. جلس محسن الهنداوي جوار ديلا ووضع نظره فوق خدها. وتمنى أن يرى هذا الوجه يضحك وتتراقص غمازتيه، فلمس شعرها ببطء وسألها: ما بكِ؟

رفعت ديلا عيونها ورأى الهنداوي صورته داخلها، عيون واسعة تتلألأ بالدموع. وكان داخل ديلا عذاب وجمر يحرقها لكن كلماتها محبوسة داخلها. لمس محسن الهنداوي الجسد المرتعش. وقال: لتعرفي أنني لن آخذك غصب، سأفعل ما بوسعي لأعيد الفرحة لكِ مرة أخرى. أعرف أنكِ تسمعين وتفهمين ما أعني، وأقسم لكِ أن لا ألمسكِ مرة أخرى دون رغبتكِ. وأمر الخادمة أن تعتني بديلا وأن تعتبرها سيدة الفيلا وتنفذ طلباتها وأوامرها.

وأحضر طبيبًا لمعاينتها وتعجب الطبيب من حالة ديلا واستبعد أن تكون صدمة نفسية، ومارس كل خبرته وطرقه دون فائدة، الشيء الذي كان يقبض على روح ديلا لا يعرفه الطبيب وكتب لها مهدئات أعصاب ومضادات اكتئاب ورحل وهو يضرب أخماسًا في أسداس فهو لم يرَ حالة مماثلة من قبل. لما الليل انتصف وصلت المرأة عند المقابر وكان كيمو واكا في انتظارها، وكان مع المرأة معول فتحت به المقبرة.

ثم نزلت داخل القبر ولمست جسد آدم الفهرجي ووجدت الحياة لا زالت تدب داخله، أخرجت المرأة جسد آدم من المقبرة وكان كيمو واكا يفكر كيف ينقل آدم لمكان آخر. لكنه دهشته انمحت عندما صهلت باكي راكضة بين الحقول. عندما امتلأت حديقة القصر بالفلاحين زعرت المهْرة باكي، قطعت مربطها وهربت داخل الحقول وظلت شاردة حتى قابلت المرأة. كان جسد آدم ممددًا على الأرض عندما وضعت المرأة عشبة داخل بلعومه.

ثم كافحت حتى تمكنت من رفعه فوق الحصان، وكان كيمو واكا يشاهد بذهول وهو يفكر أن هذه المرأة غير عادية. وأنها تختلف تمامًا عن الشيء الذي شعر به أمام الشجرة داخل القصر. اعتلَت المرأة العجوز الحصان وآدم أمامها ولكزت المهْرة نحو منزلها. كيمو واكا: ميمي؟ كيمو واكا يشعر بالجوع، هل تعتقدي أن هناك طعام متبقي في ثلاجة القصر؟ ميمي: بقى ده وقته يا كيمو واكا، خلينا نروح نشوف الست هتعمل إيه؟

كيمو واكا: المرأة لا تحتاجنا الآن، تريد أن تكون بمفردها، كيمو واكا يعرف ذلك، سنذهب عندها بالغد. رافقت ميمي كيمو واكا نحو القصر وكان الحديث يدور بينهم عن المرأة وكيف أنها تعرف كيمو واكا، ولماذا كيمو واكا لا يعرفها؟ أنزلت المرأة آدم على الأرض وأدخلته منزلها ومددته على الحصير، وأشعلت الحطب داخل الكانون ووضعت داخله سكينًا، ثم عرت جسده بالكامل ما عدا شيء يستر عورته.

وعاينت الرصاصة التي جاورت قلب آدم، ثم الطلقة التي في رأسه، والنفس البطيء الذي يخرج من صدره، وكان جوارها حقيبة طبية داخلها مطهر ومشارط ومقصات ومعقم طبي. نظفت الجرح ثم أخرجت الرصاصة الأولى، قطبت الجرح وأخرجت قنينة فيها دهان وضعته على الجرح.

وكانت المشكلة في الرصاصة التي اخترقت الرأس وسكنت بين العظم، وتذكرت كلام ميمي أن كيمو واكا متأكد أن الطلقة انحرفت عن مسارها فأطلقت ابتسامة هادئة، دافئة مطمئنة. أنهت المرأة معالجة جروح آدم وأشربته الزعتر والبرينوف لمساعدة قلبه. وكانت تعرف المرأة أن جسد آدم يحتاج أيامًا طويلة للتعافي وأنه علاجه تأخر جدًا حتى أن جروحه تعفنت وتباطأ نبض قلبه لأدنى حد، ثم ابتسمت المرأة باطمئنان وهمست: كيمو واكا حي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...